

بينما يلتقي قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع، فإنهم يواجهون مشكلة أن العالم أصبح أكثر تشابكاً من أي وقت مضى في تاريخ العلاقات الدولية منذ القرن الخامس عشر. ولكنه، في الوقت نفسه، أصبح أكثر تفتتاً وتوزعاً واستقطاباً في موازين القوى. فالاقتصادات الدولية متشابكة بعمق، والتكنولوجيا تربط مليارات البشر عبر الحدود، بينما تنتقل رؤوس الأموال والسلع والبيانات والأفكار بسرعات لا يمكن تصورها، على نحو مختلف تماماً عما كانت عليه عندما تأسست الأمم المتحدة في عام 1945. وقد وصلت التجارة العالمية إلى مستوى قياسي بلغ 35 تريليون دولار في العام الماضي، وأصبح 6 مليارات نسمة، أي ما يقرب من ثلاثة أرباع البشرية، متصلين بالإنترنت.
ومع ذلك، تتحرك الجغرافيا السياسية في اتجاه معاكس. فقد شهد عام 2025 صراعات مسلحة في 35 دولة، لم تكن مستقلة كلياً عن فعل القوى العظمى، وهو أكبر عدد مسجل منذ عام 1946، في حين ارتفع الإنفاق العسكري العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 3 تريليونات دولار. والقانون الدولي يتعرض لضغوط، فيما تعود لغة مناطق النفوذ وسياسات القوة إلى الظهور. فيحاول النظام الدولي أن يبقى متماسكاً مع احتمال تغيّر تراتبية القوى الدولية فيه، ومحاولة الصين حجز موقع لها على رأس هذا النظام، فيما تحاول الولايات المتحدة الأميركية تثبيت دعائم سيطرتها على العالم لتبقى القوة العظمى التي تمسك بعصب الاقتصاد العالمي، وتبني لنفسها قوة عسكرية وسياسية وتكنولوجية. كما تُستخدم الروابط الاقتصادية وممرات النفط والغاز بشكل متزايد كأدوات للضغط والإكراه، بينما يتزايد عدم المساواة، سواء داخل البلدان أو فيما بينها.
لذلك، ما يعيشه العالم اليوم ليس نظاماً دولياً جديداً، بل مرحلة انتقالية نحو هذا العالم الموعود. ويمكن التساؤل عن طبيعة هذا النظام، وعما إذا كان النظام المتعدد الأطراف قد فشل، وهل سيبقى النظام أحادي القطب، وما إذا كانت الحروب الجارية تشكل مجرد حوادث طارئة في التاريخ. وهذا النقد مفهوم جزئياً من زاوية وجهات النظر المتباينة مع الولايات المتحدة الأميركية. فالنظام المتعدد الأطراف الذي يفشل في عكس حقائق اليوم لن يصمد أمام اختبارات تكثفت في السنوات الأخيرة، في ظل الضغوط على النظام الدولي من بعض القوى الكبرى والوسطية التي تعتقد أنها قادرة على إضعاف المعايير القائمة وإعادة تشكيلها لصالحها. فبرزت مظاهر من عدم التوافق الدولي تنتقد الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، والعمل خارج إطار الحوكمة القانونية في تنظيم التجارة والتكنولوجيا وحتى تدفقات الهجرة، التي يتم استخدامها بشكل متزايد كأسلحة لخدمة مصالح شعبوية وجيوسياسية خاصة، فيما يختار كثير من قادة العالم الصمت بدلاً من الدفاع عن القانون الدولي.
يتعرض النظام الدولي لزعزعة شديدة عندما يتعلق الأمر بالمعايير. لكن الحاجة إلى التعاون متعدد الأطراف لا تزال حية للغاية، لإعادة مناطق النفوذ إلى إطار قواعد مشتركة، واستعادة توازنات الوئام والاستقرار والسلام الدوليين. فالمنطق الأساسي الذي يبرر التعاون المتعدد الأطراف أصبح أكثر وضوحاً، ويحتاج إلى أدوات تنسيق عالمي تعزز الدولة المركزية القوية، والالتزام بالحد الأدنى من حدود السيادة، وإعادة تفعيل البنية المعمارية متعددة الأطراف. لكن التعددية ليست مثالية مجردة، بل واقعاً يومياً يمسّ مواطني العالم، في توازن جديد بين النظام والفوضى والقوة القائمة على الإكراه.
إن حالة الطوارئ المناخية تتجاوز حتى أكثر التوقعات إثارة للقلق. والذكاء الاصطناعي، أو “الذكاء المتفوق” في تعريف الرئيس الأميركي، يتقدم بسرعة تفوق القدرة على السيطرة عليه. ويمكن للأوبئة أن تنتشر عبر القارات في غضون أسابيع، ويمكن للصدمات المالية أن تعطل أسواقاً بأكملها في غضون ساعات. كما يمكن للنزاعات المسلحة أن تزعزع استقرار مناطق بأكملها وتجبر الملايين على الفرار من ديارهم وتعرّضهم للجوع في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. ويمكن لنقاط الاختناق البحرية العالمية، مثل مضيق هرمز أو باب المندب، أن تتعرض للعرقلة بسبب الصراعات مع إيران، مما يؤدي إلى شلل سلاسل التوريد حول العالم.
مع ذلك، لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تدير هذه التحديات بمفردها. لذا، فإن التعاون ليس عملاً من أعمال المثالية، بل هو ضرورة عملية. والسؤال ليس ما إذا كانت التعددية قادرة على البقاء، بل كيف يجب أن تتطور لتلبية وقائع حاضرة تحتاج إلى شركاء من مختلف المناطق والتقاليد السياسية، وإلى تحالفات من أجل الإصلاح. ويهدف ذلك إلى تعزيز التعاون بين المنظمات الإقليمية، والالتزام بالمبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وهي مبادئ غير قابلة للتفاوض، مثل المساواة في السيادة، والسلامة الإقليمية، والتسوية السلمية للنزاعات، وحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، واحترام القانون الدولي الإنساني، والتنمية المستدامة، وحقوق الإنسان، والحريات الأساسية.
لقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخراً إن “القوى العظمى تكتشف حدودها”. ويجب على المجتمع الدولي أن يعيد اكتشاف الإمكانات الاستثنائية للعمل الجماعي، وهو ما برز أيضاً في بيان مشترك من رئيس البرازيل، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيس كينيا، ورئيس وزراء كندا. ويشعر هؤلاء بخيبة أمل تجاه الزعيم الصيني شي جين بينغ، الذي فشل في ممارسة الضغوط اللازمة على نظيره الأميركي من أجل السلام، رغم أن بلاده تتمتع بنفوذ اقتصادي فريد.
وهناك تفسير ساخر لتردد الصين في السعي لتحقيق السلام. ووفقاً لهذه النظرة المتشائمة، يستمتع قادة الحزب الشيوعي بمشهد تعثر أميركا وقواها العسكرية في مستنقع الشرق الأوسط. ونظراً إلى مدى كره قادة الحزب الصيني لكل من العقوبات وتغيير الأنظمة، فإنهم يشعرون بالارتياح لرؤية إيران تواصل الصمود. ومن خلال خفض وارداتها، يمكن للصين التمسك بسياستها المتمثلة في تجنب الاعتماد المفرط على أي مورد واحد، بما في ذلك الشركاء الجيوسياسيون المقربون مثل روسيا.
مع ذلك، ثمة عامل جديد دخل على خط المواجهة أو الوساطة، بل كخط تماس جديد أيضاً، ويتمثل في تزايد المخاوف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي. وتواجه محادثات القوى العظمى في واشنطن وفي قمة العشرين تحديات جسيمة. فإذا تمكن الزعيمان الأميركي والصيني من التوصل إلى اتفاق بشأن الذكاء الاصطناعي ضمن مفاوضات التجارة وقضايا أخرى، فقد يكون ذلك مدخلاً لتحقيق اختراق ما، تعززه بيانات متوازية تؤكد مجدداً توافقهما النووي وتعلن عن مخاوف مشتركة بشأن الذكاء الاصطناعي الذي يخرج عن السيطرة، أو استخدامه في الإرهاب البيولوجي والاحتيال الإلكتروني.
في المقابل، يجب على القوى الوسطية أن تعمل معاً حتى لا تظهر في قائمة طعام الذين يتصرفون وفقاً لإرادتهم، وأن تنتهج سياسات خارجية تقوم على القيم، كما هي الحال لدى دول الاتحاد الأوروبي وكندا، وتطالب بطرق بحرية مفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم لآليات حل النزاعات.
لكن هذه الصيغة لم تعد تعمل. فالمؤسسات المتعددة الأطراف التي اعتمدت عليها القوى الوسطية، بما في ذلك منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة ومؤتمرات الأطراف والمحكمة الجنائية الدولية، والتي تشكل هيكل الحل الجماعي للتحديات، قد أُضعفت بشكل كبير. وهكذا، تتعزز لدى الدول الاستنتاجات بأن عليها تعزيز استقلالها الاستراتيجي في مجالات الطاقة والغذاء والمعادن الحيوية والتمويل وسلاسل التوريد. وتنطوي إدارة المخاطر الكلاسيكية هذه على تكلفة، لكن من الممكن تقاسم الاستثمارات المتعلقة باعتماد معايير مشتركة تقلل من التجزئة.
والسؤال بالنسبة إلى القوى الوسطية ليس ما إذا كان يجب التكيف مع هذا الواقع الجديد، بل كيف يتم هذا التكيف: هل يأتي عن طريق بناء جدران أعلى في مواجهة الذين يعيدون اكتشاف مكيافيلي وهوبس وهيوم وكلاوزفيتز، ويحولون المجتمع الدولي إلى حالة من السباق نحو القوة من دون اعتبار للمبادئ الأخلاقية والمثالية؟
وفي ما يشبه عودة نيكولاس سبيكمان، تبرز مجدداً فكرة الحاجة الطبيعية إلى السيطرة على الشرق الأوسط وطرق المواصلات والاتصالات والنقاط الاستراتيجية، فيما تبحث كل دولة، بطريقة أو بأخرى، عن توسيع نطاقها الإقليمي، وتعود إلى الكفاح من أجل القوة.
لذلك، يجب أن تعطي القوى الوسطية الأولوية لحوار واسع النطاق، في سياق يتسم فيه النظام العالمي بالتعددية، للمساهمة في تغيير الظروف الأوسع.