شعار Levant Time
العودة إلى المقال
مجتمع

تجهيز فني لكرسي زائر يشعل غضب بيروت

صورة للأخبار
صورة المؤلف
نُشر نوفمبر 3, 2026 - 01:24

تجهيز فني عادي ومتقشف للنحاتة الفرنسية سابين جيرودي نصبً على شاطئ "عين المريسة"، بيروت، حرك ردود فعل غاضبة لناشطين وصنًاع المحتوى ومعلقين على شبكات التواصل الاجتماعي، وأزعج المحتفين به في حفل تدشينه من رسميين وفنانيين وناشطين مدينيين، كواحد من الفنون العابرة، وترجمة للتوأمة الفنية بين مدينتي "نيس" و"بيروت"، حيث تنظم المنحونة إلى تجريدات كثيرة لفنانيين كثيرين في شوارع وساحات العاصمة من  أعمال البصابصة، سلوى روضة شقير، نادين أبو زكي، وبيار كرم وغيرهم ولم يحدث معها التعرض بهذه الألسنية العدميّة من مسرح العبث ، ليس بعيداً من " مبنى مسرح  بيروت" القديم الذي عُرضت عليه أعمال كثيرة لصموئيل بيكيت ويونيسكو، وعاش بدوره عالم العبث السياسي والاقتصادي الذي أدى إلى اقفاله مساحة من ذاكرة وتراث المدينة الثقافي.

 كرسي، مغترض أن يكون رمزاً ثقافياً، أو معلماً  لحفل تدشين ولإتخاذ صورة معه ، يحصد كل هذا  التعرض ، وهو في شكله الفقير المقتصد معلق على رجلٍ واحدة ، نظر إليه فعل استيلاء على الفضاء العام في ظل أزمات  لبنان السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحالة اللاحرب واللاسلم، ونموذج للتمرد  والتفرج على  الأزمات والفراغات في الحياة السياسية ومفارقات وانتظارات، وانهيار للمعنى، والوقت والحدود، وكل ما يستنسخ أوضاعاً تشبه ما ساد في الماضي. وإلا، لماذا تضيق مدينة في كرسي زائر أو نازح إليها؟

 في هذا السياق، قد يتحول الكرسي من مجرد قطعة أثاث إلى رمز سياسي واجتماعي، ويثير أسئلة عن العلاقة بين المواطن والفضاء المديني، وعن قدرة بيروت على تحويل مفارقاتها اليومية إلى مشهد مسرحي جديد ساخر عند من ينظرون ولا يرون أمامهم غير وجوه التمزق وكراسي اليأس وأشياء مدمرة من مياه وكهرباء وأرض وبيئة وحياة وسلام واستقرار وأمور تنأى عندهم إلى حد الزوال . ويدركون أن عالمهم يختبئ خلف الفكرة. لقد ملّوا من القيم الجمالية الفوقية، ومن اختبارات التصوير الاجتماعي والتصفيق . لذلك، لم يفكروا في التساهل مع المشهد. لا تكمن المفارقة هما فقط، في أن كرسيّاً أثار جنون الناس، بل في أن مدينة اعتادت عبث المسرح والسياسة والاقتصاد والاجتماع ، باتت ترى في كرسيّ وضع على شاطئها مشهداً يستفز جام غضبها مع عدم إخفاء النقد من كيان جامد يقف عملياً على رجل واحدة مهدد بالسقوط في  انهيارات وانفجارات  وأوضاع عائمة ، خاصة شعورهم بأن قيمهم الأخلاقية تدنت حتى أمست كخيط لإهمال السلطة لهم واخفاقاتها.

 مع ذلك ، الكرسي، لا يزال مطالباً بأن يحافظ على توازنه. فيصيبهم الجرح الخفيً من منحونة وضعت أمامهم وسببت لهم مشاعر غريبة، مع أنهم لا يتوقفون من الاقتراب منها في  صيغة لإدارة الاختلاف وإلى صفقة لتقاسم الخوف، مع أن المسألة عادية لا تتجوز نوعاً من التعبير الفني التشكيلي البسيط وغير المتوحش، وتقوم شاعريتها على السلاسة في التعبير عن الطبيعة الجامدة ، وعلى علاقة بالصورة بدلاً من الواقع. فيجري الخلط مع واقع مادي آخر أكثر قسوة  في أزمة يأس ليس زخرفية ،امتداداً لصفقة جمالية لا يملك اللبنانيون فيها شيئاً، وأن ما يُنتزع من حقهم في المدينة ليس سوى وجه آخر لما يتخطى قراءة جزئية على مسافة قريبة من رؤيتهم الفنية الداخلية  في مساحة لصيقة تجمع حساسيات مختلفة . وهنا تكتسب المفارقة معناها. كأنه فصل جديد من مسرح  كرسي العبث ، سلطة تتقاسم الأدوار، ومواطن ينتظر نهاية لا تأتي. إنه غضب اجتماعي من بلد لم تعد فيه  حتى الطائفية مجرد آلية لإنتاج العجز وتوزيع الامتيازات ، بل هامش واقع مائل إلى الانخراط في صفقة سيئة جداً.

والأشد إيلاماً أن اللبنانيين لا يختلفون فقط حول طبيعة الكرسي، بل حول ما إذا كان هذا البلد لا يزال يتسع لهم جميعاً. هو نفس السؤال، كان أثاره عمل تجهيز فني،  قصد وسط المدينة في منتصف التسعينات ، حين كان مشروع إعادة إعمار بيروت بقيادة رفيق الحريري في طور النهوض، وكانت المدينة تعيش تناقضاً بين الأمل الاقتصادي والاعتراض الاجتماعي. وإذا كان تجهيز التسعينات قد أثار غضب الناس آنذاك، فإن استحضاره اليوم يكشف أن المسألة لا تقتصر على عمل فني أو تجهيز ، ومسألة ما يحمله من  جمالية أو بشاعة. بل إنها مسألة تتعلق بعلاقة اللبنانيين بمدينتهم، وبالطريقة التي يُعاد بها تشكيل فضائها العام. ففي التسعينيات، كان الاعتراض على مشروع إعادة الإعمار يتصل أيضاً بمخاوف من تحويل بيروت إلى مدينة استثمارية على حساب ذاكرتها وسكانها. واليوم، يبدو الغضب من تجهيز جديد، وكأنه يستعيد السؤال لمن تُعاد صياغة المدينة، ومن يملك حق تقرير شكلها؟ .

 وإذا وضعنا الحادثتين في سياقهما الزمني، فقد نكتشف أن ما يبدو غضباً متفرقاً هو في جوهره تعبير عن فراغ ومساحة للتفكير في الزمن، والحركة، والذاكرة، وعلاقة الإنسان بالمكان. المفارقة أن العمل الذي يفتقد ايحائية واسعة وطوطمية  بدائية مؤثرة ، بالكاد يشكل نافذة، انتهى إلى أن يصبح موضع إدانة وسخرية في لحظة سياسية من أغراض الجوع والنزوح والفشل والاستغلال والقصص الملتبسة. والاحتفال ذاته الذي كان فيه بعض الجلبة والضوضاء( كان يمكن أن يمر في برمجة عادية) ، أحدث شيئاً على مدى أبعد ما تراه العين ، كأن ُيحاكم  العمل قبل أن يُقرأ، أو أن يصبح المجتمع عاجزاً عن رؤية الفن بوصفه سؤالاً مفتوحاً، لا موقفاً سياسياً جاهزاً.

هذا مخاض بيروت  التي تحتاج إلى استعادة قدرتها على احتمال الغموض، وعلى التمييز بين العمل الفني والخدمة الجمالية التي تأتي من فوق ، وبين التدخل الجمالي.فليس كل ما يُنصب على الشاطئ استيلاءً، كما أن النقد الذي لا يحاول فهم العمل قبل إدانته، يكشف في النهاية عن أزمة ثقافية فقدت توازنها، حيث يصبح "الكرسي" (السلطة/المنصة) مثل "الهيكل"، "الجوهر"، ما يمثل "الاستلاب الثقافي"؛ حيث يتم استبدال القيمة للحقيقية بـ تشكيل تعبيري عاصف  على من يحكمون لبنان وتجاوزوا القوانين بإسم العدالة الجالسة على كرسيها. ففي عام 1991، منح الرجال الذين وصلوا إلى السلطة بعد حرب أهلية ، وأعطوا أنفسهم وحلفاءهم حصانة من الملاحقة القضائية عن العديد من جرائم ذلك الصراع. ساعد ذلك القانون في تأمين سلام هش، لكنه في الوقت نفسه عمّق الانقسامات الطائفية. لذا، عندما أقر المشرعون عفواً آخر في آب / أغسطس الماضي ، أعاد ذلك ذكريات سيئة من أن إصلاح الدولة اللبنانية المنهارة مهمة شاقة للغاية. وهذا ما يغيض كثيراً من كراسي تعيد تدوير حركاتها في الفراغ.

عندما رسم بيتر بروغل الأكبر "سقوط إيكاروس"، فإنه يعالج قصة معروفة، لكنه يمثلها بطريقة غير متوقعة، يظهر إيكاروس بتواضع في زاوية من اللوحة، متجاهلاً تماماً من قبل الفلاحين الذين يعملون في الحقل المجاور. إن عمله يشوه التمثيل التقليدي بالسخرية. وقراءات هذه الجمالية للتنافر ستكون سياسية ومتعارضة دون توقف، تذكر بجدلية كارل ماركس عن  اللاهوت أو تاريخ الفنون، كأدوات تساعد على الصمود ومواجهة الحاضر، ويؤسس لنوع من "الخارجية" تجاهه  في قراءة أصلية للسخرية . فهي تظهر نقداً للوهم بالتعالي، وتدعو إلى فكرة تنتج صدمة ، والمفتاح لفهم هذا التأثير، كما يقول سيدلماير، هو المسافة التي ينتجها العمل (عتبية) للإنسانية ، أو بشكل أفضل لمجتمع  غير متسامح ساخر في نقص السيطرة على إسكات العواطف، ما يطمس المسافة والأخرين، رؤى الهروب التي تطارد حقائق يدعون تحويلها، والتجهيز لا "يحل شيئاً"، بل يريهم "جسدهم في حالة لا عمل"  تتراجع بداعي الحذر، أداة  فنية لا تتلاشى في الفشل.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

مَن يخاف ذاكرة يهود لبنان

بقلم مكرم رباح
نُشر أكتوبر 25, 2026 - 01:06
تم التحديث نوفمبر 3, 2026 - 01:37

مدرسة الناصرة مهددة بالزوال

بقلم ميشال توما
نُشر سبتمبر 18, 2026 - 03:20
تم التحديث سبتمبر 25, 2026 - 22:12

الذكاء الاصطناعي: سلاح تحرش وتنمّر على نساء الشأن العام

بقلم فانيسا كلاس
نُشر أغسطس 17, 2026 - 00:59
تم التحديث سبتمبر 4, 2026 - 07:40

مركز المطران فيليب شبيعا للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة: منارةٌ فوق الوادي المقدس

بقلم فادي نون
نُشر أغسطس 10, 2026 - 13:45
تم التحديث سبتمبر 4, 2026 - 07:02

كأس العالم: المشاعر الجماعية وتجليات الهوية في لبنان

بقلم نايلة عساف
نُشر يوليو 12, 2026 - 19:14
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 20:16

المزيد من يقظان التقي

عرض الكل

المزيد في مجتمع

عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
صورة للأخبار
شاهد الآن
شاهد الآن
2:52s
صورة للأخبار
شاهد الآن
شاهد الآن
13:13s

الأحدث من Levant Time

عرض الكل