شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

جوائز نوبل والبحث عن نقطة ضوء في سلوك الإنسان

صورة للأخبار
صورة جوناثان ناكستراند/أ ف ب
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 18, 2026 - 00:32

 أصبحت جوائز نوبل في السنوات الأخيرة جزءاً من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، في مادة تستحق قراءة تتجاوز الإنجاز العلمي أو الأدبي نفسه، وبوصفها مرآةً للسلوك الإنساني في عالم  جيوسياسي مضطرب، وكأداةً لفهم العلاقة بين المعرفة والقوة والسياسة والمجتمع، وذلك عبر العودة إلى البعد السلوكي الإنساني الذي يجسّده الفائزون، والبعد الجيوسياسي لجائزة عالمية عابرة للحدود وليست خارج التاريخ.  فالسلام والاقتصاد والأدب والعلوم تتحرك داخل عالم تتفاوت فيه عناصر القوة والنفوذ والموارد  وقد يمنح اختيار فائز ما بقضيةً معينة شرعيةً رمزية، أو يسلّط الضوء على صراع أو أزمة، أو يفتح نقاشًا حول المعايير والقواعد، التي يستخدمها المجتمع الدولي للاعتراف بالإنجاز، والمسافة بين القيمة والواقع. قد تمنح جائزة للسلام بينما تستمر الحروب، أو يحتفي العالم باكتشاف علمي، بينما تتسع الفجوة في الوصول إلى ثماره بين طبقات المجتمع، أو يكرّم كاتبًا (مجهولاً، أو معروفاً)، يدافع عن حرية الإنسان في عالم تتراجع فيه مساحات التعبي في أقوى ديمقراطيات نفوذاً ! هنا، ينبغي التمييز بين ما تقوله لجنة نوبل عن أسباب اختيارها، وما يمكن استنتاجه من الاختيار سياسيًا واجتماعيًا واقتصادياً . فليس كل اختيار يعتبر موقفًا جيوسياسيًا مقصودًا، وإن كان قابلًا لقراءة جيوسياسية.

يورغن واتني فريدنيس، في ولايته الثالثة كرئيس للجنة، رجل في قلب جائزة نوبل للسلام ، في الحادية والأربعين من عمره، بعيد كل البعد عن الصورة النمطية للدبلوماسيين ورجال السياسة في العالم، يقول : "نتحدث كثيراً عن لجنة نوبل، لكنني لم أكن أتخيل يوماً أنني سأتحمل هذه المسؤولية". خلال رحلاته الإنسانية، واجه يورغن واتني فريدنيس عن كثب العنف السياسي وويلات الحرب. لمس كل شيء. في منظمة "أطباء بلا حدود"، نظم في عام 2010، قافلة أوروبية إلى ملاوي، ثم سافر في مهمات حول حملات التطعيم ضد الحصبة ومكافحة سوء التغذية. ومن أوروبا، ذهب في مهمة إلى أفغانستان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتنزانيا، السودان. وجه عينيه نحو الخارج في المداولات التي تعقد في في مكتب معهد نوبل في أوسلو من شباط/ فبراير إلى سبتمبر/أيلول.

الأعضاء الخمسة في اللجنة، التي قامت بفرز 287 مرشحاً ، 79 منهم من المنظمات، والقائمة سرية. إنهم يستعينون بخبراء من جميع أنحاء العالم، الذين يزودونهم بمعلومات حول الأوضاع الجيوسياسية للبلدان التي ينتمي إليها المرشحون. وفيما يتعلق بالجدل المثار حول دونالد ترامب، الذي أيده بعض الجمهوريين في الكونغرس الأمريكي، وكذلك من قبل رؤساء دول كمبوديا وباكستان وإسرائيل، فإنه يعارض "عدم التوافق" في الظروف. هكذا نفهم فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام 2026 ، تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ودفاعها عن حقوق الإنسان. وقبل ذلك ، كانت منحت نوبل السلام  لماريا كورينا ماتشادو2025  عن جهودها من أجل الحقوق الديمقراطية في فنزويلا والانتقال السلمي. وكرمت نيهون هيدانكيو 2024الذاكرة الجماعية والأخلاق النووية في  دعوة عالمية لمنع استخدام الأسلحة النووية جيوسياسيا( كرمت أيضاً الإيرانية نرجس محمدي لنضالها ضد اضطهاد النساء في إيران ودفاعها عن حقوق الإنسان والحريات2023) . ما يشير، في هذا الصدد، إلى وصية ألفريد نوبل كنص مقدس يحدد الجائزة التي ستُمنح لـ "الشخص الذي قدم أفضل أو أكبر مساهمة في تقارب الشعوب، أو في خفض أو إلغاء الجيوش الدائمة، أو في عقد أو تعزيز مؤتمرات السلام".

