


تعتزم فرنسا إرسال جنود ورادارات وأنظمة دفاع إلى السعودية لحماية منشآت الطاقة في ميناء ينبع على البحر الأحمر. وتهدف هذه المساعدة إلى تأمين موقع أصبح محورياً لصادرات المملكة النفطية، في وقت تهدد فيه هجمات الحوثيين وميليشيات أخرى موالية لإيران طرق إمداداته.
وأوضح الرئيس إيمانويل ماكرون أن فرنسا لا تعتزم المشاركة في النزاع، وأن هذا الانتشار تم الاتفاق عليه مع الرياض. ولم يستبعد تقديم مساعدة إضافية بحسب تطورات الوضع.
لماذا ينبع؟
منذ بدء الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أصبح موقع ينبع ذا أهمية استراتيجية بالغة، إذ يتيح ميناؤه للسعودية تجاوز مضيق هرمز الذي تفرض طهران إغلاقه.

يمتد خط الأنابيب شرق-غرب، أو «بترولاين»، لمسافة 1200 كيلومتر عبر السعودية، من قلب المنطقة النفطية للمملكة على الخليج العربي إلى ميناء ينبع. وقد بُني في مطلع ثمانينيات القرن الماضي لمواجهة التهديدات التي كانت تحيط بالملاحة في الخليج خلال الحرب الإيرانية العراقية. وبات هذا الخط شرياناً حيوياً في زمن الحرب، ويسهم في جعل ينبع نقطة رئيسية لإمداد الأسواق الأوروبية بالنفط الخام والديزل والمنتجات المكررة.
لكن هذا المسار البديل بات مهدداً الآن. فقد ألحقت ميليشيات موالية لإيران في العراق أضراراً بخط الأنابيب في هجوم بطائرات مسيّرة. كما ضرب الحوثيون مصفاة ياسرف قرب ينبع، واستهدفوا منشآت تابعة لأرامكو. وهم يهددون أيضاً حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بوابة العبور إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية.
وقد هزّت هذه الهجمات أسواق الوقود العالمية وفاقمت أزمة إمدادات الديزل ذات التداعيات الدولية.
لماذا تحتاج الرياض إلى مساعدة عسكرية؟
تمتلك السعودية ترسانة كبيرة، لكنها تواجه صعوبة في حماية جميع منشآتها من الهجمات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وتتعرض مخزونات صواريخ الاعتراض لديها لضغوط، فيما تُستنزف راداراتها وطواقمها بشكل كبير. كما تعتمد المملكة على موردين ومدربين أجانب في جزء من معداتها وقدراتها العسكرية.
وتُعدّ المشتريات الضخمة للأسلحة من المصنعين الغربيين، ولا سيما الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين، سمة رئيسية في سياسة الدفاع السعودية. وهي تُستخدم لتعزيز قدرات المملكة، وكذلك لضمان دعم حلفائها.

بحسب هذا الفيديو الدعائي الحوثي، تعرض رتل من الشاحنات السعودية المحمّلة بالإمدادات لهجوم على الحدود مع اليمن. (AFP)
ورغم هذه الترسانة، يرى عدد من المحللين أن القوات السعودية تمتلك خبرة محدودة نسبياً في تنفيذ العمليات العسكرية المعقدة. كما أن تشتتها يعقّد التنسيق.
ويحلل برنارد هيكل، المتخصص في شؤون السعودية بجامعة برينستون، في تصريح نقلته وكالة فرانس برس: «يتعين على القادة السعوديين بناء جيش مستعد للقتال، والاعتماد على شعب مستعد للموت، للحفاظ على رخائهم».
جيش أُبقي محدوداً عمداً
يرى عدة محللين أن هذه الثغرات تعود أيضاً إلى خيار سياسي، إذ يُعتقد أن القوات المسلحة للمملكة أُبقيت عمداً في حالة من التشتت لمنع أي محاولة انقلاب، في منطقة شهدت العديد من الانقلابات.
وقال راي تقيّة، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، خلال جلسة استماع في الكونغرس الأميركي عام 2015: «لا تزال السعودية ملكية لم يُطَح بها على يد الجيش، تحديداً لأن الجيش أُبقي في حالة من الضعف».

متمردون حوثيون يتباهون أمام طائرة إف-15 سعودية أُسقطت. (AFP)
أبرزت الحرب في اليمن هذه القيود بصورة أوضح. فقد أضعفت التوترات بين الرياض وأبوظبي المعسكر الحكومي اليمني، فيما لم تنجح القوات السعودية في ملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب الإمارات العربية المتحدة من اليمن.
أما الحوثيون، الذين يعرفون تضاريس البلاد ويتمتعون بقيادة أكثر تماسكًا، فقد تمكنوا من استئناف هجومهم وتهديد المصالح السعودية.
التراجع الأمريكي
تسعى الرياض أيضًا إلى الحصول على ضمانات في مواجهة الغموض الذي يحيط بالالتزام الأمريكي. ولا تزال الولايات المتحدة شريكها الاستراتيجي الرئيسي، لكن سياسة دونالد ترامب تجعل دعمها أقل قابلية للتنبؤ.
رفض الرئيس الأمريكي طلبات سعودية لتنفيذ ضربات ضد الحوثيين، بينما أجرى ممثلوه محادثات مباشرة مع الجماعة في عُمان. وهكذا فضّلت واشنطن الحفاظ على هدنتها مع الحوثيين بدلًا من تدخل عسكري لإنقاذ حليفها.
ويغذي هذا الموقف شكوك ملكيات الخليج بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل عند وقوع أزمة.
ما مصلحة فرنسا؟
بالنسبة إلى باريس، يشكل هذا الانتشار فرصة لتأكيد نفسها شريكًا قادرًا على تقديم دعم عسكري ملموس، في وقت يبدو فيه الالتزام الأمريكي أكثر غموضًا.
وتعتزم فرنسا تعميق علاقاتها مع الرياض وتنويع شراكاتها في الخليج، حيث ترتبط بالفعل بعلاقات وثيقة مع الإمارات العربية المتحدة. وقد تجسد التقارب الفرنسي السعودي، ولا سيما خلال زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى باريس أواخر أغسطس، في اتفاقات شملت مجالات الدفاع والصحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

الرئيس ماكرون خلال زيارة لحاملة الطائرات شارل ديغول قبالة قبرص. (أ ف ب)
وقد تخدم هذه الحضور المصالح الدبلوماسية والاقتصادية الفرنسية، من دون أن يحل محل التحالف الأمريكي الذي يظل محوريًا بالنسبة إلى السعودية. غير أن تردد واشنطن يفتح مجالًا أمام شركائها الغربيين لتعزيز روابطهم الاستراتيجية الخاصة في المنطقة.
كما أن الرهانات صناعية وتجارية أيضًا، إذ تحتل صادرات الأسلحة مكانة مهمة في التجارة الخارجية الفرنسية، إلى جانب قطاعات مثل الطيران والمنتجات الفاخرة والصناعات الغذائية.