شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

هل تخرج الأمور في الرأسمالية عن السيطرة؟

صورة للأخبار
صورة: لوي دو دوكلا / هانس لوكاس / هانس لوكاس عبر وكالة الصحافة الفرنسية
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 26, 2026 - 06:35

إن الأزمات  السياسية والاقتصادية والاجتماعية معقدة للغاية في أوضاع عالمية غير مستقرة ، يعرضٍ لها بقدرٍ من التبسيط في مراجعة للفكر السياسي وللتحولات الجيوسياسية في ظل غياب الأحزاب السياسية  التاريخية الكبرى. وهو نوع  من الاعتراف في الحاجة لعلماء الاجتماع لدراسة الاتجاهات المتشابكة، التي تشكل حياة المدينة الحديثة، وما تشهده من  متغيرات سريعة. فالمجتمعات، ما كانت منقسمة على ذاتها بحدة بين  الطبقات الاجتماعية كما هي عليه اليوم، ولجهة  حجم المؤثرات الخارجية على الشعوب المشاركة في الاحتجاجات على اختلافها، وفي أعمال الشغب والفوضى، التي نراها في غير مدينة اليوم . وهي ليست بالأمر الجديد في فرنسا وأوروبا عشيّة الظرف السياسي الانتخابي، ونتيجة عمل التيارات الإسلامية في ظل ديمقراطية تسمح بكل هذه التجاوزات الذي أصبح فيها العنف من أجل العنف وبلا هدفٍ سياسي. فمن بعض النواحي، كانت ثورة "السترات الصفراء" التي انتهت قبل ست سنوات أسوأ من  حيث الاشتباكات مع  المجموعات الراديكالية. وهي ليست حصرية لأوروبا، وظهرت في أماكن في أميركا والشرق الأوسط. لكن ما يجعل هذا الوضع مختلفاً هو تراكم الأزمات التي تواجهها البلاد في وقت واحد، ناهيك عن حربين تثقلان كاهل الاقتصادات الأوروبية وتؤججان التوترات السياسية.

 تعدد الأزمات يشغل أيضاً بال شباب العالم، الذين كانت احتجاجاتهم العفوية قبل بضعة أسابيع  في ثانويات فرنسا دافعاً لاضطرابات أوسع، إن  لجهة غضبهم من المدارس المتهالكة، وغياب المعلمين، والمسار الشاق للتعليم العالي يعكس شعوراً واسع النطاق بالقلق بشأن مستقبل غير مؤكد .حيث يريد الطلاب أن يكونوا جزءاً منه ومن تشكيله. فيسيطر عليهم الخوف من تدمير الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، ويرون مستقبلاً كئيباً تظلله أزمة المناخ ونظام دولي متهالك. وبينما يتقاعد أجدادهم بأمان، سيتحمل هؤلاء الشباب تكلفة ارتفاع المعاشات التقاعدية والدين الوطني المتصاعد .لذلك انضم طلاب الجامعات والمعلمون وحتى "السترات الصفراء" الذين عادوا للظهور إلى احتجاجات المدارس، التي لا يقودها أحد، بمطالبهم الخاصة رداً على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود التي لا تطاق.
 لقد أصبحت ظروف الحيوات المختلفة هذه مسألة سياسية في طريق مسدودة ،. ومثل هذا التحول سيكون تحدياً اقتصادياً للطبقات المتوسطة والفقيرة، وسيتطلب ذلك تفكراً دقيقاً من قبل صناع السياسات مع مراعاة العلم بعدم المساواة بين الدولة المركزية والأطراف وغيتوات الفقر والهجرة والعزلة، ما يؤدي إلى استخدام الشباب وسائل غير حضرية وقانونية ، وفقدان الأمن المركزي السيطرة أثناء مواجهة حشود من الناهبين ومخربي تراث المدن الكبيرة.

 يشعر السياسيون والمحللون بالصدمة المفهومية لما يجري من أشكال العنف، ويقع على السلطات الفشل الذريع في فرض القانون والنظام، لكنهم يغفلون الصورة الكبرى في  المعاناة المستمرة سياسياً ومالياً واجتماعياً. وما يجعل هذا الوضع مختلفاً هو تراكم الأزمات في وقت واحد. لذلك، تخيف الاضطرابات الحالية العالم من وضع سيء، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود، والتضخم ، السخط على حالة المدارس، وتدهور الخدمات العامة، وأزمة الإسكان إلى خلق عاصفة مثالية من الاحتجاجات في خريف أوروبا.

لقد خرجت الحشود إلى الشوارع في المدن الكبرى في أنحاء  من فرنسا وإيطاليا وألبانيا وإسبانيا والبرتغال. وظهرت مخيمات احتجاجية ضد الإيجارات وتكاليف المعيشة، التي لا يمكن تحملها.  ويشعر الشباب بخيبة أمل من النموذج الاجتماعي الرأسمالي الطابع، ويعانون من شعور قوي بعدم اليقين وفقدان السيطرة. وبينما تحقق أحزاب اليمين المتطرف مكاسب انتخابية في ألمانيا، وقد تفعل الشيء نفسه في أماكن أخرى، تعاني الأحزاب الاشتراكية من فقدان الأهداف السياسية  .ويأتي هذا في وقت تواجه فيه أوروبا لحظة حاسمة في دعمها لأوكرانيا، ومع قيام الرئيس ترامب بمغازلة الرئيس فلاديمير بوتين. وقد استغل السياسيون اليمينيون هذه الفوضى. فبينما بدت الاحتجاجات في فرنسا واسعة النطاق، صور ترامب المهاجرين كمسؤولين عن الدمار، وكتب على منصته "تروث سوشيال"، "لقد استولى المهاجرون على فرنسا. يجب عليهم إغلاق الحدود، وبسرعة!" . مع ذلك السلطات الفرنسية  تستخدم الوسائل القانونية ، لم تلم المهاجرين، ولا المتظاهرين الذين يطالبون  بحماية الرعاية الصحية والتعليم. وفي صربيا، يقود طلاب الجامعات احتجاجات جماهيرية ضد الفساد منذ عامين تقريباً، والآن يطالبون بإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة التي فاز بها الحزب الشعبوي القوي للرئيس ألكسندر فوتشيتش.

من الصعب رؤية كيف سيؤدي المزيد من الضرائب والإنفاق على السلاح إلى حل لمشاكل التضخم. وبطبيعة الحال، فإن اللوم في هذا الوضع، وفقاً لبعض مؤيدي الاحتجاجات، يقع على الرأسمالية. يقول الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي "إن مشاكل البلاد هي نتيجة اتباع المنطق الرأسمالي المتمثل في عدم الاستثمار الكافي في القطاع العام وعدم فرض ضرائب كافية على الأثرياء". وفيما يتعلق بضرائب الدخل الشخصي وحدها، فإن فرنسا لديها ضرائب باهظة على الرواتب والاستهلاك، حيث يوفر دافعو الضرائب الفرنسيون %74 من الإيرادات، ويقدم الـ 1% الأغنى ثلثها. كما أن لدى فرنسا أعلى معدلات ضرائب الشركات في أي دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لذلك التعاطف حقيقي مع الشباب الفرنسي غير العنيف. فاقتصادهم يحتضر إلى حد كبير، لأن المتقاعدين يسيطرون على مالية الدولة، مستهلكين 14% من الناتج المحلي الإجمالي. وأحد أسباب ضيق الإنفاق على التعليم هو أن ثلث ميزانية التعليم يذهب إلى معاشات التقاعد .وعندما يتحدث المحتجون عن الشعور بـ "اليأس"، فإنهم غالباً ما يقصدون أن "قطار الربح" سينفد قبل أن يتمكنوا من المشاركة فيه، ولكن من الصعب ألا نرى أن هذا فشل للرأسمالية أو "الليبرالية الجديدة، ولكن الإنقاذ لن يأت بالاشتراكية، كما قالت مارغريت تاتشر، "المشكلة في الاشتراكية هي أنك في النهاية تنفذ من أموال الآخرين".