لا تحتفي جوائز نوبل بالإنجازات فحسب. إنها تكشف، أحيانًا، ما الذي أصبح العالم يحتاج إلى فهمه عن نفسه في مجتمعات لم تعد تعاني من نقص الأشياء أو المعلومات، بل من صعوبة تثبيت المعنى، ومن استنزاف القدرة على الاهتمام. كأن الحضارة، بعد أن قطعت شوطًا هائلًا في الإنتاج والتكنولوجيا وتراكم المعرفة، تعود لتطرح سؤالها الأول، ماذا نفعل بكل هذه القدرات، إذا لم نعرف كيف نعيش، ولماذا نعيش، وما الذي يستحق أن نتمسك به؟ ربما تكون لجنة نوبل واعية لهذه المهمة في اختياراتها وبحثها عن مصادر القيمة الإنسانية .ونظن، أن نوبل لا تبحث عن الإنسان الذي ينتصر في العالم، بل عن الإنسان الذي ما زال قادرًا على أن يمنح العالم معنى ومتعة وجودية .

في جائزة الاقتصاد لعام 2025، كان التركيز على الابتكار والنمو الاقتصادي والتدمير الخلّاق. أما جائزة 2026، التي أُعلنت، وذهبت إلى روبرت هول ومايكل وودفورد ، فكانت عن إسهاماتهما في الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي الذي لا يتحرك من تلقاء نفسه. فوراء التضخم والركود والادخار والإنفاق أفراد يتخذون قراراتهم بناءً على توقعاتهم وثقتهم وخوفهم من المستقبل. ليس معنى ذلك أن التضخم والمديونية أصبحا أقل أهمية، بل إن فهمهما يقتضي أيضًا فهم السلوك الذي ينتج عنهما، وكيف تؤثر التوقعات في القرارات الاقتصادية، والاقتصاد ليس أرقامًا تتحرك في فراغ. إنه مجتمع يتصرف تحت ضغط التوقعات في الأزمنة غير المستقرة . فالاقتصاد يبدأ من الناس حين تواجه السلطات الاقتصادية سؤالاً متكرراً،  كيف تنشّط الاقتصاد في فترات الركود من دون إشعال التضخم، وكيف تكبح ارتفاع الأسعار من دون إلحاق ضرر كبير بالوظائف؟ والإجابة تتطلب تقدير استجابة الناس والشركات لخفض معدلات الفائدة أو زيادة الإنفاق الحكومي أو تغيير الضرائب . وبحسب الأكاديمية، ساعد الفائزان في تطوير نماذج تنطلق من سلوك الأسر والشركات، بدلاً من الاكتفاء بالعلاقات الإحصائية بين مؤشرات مثل الإنتاج والاستهلاك والتضخم.

 في جائزة الكيمياء هذا العام، كُرّم الفرنسي هنري كاغان، البالغ 95 عامًا، والياباني كينسو سواي، البالغ 76 عامًا، عن اكتشافاتهما في التخليق العضوي غير المتماثل والتحفيز الذاتي . أي إن الفائزين ليسا شابين صغيرين نسبيًا، بل عالمان راكم عملهما العلمي أثرًا امتد إلى تطوير الأدوية وفهم كيمياء الحياة.  ما يعني أن العلم الذي نحتفي به اليوم ليس مجرد قدرة على إنتاج مواد جديدة، إنه قدرة على فهم البنى الدقيقة التي تجعل الحياة ممكنة، وعلى التدخل فيها بمسؤولية. أما جائزة الأدب، فقد ذهبت إلى الكاتبة الكندية آن كارسون، التي تمزج في أعمالها بين الأدب الكلاسيكي والحديث، وبين الشعر والنثر، و وما وصف بأنه مواجهة للملل، أو العجز عن الاستمرار في الاهتمام بما يمنح المتعة معناها. فنحن أمام وفرة هائلة من الصور والأخبار والمنتجات والتجارب، لكن الوفرة لا تضمن الامتلاء.  بل قد تتحول إلى دوران متواصل بين رغبات قصيرة العمر، تتبدل قبل أن تتحول إلى خبرة أو ذكرى  سيّالة مثل كثبان الرمل الصحراوية. في المقابل، يطلب منا الأدب التمهل، أي القدرة على البقاء في مجتمعات ما بعد استهلاكية تواجه سيولة الحقائق قبل أن يتاح اختبارها، ربما لصرف الانتباه ولتخفيف وطأة قضايا الدين والجيوسياسية والأيديولوجيا الثقيلة.

 ليس أن نوبل قررت مواجهة الملل أو البرودة، بل أن اختياراتها تتيح مساءلة علاقة الإنسان المعاصر بالمعرفة، والزمن، والمعنى والقوة. هكذا، يستشعر في بعض اختيارات الأسماء التحوّل في البنية النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر، قبل أن يتحوّل هذا التحوّل إلى أزمة معلنة في  الحقيقة المشتركة، والانتماء، والمعنى، حيث التوقع المستقر للمستقبل أصبح أكثر عرضة للتفكك، من تفسير الاقتصاد عبر التضخم والمديونية والمؤشرات الكلية، إلى فهم الإنسان الذي يتخذ القرار في الحروب، ويتأثر بالخوف والتوقعات والحوافز والانحيازات، والنمو المدفوع بالابتكار والتدمير الخلّاق في آن من نوع "أتركوا الذكاء الاصطناعي يعمل"، في حين يجادل كثيرون بأن قوانين المسؤولية والقواعد الجديدة غير كافية، سيّما في الفيزياء والذكاء الاصطناعي ، حيث ذهبت جائزة 2024   لجون هوبفيلد وجيفري هينتون عن اكتشافات واختراعات أساسية مكّنت التعلم الآلي بالشبكات الرقمية. لذلك نوبل تمنح  فرصة لفحص ثلاثة أنظمة متداخلة للنفس البشرية، والنظام السياسي، ونظام الاعتراف العالمي.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

إيران: إعدام الشباب أداة مفضّلة للقمع

بقلم نايلة عساف
نُشر أكتوبر 15, 2026 - 12:27
تم التحديث أكتوبر 17, 2026 - 11:53

نظرة صينية إلى الانهيار اللبناني

بقلم منى فياض
نُشر أكتوبر 12, 2026 - 21:03
تم التحديث أكتوبر 17, 2026 - 11:53

متفجرات ضهر البيدر… هل تنتهي المسايرة قبل أن يعود الاغتيال؟

بقلم جاد الاخوي
نُشر أكتوبر 12, 2026 - 16:14
تم التحديث أكتوبر 17, 2026 - 23:56

الاعتدال اللبناني يحتاج إلى مشروع

بقلم ربيع دندشلي
نُشر أكتوبر 8, 2026 - 03:14
تم التحديث أكتوبر 15, 2026 - 14:13

أجراس الانذار تقرع حول الذكاء الاصطناعي

بقلم يقظان التقي
نُشر أكتوبر 8, 2026 - 02:58
تم التحديث أكتوبر 11, 2026 - 03:44

المزيد من يقظان التقي

عرض الكل

المزيد في تحليل

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل