

لفتني تعليق آلان بوير* عن أحداث فرنسا، في مقابلة ناقش فيها فكرة: من هو الفرنسي؟
عاد إلى جذور المكونات الفرنسية ليقول: إن فرنسا ملتقى طرق لغزوات وهجرات واستيطان متلاحقة، وعُرفت تاريخيا باختلاط اعراقها وقبائلها .. وان اسم فرنسا يعود إلى غزو الفرانك الجرمانيين من شمال أوروبا وبلاد السكانديناف، وان الفرنسيين يحملون اسم الغزاة، ومع ذلك يعيدون اصلهم إلى الغولوا دفاعاً عن صفاء عرقهم.
إذن الهوية الفرنسية من حيث الجذور هي مزيج متراكم (غالي-روماني-جرماني) وليست عرقاً صافياً بأي شكل.
عندما يقول بوير إن الدولة صنعت الوحدة، فهو يشير إلى حقيقة مهمة: لم تكن الدولة الفرنسية مجرد انعكاس لأمة متجانسة موجودة قبلها؛ بل كانت الدولة نفسها أحد العوامل التي ساهمت في إنتاج الأمة.
ويُعد فيليب الثاني أوغست، الذي حكم بين عامي 1180 و1223، شخصية مهمة في هذا المسار؛ فلقد أنشأ الدولة المركزية. مع الإشارة الى أن بناء هذه الدولة امتد قروناً طويلة، فنشأت دولة مركزية بفضل فيليب 2 اوغوست.
ولكن لم يتم الانتقال من لقب "ملك الفرنجة" الى "ملك فرنسا" في لحظة واحدة، ولا أصبحت فرنسا دولة مركزية مكتملة دفعة واحدة؛ ان بناء الدولة الفرنسية عملية طويلة امتدت عبر قرون. المهم هنا أن الملكية وسعت سلطتها، وأقامت مؤسسات إدارية وقضائية، ودمجت أراضي وجماعات متباينة في إطار سياسي مشترك. وبمرور الزمن، أصبح هذا الإطار السياسي قاعدة لتكوين شعور أوسع بالانتماء.
لقد تم فرض الهوية الفرنسية "الموحدة" تاريخياً، عبر صهر قسري (assimilation) قادته الدولة المركزية (خاصة بعد الثورة الفرنسية والجمهورية الثالثة)، حيث مُنعت اللغات الإقليمية (مثل البريتونية والأوكسيتانية) وفرضت ثقافة باريسية موحدة.
بالتالي، لم يكن الاختلاط دائماً نتاج "اندماج طبيعي" (intégration)، بل كان تجاوراً ضبطته قوانين الدولة الصارمة وقوتها المركزية. وعندما ضعف هذا الصهر الثقافي مؤخراً، عادت التمايزات الثقافية والعرقية لتظهر على السطح كـ"تجاور" غير منسجم بالكامل.
وما لفتني في مقاربته اعتباره أن العيش المشترك هو مجرد تجاور وليس اختلاط حقيقي. بينما نتخذه في لبنان شعاراً حُمِّل ضمناً معنى الاندماج.
لبنان ليس حالة فريدة
على كل يفيدنا تذكير بوير عن جذور فرنسا التعددية بأن لبنان ليس حالة فريدة، فاختلاط المكونات هي حال كل البلدان في الأصل؛ وان المشكلة في فرنسا الآن تعود الى رفضها الاعتراف بالتنوع وقبوله. ما جعل الإشكالية التاريخية والسوسيولوجية دقيقة للغاية، وهي فكرة "التعايش كمتجاورين" مقابل "الانصهار الحقيقي"، مطروحة الآن في فرنسا.
وهذا عامل مشترك بين لبنان وفرنسا بالرغم من اختلاف تجربتيهما.
تصنّف الدول التي تقوم على التنوع الطائفي او العرقي، في نطاق العلوم السياسية والاجتماعية، ضمن نماذج "الديمقراطية التوافقية" أو "المجتمعات التعددية". واذا كان التعدد في الأصل يجمع بين فرنسا ولبنان، إلا أن الذي يفرقهما، آلية إدارة كل منهما لهذا التعدد.
حاولت فرنسا إنكار هذا التنوع عبر "العلمانية الصلبة" (Laïcité) والجمهورية التي لا تعترف إلا بالفرد كمواطن، دون أي اعتبار لخلفيته العرقية أو الدينية.
أما لبنان فلقد اعترف بالتنوع بشكل علني ومقونن، عبر "النظام الطائفي التوافقي"، فجعل من التنوع أساس السلطة، مما جعل التجاور يبدو مقونناً ومؤسساتياً، ولكنه ظل هشاً أمام الأزمات.
أزمة فرنسا الحالية: رفض قبول التنوع
يعيد البعض الأزمة الفكرية والسياسية في فرنسا اليوم الى مسألة الهوية. النخب الفرنسية التقليدية واليمين يجدون صعوبة في الانتقال، من مفهوم "المواطن الفرنسي التقليدي الذائب في "الثقافة العلمانية"، إلى قبول فرنسا كبلد "متعدد الثقافات والأعراق" بفعل الهجرات المتلاحقة. هذا الرفض للاعتراف بالواقع الجديد يخلق صداماً مستمراً تحت مسميات "الحفاظ على قيم الجمهورية".
إيمانويل تود وتاريخ العائلات
كتابات إيمانويل تود حول أصول الفرنسيين، وهو واحد من أبرز علماء الأنتروبولوجيا والتاريخ والديموغرافيا، وتتميّز طريقته الفريدة في تفسير الأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية الكبرى، من خلال العودة إلى "بنية العائلة التقليدية" والتغيرات الديموغرافية (مثل نسب الأمية ووفيات الرضع..). ففي كتابه الصادر في الثمانينيات بعنوان "اختراع فرنسا الحديثة" (L’Invention de la France)، يعود لقرون عدة الى الوراء ليفكك كيفية تشكل المجتمع الفرنسي بناء على الأنظمة العائلية المتنوعة داخل اقاليم فرنسا. موضحا ان فرنسا ليست كتلة واحدة صلبة، بل نتاج تنوع إقليمي انتروبولوجي عميق.
حاول تود تفسير التحولات السياسية والفكرية في فرنسا، وفيما بعد في أوروبا الغربية، خلال القرون الخمسة السابقة، من خلال ربطها بالبنى العائلية التاريخية في المجتمعات الأوروبية.
اعتمد على دراسات محلية عن أنماط العائلات في المجتمعات الزراعية التقليدية. وقد ربط بين هذه الأنماط وبين تصورات الحرية والمساواة والسلطة، ثم حاول تفسير جانب من اختلاف المسارات الفكرية والسياسية في أوروبا على ضوء هذه الفروق.
ما المقصود بأنماط العائلة؟
يقترح تود، تصنيفاً لأنظمة عائلية تاريخية بحسب طبيعة العلاقات بين الأجيال، وبحسب تصور المساواة بين الأبناء، ولا سيما في الميراث، فأشار الى:
العائلة النووية المتساوية: يغادر الأبناء بيت الأسرة لتكوين أسر مستقلة، مع مبدأ المساواة بينهم في الميراث.
العائلة الجذعية: يحتفظ أحد الأبناء، غالباً الابن الأكبر في النمط التاريخي الذي يصفه، بمكانة خاصة في استمرار الأسرة ووراثة القسم الأكبر من أملاكها، بينما يغادر الآخرون.
العائلة الجماعية: يستمر عدد من الأبناء وأسرهم في إطار أسري مشترك، مع درجة أعلى من السلطة الأبوية أو الجماعية.
ولا يرى تود أن هذه الأنماط كانت مجرد ترتيبات اقتصادية أو منزلية، بل يعتقد أنها أسهمت في تشكيل تصورات أطول عمراً عن الحرية والمساواة والسلطة.
في مقابلة منشورة عام 2023، أوضح تود أن نمط العائلة النووية المتساوية كان سائداً في حوض باريس، لكنه لا يغطي كل المجال الفرنسي. ولفت إلى وجود نمط العائلة الجذعية في مناطق أخرى، خصوصاً في الجنوب الغربي، مع حضور متفاوت له في مناطق مثل الألزاس والمرتفعات الألبية وبريتاني.
وهذا مهم للغاية فيما يتعلق بمحور النقاش، ففرنسا التي قدمتها الدولة الجمهورية بوصفها أمة واحدة، ذات لغة ومبادئ سياسية مشتركة، كانت تاريخياً أكثر تنوعاً مما توحي به الصورة الوطنية الموحدة.
والاختلاف لم يكن مقتصراً على اللغة أو اللهجة أو الدين، بل شمل أيضاً أشكال التنظيم العائلي والميراث والعلاقات بين الأجيال، وهي عناصر يعتقد تود أنها ترتبط بتصورات عميقة تجاه السلطة والمساواة.
إذا أخذنا هذه الفرضية بجدية، فإن بناء الدولة الفرنسية لم يحدث فوق أرضية اجتماعية متجانسة، بل فوق مجموعة من التقاليد الإقليمية المتباينة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من نجاح الدولة المركزية، وكذلك بعض التوترات التي رافقت مسارها.
فقد ساهمت المؤسسات الفرنسية في إنتاج لغة سياسية مشتركة، وفي ترسيخ المواطنة والقانون والتعليم العام. لكنها لم تُلغِ بالضرورة كل الفروق الاجتماعية والثقافية التي تشكلت عبر التاريخ.
الدولة الفرنسية نجحت في توحيد المجال السياسي، لكنها لم تمحُ كل التنوعات التاريخية التي كانت موجودة داخله.
لكن ما يورده تود لا يعني أن هذه البنى العائلية هي السبب الوحيد لكل الاختلافات السياسية. لكنه يظهر عمق التعدد الفرنسي، ويفتح باباً لتفسير بعض المسارات التاريخية المستمرة، لا في تحويل المناطق الفرنسية إلى مجتمعات ذات طبائع ثابتة.
وإذا كان الآن بوير قد طرح إشكالية مهمة عندما شكك في الصورة المبسطة التي تجعل الغاليين أجداد الفرنسيين جميعاً.
لكن السؤال الأكثر أهمية عندما ننتقل من سؤال الأصل إلى سؤال الدولة: كيف أمكن لبلد متعدد الأصول واللغات والتجارب أن يبني هوية وطنية مشتركة؟ وهل ما زال قادراً على ذلك؟
تاريخ فرنسا يبين أن الأمة لم تكن موجودة دائماً بصورتها الحالية، وأن بناء الدولة هو الذي ساهم في توحيد جماعات كانت متباينة في لغاتها وتقاليدها وانتماءاتها. لكن هذا التاريخ لا يثبت أن الاستيعاب الكامل هو الطريق الوحيد إلى الوحدة، ولا أن التعدد الثقافي يقود بالضرورة إلى التفكك.
كما أن الاضطرابات الاجتماعية الراهنة لا يمكن اختزالها في أزمة الهوية؛ فالتعليم والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والثقة بالمؤسسات عوامل لا تقل أهمية، وقد تتداخل مع قضايا الاندماج في بعض السياقات.
أما إشارة بوير إلى أن الفرنسيين يحملون اسماً يرتبط بالفرنجة بينما يتعلمون أن أجدادهم كانوا الغاليين، فتذكّرنا بأن الهويات الوطنية الحديثة ليست سجلات دقيقة للأنساب، بل روايات تاريخية تشكلت داخل مؤسسات ومجتمعات متغيرة.
ولا يعني ذلك أن هذه الهويات زائفة، بل أنها نتاج تاريخي قابل للتطور والمراجعة.
المشكلة ليست أن الفرنسيين ليسوا جميعاً منحدرين من الغاليين؛ المشكلة تبدأ إذا عجزت فرنسا عن تقديم تعريف للمواطنة يجعل كل من ينتمي إليها قانونياً واجتماعياً يشعر بأنه جزء متساوٍ من مستقبلها.
فالأمة لا تحتاج إلى أن يكون لها أب واحد، ولا إلى أن ينحدر جميع أبنائها من الجذور نفسها.
إنها تحتاج إلى مؤسسات عادلة، وذاكرة تاريخية لا تخاف من التعقيد، ومشروع مشترك يستطيع أن يجمع المختلفين من دون أن يطلب منهم محو أنفسهم.
وفي النهاية، أعتقد أن السؤال الأجدى ليس: «من هم أجدادنا الحقيقيون؟»، بل: ما الذي يجعلنا، على اختلاف أصولنا، نختار أن نكون مواطنين في الدولة نفسها؟
وهذا يقودنا الى ضرورة توجيه هذا السؤال الينا كلبنانيين.
*Alain Bauer، وهو عالم جريمة فرنسي وأستاذ فخري في علم الجريمة في المعهد الوطني للفنون والحرف (CNAM)، وله خبرة في قضايا الأمن والجريمة والإرهاب.



