قد تكون فرنسا حالة استثنائية في أدائها الاقتصادي الضعيف وإنفاقها الباذخ، لكن مشاكلها معروفة ، بما في ذلك في  أميركا، الذي نما اقتصادها بمعدل ضعف سرعة الاقتصاد الفرنسي على مدى الربع الأخير من القرن، لكن المطالب بـ "الرأسمالية" من الشباب الأمريكيين تتردد أصداؤها لدى أولئك الذين يحتجون في باريس. تمتلك فرنسا نوع الرعاية الصحية الشاملة. ولم يجنب ذلك فرنسا الاضطرابات السياسية والعنف الذي له علاقة بالتأكيد باستيعاب المهاجرين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط ، أو بتخفيضات الميزانية.

من المثير دائماً مراقبة لعبة "الدومينو" ، حيث تكون القطعة الأخيرة قادرة على تحريك كل القطع الأخرى. لكن اللعبة لم تبدأ بعد  في المسارات الديموغرافية المتفجرة التي لا تحل بالأمن وحده. ولا بأي شكل من أشكال الإرادة السياسية لوحدها في مجتمعات صارت هرمة، وتحتاج للمهاجرين في تناقص سكاني مع  انخفاض مستوى الخصوبة، وفي هجرة كثيفة نحو الغرب تتركز في الضواحي وتسبق التمنية الاقتصادية في وتيرة التحضر. وما نراه ،هو نقل الريف الى المناطق الحضرية، ما يحرم المدن من الزخم الاقتصادي والاجتماعي ، أنموذج مدن كبيرة في مجتمعات أفريقية. ثم هل ستنفجر سوق السندات مع أزمة ديون حكومية تلوح في الأفق مع تكاليف اقتراض وكثافة ديون، أعلى مما كانت عليه في تسعينات القرن الماضي مقارنة بالناتج المحلي. والنتيجة ضغوط هائلة على الميزانيات العامة. وهناك شكوك متزايدة حول مصداقية المؤسسات القانونية والشغف بالمال الذي تحول إلى قومية تديرها أوليغارشية، مثل تلميحات الرئيس ترامب إلى"أن  التضخم يمكن أن يقلل من  الديون !" في مواجهة صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في إيران. فيما الاستقرار الاستراتيجي البنّاء في الخليج  يصبح هدفاً أكثر صعوبة بعد الانتخابات النصفية، وهي تعيش صراعات شخصية، وأفاق ما تزال ماضوية قومية تقف عند عند العام 2003. أما لبنان، فهو نقطة في هذا البحر العاصف، والغارق أيضاً بتناقضاته وخلافاته، هل يلتقط المتغيرات في طبيعة العلاقات الدولية والمخاطر، أم يعمل بالنظام القديم من دون تحديث في بنيّة الدولة الوطنية والتعافي التنموي والثقافي؟      

مقالات ذات صلة
عرض الكل

إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل وشياطينه

بقلم سناء الجاك
نُشر أكتوبر 22, 2026 - 21:01
تم التحديث أكتوبر 25, 2026 - 16:00

لبنان: الزعامات خنقت الدولة وحزب الله ابتلعها

بقلم منى فياض
نُشر أكتوبر 21, 2026 - 20:27
تم التحديث أكتوبر 26, 2026 - 06:37

جوائز نوبل والبحث عن نقطة ضوء في سلوك الإنسان

بقلم يقظان التقي
نُشر أكتوبر 18, 2026 - 00:32
تم التحديث أكتوبر 20, 2026 - 22:04

إيران: إعدام الشباب أداة مفضّلة للقمع

بقلم نايلة عساف
نُشر أكتوبر 15, 2026 - 12:27
تم التحديث أكتوبر 21, 2026 - 17:57

نظرة صينية إلى الانهيار اللبناني

بقلم منى فياض
نُشر أكتوبر 12, 2026 - 21:03
تم التحديث أكتوبر 18, 2026 - 11:37

المزيد من يقظان التقي

عرض الكل

المزيد في تحليل

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل