Logotipo da Levant Time

تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟
Por
جاد الاخوي
Publicado
سبتمبر 4, 2026 - 15:00

لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.

عقوبة الإعدام والتباس الجغرافيا السياسية في الموت
Por
يقظان التقي
Publicado
سبتمبر 2, 2026 - 11:34

يخطو لبنان خطوة مهمة باتجاه صون حق الفرد في الحياة بإلغاء عقوبة الإعدام، في وقت تعيش المنطقة على أخبار الحرب والموت والدمار، واقعاً يبدو كأنه إعدام جماعي للإنسان. وإلغاء عقوبة الإعدام ليس مجرد تعديل قانوني أو إجراء تشريعي، إنه فعل حقوقي يضع الحق في الحياة في مرتبة أعلى من حق الدولة في العقاب، وينتصر للفرد في مواجهة سلطة الموت. ومن هذه الزاوية، فإن التحاق لبنان بهذا المسار يكتسب دلالة تتجاوز النص القانوني نفسه في تعزيز حماية الشخص. فيصبح إلغاء الإعدام اعترافاً بأن الدولة لا ينبغي أن تكون قاتلاً باسم القانون، في حين أن الحروب والصراعات والانهيارات السياسية والاجتماعية تجعل الموت ممارسة يومية خارج القانون وداخله. هنا تبرز قيمة الخطوة اللبنانية، بعد وقف فعلي لتنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2004، وفي منطقة نادراً ما تُحترم فيها حقوق الإنسان. وقد وصف وزير العدل اللبناني عادل نصار إلغاء العقوبة بأنه «رسالة جوهرية لصالح الحقوق الأساسية». ومن بين دول جامعة الدول العربية، ألغت جيبوتي عقوبة الإعدام من قانون عقوباتها في عام 1995، لكنها تقع في القرن الأفريقي. أما في الشرق الأوسط، فقد ألغت إسرائيل عقوبة الإعدام للجرائم العادية عام 1954، مع الإبقاء عليها في عدد من الجرائم الاستثنائية، من بينها الخيانة في زمن الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد الشعب اليهودي. وفي مارس/ آذار الماضي، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على مرتكبي بعض جرائم القتل المصنفة إرهابية من سكان الضفة الغربية، باستثناء المواطنين الإسرائيليين والمقيمين في إسرائيل، مع إمكان استبدالها بالسجن المؤبد في ظروف خاصة يحددها القضاء العسكري. وقد رعاه اليمين المتطرف، بعد أن أعادت حرب ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 الزخم السياسي إلى الدعوات لتوسيع استخدام عقوبة الإعدام. وبهذا يصبح تطبيقه عملياً موجهاً بصورة أساسية إلى الفلسطينيين الخاضعين للمحاكم العسكرية. وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية والإسرائيلية هذا التوجه باعتباره يكرس نظام عدالة من طبقتين. إنها ليست فلسفة الانتصار لحقوق الإنسان فقط، بل تأكيد على أن حياة الإنسان لا تفقد قيمتها بسبب الجريمة، ولا بسبب انتمائه، ولا بسبب موقعه السياسي أو الطائفي أو الجغرافي والإثني. وفي منطقة يُختزل فيها الإنسان كثيراً إلى رقم في حصيلة الضحايا بالآلاف، يصبح الدفاع عن حق الفرد في الحياة موقفاً سياسياً بامتياز. لكن المفارقة أن إلغاء عقوبة الإعدام يأتي في بيئة إقليمية يُمارس فيها الموت على نطاق واسع، بحيث يبدو الانتقال من الإعدام الفردي الذي تنفذه الدولة بحكم قضائي إلى الإعدام الجماعي الذي تنتجه الحروب والعنف أحد أكثر التناقضات تعبيراً عن أزمة الشرق الأوسط العنيف. لذلك، لا ينبغي النظر إلى إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره نهاية النقاش، بل بداية لسؤال أكبر: كيف يمكن تحويل الحق في الحياة من مبدأ قانوني يحمي الفرد أمام الدولة إلى قيمة سياسية وأخلاقية تحمي الإنسان أمام الحرب والعنف والاستبداد وانهيار الدولة؟ إنها حالة التباس الجغرافيا السياسية في الموت. في سوريا، صدرت أحكام إعدام غيابية على الرئيس السابق بشار الأسد، بتهمة القتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، من بين تهم أخرى مرتبطة بالحرب التي شنها على شعبه طوال ما يقارب أربعة عشر عاماً. ومعه، صدرت أحكام بحق أركان من نظامه المتورطين في القتل الجماعي والتهجير وتعذيب المساجين، في سياق انتقال سياسي شديد الالتباس، حيث يختلط مفهوم العدالة بمقتضيات الانتقام السياسي وتصفية الحسابات. وفي إسرائيل، يأخذ الموت شكلاً آخر، إذ يُمارَس العنف في سياقات توصف بالإرهاب، ويتحول قتل الإنسان الفلسطيني إلى أداة في الصراع الوجودي والأمني. هذا يجعل الفكرة أكثر تركيباً، فالموت والإعدام يأخذان أشكالاً مختلفة، أي إن الموت نفسه يتحول إلى أداة سياسية. لكن الإنسان يبقى في النهاية هو الحلقة الأضعف. فبينما يتقدم لبنان باتجاه إلغاء العقوبة، تجري حوله وعلى أرضه عمليات قتل وإعدام وتفجيرات خارج منطق سيادة الدولة والقانون، أو تحت عناوين سياسية وأمنية مختلفة، في حين أن المبدأ الحضاري يفترض أن لا أحد يملك هذا الحق بصورة مطلقة. لكن ماذا تعني العدالة في زمن الحرب والاضطرابات؟ وأي نوع من المساءلة يمكن تحقيقه حقاً بينما لا تزال الجرائم والتسويات السياسية والمالية مستمرة؟ مع ذلك، يفتح إلغاء العقوبة آفاقاً جديدة للعدالة. ويمكن للبنان الآن أن يجدد طلب تسليم إيغور غريتشوشكين، وهو مواطن روسي قبرصي كان مشغّلاً لسفينة «روسوس» التي نقلت نترات الأمونيوم المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020. وكانت محكمة بلغارية قد رفضت طلب تسليمه بعدما اعتبرت أن الضمانات اللبنانية بعدم تعريضه لعقوبة الإعدام غير كافية. ومع إلغاء العقوبة، زال أحد أبرز العوائق القانونية أمام تجديد طلب التسليم. وعلى أمل أن تكون مثالاً إقليمياً، يدرس لبنان أيضاً ما إذا كان سيرفض تسليم مسؤولين من النظام السابق إلى سوريا للمحاكمة أمام محاكم لا تزال تصدر أحكاماً بالإعدام، إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً مع حجم التدخلات الخارجية. من هنا، لا يعود إلغاء عقوبة الإعدام مجرد مسألة جزائية، بل يصبح موقفاً منطقياً في مواجهة ثقافة سياسية تجعل الموت وسيلة لإعادة إنتاج السلطة أو تصفية الخصوم. فالفرق بين الإعدام والعنف السياسي ليس دائماً في النتيجة، بل في الجهة التي تمنح نفسها الشرعية لارتكابه. يُلغى الإعدام في القانون، بينما يعيش في جغرافيا سياسية يُمارَس فيها بأشكال أخرى. فإلغاء الإعدام فعل ديمقراطي وقانوني من حيث المبدأ، ويندرج أيضاً في باب الرحمة في غالبية الديانات السماوية. لكنه لم يعد كافياً لكي نسمّيه وحده فعلاً ديمقراطياً، ولا يُقاس فقط بما تفعله الدولة داخل قاعة البرلمان أو المحكمة التي تستبدل الحكم بالمؤبد، بل بقدرتها على حماية الحياة خارجها أيضاً. ثم إن الديمقراطية ليست فقط أن تمنع الدولة إعدام فرد بحكم قضائي، بل أن تؤسس شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية تجعل حياة الإنسان مصونة في الواقع من الحرب والفقر والمجاعة والانفجار والانهيار والنزوح. لذلك لم يعد التحدي محصوراً في إلغاء الإعدام، وإنما في إلغاء الشروط التي تجعل الموت عادياً، متكرراً، ومقبولاً كأنه جزء طبيعي من الحياة السياسية. في نزاعات القرن الأفريقي، وفي حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفي الإعدامات الجماعية أو المتزايدة في إيران، تتسع المسافة بين الحق القانوني في الحياة وبين واقع الإنسان. وهنا تتكشف أزمة الدولة نفسها. وما قيمة الاعتراف بحق الإنسان في الحياة إذا كانت السياسة عاجزة عن حمايته من كل أشكال القتل السياسي والحربي والاجتماعي والاقتصادي؟ لم يعد الموت استثناءً في هذه الجغرافيا. إنه حاضر في الحرب، والإرهاب، والمجاعة، والفقر، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، في مجتمعات مفتوحة قابلة للاستباحة. وهنا، يصبح الدفاع عن الحياة أكثر من دفاع عن حق قانوني، يصبح دفاعاً عن إمكانية أن يعيش الإنسان حياة عادية، بلا حرب، بلا خوف، بلا جوع، وبلا انتظار دائم للموت حين يغادر بلده هرباً، فيجد نفسه أمام البحر، والحدود، ومراكز الاحتجاز، والسجون، أو الشرائط الشائكة التي تتحرك معه من عاصمة إلى أخرى. ومن هنا تصبح الهجرة نفسها جزءاً من السؤال الديمقراطي. فالإنسان الذي يغادر بلده بحثاً عن الحياة يفترض أن يدخل فضاءً أكثر أمناً، لكنه قد يجد نفسه في نظام من الحدود المغلقة، والاحتجاز، والترحيل، والاستغلال. يصبح حق الإنسان في الحياة معلقاً بين دولتين، دولة دفعته إلى الرحيل، ودولة لا تريد استقباله. لم يعد الموت استثناءً. إنه الحرب والإعدام والإرهاب والمجاعة والفقر والانهيار، والحرائق والفيضانات. حتى الذين يهربون من الموت لا يخرجون بالضرورة من جغرافيته. قد ينتقلون من حرب إلى بحر، ومن بحر إلى حدود، ومن حدود إلى مركز احتجاز، ومن مركز احتجاز إلى سجن آخر، كما في حالات نقل سجناء إسلاميين متشددين من ألمانيا جواً إلى السجون السورية حيث تعرضوا للتعذيب. وكأن السجون لم تعد دائماً أماكن ثابتة؛ أصبحت مسارات متحركة، تتبدل فيها الجغرافيا ولا تتبدل حالة الإنسان. ولذلك لم تعد القضية مجرد إلغاء عقوبة الإعدام. القضية هي استعادة الحياة الطبيعية نفسها، أن يستطيع الإنسان أن يعيش، وأن يتحرك، وأن يعبر الحدود، وأن يختلف، وأن يحتج وينتفض، من دون أن يتحول كل ذلك إلى طريق محتمل للموت.

بين اليابان ولبنان: مفارقة النهوض من ركام الهزيمة وفخ الانهيار المستمر

تأثرت كثيراً عندما شاهدت مسلسل انتاركتيكا على نتفليكس، وتساءلت هل يمكننا في لبنان ان نقوم بما يشبه ما حصل في اليابان عام 1950، أم ان وضعنا ميؤوس منه! يدور المسلسل حول النموذج الذي شكلته تجربة البعثة اليابانية إلى القطب الجنوبي في الخمسينيات، للدلالة على كيفية تحويل مشروع علمي - تقني إلى رافعة لإعادة بناء الشعور الوطني في سياق ما بعد الاحتلال والهزيمة. فاليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية لم تكتفِ بإعادة إعمار بنيتها المادية، بل سعت إلى إعادة إنتاج سرديتها الجماعية وصورتها في العالم، من خلال نقل مركز الشرعية من المجال العسكري إلى المجال العلمي- المدني. وقد لعبت هذه البعثة دوراً رمزياً في هذا التحول، إذ قُدِّمت بوصفها دليلاً على قدرة الأمة اليابانية على النهوض والانخراط مجدداً في المجتمع الدولي عبر أدوات سلمية. اللافت في هذه التجربة، ان إطلاق هذه البعثة لم يكن مجرد قرار إداري أو علمي، بل كان فعلاً سياسياً - رمزياً بامتياز، جرى تأطيره عبر خطاب عام يربط بين التقدم العلمي واستعادة الكرامة الوطنية. وقد لعبت المؤسسات التربوية والإعلامية دوراً محورياً في هذا المسار، من خلال حملات تعبئة عاطفية وتربوية، قامت بتبسيط المشروع وتقديمه بوصفه مغامرة إنسانية جماعية، قادرة على استقطاب مختلف الفئات الاجتماعية، من أجل تأمين التمويل اللازم للرحلة في ظل ضعف إمكانيات الدولة. هنا تحديداً يبرز الدور اللافت في تعبئة الأطفال، حيث جرى تحويل عناصر من البيئة القطبية، مثل البطاريق وكلاب الزلاجات (الهاسكي)، إلى وسائط عاطفية وتربوية تُقرّب المشروع من المخيال اليومي، وتُنتج علاقة وجدانية بين الفرد والبعثة. لم يكن هذا الاستخدام الرمزي للحيوانات تفصيلاً هامشياً، بل شكّل آلية فعالة لتحويل مشروع معقّد إلى قصة قابلة للفهم والتماهي، خصوصاً لدى الأجيال الناشئة. بهذا المعنى، لم تكن التبرعات الشعبية مجرد مورد مالي فقط، بل كانت آلية لإنتاج الشعور بالانتماء، حيث ساهم فعل التبرع ذاته في ترسيخ شعور المشاركة في إنجاز وطني جامع. وهذا يحيلنا الى ما يسميه بندكت أندرسون "الجماعات المتخيلة"، حيث تتشكل الأمة عبر سرديات مشتركة تمنح الأفراد إحساساً بالانتماء إلى كيان يتجاوز خبراتهم الفردية. كما تندرج ضمن ما أشار إليه إريك هوبزباوم حول "اختراع التقاليد"، إذ يجرى بناء طقوس وممارسات تساهم بمنح الشرعية لنمط جديد من الوطنية. فالدولة – الأمة، بحسب أكسيل هينيث، لا تبنى فقط بالقوانين والدساتير الجافة (التي يفقد لبنان وظيفتها وفاعليتها بسبب الفساد)، بل تبنى وفق ما يسميه "الحياة الأخلاقية المشتركة". وهذه الحياة لا تتحقق إلا عندما يتشارك المواطنون في "ممارسات وتقاليد حية ومشاريع مشتركة" تمنحهم شعوراً بالتضامن والاعتراف المتبادل، ما يجعلهم يشعرون بأن حريتهم الفردية مرتبطة بحرية الآخرين، وبنجاح المجموع. وهذا تماماً ما يفتقده لبنان اليوم في ظل غياب أي مشروع جامع يعيد صياغة الهوية الوطنية بعيداً عن زواريب الطوائف والفساد. غير أن نجاح التجربة في اليابان لم يكن نتيجة الخطاب وحده، بل استند إلى شروط بنيوية محددة. أول هذه الشروط هو وجود دولة متماسكة قادرة، رغم الهزيمة، على التخطيط والتنفيذ وضبط الموارد. ثانيها، وجود نخب سياسية وإدارية تدرك ضرورة الانتقال من القومية عسكرية إلى شرعية مدنية - علمية، وتسعى إلى ترسيخ هذا التحول عبر مشاريع ملموسة. أما الشرط الثالث، وربما الأهم، فهو مستوى الثقة العامة في المؤسسات، بما يسمح للمواطنين بالاعتقاد أن مساهماتهم، المادية أو الرمزية، ستُوظَّف فعلياً في خدمة الصالح العام. وفي غياب هذا العنصر الأخير، تفقد أي محاولة للتعبئة الشعبية معناها، وتتحول إلى مجرد إجراء شكلي. عندما فكرت بحملة مماثلة نقوم بها في لبنان لجمع التبرعات، من أجل مساعدة الجنوبيين وإعادة الاعمار ومنع الثنائي الطائفي الشيعي من استغلال المناسبة، يتبين واقع مختلف جذرياً عما هو في اليابان. فالواقع اللبناني الحالي يبرز بوصفه نقيضاً بنيوياً لتلك الحالة. فالدولة، بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً، تتحول إلى ساحة تنازع بين قوى طائفية وشبكات زبائنية، ما يعيق القدرة على إطلاق أي مشروع وطني جامع. كما أن انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسات يقوّض مسبقاً أي إمكانية لتعبئة مالية شعبية، إذ يُنظر إلى الموارد العامة بوصفها عرضة للنهب أو التوظيف الفئوي. يضاف إلى ذلك تعدد السرديات المتعارضة حول معنى الكيان ذاته، بين منطق "المقاومة" ومنطق "السيادة"، وبين انتماءات إقليمية ودولية متضاربة. الأمر الذي يمنع تشكيل " سردية مشتركة" يمكن الاستناد إليها في عملية تعبئة جماعية. في هذا السياق، تتحول آليات إعادة الإعمار والمساعدات إلى أدوات لإعادة إنتاج الولاءات السياسية، كما يظهر في هيمنة مؤسسات ذات طابع زبائني على توزيع الموارد، ما يعزز التبعية بدلاً من بناء مواطنة متساوية. من هنا، فإن هذه المقارنة لا تهدف إلى استنساخ النموذج الياباني، بقدر ما تكشف عن الشرط المفقود في الحالة اللبنانية: غياب الإطار الرمزي والمؤسساتي الذي يحول الفعل الاقتصادي إلى فعل انتماء. فالمشكلة لا تكمن فقط في شح الموارد، بل في العجز عن إنتاج معنى جماعي يجعل الأفراد راغبين في المساهمة الطوعية في مشروع يتجاوز انقساماتهم. وعليه، فإن أي محاولة لإطلاق مبادرات تمويلية لإعادة الإعمار في لبنان تبقى محدودة الأثر ما لم تقترن بإعادة بناء الثقة، وصياغة سردية وطنية جامعة، وإرساء آليات شفافة تفك الارتباط بين الموارد والزبائنية. باختصار: تحرير الدولة من محتلّيها. دون ذلك، يبقى الفارق بين التجربتين تعبيراً عن اختلاف عميق في بنية الدولة، وطبيعة النخب، وشروط إنتاج المعنى الوطني.

في مواجهة العقوبات الأميركية، تلجأ إيران إلى التصعيد الإقليمي

يُغذّي تصاعد التوترات في لبنان وغزة والبحر الأحمر ومضيق هرمز المخاوفَ من سيناريو سبق أن لجأت إليه إيران وحلفاؤها: سيناريو الاستفزازات العسكرية المتصاعدة تدريجياً لمواجهة «يوم الحساب» الاقتصادي الأمريكي. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يستعد لـ«اشتعال محتمل على جبهات متعددة»، وذلك عشية سلسلة من الأعياد اليهودية التي تبدأ في الحادي عشر من سبتمبر. إذا كانت إيران تتحاشى استفزاز إسرائيل خشية ردٍّ قد يكلّفها ثمناً باهظاً، فإنها لن تتردد في المقابل في تحريض حلفائها على إثارة المتاعب، إن ازداد الخناق الاقتصادي الأمريكي عليها. غير أن هذا لا يبدو قد حدث بعد، إذ أعلن باكستان، الخميس، على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيته طاهر أندرابي، أن إسلام آباد «غير مُلزَمة بالامتثال للعقوبات الأمريكية الأحادية الجانب المفروضة على إيران، ما لم تكن صادرة عن الأمم المتحدة». يعني ذلك عملياً أن باكستان تعتزم مواصلة تبادلاتها التجارية مع طهران، على الرغم من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمعاقبة الدول التي تحافظ على أي شكل من أشكال العلاقات مع الجمهورية الإسلامية. ووفقاً للمتحدث الباكستاني، ترى إسلام آباد أن العقوبات الأمريكية «لا تتوافق مع القانون الدولي، وأن الخلافات (الأمريكية الإيرانية) يجب أن تُحسم عبر الحوار». بيد أن المتحدث يتجاهل الإشارة إلى أن هذا «الحوار» المزعوم يمتد لأكثر من عشرين عاماً، تحديداً منذ عام 2006، حين أمر مجلس الأمن الأممي الجمهوريةَ الإسلامية بوقف تخصيب اليورانيوم. وعلى مدى ثلاث سنوات متتالية منذ عام 2006، أصدر مجلس الأمن حزماً متصاعدة من العقوبات ضد إيران بسبب رفضها الامتثال للمطالب الأممية… ويبقى موقف إسلام آباد أول موقف رسمي تُعلنه دولة في مواجهة «يوم الحساب» الاقتصادي الذي أعلنه الرئيس ترامب الاثنين ضد إيران. توترٌ متصاعد على أرض الواقع، ارتفع منسوب التوتر درجةً على كل الجبهات تقريباً. في غزة، كادت قضية الطائرات الورقية والبالونات والطائرات المسيّرة المُطلقة نحو الأراضي الإسرائيلية أن تتحول إلى أزمة مفتوحة، وقد حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس حركةَ حماس من تصعيد الضربات إن لم تتوقف هذه الإطلاقات. في البحر الأحمر، تعرّض موقعان استراتيجيان يُتيحان الوصول إلى مضيق باب المندب الحيوي، هما ميناء المخا وبلدة الخوخة على الساحل الغربي اليمني، لضربات حوثية عنيفة، ولا تزال تشهد معارك ضارية بين الجماعة الموالية لإيران والجيش اليمني النظامي. وفي مضيق هرمز، لا تزال السفن المبحرة في الممرات التي تؤمّنها الولايات المتحدة تتعرض للهجمات. في لبنان، لقيت امرأة حتفها وأُصيب ستة آخرون بينهم طفلة صغيرة، في غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عربساليم في قضاء النبطية، وذلك بعد ساعات من شنّ حزب الله هجوماً بطائرات مسيّرة مفخّخة ضد القوات الإسرائيلية المتمركزة في منطقة تلة علي طاهر الاستراتيجية في القضاء ذاته. وتصاعدت حدة القصف والغارات يوم الخميس على قرى عديدة في جنوب لبنان. ويزيد التصعيد إثارةً للقلق كون العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تقتصر على المنطقة المعروفة بـ«منطقة الأمن». وقد أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير رفع مستوى التأهب في صفوف قواته، مستعرضاً خططاً عملياتية «على كل الجبهات من إيران إلى لبنان وصولاً إلى غزة»، في مواجهة خطر «اشتعال متعدد الجبهات». محاولات وساطة، لكن… يُعدّ هذا الوضع مؤشراً على فشل محاولات الوساطة التي استُؤنفت بين طهران وواشنطن حتى الآن. فبعد رئيس هيئة الأركان الباكستانية المشير سيد عاصم منير، ووزير الخارجية العُماني السيد بدر البوسعيدي، اللذين استقبلتهما طهران على التوالي يومَي الاثنين والثلاثاء، جاء دور الدوحة للمحاولة في إعادة تحريك الدبلوماسية. توجّه رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يوم الخميس إلى إيران، حيث أجرى محادثتين منفصلتين مع الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. هل نشهد مجدداً سباقاً محموماً بين الدبلوماسية والخيار العسكري؟ تجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير لا يزال الخيار الأخير بالنسبة لواشنطن وفق ما يؤكده المسؤولون الأمريكيون، غير أن الحسابات بالنسبة لإيران أكثر تعقيداً في ظل الضغوط المتصاعدة داخلياً، إذ تجد نفسها أمام خيارين: إما الرضوخ للعقوبات أو تصعيد الضغط على الأرض. وهنا تكمن الأهمية البالغة للبنان، ويبرز دور حزب الله بوصفه ورقةً حساسة، في حين يواصل الدولة تأجيل ملف نزع سلاح هذه الميليشيا الموالية لإيران إلى أجلٍ غير مسمى. وقد تطرّق الرئيس عون بصورة غير مباشرة يوم الخميس إلى التجاذب (اللفظي) مع هذه الجماعة، متحدثاً عن «صراع داخلي» بين «من يسعون إلى تعزيز مؤسسات الدولة ومن يستفيدون من ضعفها»، دون أن يُشير إلى خارطة طريق محتملة لحلّ هذا الصراع. تواصل بيروت رهانها على المحادثات المباشرة مع إسرائيل، التي من المقرر استئنافها في سبتمبر المقبل في روما، وفق ما أعلنه وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، دون تحديد تاريخ بعينه. لفهم جوهر المشكلة في لبنان، لا بد من متابعة تصريحات السفير الأمريكي لدى لبنان مايكل عيسى، الذي شدد مجدداً يوم الخميس على أولوية نزع سلاح الحزب الموالي لإيران، مسلطاً الضوء على الأبعاد الإقليمية لهذه القضية. وقال السفير الأمريكي إن «على حزب الله تسليم أسلحته، وينبغي أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلطة». «أما الضمانات، فتقتضي أن تكون السيادة حكراً على الدولة، وأن تكون مسؤولية الدفاع بيدها هي أيضاً». «ومتى امتلكت الدولة زمام السلطة، وبسطت سيطرتها على المؤسسات، وأقامت علاقاتها مع الدول الأخرى، أمكنها دائماً الاستعانة بها للحصول على الدعم» الذي قد تحتاجه، وذلك ما صرّح به الدبلوماسي الأمريكي عقب لقائه بشيخ عقل الدروز سامي أبو المنى. بيد أن تحقيق ذلك يستلزم انفصال حزب الله عن إيران، وهو أمرٌ ليس بالهيّن، كما أقرّ الدبلوماسي. وأضاف: «حتى اللحظة، لا يريد حزب الله التحدث لا مع الدولة ولا معنا ولا مع إسرائيل، لأنه لا يفعل شيئاً سوى تلقّي الأوامر من إيران».

العالم بين السوبرمان والسبايدرمان
Por
يقظان التقي
Publicado
أغسطس 22, 2026 - 19:36

معروف عن السوبرمان أنه الرجل الفولاذي، الذي يرتدي ملابس ضيقة وعباءة حمراء وزرقاء، يأخذ الأمور على محمل الجدّ، ويحمل على عاتقه كشرطي مسؤوليته إنقاذ العالم. هذا هو رجل المخرج ديفيد كورينسويت بنسخته الحديثة في هوليوود، يوقف الأشرار، يتدخل لإنقاذ أرواح الناس من الحروب والحرائق والغرق. ويتفرّع عن هذا الفيلم الأميركي مشهد سوبرمان آخر، يتدخل في شؤون العالم من دون أن يتوقف، أو أن يفكر في عواقب التدخل في نزاعات الدول الأخرى. قد تبدو هذه المقاربة الجيوسياسية غير مناسبة مع قيم الأبطال الخارقين. لكن هذا ما يوحي به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حركاته الباهرة لإعادة تشكيل العالم بموحى مجازي لشخصية الشرير أستر، التي يعرفها مخرج الفيلم في “MAGA”، من دون أن يسميها في شخصية رجل الأعمال أو آخرين (ليكس لاثر)، أي نسخة أميركا الجديدة في عالم شرير ورأسمال جشع، صورة عن رجال الأعمال المتغطرسين، مثل غوردون جيكو في فيلم “وول ستريت”. تم ابتكار شخصية سوبرمان قبل 87 عاماً ليقاتل أرباب العمل المستقلين والنازيين في الحرب العالمية الثانية، وليقف في الخمسينيات إلى جانب الأميركيين في الحرب الباردة، وكل نسخة منه كانت تعكس التهديدات والهموم التي تسيطر على الأميركيين. فيما يقفز سوبرمان الممثل الآن لمساعدة كل ما يكرهه ترامب، مهاجرًا من طبيعة فقيرة، ويعتبر أن من يعترض على هذه الصورة هو عنصري في الحديث عن المهاجرين و”رغبتهم في تدمير أميركا”. كل سوبرمان كان رمزاً للتغيير، حيث يحتاج العالم لمن ينقذه في صوره المحتدمة التي تعكس عصر رأسمالية الدولة في بيئتها الضخمة، نسخة أكثر أميركية تذكر العالم، بما يمكن أن يكون عليه في أسوأ حالاته مع أكثر أبطال أميركا حيوية، وما يعكس إغراءات وتناقضات الزمن المفرط في البحث الأميركي عن معنى الدولة العظمى. في الواقع، يقدم ترامب نفسه نسخة تناص مع النص الأصلي، لكنه يثير أشكالاً من العمل السياسي بعيداً عن القالب الكلاسيكي، حيث يعيد إلى المسرح الدولي مثالاً عن حقبة رأسمالية الدولة، واستغلال الموارد العالمية، وسياسة القوة في النزاعات الجيوسياسية في انعكاسات معاصرة للمشهد السياسي الذي يمثله بذلك الحلف الذي عقده فوست مع الشيطان. في الوقت الذي لا يتنازل فيه عن الترف والجانب الترفيهي في استخدام فنون العرض البصرية الرمزية لإضافة التغيير لعمله السياسي، كشخصية مزيج من التطلعات للسيطرة والهيمنة مع كل الانحرافات السياسية والاجتماعية حين يفجر قضية الهجرة في العالم، ويحيي النزاعات الاجتماعية والقومية العنصرية. وهو يتلاعب بكل شيء بالقواعد الدولية والأعراف الدبلوماسية، ولا يعرف حدوداً لصفقاته ونفوذه في فرض التعريفات الجمركية والتلاعب بها. ولا يتوقف في جرأته من عدم الاعتراف بأزمة الطاقة العالمية في حرب “مضيق هرمز” ومخاطر التغيير المناخي، رغم الحرائق الضخمة والأعاصير والفيضانات التي تجتاح العالم. وتماماً، كما يتخيل كاتب الرعب، كان النظام في طهران أضعف من أي وقت مضى في تاريخه البالغ 47 عاماً قبل شن الحرب الأميركية - الإسرائيلية في 28 شباط / فبراير 2026، يكاد أن يسقط دون حرب من خلال الرهان على ديناميات تفكك التوازنات الداخلية، وتظهير نزاعات بين فئات وقوى محلية. فيحالف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحظ، في فنزويلا، وهو الذي كان يسخر من رؤى المحافظين الجدد لتغيير الأنظمة وبناء المجتمعات الديموقراطية، لاسيما حين يقول “كل ما أريده هو الحرية للشعب الإيراني”. فيعلن الحرب للقضاء على التهديد النووي والانتصار على الفوضى الإقليمية، التي يتسبب بها المتشددون، ويعد بتحرر الإيرانيين أخيراً من النظام الثيوقراطي. لكن تجربة سوبرمان عالمي، ليست كلاسيكية في الطموح الجامح الحديث للمعجبين من جماهير الإنترنت، التي لديها الرغبة في التأثير دون المخاوف من السقوط في الفوضى السياسية والمالية، حول العالم، وهو يحاول إعادة توزيع الثروات بشكل يفتقر إلى منظور العدالة والمساواة في مناخ نظام اقتصادي دولي تحتكره شركات الغافا الكبرى، ولا يرى إلى الأبعاد الجيوسياسية الأخرى من فقر وبطالة وجوع يصيب الملايين من أطفال العالم جراء حروبه بالشكل الكافي. هو يعرف كيف يفرض رسوماً، يجبر القادة والرؤساء في العالم على دعم أجندته والرقص معه، يفرض عقوبات ويعرف متى يتراجع بعد أن يتحرك في مواقع الصراع. فيعلن نفسه الرجل المستحق لجائزة نوبل للسلام، يمنح نفسه القدرة على إطفاء الحرائق والحروب، من دون التحقق من بوادر وقفها حين يقدم نفسه محيطاً بشؤون الحرب وفرض السلام بالقوة. والنتيجة، أزمة تعيد تشكيل الشرق الأوسط بطرق من المرجح أن تكون لها تداعيات طويلة الأمد على واشنطن، بينما يتكيف القادة الإقليميون في المنطقة مع واقع جديد بدل الخضوع المحض، على اعتبار أن ما هو موجود الآن أفضل من اللاشيء وسط شكوك حول موثوقية الولايات المتحدة، والشك بأن إسرائيل قوة مزعزعة للاستقرار، في وقت سوبرمان الوهمي يطلب من الأميركيين والعالم مكافآته في السعي لخوض الانتخابات الرئاسية لفترة مقبلة. بالمقابل، يثير هذا الكم من القلق والانقسام ديناميات متقلبة في العالم تعمق الأزمات، ولا يمكن أن تعطى الثقة لشخص واحد يقود العالم حين يتحرك بصفقة شاملة لا تمثل حقيقيًا ثلثي المعمورة، وهو لا يتوقف عن الكلام والتسلية، ولا يتوقف عن مخاصمة الآخرين. يهاجم الجهود الدولية المبذولة في الأمم المتحدة ويحكم سلباً على رجالات مؤسساتها القانونية. ويقوم بعمل جيد بصياغة شروط المحادثات وخطاباته ولقاءاته وسفرياته لاحتواء الآخرين، باستثناء المخلصين الرقميين من ممارسي “ما بعد السخرية” من المجتمعات الأخرى. فيمنح السوبرمان الأميركي لنفسه كل هذه الثقة قبل أن يستحقها. ذلك أن أوضاع العالم ما زالت متصلة بصعوبات الأنظمة السياسية وبظاهرة غير ديمقراطية استباقية تطبق مفاهيمها على الرأسمالية والتكنولوجيا، التي تضعف مؤسسات الدولة وتعطلها. كل ما يفعله المدافعون عن الواقعية السياسية هو الخضوع الذي يلحق الضرر بالعالم الحقيقي، خصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الدولية نفسها والمعاهدات الدولية القائمة. يقع العالم في فخ الفكرة القائلة، بأن النتائج تتحقق عبر صفقات شخصية وارتجالية، بدلاً من النظام المتعدد الأطراف القائم على قواعد بينيّة ثابتة ومستقرة. وهنا وجه الخطورة، أن تفقد الإنسانية رأسها السياسي، وتحاصر الدول في سياساتها الداخلية لصالح نظام إقطاعي جديد يحكم العالم في فلسفة رجعية معادية للديمقراطية بتأثير الآراء السياسية لمستثمري التكنولوجيا بما في ذلك بيتر ثيل وإيلون ماسك، ما يساعد في تشكيل الثقافة الحالية في وادي السيلكون والبيت الأبيض، بدل الدفاع عن التعددية والديمقراطية. وإذا اعتقد الناس أن الحكومات يجب أن تدار من قبل الشركات التكنو-رأسمالية أو الذكاء الاصطناعي، أو أن المجتمع الإنساني يعمل بالتفرد. فإن هذه المفاهيم تصبح حقيقية مع انعكاسات الفشل في الاستراتيجيات المعلنة، وهي ليست بحاجة لتحركات خصوم أميركا ضدها. هذا في حال نجح سوبرمان (غير الذي كنا نعرفه بشكل أقل)، مع ميول ترامب نحو الجانب الأكثر ظلمة في الحروب، وكل ما يتبع ذلك من إغراق العالم واقتصادياته في المجهول. مع ذلك، لا يزال هناك وقت للترفيه السينمائي لتجنب الأسوأ، قبل أن يتبع الناس مفضليهم ويروجون لهم في محاولة لإعادتهم إلى دائرة الاهتمام العام، مثل وصول فيلم سبايدرمان على هيئة سربه المكون من 1500 طائرة مسيّرة (درون)، يعبر فوق جسر “غوانغان”، ويواصل اكتساح شباك التذاكر في السوق الأميركية والكندية، متجاوزًا فيلم سوبرمان بأضوائه الكاشفة. باختصار فتح ترامب بنفسه صندوق باندورا. إنها كارثة جديدة في حرب السلام العالمي بالقوة، تفتقر إلى استراتيجية، حيث يؤدي كل فيلم إلى فيلم أميركي آخر. وللمشاهدة الواسعة.

هل هو عيش مشترك حقا أم هو طقس يبجل الخوف؟
Por
منى فياض
Publicado
أغسطس 20, 2026 - 19:45

في احدى زياراتي الى كندا، عرجت على مكتبة Volume كعادتي، وهي تحتوي على كتب فكرية قيمة لم تعد متواجدة في سوق النشر، عثرت على كتاب صغير لمؤلف كندي Michel Poulin: .Vivre et laisser vivre أخذته مباشرة بما أنه يتعلق بكيفية العيش معا، الأمر الذي نسميه في لبنان: "العيش المشترك". فكرة الكتاب المركزية بسيطة ظاهرياً: تنتهي حريتي حيث تبدأ حرية الآخر. لكن المسألة هي من يحدد هذه الحدود؟ يرفض الكتاب فكرتين متطرفتين: الحرية المطلقة، التي تؤدي الى الفوضى؛ والضبط التام، الذي يؤدي الى القمع. وبدلاً عن هاتين الفكرتين يقترح نوعاً آخر من الحرية: "الحرية المسؤولة". وأفكاره هذه تقترب من فكر جون ستيوارت ميل في "مبدأ الضرر"، في أنه يحق لسلطة الدولة أو المجتمع ممارسة القوة ضد أي فرد رغماً عنه لهدف واحد فقط، وهو منع إلحاق الأذى بالآخرين. ويتماس أيضاً مع جان جاك روسو في إشكالية العقد الاجتماعي، أي التوفيق بين الحرية الفردية المطلقة للإنسان في حالة الطبيعة، وبين الخضوع لسلطة سياسية وقانونية في المجتمع المدني، دون أن يفقد الإنسان حريته أو يصبح تابعاً لغيره. لكن ما يشدّ في هذا الكتاب أنه لا يقدم خطاباً نظرياً، بل ينطلق من أمثلة معاشة في الحياة: من العائلة الى العمل ومن ثم الفضاء العام. يلجأ الى الأمثلة الحيّة لإظهار كيف يتحول مبدأ الحرية الى صراع يومي على النفوذ وعلى السلطة، وبالتالي الى الاختلاف حول تعريف مبدأ "الحق" نفسه. كيف نعاين ذلك في وضعنا في لبنان؟ ننطلق من سؤال: هل لدينا تعرف واحد للحرية؟ أم أن كل جماعة تعرّف الحرية على مقاس مصلحتها؟ هناك جماعة تعتقد ان سلاحها فقط هو الذي يحمي حريتها، وأخرى تعتبر ان هذا السلاح بالذات يهدد ليس حريتها فقط، بل وجودها ووجود لبنان نفسه، وثالثة تعتبر ان نفوذها هو الذي يحمي حريتها. ينتج عن هذه المفاهيم المتعارضة تصادم بين الحريات؛ وبدل ان تتكامل لتتعايش بسلام، تتحول نحو تعايش أو توازن قسري. الطوائف المتصارعة في لبنان لا تتصارع لأن دينها او ثقافتها مختلفة، بل لأنها تمتلك نفس "الرغبة المحاكاتية" (تبعاً لرينيه جيرار) في الهيمنة والاستئثار بالسلطة والاستقواء بالخارج. جميع الطوائف مرت تاريخياً بمرحلة هيمنت فيها (المارونية السياسية، والسنية السياسية والآن الشيعية السياسية). في كل مرحلة كانت الطوائف الاخرى تشعر بالرغبة بمحاكاة هيمنة تلك الطائفة؛ وتنظر اليها "كنموذج وغريم" في نفس الوقت. فعندما تمتلك طائفة سلاحاً او نفوذاً اقليمياً، لا تطالب الطوائف الاخرى بنزع السلاح من منطلق مدني بحت، بل لأن ما يحركها في وعيها "حسد محاكاتي"، ورغبة في امتلاك فائض قوة لحماية نفسها وللاستقواء في نفس الوقت باللجوء الى خارج ما. الطوائف اللبنانية هي كناية عن "توائم متصارعة" تلغي المصالح الوطنية لصالح الغرائز المتشابهة، ألا وهي الهيمنة والاستئثار بالسلطة. لكن هذا التنافس المحاكاتي بلغ ذروته حالياً، فالنظام الاجتماعي يعاني أزمة في ظل انهيار مؤسسات الدولة، وهي القاسم المشترك الوحيد بين جميع الأخصام، وهذا ما يدفع نحو مطلب "الأمن الذاتي" والكانتونات. المفارقة هنا ان مطالبة البعض بالأمن الذاتي والكانتونات لا تأتي من ضمن رؤية سياسية متكاملة، لأنها أوضح تجسيد ل "التنافس المحاكاتي"، ورد الفعل المرآتي على واقع غير متكافئ؛ فحزب الله نجح منذ عقود في بناء "كانتونه الخاص" وجهازه العسكري ومؤسساته المالية وخدماته الاجتماعية ومنظومته الأمنية المستقلة. عندما ترى المكونات الاخرى ان هذا الفريق المستقل تماماً في "دولته" يهيمن على القرار المركزي، لا تجد ان في ذلك شراكة متساوية. من هنا رد فعلها السوسيولوجي الطبيعي - المدفوع بالخوف على الوجود- يصبح: عندما تعجز الدولة المركزية عن حمايتنا، فعلينا بناء كانتوناتنا الخاصة للبقاء. وهذا بالضبط ما يحذر منه جيرار عندما يشير الى "التوائم المتصارعة". ففي محاولتها مقاومة نموذج الحزب او حماية نفسها منه، تنتهي بتقليد سلوكه والمطالبة بمناطق معزولة. وهي بذلك تتبنى هدف الحزب في ان قيام دولة قانون ودولة (سيدة) مدنية ومركزية أمر مستحيل. "الأزمة المحاكاتية" والانهيار: حرب الجميع ضد الجميع وعندما يصل التنافس المحاكاتي إلى ذروته، يسقط النظام المجتمعي وتختلط الحدود والفروق، وهو ما يسميه جيرارد "الأزمة المحاكاتية". ويبدو أننا في قلب هذه الأزمة، لأن مؤسسات الدولة (التي هي القاسم المشترك الوحيد) تنهار. وعندما تسقط الدولة يشعر كل مكون أنه ضحية مطلقة وأن الآخر هو الشيطان الذي يجب إلغاؤه. وهذا ما كانت عليه الحال في الحرب الأهلية التي عشناها، ونعيش هاجس عودتها اليوم مع تفاقم الشرخ الطائفي والصدمات التي يتعرض لها كل لبناني. تاريخياً استطاع النظام اللبناني التعددي، بعد كل أزمة مررنا بها، إعادة انتاج نفسه. لقد اخترعت الطوائف ( أو امرائها بالأحرى) في كل مرة "كبش فداء" تلجأ اليه وتحمّله المسؤولية الكاملة، لتنفيس العنف الجماعي وإعادة إنعاش العيش المشترك: بدءاً من مقولة "حروب الآخرين" على أرضنا لتبرير الحرب الأهلية؛ ثم "اللجوء الفلسطيني" ومن ثم "السوري" (الغريب) لتحميله الانهيار الاقتصادي؛ وجاء دور القاضي البيطار فتحوّل كبش فداء المنظومة، عند حصول جريمة المرفأ؛ وحتى الطبقة السياسية نفسها عام 2019، عندما رفع الشارع شعار (كلن يعني كلن). وعندما نجحت هذه المنظومة في تدوير الزوايا كي تنجو، ضحّت ببعض الوجوه (حاكم مصرف لبنان) فصار رياض سلامة هو كبش الفداء الذي يحمل خطايا النظام المصرفي (الذي 40% من مالكيه من الطبقة السياسية نفسها) والسياسي بأكمله. فينجو البقية. فهل يعد هذا "عيشاً مشتركاً"؟ ام هو طقس يبجل الخوف؟ هذا العيش المشترك الذي يعاد تدويره وانتاجه عبر طقوس سياسية برعت المنظومة في تسويقها (طاولات الحوار، المحاصصة، الفيتوات المتبادلة)، ليس غرضها بناء دولة بالفعل، بل منع "التنافس المحاكاتي" من الانفجار. إنه تعايش يقوم على الخوف من العودة الى الاحتراب؛ أي ان المقدس في لبنان هو "السلم الأهلي الهش"، الذي يُعبد كصنم، ويضحون في سبيله بالعدالة وبالقانون وبالمحاسبة وبحقوق ضحايا المرفأ والمودعين، وصولاً الى التضحية بالدولة والأرض والوطن نفسه. لكننا نعيش الآن أخطر مرحلة مرّ بها لبنان، وأخطر أزماته لأن "آلية كبش الفداء" بدأت تفقد مفعولها. لم يعد بإمكان المنظومة اختراع ضحية تقنع جميع اللبنانيين. الشرخ تعمّق ولم يعد هناك "دم ضحية مشتركة" تكفي لتوحيد الأخصام. على أمل أن الأجيال الجديدة، الذين يشكلون مسؤولي المستقبل، أن يرفضوا التعايش "الزائف" القائم على دفن الحقائق. الجيل الجديد المطالب بالانتقال من مجتمع يقايض الضحايا، الى مجتمع يحاسب والى دولة قانون وعدالة سواء للمرفأ أو للوطن.

"كل الطرق تؤدي إلى روما"...
Por
ربيع دندشلي
Publicado
أغسطس 17, 2026 - 19:48

تُروى عبارة “كل الطرق تؤدي إلى روما” باعتبارها إحدى أشهر العبارات في التاريخ السياسي والحضاري. ولم تكن مجرد استعارة أدبية، بل وصفاً لواقع الإمبراطورية الرومانية التي أنشأت شبكة طرق جعلت روما مركزاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بحيث كانت جميع الطرق الرئيسية تنتهي عندها. ثم تحولت العبارة، منذ العصور الوسطى، إلى مثلٍ يعني أن تعدد الوسائل لا يغيّر النتيجة النهائية، وأن اختلاف المسارات قد ينتهي إلى المصير نفسه. ولعل لبنان اليوم يقدم نموذجاً سياسياً معاصراً لهذه المقولة. فمنذ انتهاء الحرب الأخيرة، تعددت الخطابات والشعارات، وتنوعت الخيارات المطروحة، لكن السؤال بقي واحداً: هل يمتلك لبنان فعلاً خيارات استراتيجية متعددة، أم أن جميعها تنتهي، بطريقة أو بأخرى، إلى طاولة المفاوضات؟ في هذا المقال لا ندعو إلى التفاوض ولا نعارضه، ولا نحاول تبرير أي خيار سياسي بعينه. إنما نحاول قراءة الواقع كما هو، بعيداً عن الشعارات والانفعالات، لنطرح سؤالاً بسيطاً: هل بقي أمام لبنان خيار استراتيجي آخر لا يمر، في نهاية المطاف، عبر المفاوضات؟ من الحرب إلى السياسة في العلاقات الدولية، ليست الحروب غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى تمهيداً للتفاوض. فمن النادر أن تنتهي الحروب بحسم مطلق، بل غالباً ما تُترجم نتائجها على طاولة المفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. أما في الحالة اللبنانية، فقد أفرزت الحرب الأخيرة واقعاً جديداً يقوم على عدة معطيات: · تجدد الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية. · وجود ضغوط دولية متزايدة لتطبيق القرار 1701 وسائر القرارات الدولية ذات الصلة. · ربط عملية إعادة الإعمار بمسار سياسي وأمني جديد مرتبط بالسلاح خارج الدولة. · تحولات إقليمية عميقة أعادت رسم موازين القوى وأضعفت كثيراً من المسلمات التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين. كل ذلك جعل لبنان أمام استحقاق لم يعد من الممكن تأجيله. ما هي الخيارات التي يمتلكها لبنان؟ ظاهرياً، تبدو الخيارات متعددة، لكن عند تفكيكها يتبين أنها أقل تنوعاً مما تبدو عليه. أولاً: خيار المقاومة العسكرية يرى فريق أن استمرار العمل العسكري يشكل بديلاً عن أي مسار تفاوضي. لكن هذا الخيار يصطدم بجملة من الوقائع: · اختلال واضح في ميزان القوى. · كلفة بشرية واقتصادية يصعب على لبنان تحملها. · غياب الغطاء الدولي لأي مواجهة مفتوحة. · حاجة الداخل اللبناني إلى إعادة بناء الدولة والمؤسسات. لذلك، فإن استمرار المواجهة لا يلغي التفاوض، بل يؤخره أو يعيد صياغة شروطه. ثانياً: خيار الانتظار يراهن آخرون على تغيرات إقليمية أو دولية قد تمنح لبنان ظروفاً أفضل. غير أن الانتظار ليس سياسة بحد ذاته، بل هو تعليق للقرار. وخلال فترة الانتظار تستمر الوقائع بالتغير، وتتبدل موازين القوى، وتتكرس حقائق جديدة تصبح لاحقاً جزءاً من أي تسوية. ثالثاً: تدويل الأزمة يدعو البعض إلى نقل الملف كاملاً إلى الأمم المتحدة أو القوى الدولية. لكن حتى أكثر النزاعات تدويلًا لم تُحل بقرارات دولية فقط، بل احتاجت في النهاية إلى مفاوضات بين الأطراف المعنية لتنفيذ تلك القرارات وتحويلها إلى واقع. رابعاً: التفاوض غير المباشر وهو النموذج الذي عرفه لبنان في أكثر من محطة، سواء عبر اتفاقيات الهدنة، أو مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، أو الوساطات الأميركية والدولية. ويتميز هذا الخيار بأنه يسمح بتحقيق تفاهمات من دون أن يتحمل أي طرف الكلفة السياسية الكاملة للاعتراف المباشر بالطرف الآخر. خامساً: التفاوض المباشر وهو الخيار الأكثر حساسية سياسياً، لكنه يبقى احتمالاً قائماً إذا اقتنعت الأطراف بأن الوساطات لم تعد كافية لتحقيق الأهداف المطلوبة. المفاوضات التي ينكرها الجميع أكثر الأطراف التي ترفض الحديث عن المفاوضات، تبدو في الواقع الأكثر ارتباطاً بنتائجها. فـحزب الله، الذي يرفض أي نقاش حول مفاوضات لبنانية مباشرة مع إسرائيل، بات جزءاً من معادلة إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. واليوم، تبدو مساحة واسعة من خياراته الاستراتيجية مرتبطة بمآلات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. فمستقبل العقوبات، والبرنامج النووي، والدور الإقليمي لإيران، كلها عوامل تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على موقع الحزب وخياراته. وهذا يعني أن الحزب، وإن لم يكن جالساً على طاولة التفاوض، فإنه ينتظر نتائجها، ويبني كثيراً من حساباته عليها. فرفض التفاوض في بيروت لا يعني رفض التفاوض بالمطلق، بل يعني أن مكان التفاوض انتقل إلى عاصمة أخرى وعلى ملف آخر. وفي المقابل، تبدو إسرائيل ، رغم تفوقها العسكري، أمام معضلة مشابهة. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير البنية العسكرية للخصم أو إضعافها، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم على الحدود الشمالية. فإسرائيل تحتاج، في نهاية المطاف، إلى ترتيبات تضمن أمن مستوطناتها الشمالية، وعودة سكانها، ومنع تجدد التهديد. وهذه الترتيبات، مهما اختلفت تسميتها، لن تتحقق بالقوة وحدها، بل عبر تفاهمات سياسية أو أمنية، مباشرة أو غير مباشرة، مع الدولة اللبنانية أو بوساطة دولية. بمعنى آخر، فإن الطرفين، رغم اختلاف الخطاب، يتحركان داخل فضاء تفاوضي واحد، وإن اختلفت الطاولات. حزب الله ينتظر نتائج المفاوضات الإيرانية – الأميركية، وإسرائيل تبحث عن ترتيبات تفاوضية تؤمن جبهتها الشمالية. وكلاهما يدرك أن الحرب لا تستطيع وحدها إنتاج واقع مستدام. هل يوجد بديل حقيقي عن المفاوضات؟ هنا تكمن المفارقة الكبرى. فبعد استعراض مختلف السيناريوهات، يتبين أن الخيارات لا تنقسم بين ا لتفاوض وعدم التفاوض ، وإنما بين شكل التفاوض وتوقيته ومستواه . فالحرب قد تكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض. والردع هو أحد أدوات التفاوض. والوساطة شكل من أشكال التفاوض. والقرارات الدولية تحتاج إلى تفاوض لتنفيذها. والانتظار ليس سوى تأجيل للتفاوض. بل حتى استمرار الاحتلال أو استمرار الاشتباكات المحدودة لا يمثل حلاً دائماً، وإنما مرحلة انتقالية تنتهي عاجلاً أم آجلاً إلى تسوية ما. وبذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ستكون هناك مفاوضات؟ وإنما: أي مفاوضات؟ ومن سيمثل لبنان فيها؟ وما هي الأوراق التي يمتلكها؟ ماذا يعني ذلك للبنان؟ الإشكالية الأساسية ليست في مبدأ التفاوض، وإنما في استعداد الدولة اللبنانية له. فالدول لا تُقاس بقدرتها على دخول المفاوضات فقط، بل بقدرتها على تحديد أهدافها قبل أن تجلس إليها. ما الذي يريد لبنان استعادته؟ ما هي أولوياته؟ ما الذي يمكن أن يقبل به؟ وما الذي لا يمكن أن يتنازل عنه؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد نتائج أي عملية تفاوضية، وليس مجرد انعقادها. فالدولة التي تدخل المفاوضات وهي موحدة وقادرة على إنتاج قرار وطني تكون شريكاً في صناعة التسوية، أما الدولة المنقسمة فتتحول إلى ساحة تُدار فيها التسويات التي يصنعها الآخرون. ختاماً ربما لم تعد عبارة "كل الطرق تؤدي إلى روما" مجرد وصف لشبكة الطرق الرومانية، بل أصبحت وصفاً دقيقاً للحالة اللبنانية. فالطرق تختلف، والشعارات تتغير، والخطابات تتبدل، لكن النتيجة تبدو واحدة. فحزب الله، رغم رفضه التفاوض مع إسرائيل، ينتظر نتائج مفاوضات أخرى تحدد جزءاً كبيراً من مستقبله. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تبحث هي أيضاً عن ترتيبات تفاوضية توفر لها الأمن الذي لم تستطع القوة وحدها ضمانه. والدولة اللبنانية، مهما حاولت تأجيل الاستحقاق، ستجد نفسها أمام السؤال ذاته. لذلك، لم يعد السؤال: هل سيفاوض لبنان؟ بل أصبح: كيف سيفاوض؟ ومن يفاوض؟ وعلى أي رؤية وطنية؟ وهل يدخل المفاوضات باعتباره دولة صاحبة قرار، أم ساحة تتقاطع فوقها مفاوضات الآخرين؟ ففي السياسة، كما في التاريخ، ليست القضية أن جميع الطرق تؤدي إلى روما، بل أن تعرف لماذا تسلك هذا الطريق، وأن تمتلك القدرة والجرأة على تحديد وجهتك قبل أن يحددها الآخرون نيابة عنك.

بين حلف مكة ومحور الهند–الإمارات–إسرائيل: أين يقف لبنان العربي؟

لم يعد الشرق الأوسط يعيش فقط مرحلة إعادة ترتيب للتحالفات، بل يبدو أنه يدخل مرحلة إعادة تعريف لمفهوم الأمن الإقليمي نفسه. فبعد عقود كان فيها النظام العربي يتحرك، ولو بصورة هشة، ضمن أطر جامعة مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، بدأت تظهر اليوم ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تتجاوز الحدود العربية، وتجمع دولاً عربية وإسلامية مع قوى إقليمية ودولية على أساس المصالح الاستراتيجية لا على أساس الهوية وحدها. في هذا السياق، يبرز ما عُرف بـ”اتفاق مكة” الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب 2026، والذي يقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. وهو مفهوم يقترب في لغته من مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، وإن كان من المبكر جداً اعتباره “ناتو إسلامياً” مكتمل الأركان. أهمية الاتفاق لا تأتي فقط من الدول الثلاث، وإنما من مكوناتها: السعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي، وتركيا بثقلها العسكري وعضويتها في الناتو، وباكستان باعتبارها دولة نووية. وهذا البعد النووي هو الذي يعطي الاتفاق، ولو نظرياً، وزناً استراتيجياً يتجاوز مجرد التعاون العسكري التقليدي. لكن في المقابل، فإن العلاقة بين هذا الاتفاق وحلف شمال الأطلسي ليست علاقة اندماج أو تبعية. تركيا ما زالت عضواً في الناتو، والناتو نفسه أكد في قمته في أنقرة في تموز الماضي التزامه بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة. كما أن الحلف يطوّر في الوقت نفسه تعاوناً أمنياً متزايداً مع دول الخليج، بينها الإمارات وقطر والبحرين والكويت. وهنا تبدأ الصورة الأكثر تعقيداً. في الجهة الأخرى، تتبلور شبكة مختلفة من العلاقات تجمع الإمارات والهند وإسرائيل، مع امتدادات نحو اليونان وقبرص. ولا بد من الدقة هنا: لا يوجد حتى الآن حلف عسكري رسمي رباعي يضم الإمارات والهند وإسرائيل واليونان بالمفهوم التقليدي. الموجود هو شبكة متزايدة من الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب أفكار إسرائيلية معلنة لبناء محور يمتد من الهند مروراً بالإمارات وصولاً إلى اليونان وقبرص. وتكمن أهمية هذا المحور في أنه لا يقوم على الدين أو الهوية، بل على المصالح: التجارة، التكنولوجيا، الأمن، الطاقة، الممرات البحرية، والربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ومن هنا يمكن فهم التنافس حول الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أو IMEC، الذي كان يفترض أن يربط الهند بالخليج ثم إسرائيل وأوروبا. إلا أن الحروب والانقسامات الإقليمية جعلت مستقبل هذا المشروع أكثر تعقيداً، فيما بدأت السعودية تبحث عن مسارات يمكن أن تتجاوز إسرائيل. هل نحن أمام انقسام عربي؟ نعم، ولكن ليس بالمعنى التقليدي لكلمة “انقسام”. الأدق أن نقول إننا أمام انتقال من نظام عربي واحد، ولو شكلياً، إلى منظومة من المحاور المتنافسة والمتقاطعة. السعودية لم تعد تريد أن تعتمد على مظلة أمنية واحدة. والإمارات اختارت منذ سنوات بناء علاقات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة والهند وإسرائيل. تركيا تتحرك في الوقت نفسه داخل الناتو وخارجه، وتبني لنفسها دوراً إقليمياً مستقلاً. باكستان تضيف إلى المعادلة وزنها العسكري والنووي. والهند تتحرك بمنطق قوة كبرى تبحث عن موقعها في النظام العالمي الجديد. وهذا يعني أن الدول العربية لم تعد تتحرك بالضرورة ككتلة واحدة. لكن الأخطر هو أن يتحول هذا التعدد في التحالفات إلى اصطفاف عربي–عربي، بحيث يصبح العرب أطرافاً في محاور متعارضة بدلاً من أن يكونوا أصحاب مشروع إقليمي مستقل. وهنا يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً. أين لبنان؟ لبنان ليس السعودية، ولا الإمارات، ولا تركيا، ولا الهند. لبنان دولة صغيرة، ذات موقع جغرافي شديد الحساسية، ومجتمع متعدد الطوائف، واقتصاد يحتاج إلى العالم العربي والغرب معاً. ولهذا فإن السؤال: “مع أي حلف سيكون لبنان؟” قد يكون السؤال الخطأ. السؤال الصحيح هو: كيف يحافظ لبنان على هويته ومصالحه الوطنية في عالم تتحول فيه التحالفات إلى شبكات متداخلة؟ الدستور اللبناني يعطي الإجابة المبدئية. فمقدمة الدستور تقول بوضوح إن لبنان “عربي الهوية والانتماء”، وإنه عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما تؤكد انتماءه إلى العالمين العربي والدولي. هذه ليست عبارة شعرية في مقدمة الدستور. إنها جزء من هوية الدولة. لكن “عروبة لبنان” لا تعني أن يصبح لبنان طرفاً في أي محور عربي مهما كانت سياساته. كما أن الانتماء العربي لا يعني الدخول في مواجهة مع تركيا أو إيران أو الغرب أو أي دولة أخرى. العروبة اللبنانية يجب أن تكون إطار انتماء، لا أداة اصطفاف عسكري. وهذا تحديداً ما يجعل لبنان في حاجة اليوم إلى سياسة مختلفة: لا سياسة المحاور، ولا سياسة العزلة، بل سياسة الحياد الإيجابي والانفتاح المتوازن. هل من المبكر تحديد الموقف؟ نعم، من المبكر أن يعلن لبنان انضمامه إلى أي محور أمني جديد. بل سيكون من الخطأ أن يفعل ذلك الآن. فحتى “اتفاق مكة” نفسه ما زال في مرحلة التأسيس، وتفاصيل تطبيقه وآليات الدفاع المشترك ومدى تحوله إلى منظومة عسكرية متكاملة لم تتضح بعد. أما المحور المقابل، فهو ليس حلفاً عسكرياً رسمياً حتى الآن، بل شبكة من الشراكات والمصالح الاستراتيجية. لذلك فإن لبنان إذا اتخذ موقفاً مبكراً ونهائياً، قد يجد نفسه بعد أشهر أو سنوات في موقع لا يتناسب مع مصالحه. والأهم أن لبنان لا يملك ترف الدخول في سباق المحاور. فهو لا يزال يعالج أزماته الداخلية، ويحتاج إلى استعادة الثقة الدولية والعربية، وإعادة بناء اقتصاده، وتعزيز الجيش والمؤسسات الشرعية. ماذا يجب أن يفعل لبنان؟ أولاً، أن يعلن بوضوح أن قراره الأمني والعسكري هو قرار الدولة اللبنانية وحدها. فلا يمكن للبنان أن يكون دولة ذات سيادة بينما تتحدد خياراته الأمنية من خارج مؤسساته الدستورية. ثانياً، أن يتمسك بعلاقاته العربية، لا سيما مع السعودية ودول الخليج، من دون أن يتحول ذلك إلى التزام بمحور عسكري. ثالثاً، أن يحافظ على علاقاته مع تركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة، والهند، ودول الخليج، وأن يرفض وضع نفسه أمام خيار “هذا أو ذاك”. رابعاً، أن يعيد تعريف “الحياد” بطريقة عملية. فالحياد لا يعني أن يكون لبنان بلا موقف من القضايا العربية أو الفلسطينية أو من القانون الدولي. بل يعني ألا يكون ساحة حرب أو منصة عسكرية لأي محور إقليمي. خامساً، أن يستعيد لبنان موقعه العربي من خلال الدولة، لا من خلال الأحزاب أو التنظيمات المسلحة. وهنا تكمن المسألة الأساسية. إذا كان لبنان يريد فعلاً أن يتمسك بمقولة “لبنان عربي الهوية والانتماء”، فعليه أن يعيد بناء علاقته بالعالم العربي من بوابة الدولة اللبنانية، لا من بوابة أي طائفة أو حزب. لبنان لا يحتاج إلى حلف جديد قد يكون أكبر خطأ يرتكبه لبنان في المرحلة المقبلة هو البحث عن “مظلة خارجية” تحميه. لبنان يحتاج أولاً إلى مظلة داخلية: الدستور، الجيش، المؤسسات، القضاء، والشرعية. وبعدها يستطيع أن يبني شبكة علاقات خارجية واسعة. فالتحالفات الإقليمية تتغير. السعودية يمكن أن تتقارب مع تركيا وباكستان اليوم، والإمارات يمكن أن تعمق شراكتها مع الهند وإسرائيل، وقد تتغير هذه الاصطفافات غداً. أما لبنان، إذا ربط مستقبله بمحور واحد، فسيدفع ثمن تبدل التحالفات. لذلك يجب أن تكون قاعدة السياسة اللبنانية الجديدة: نحن عرب، لكننا لسنا جزءاً من صراع عربي–عربي. نحن منفتحون على الشرق والغرب، لكننا لسنا تابعين لأي محور. نحن مع الأمن الإقليمي، لكن أمن لبنان يقرره لبنان. إن العالم العربي نفسه يتغير. وربما لم تعد جامعة الدول العربية وحدها قادرة على إنتاج منظومة أمن إقليمي. وقد تكون المرحلة المقبلة مرحلة أحلاف متعددة: عربية، إسلامية، اقتصادية، بحرية، تكنولوجية وأمنية. لكن وسط هذه التحولات، يستطيع لبنان أن يلعب دوراً مختلفاً: أن يكون جسراً لا خندقاً، دولة حوار لا دولة مواجهة، وعضواً عربياً مستقلاً لا تابعاً لمحور. وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة “لبنان عربي الهوية والانتماء”. ليست دعوة إلى اختيار محور ضد محور، بل دعوة إلى استعادة لبنان لموقعه الطبيعي: دولة عربية ذات سيادة، تنفتح على الجميع، ولا تسمح لأحد بأن يقرر عنها أين تقف ومتى تحارب ولماذا. وفي زمن تتشكل فيه الأحلاف من جديد، قد يكون أقوى موقف يستطيع لبنان اتخاذه هو ألا يتسرع في اختيار حلف، بل أن يختار أولاً الدولة. ثم، عندما تتضح الخريطة الجديدة للمنطقة، يستطيع لبنان أن يحدد شراكاته على أساس مصلحة لبنان أولاً، وعروبته ثانياً، وسيادته فوق كل اعتبار.

الأنثروبولوجيا أمام مرآتها
Por
يقظان التقي
Publicado
أغسطس 13, 2026 - 14:46

لم يكن ممتعاً لعلماء الأنثروبولوجيا عندما تم تصنيف تخصصهم كبؤرة لـ "التفكير الجماعي السياسي السيئ"، وبأن "الحياد العلمي"، هو في أفضل الأحوال وهم، وفي أسوأ الأحوال، إملاء سياسي." لقد غضبوا جداً من "تقرير حالة المنح الدراسية في العلوم الإنسانية والعلوم الإنسانية الاجتماعية"، الذي كفلته جامعة "فاندربيلت" و"جامعة واشنطن" في سانت لويس من خلال تقرير أعده عشرة علماء، والذي صدر أخيراً عن علم الأنثروبولوجيا كمثال على مجال يرى تدهوراً واسع النطاق في المعايير العلمية، جنباً إلى جنب مع مناخ فكري سيئ يتم فيه قمع ومعاقبة الاختلاف المعقول في الرأي حول الموضوعات المثيرة للجدل سياسياً. فماذا يبقى من العلم عندما يصبح الخلاف حول المنهج نفسه خاضعاً للضغط السياسي والأخلاقي والهوياتي في الأنثروبولوجيا؟، واحدة من فروع الدراسات الحديثة بالمعنى الزمني، لأنها علم قديم نسبياً، بل إنها من الحقول التي اكتسبت حضوراً متزايداً في البحث المعاصر، خصوصاً عند تقاطع التاريخ والسياسة والمجتمع والثقافة. فالأنثروبولوجيا السياسية تحديداً توسعت من دراسة السلطة والمؤسسات إلى دراسة الدولة، والقومية، والهوية، والمواطنة، والعنف، والذاكرة الجماعية، والدين، والممارسات اليومية للسلطة، وأصبحت أكثر انفتاحاً على التاريخ والعلوم السياسية والفلسفة السياسية. كما أن مؤسسات وبرامج أكاديمية معاصرة تقدم الأنثروبولوجيا والسياسة بوصفهما مجالاً بينياً لفهم الثقافات والسياسات والشؤون الدولية بأبعادها التاريخية والاجتماعية والثقافية، إلى جمع وتأويل وقائع متأتية من أقاليم العالم. في 2023، ألغت الجمعية الأنثروبولوجية الأميركية والجمعية الكندية للأنثروبولوجيا جلسة بعنوان Let's Talk About Sex, Baby: Why Biological Sex Remains a Necessary Analytic Category in Anthropology . وبررت الجمعيتان القرار بالسلامة والكرامة و"النزاهة العلمية"، وقالتا إن الجلسة تقوم على افتراضات تعتبر الجنس والنوع الاجتماعي ثنائيين بصورة مبسطة لكن اللافت أن القرار نفسه أثار اعتراضاً من جهات معنية بحرية التعبير الأكاديمي، بينها PEN America وFIRE، اللتان اعتبرتا أن إلغاء الجلسة بسبب «الضرر» يطرح مشكلة تتعلق بحرية النقاش. فهل يجوز لمؤسسة علمية أن ترفض سؤالاً علمياً، لأنها ترى أن بعض الإجابات المحتملة عنه مؤذية لأحكام بلا سند ، على ضوء فرضية لا تؤخذ في الاعتبار الفيزياء، وبالتالي ربط التعقيد الفيزيائي بالتعقيد البيولوجي والتعقيد الأنثروبولوجي. هذا الانشغال بمعرفة تخمينية أعاد في العام 2026 طرح نقاشات حادة في إطار أزمة أوسع تتعلق بالتسييس والمعايير العلمية وإعادة تركيب مراحلها التي تحمل الكثير من الانفصالات النظرية عن فلسفة القرن السابق. تأتي هذه الهجمات من قوى سياسية تدعو إلى قراءة بيولوجية للعالم، وفي الجهة المقابلة، تستخدم قوى سياسية أخرى خطاباً بيولوجياً واجتماعياً يعيد تفسير الفوارق البشرية باعتبارها معطيات طبيعية ثابتة( المليارديرات عباقرة يستحقون ثرواتهم، والفقراء كضعفاء وُلدوا ليكونوا فقراء) ، ويشكك في كثير من المكتسبات التي أنتجتها العلوم الاجتماعية حول العرق والجندر والطبقة والسلطة. ليست المشكلة أن العلوم الاجتماعية «يسارية» أو «يمينية»، بل أن حدود ما يمكن أن يُسأل عنه علمياً بدأت تتحدد أحياناً قبل إجراء البحث، والأنثروبولوجيا نشأت أصلاً لتفكك ما يبدو طبيعياً وبديهياً. لكنها قد تقع اليوم في خطر تحويل بعض نتائجها النظرية إلى مسلمات لا يجوز مساءلتها، أي أنها تنتقل من نقد البديهيات إلى إنتاج بديهيات جديدة . فتأتي العلوم الاجتماعية لتزعزع هذا النظام القائم عن العلاقات الاجتماعية والتمييزات، وتهز هذه العلوم خطابات السلطة. لذا، يجب إسكاتها، أو أنها تصيب العدالة الاجتماعية، لكن ماذا لو أصبحت العدالة الاجتماعية نفسها معياراً لقبول المعرفة؟ تقرير يعلن أزمة في العلوم الإنسانية ، وتصبح الأنثروبولوجيا نموذجاً للنزاع ، مثال إلغاء جلسة الجنس البيولوجي للإنسان، والسؤال هل نحن أمام تسييس للعلم أمام تصحيح علمي مشروع؟ إنها مهمة تبدو شاقة، علماً أن المطالبة بحياد علمي هي بالنسبة للباحث، إنكار لعلاقته بالعالم، وقد تصل حتى إلى شكل من أشكال سوء النية. ومن ناحية أخرى، الموضوعية هي مبدأ أساسي للعلم يجب تعزيزها باستمرار من خلال إجراءات ومبادئ تسمح بالبحث عن الحقيقة. كانت الهجمات في الولايات المتحدة، موجهة أولاً ضد العلوم الاجتماعية، قبل أن تستهدف أيضًا علوم المناخ والميكروبيولوجيا وحتى اللقاحات. في أوروبا، تتعرض دراسات الجندر للهجوم منذ فترة طويلة في دول مثل هنغاريا. في فرنسا، كان تدخل وزيرة التعليم العالي فريديريك فيدال في عام 2021، إلى تحقيق في بعض مجالات الدراسات النقدية. وبدا من المهم تسليط الضوء على البروتوكولات والمبادئ التي تشر عن العمل العلمي الذي لا يعتمد على حياد الباحث، بل على موضوعية منهجه، و تحت أي ظروف يمكن أن تتحدى ما يبدو بديهيًا، أي أن تكون نقدية حقًا. فلا ينبغي للسياسة أن تحدد ما هو صحيح علمياً، كما لا ينبغي للعلم أن يدعي أنه يعيش خارج السياسة والمجتمع؟ تقول جوليا ايليشار أستاذة أنثروبولوجيا في برينستون، "لقد استخدموا الذكاء الاصطناعي لمسح مجموعات كبيرة من النصوص بشكلٍ أصبح طريقة شائعة بشكل متزايد في العديد من العلوم الاجتماعية". وأكدت أن تدريس علم الجنسين سيكون "بمثابة تحويل قسم علم الفلك إلى قسم لعلم التنجيم" . إنها قراءة متباينة في وقت تتعرض فيه الأكاديمية لهجوم غير مسبوق، فهي بحاجة إلى خبراء علاقات عامة يمكنهم بيع قيمة التعليم العالي للجماهير. بدلاً من ذلك، لا يزال معظم الأكاديميين يفعلون ويقولون أشياء في حدود غير مفهومة ، ومعهم رؤساء الجامعات الذين يتعثرون في جلسات استماعهم، وكذلك خبراء الصحة العامة في تصاريحهم المتناقضة، ومراكز الفكر، التي تجادل في محاولة إعادة بناء الثقة وترتيب الاعتراضات على ما يقوم عليه الفكر النظري لأنثروبولوجيا تصف نفسها أنها تطويرية. تنسب كلمة "حياد" في البحث إلى ماكس ويبر. لكنها كانت خلطات من كتاب "العالم والسياسي" بلون، 1959، وتم جمعها في عام 1959 من قبل ريمون أرون بهدف إقصاء العلوم الاجتماعية الماركسية. نظرية أخرى مهمة في بناء هذه الموضوعية العلمية هي نظرية الانعكاسية لبيار بورديو 1930-2002) ، أكد فيها أن الباحث في العلوم الاجتماعية يتعرض لتحيزات. فالأنثروبولوجيا لم تكن يوماً علماً «محايداً» بالمعنى الفيزيائي أو الرياضي، والباحث يدخل الميدان بثقافته، ولغته، وموقعه الاجتماعي، وأسئلته المسبقة. والسبب الأكثر شيوعاً لانعدام الثقة في الأوساط الأكاديمية هو "الأجندة السياسية"، يليها مباشرة "التكلفة" وتصور أن الشهادات لم تعد تُعد الخريجين لسوق العمل. لقد أمضى الأكاديميون سنوات في إقراض مصداقيتهم المؤسسية لمشاريع سياسية متنوعة. والآن هم مفلسون من حيث السمعة. إذا لم يصلحوا الضرر، والعديد من المؤسسات ستصبح مفلسة مالياً أيضاً. ذلك، أن العلم الموضوعي لا ينفصل عن مجتمع ديمقراطي يخضع لنفس المتطلبات النقدية للموضوعية والسياق. فالعلم هو مشروع جماعي، يتطلب، لتعريف ما يُعتبر معرفة، نوعًا من الديمقراطية. وتُعتبر إحدى الانتقادات الموجهة إلى الجامعات راهناً، في أن حرية التعبير تتعرض للهجوم، وتستهدف هذه الاتهامات إقصاء الليبرالية الفكرية التي أدت إلى عدم الرقابة، بل إلى وضع حدود محاطة بالقانون، تمنع التصريحات المعادية للديمقراطية، العنصرية أو الميسوجينية، التي تهدف هذه الانتقادات إلى إعادة شرعنتها. هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين، دون خوف من التناقض، يهاجمون الحريات الأكاديمية، بسياسة مناهضة تهدف إلى السيطرة أو إسكات العلماء، وكل من يعمل على الدفاع عن الحريات والحقوق في مجالات العدالة، والصحافة أو ثقافة محررة، في خدمة للمنفعة العامة والخير العام ، تعمل من أجل عالم قابل للعيش لأكبر عدد ممكن من الناس. فالعلم لا يموت عندما يكون مسيّساً، يموت عندما يصبح غير قابل للتصحيح.

تصنيع الخوف وحالة الاستثناء واستباحة الانسان في لبنان

منذ حادثة بوسطة عين الرمانة عام 1975، التي شكّلت الشرارة الرمزية للحرب، دخل اللبناني في دورة متواصلة من الخوف المُنظَّم، لا الخوف العارض؛ ضمن ما يسمّيه بعض المفكرين "اقتصاد الخوف" أو "سياسات الخوف"، حيث يصبح الخوف مادة تُصنع وتُدار، وليس فقط شعوراً عفوياً. والخوف هنا يؤدي ثلاث وظائف خطيرة: شلّ الفعل الجماعي، فحين يعيش المجتمع تحت تهديد دائم (حرب، فتنة، انهيار، عدو خارجي أو داخلي)، يصبح همه الأول النجاة الفردية، لا الفعل الجماعي. وهكذا تتفكك إمكانية المقاومة المنظمة لأي شكل من أشكال الهيمنة أو الاحتلال. كما أنه يعيد إنتاج الولاءات الضيقة، لأن الخوف يدفع الناس إلى الاحتماء بالجماعات الأولية: الطائفة، الزعيم، الحزب. فيتحول الخوف إلى آلية لإعادة إنتاج النظام نفسه الذي يُفترض أنه سبب الأزمة. وهكذا في ظل الخوف، يصبح كل شيء مبرراً: السلاح خارج الدولة، تعطيل القانون، القمع، الفساد، وحتى التبعية للخارج لأن "الظرف استثنائي". ندخل هنا حالة من "الاستثنائية" لا تنتهي. وتاريخنا يؤكد تكرار محطات صناعة الخوف: الحرب الأهلية: الخوف من الآخر الطائفي الاحتلالات المتعددة: الخوف من العدو الخارجي مرحلة ما بعد 2005: الخوف من الاغتيال والفوضى ما بعد 2019: الخوف من الانهيار الاقتصادي الحروب الإقليمية وحروب الإسناد: خوف وقلق مستمرين على الوجود نفسه المشكلة إذن ليست في وجود مخاطر حقيقية - وهي موجودة - بل في تحويل هذه المخاطر إلى بنية دائمة لإدارة المجتمع. وليست أيضاً في أن الشعب خضع للخوف، بل أن هذا الخوف كان في كثير من الأحيان مُفبركاً أو مُضخَّماً أو مُستثمَراً بحيث يمنع أي لحظة تحرر حقيقية. النتيجة النهائية هي ما يمكن تسميته: مجتمع يعيش في حالة طوارئ نفسية دائمة. إذا كان الخوف يُنتَج بوصفه أداة لضبط المجال السياسي، فإن أثره الأعمق يتجلى في إعادة تعريف الإنسان ذاته داخل هذا المجال، وهو ما تلتقطه بدقة أطروحات جورجيو أغامبين حول "الحياة العارية" (bare life). ففي السياق اللبناني، لا يقتصر الأمر على تعميم مناخ الخوف، بل يتعداه إلى تحويل المواطن إلى كائن بيولوجي منزوع الحماية، يعيش في منطقة رمادية بين القانون واللا- قانون، حيث تُعلَّق الحقوق باسم الضرورة الأمنية أو الطائفية. وبهذا المعنى، يتقاطع "اقتصاد الخوف" مع ما يسميه ميشال فوكو "السلطة على الحياة "(biopouvoir)، التي لا تكتفي بالتحكم بالأجساد، بل تُعيد إنتاجها ضمن منظومات الضبط والمراقبة (فوكو: السجن، المستشفى، المدرسة، الثكنة....). غير أن الحالة اللبنانية تُظهر انزياحاً إضافياً: فبدل أن تُدار الحياة من أجل تحسينها، كما في النماذج الكلاسيكية للسلطة الحيوية، يُدار الخوف من أجل إبقاء الحياة في حدها الأدنى، أي في مستوى "النجاة" لا "العيش". وهكذا، يصبح الفرد اللبناني أقرب إلى "جسد عارٍ" بالمعنى الأغامبيني، مُعرَّضاً باستمرار لقرارات سلطوية استثنائية، ومحروماً من أفق الاستقرار القانوني والسياسي. إن هذا التلاقي بين إنتاج الخوف وتجريد الإنسان من صفته السياسية يفضي إلى بنية حكم غير مرئية، حيث يُستبدل العقد الاجتماعي بمنطق الطوارئ الدائمة، وتتحكم إدارة "سياسة الإهمال" بدل إدارة السلطة. أكثر من ذلك، انها إدارة التدهور (الاقتصاد، الصحة، التربية، الهجرة وتفجير المرفأ..). إذا كانت "حالة الاستثناء" قد شكّلت المدخل النظري لفهم تحوّل السيادة في السياق اللبناني، فإنها لا تمثل مجرد لحظة قانونية طارئة، بل أسّست لبنية حكم دائمة تُعاد داخلها صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار "صناعة الخوف" امتداداً عملياً لحالة الاستثناء، إذ لا يُحافَظ على تعليق القواعد القانونية والمؤسساتية إلا عبر إنتاج مناخ دائم من التهديد. وفي هذا السياق، لا يعود المواطن فاعلاً سياسياً، بل يصبح موضوعاً لسياسات الطوارئ، محكوماً بمنطق النجاة الفردية، ومفصولاً عن أي أفق تعاقدي جامع. وهكذا، فإن تفكيك هذا النظام لا يمر فقط عبر إعادة تفعيل القانون، بل عبر استعادة المعنى السياسي للحياة نفسها، أي إعادة إدماج الفرد في فضاء المواطنة بما يتجاوز منطق الاستثناء والخوف. وبذلك، يصبح الخوف أداة حوكمة غير مرئية، تُعيد تشكيل الذهنيات الجمعية، وتُرسّخ ما يمكن تسميته بـ"الطوارئ النفسية الدائمة"، حيث يُعاد إنتاج القلق كشرط بنيوي للاستقرار الهش. ولا يقتصر هذا المسار على وجود مخاطر موضوعية، بل يتغذى من قابلية اجتماعية قائمة على الانقسامات العميقة وغياب سردية وطنية جامعة، ما يجعل من تفكيك اقتصاد الخوف مهمة لا تقتصر على كشف آلياته، بل تتطلب إعادة بناء الثقة والمؤسسات وإنتاج معنى جماعي بديل. دور الحزب وفي هذا السياق، لا يمكن فهم آليات الهيمنة دون الإشارة الى دور حزب الله والسياسة التي فرضها، مع منظومة الحكم، في لبنان، بدعم من النظام السوري وإيران (لا سيما في مرحلة سيطرتهم السابقة المطلقة ، والتي تشهد تراجعاً ملحوظاً اليوم خصوصاً بعد سقوط الأسد). وهنا، يبرز تمايزٌ فلسفيٌ وقانونيٌ حاسم؛ إذ يجب التفريق بدقة بين "حالة الطوارئ" المنبثقة عن القانون والتي تضبطها الدساتير بحدود وشروط واضحة، وبين "حالة الاستثناء ما قبل القانونية" التي فرضها هذا المحور كأمر واقع ممتد بلا حدود ولا ضوابط. في هذه الحالة الثانية، أُسقِطَت القوانين والحدود واستُبيحَت الحقوق، ليتغير دور الدستور والمؤسسات اللبنانية بالكامل؛ فبدل أن تكون درعاً لحماية المجتمع، تحوّلت بفعل الهيمنة إلى مجرد غطاءٍ رسمي وشرعي لسوء استخدام السلطة وتثبيت الاستبداد. فالسيادة الموازية التي مارسها الحزب لم تقف عند حدود الضبط القانوني للأفراد، بل نفذت بشكل خفي إلى "الحياة العارية"، جاعلةً إياها بلا قيمة، ومُعرّضةً إياها لعنف القرارات السيادية التعسفية. وبناءً عليه، غَدَت هذه "الحياة العارية" المأخوذة من منظار "الاستثناء"، وقوداً حيوياً يُغذّي سيرورة السلطة السيادية للحزب، والتي تُحافظ على بقائها من خلال الإنتاج المستمر لـ"جسد بيوبوليتيكي" مقموع ومُدجّن يتم فرض السيطرة المطلقة عليه، تحت لافتة القانون والسيادة المزيفة لـمَنْع أي اعتراض. ويتجلى هذا التطبيق الميداني بوضوح في اغتيال المفكر والناشط السياسي لقمان سليم داخل المربع الأمني للحزب، وفي أحداث 7 أيار 2008 عندما استُخدم السلاح في الداخل لفرض معادلات سياسية بقوة الأمر الواقع، فضلاً عن تعطيل التحقيق القضائي في تفجير مرفأ بيروت وتهديد القضاة جهاراً؛ مما كرس مبدأ الإفلات التام من العقاب وصَفَّر سيادة القضاء اللبناني. أُخضع الإنسان في لبنان، عبر هذا الخوف المُهندَس، إلى "الحياة العارية". فالمعارض السياسي مستباح للتصفية الجسدية أو التخوين وإهدار الدم معنوياً، والمواطن في البيئة الحاضنة مستباح عبر زجّه في حروب إقليمية عابرة للحدود - كالتدخل العسكري في سوريا أو فتح جبهات الاستنزاف منفرداً - دون إذن أو غطاء من دولته، ليكون مجرد وقود بيولوجي لمشروع عابر للأوطان. ولم تقف هذه الاستباحة عند حدود الأفراد، بل طالت بنية الدولة اللبنانية نفسها والدول المحيطة؛ إذ جرى انتهاك سيادتها عبر شرعنة معابر التهريب غير الشرعية، ومصادرة قرار السلم والحرب، وتحويل الحدود والقرار السيادي المخطوف إلى ساحات مفتوحة لتمرير أجندات عسكرية وأمنية تقع بالكامل خارج أطر القانون الدولي والتعاقد السياسي، مما جعل الدولة والناس معاً يعيشون تحت رحمة سيادة استثنائية تتغذى على تغييب القانون واستدامة الرعب. وفي المحصلة، يفتح التراجع المشهود والمستمر لهذا المحور الإقليمي والمحلي ثغرةً في جدار "حالة الاستثناء" الدائمة، ويوفر فرصة تاريخية وغير مسبوقة لتحرير الإنسان اللبناني من وضعية "الإنسان المستباح" وإعادته إلى كنف القانون. إلا أن هذا التراجع العسكري والسياسي للميليشيا والمشروع الإيراني لا يعني تلقائياً استعادة فورية لسيادة الدولة؛ إذ تواجه هذه الاستعادة جداراً صلباً من المنظومة السياسية يتمثل في بنية "الدولة العميقة" في لبنان. هذه "الدولة العميقة"، التي تتغذى على شبكات المصالح الطائفية، والمحاصصة الفئوية، والفساد المؤسساتي الممنهج، تشكل الامتداد البيروقراطي والمالي الخفي الذي سمح أصلاً بنشوء السيطرة الميليشياوية واستدامتها. إنها البنية التي ترفض اليوم التخلي عن مكتسباتها، وتمنع بقوة تفعيل آليات المحاسبة القضائية، والإصلاح الهيكلي، وبناء المؤسسات الشرعية الحقيقية. بناءً على ذلك، فإن مستقبل الدولة اللبنانية واستعادة سيادتها المطلقة لن يتحققا بمجرد انحسار السلاح الموازي أو انكسار رعاته الإقليميين، بل يرتبطان شرطياً بمعركة أعمق وأعقد: تفكيك المنظومة الزبائنية للدولة العميقة. إن مواجهة استباحة الإنسان والوطن تستوجب الانتقال من مربع "الرعب والإنقاذ العسكري"، إلى مربع "المواطنة والقانون وتطهير الإدارة"؛ فدون إسقاط هذه البنية التحتية للاستبداد المقنّع، ستبقى السيادة مجرد شعار مؤجل، ويبقى مستقبل لبنان معلقاً بين فكّي سلاح يضعف، ودولة عميقة تأبى أن تولد من جديد.

/