شعار Levant Time

قراءة تحليلية

إيران تراهن على الصين، حليفتها في اللحظات الأخيرة
بقلم
LevantTime .
نُشر
أغسطس 29, 2026 - 23:17

في وقت وعدت فيه الولايات المتحدة إيران بـ«يوم إنزال اقتصادي»، لا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تصبح فعّالة بالكامل إلا بتعاون الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني وأكبر مورّد للتكنولوجيات العسكرية إلى نظام الملالي. وبعد ستة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط، لدى واشنطن ما يدعو إلى القلق من الغرق في مستنقع هذا النزاع الذي كان من المفترض أن يستمر بضعة أسابيع فقط. وفي ظل تعذّر التوصل إلى حل عسكري سريع وحاسم، اختارت إدارة ترامب خنق النظام الإيراني عبر طرح عقوبات جديدة لا تستهدف طهران مباشرة، بل شركاءها التجاريين، بهدف عزل الاقتصاد الإيراني. وتشمل هذه الخطة الواسعة التي وضعها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عدداً من الكيانات الصينية، وقد دعا بكين إلى الانضمام إليها. قمة شنغهاي بلغت الأمور درجة من الإلحاح جعلت القمة التي تحيي الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون تتحول بالنسبة إلى الإيرانيين إلى اجتماع الفرصة الأخيرة. ومن المقرر أن يجتمع يومي الاثنين والثلاثاء في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان، قادة روسيا والصين وإيران والهند، إلى جانب ست دول أخرى من آسيا الوسطى. ومن بين المشاركين فلاديمير بوتين وشي جينبينغ، إضافة إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. وإذا كانت الصين معنية بشكل مباشر بالنظام الجديد للعقوبات الأميركية، فإن بكين رفضت هذه التهديدات، مؤكدة على العكس أنها ستدافع بحزم عن مصالحها وعن تعاونها مع إيران، التي تعدّ أحد أبرز شركائها. ومن شأن هذا التجاذب أن يزيد التوترات بين بكين وواشنطن، عشية الزيارة المرتقبة للزعيم الصيني شي جينبينغ إلى العاصمة الأميركية في أيلول. وقد اعتادت إيران مقاومة العقوبات المفروضة عليها منذ عقود عبر اللجوء إلى شبكات مالية دولية معقدة للالتفاف عليها. وتُعدّ بكين من كبار المشترين للنفط الإيراني. وغالباً ما تسدّد قيمة مشترياتها باليوان الرنمينبي، أي العملة الصينية، ما يسمح لهذه التعاملات بالإفلات من العقوبات الأميركية. كذلك، وحتى إذا بقيت حركة الملاحة في مضيق هرمز مقفلة، تستطيع الصين مواصلة تلقي النفط الخام الإيراني عبر الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية في آسيا الوسطى. الكلفة في مقابل المكاسب وهكذا، صحيح أن المشتريات الصينية تراجعت، لكنها تبقى بالنسبة إلى طهران ما يساعدها على الصمود في وجه خطر الاختناق الاقتصادي الكامل. وبحسب خبراء استطلعت وكالة فرانس برس آراءهم، تستهدف العقوبات الجديدة التي أُعلنت الاثنين بعض الكيانات الصينية المتهمة بمساعدة طهران على الحصول على تكنولوجيات حيوية. غير أن الولايات المتحدة امتنعت حتى الآن عن فرض عقوبات على المؤسسات المالية الكبرى في الصين. وقد أمضت بكين وواشنطن قسماً كبيراً من العام الماضي عالقتين في حرب تجارية متصاعدة، إلى أن أتاح لقاء شي جينبينغ ودونالد ترامب في تشرين الأول 2025 هدنة هشة. وحتى تؤتي حملتها ضد إيران ثمارها، قد تضطر واشنطن إلى «تقديم حوافز» لبكين بغية تشجيع العملاق الآسيوي على الاصطفاف إلى جانبها، وفق ما يرى ليم تاي وي، الأستاذ المتخصص في شؤون شرق آسيا في جامعة سوكا اليابانية، في تصريح نقلته وكالة فرانس برس. وعليه، لن تفكر الصين في التعاون مع الولايات المتحدة إلا «إذا أصبحت كلفة دعم إيران أعلى بكثير من الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية» الناجمة عن مواصلة التجارة معها. ترامب يضاعف محاولات صرف الأنظار في هذه الأثناء، يشهد الرئيس دونالد ترامب في واشنطن، عاجزاً عن التدخل، سلسلة من الانتكاسات التي تلقي بظلالها على انتخابات منتصف الولاية المقررة في تشرين الثاني المقبل. إعادة تسمية بحيرة، ومنشورات صادمة على الإنترنت، وتراجع كبير في التواصل مع الصحافة... لم يعد ترامب يريد التحدث عن إيران ولا عن التضخم، وهما الملفان اللذان يثقلان ولايته. وتقبع شعبيته عند أدنى مستوياتها، فيما يخشى الحزب الجمهوري هزيمة قاسية في تشرين الثاني خلال انتخابات ستحدد الجهة التي ستسيطر على الكونغرس، الذي لا تزال الغالبية فيه محافظة حتى الآن. فالسياسي الجمهوري البالغ من العمر 80 عاماً يطبق استراتيجية لطالما لجأ إليها: إحداث ضجيج كبير في محاولة لحجب خلفية سياسية غير مواتية، تتمثل هنا في توالي استطلاعات الرأي السلبية بشأن حصيلة ولايته. وخلال هذا الأسبوع، استحوذ دونالد ترامب مؤقتاً على اهتمام وسائل الإعلام بإعلانه إعادة تسمية بحيرة أونتاريو، الواقعة على الحدود الأميركية الكندية، لتصبح «بحيرة أميركا»، ما أثار غضب كندا. حتى المؤثر المحسوب على اليمين المتشدد مات والش اعتبر الفكرة «غبية سياسياً»، ورأى فيها «هدية» لليسار الأميركي. لكن لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن سياسة مكافحة الهجرة تبقى من الملفات القليلة التي تسير وفق المسار الذي حدده الرئيس الجمهوري. وتكثف الحكومة تواصلها بشأن حملتها للترحيل الجماعي، التي تُنفذ في ظروف يعتبرها المعارضون الديمقراطيون قاسية في كثير من الأحيان. وقد نشرت وزارة الأمن الداخلي، على سبيل المثال، الخميس مقطع فيديو يظهر صعود مواطنين هايتيين مكبلين إلى طائرة، بعد أن ألغت واشنطن وضعاً قانونياً كان قد أتاح لهم دخول البلاد بصورة شرعية. واعتبر معارضون لدونالد ترامب أن المقطع، الذي رافقته موسيقى، مهين وعنصري. أما في باقي الملفات، فإن الحرب مع إيران استمرت أطول بكثير من الأسابيع القليلة التي كان قد وعد بها ساكن البيت الأبيض، والأهم أن الأميركيين ما زالوا ينتظرون انخفاض كلفة المعيشة كما كان قد تعهّد لهم. «أفضل رئيس» وتراكم حكومته الإجراءات الطارئة مع اقتراب الانتخابات، في مجالات مختلفة: استيراد كميات ضخمة من لحوم الأبقار الأجنبية لخفض الأسعار، وإعادة شراء سندات من الدين الأميركي لطمأنة الأسواق، ومهمة عاجلة لرئيس وكالة الاستخبارات المركزية في محاولة لثني روسيا عن مهاجمة دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، بحسب الصحافة الأميركية. وكان دونالد ترامب، المعروف بولعه باللقاءات المرتجلة مع مجموعات من الصحافيين، قد أصبح أقل حضوراً في مثل هذه المناسبات، أو بات ينهيها بسرعة. ففي بداية ولايته الثانية، كان يعقد بسهولة مؤتمرات صحافية مرتجلة تمتد ساعة كاملة، وأحياناً بشكل يومي. أما الآن، فيفضل منح مقابلات مطولة، كما فعل هذا الأسبوع، لمقدم برامج من أوساط حركة «ماغا»، من دون أن يتعرض لأسئلة محرجة. ومع ذلك، لا يزال الرئيس الجمهوري كثير النشاط على منصته «تروث سوشال»، بأسلوب يقوم على «التصيد» الإلكتروني، أي إطلاق استفزازات مجانية بهدف إثارة ردود فعل واسعة الانتشار. وخلال هذا الأسبوع، نشر «تصنيفاً» لعدد من الرؤساء الأميركيين، ما أثار استياء خصومه. فقد وصف لينكولن وواشنطن بأنهما «جيدان جداً»، وكلينتون بأنه «متوسط»، فيما اعتبر بايدن وأوباما وكارتر «إخفاقات». أما هو، فمن دون مفاجأة، فقد وضع نفسه وحيداً في أعلى القائمة بصفته «أعظم» رئيس.

ترامب يندد بإعدام المعارضين الإيرانيين "على نطاق غير مسبوق"

أشار الرئيس دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، في الحين المناسب، إلى جانبٍ من الحرب الإيرانية غاب للأسف الشديد عن حسابات بعض السياسيين والإعلام الغربي: وهو البعد الإنساني للأزمة الإيرانية عموماً، وبشكل أخصّ السلوك الدموي والمشين لبعض أقطاب السلطة في طهران بخاصة؛ إذ يتخذ هؤلاء من الإعدام والتعليق على الرافعات –بصورة شبه يومية طالت تلامذة المدارس والفتيان دون الثامنة عشرة والشباب الجامعي – استراتيجيةً للقمع والإرغام، بغية ترهيب السكان وقطع الطريق على أي نُزعَة لانتفاضة شعبية. وقال الرئيس ترامب بوضوح: "الجمهورية الإسلامية المتداعية عاجزة عن دفع رواتب قسم كبير من عناصر أجهزتها العسكرية، بينما تقتل المتظاهرين، حتى عندما لا يكونون في حالة تظاهر، على نطاق لم يشهد له مثيل من قبل. إنها أزمة إنسانية ذات أبعاد استثنائية". هذه الإعدامات المتزايدة بحق الشباب والفتية هي تحديداً ما يتجاهل رؤيته والإقرار به بعض السياسيين والإعلام الغربي من "أصحاب النوايا الحسنة"، متبعين بذلك نهج التهوين من شأن هذه الممارسة المخزية المتمثلة في الإعدام على الرافعات واختطاف القاصرين – إذ سُجلت حالات اختفاء وخطف عدة لأطفال في الأيام الأخيرة – وذلك لخلق مناخ قسري من الرعب قبل أن تتفلت الأوضاع في الشارع تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي المتفاقم. ملاحظة في محلها تماماً. مصطلح D-Day في الأدبيات السياسية والإعلامية يعود مرجعه التاريخي إلى "يوم الإنزال" (إنزال النورماندي). استخدام عبارة "الإنزال الاقتصادي" يمنح النص قوة بلاغية، ويحفظ الرمزية التاريخية والمجازية التي أرادها الكاتب أصلاً، وتتناسب تماماً مع لغة صحيفة "النهار" . إليك النص معدّلاً باستخدام هذا المصطلح الأنسب: غياب الردود حتى الساعة على "الإنزال الاقتصادي" على الصعيد العملي، تترقب الأوساط السياسية والاقتصادية الدولية الأثر الملموس للحرب الاقتصادية الشاملة التي أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت، يوم الاثنين بشكل رسمي ومدوٍّ، تحت شعار "الإنزال الاقتصادي" (D-Day). ولم تُسجَّل حتى الساعة أي ردود فعل من الدول الأوروبية والعربية في هذا الشأن، لا سيما ما يتصل بآليات تطبيق التدابير المُعلنة. وبانتظار أن تتضح تداعيات هذا "الإنزال الاقتصادي" وتنجلي صورته، يعود ملف مضيق هرمز ليتصدر الواجهة مجدداً، مكرساً عمق الخلاف القائم بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، كشف الرئيس ترامب، يوم الثلاثاء، أن البحرية الأمريكية أبلغته بتدمير أو إزالة جميع الألغام التي كانت تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز. ونقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن مسيّرات تحت الماء مسحت المضيق خلال الأشهر الأخيرة، ورصدت نحو مئة لغم تم تدميرها أو سحبها لاحقاً بوساطة شركات خاصة. وأشار المسؤولون إلى أن تفكيك هذه الألغام من شأنه تسهيل عبور السفن عبر المضيق، "مما يتيح زيادة صادرات النفط إلى الأسواق العالمية". إلى ذلك، كشف ترامب عن تحذير وُجّه إلى الجمهورية الإسلامية يستهدف أي زورق يحاول زرع ألغام جديدة بالدمار الفوري. واغتنم الرئيس ترامب المناسبة للإشارة إلى خضوع المضيق كاملاً لمراقبة دقيقة عبر الأقمار الاصطناعية، بالإضافة الى المواقع النووية الثلاثة التي دمرها الطيران الأمريكي في حزيران 2025، وفي مقدمها منشأة "جبل الفأس" (Pickaxe Mountain) المُقامة في عمق جبل صخري من الجرانيت الصلب قرب مجمع نطنز. ويصعب على السلاح الجوي الأمريكي بلوغ هذا الموقع، حيث يفيد عدد من المصادر الغربية بأن الإيرانيين يجرون فيه، بعيداً عن الأنظار، أعمالاً لتخصيب اليورانيوم وتجميع صواريخ باليستية بعيدة المدى. النظام الإيراني يستأنف مناورات التسويف إزاء التصعيد الأمريكي، عاد نظام الملالي يوم الثلاثاء إلى تكتيكات التسويف لكسب الوقت؛ وهو سلوك يواظب عليه منذ أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً منذ أن فضح برنامج طهران السري لتخصيب اليورانيوم مطلع الألفية. وبدفعٍ من سلطة الملالي على الأرجح، عقد وزيرا خارجية إيران وعُمان اجتماعا في طهران وصفه النظام الإيراني بـ"البنّاء". وصدر بيان مشترك في ختام المباحثات شدد على ضرورة استئناف الملاحة في مضيق هرمز "مع الحفاظ على سيادة البلدين وحقوقهما". وأعاد البيان طرح المشروع الإيراني، الذي سبق لطهران أن قدمته مراراً، والقاضي بإنشاء "ممر مشترك موقت عبر المضيق، بالتوازي مع عملية مشتركة لنزع الألغام"؛ وهي محاولة من نظام الملالي للإيحاء بإمساكه بزمام المضيق وانفراده بإدارته. في سوريا: القوات والهيئات الكردية تنضم إلى الدولة على صعيد آخر، شهد يوم الثلاثاء 25 آب تطوراً بارزاً ينطوي على أبعاد تاريخية ورمزية كبيرة؛ إذ أعلن قائد القوات الكردية مظلوم عبدي، في نهاية اليوم، حلّ ميليشيا "قسد" الكردية التي حظيت برعاية ودعم من الولايات المتحدة لمواجهة تنظيم "داعش". وأشار عبدي في الوقت نفسه الى تفكيك إدارتها الذاتية وجميع الهيئات الكردية التابعة لها، على أن تُدمج رسمياً في مؤسسات الدولة السورية. وقد كرّس هذا الاندماج للقوات والكيانات الكردية في هيكلية الدولة خلال لقاءٌ رسمي جمع الرئيس أحمد الشرع بمظلوم عبدي. وبذلك تُطوى، على ما يبدو، صفحة الصراع الدفين بين نظام الأسد السابق والأقلية الكردية التي عانت التهميش في عهدي الأسد الأب والابن... ويبقى الرهان محصوراً في ترجمة هذه الخطوة النوعية ميدانياً وتثبيت دعائمها.

هل تستطيع إيران الصمود أمام "إنزال واشنطن الاقتصادي"؟
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر
أغسطس 25, 2026 - 01:17

حدثان بارزان يُظللان بداية هذا الأسبوع: الهجوم الاقتصادي والمالي الهائل الذي شنته الولايات المتحدة على إيران – والذي أُطلق عليه اسم "الإنزال الاقتصادي" (D-Day) – وفي لبنان، عودة قضية السفير الإيراني المُعيّن في بيروت دون اعتماد رسمي، محمد رضا شيباني، إلى الواجهة. تكمن أهمية حزمة العقوبات التي أعلنتها واشنطن يوم الاثنين في تداعياتها المباشرة متعددة الأبعاد، على المديين القريب والمتوسط، على الاقتصاد الإيراني، وبقاء نظام الملالي، التوازنات الإقليمية، وحتى العلاقات الدولية، ولا سيما مع الصين. أمّا قضية محمد شيباني، وعلى الرغم من أنها لا تُقاس بالطبع بـ "الإنزال الاقتصادي"، فإنها تضع قدرة السلطات اللبنانية على المحكّ في مدى ملاءمة أفعالها لأقوالها. وهي تكتسب أهميتها كونها تُشكّل اختباراً جديداً لدولة ما زالت تجد صعوبة في فرض سلطتها. وفي هذا الاثنين 24 آب، فشل لبنان الرسمي مجدداً في هذا الاختبار. يأتي الإعلان عن هذه التدابير غير مسبوقٍ إطلاقاً، شكلاً ومضموناً، لكونه يهزّ الاقتصاد العالمي بأكمله في الوقت الذي يفرض فيه حصاراً خانقاً على النظام الإيراني. وتطال العقوبات القطاعات كافة: الذهب، التكنولوجيا، الأصول الرقمية، النفط، النظام المصرفي، الطيران، والنقل البحري. وكان الإنذار الذي وجهه وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، واضحاً لا لبس فيه: على الدول التي تتعامل مع إيران التقيّد بهذه الإجراءات أو المخاطرة بتعرّضها هي الأخرى للعزل. والأسوأ من ذلك: أنها تقع تحت خطر الاستبعاد من نظام الدولار، بحسب توضيحاته. وحذّر بيسنت قائلاً: "يجب ألا يختبر أحد إرادتنا"، مؤكداً أن "المساحات الرمادية لم تعد موجودة". وأضاف: "على قادة العالم الاختيار بين إيران والولايات المتحدة، بين السلام والإرهاب". لا استثناءات، ولا سيما للصين، الشريك الاستراتيجي لطهران، والتي، على الرغم من فتح دونالد ترامب صفحة جديدة معها، تقع اليوم مجدداً في مرمى الهدف الأميركي. وكانت بكين قد أعربت مؤخراً عن انزعاجها من الاستراتيجية الأميركية الجديدة ضد إيران. وجاء ردّ سكوت بيسنت على سؤال بهذا الخصوص حازماً ومباشراً: "إذا سهّلت بكين المعاملات الإيرانية، فستكون مستهدفة". وبحسب المسؤول الأميركي، فإن هذه المعاملات، أياً كانت طبيعتها، تندرج ضمن " تبييض الأموال لصالح إيران". وقال وزير الخزانة إنه "يتوقع فرض عقوبات على مؤسسة كبرى هذا الأسبوع"، دون تقديم المزيد من التفاصيل، لكنه أشار، أثناء حديثه، إلى أن "نحو ستين كياناً على صلة بطهران قد فرضت عليها العقوبات للتو". كما تبلغ بنك "ملّي" الإيراني، إلى جانب مؤسسات أخرى، بوجوب "إغلاق جميع فروعه في العالم". وبحسب بيسنت، فإن إيران "تواجه خياراً واضحاً جداً، بين مسارين لا ثالث لهما: العزل التام واقتصاد الكفاف، أو العودة إلى وضعها الطبيعي مع فرصة الانضمام إلى الاقتصاد العالمي"، وذلك بحسب ما صرح به. ودعا بيسنت الجنود الإيرانيين إلى إلقاء سلاحهم، إذ قال موجهاً كلامه إليهم: "تذكروا أن جدار برلين سقط عندما قرر صغار الجنود عدم إطلاق النار على أبناء وطنهم". وفي أول رد فعل سريع، حاولت وكالة "تسنيم"، المقربة من الحرس الثوري الإسلامي، التقليل من أهمية هذه الحزمة الجديدة وغير المسبوقة من العقوبات "في وقت يتواجد فيه الوسيط الباكستاني في طهران". ونقلت عن مصدر إيراني رسمي إرجاعه الأمر إلى "العمليات الإعلامية والنفسية المتكررة لدونالد ترامب". وبحسب المصدر نفسه، "لن يتغير شيء على الأرض". وهو خطاب موجّه بالدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي، إذ إن الوضع على الأرض تحديداً لن يعود كما كان. ذعر في طهران كان الإعلان الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء عن "الإنزال الاقتصادي" (في إشارة إلى إنزال الحلفاء في نورماندي في حزيران 1944، الذي عجّل بسقوط النظام النازي في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية) كفيلاً بتوجيه الضربة القاضية لإيران إذا ما طُبّق حرفياً واستمر، في ظل غياب أي اختراق ديبلوماسي. فاختيار اسم هذه التدابير الصارمة التي تعتزم واشنطن فرضها على الجمهورية الإسلامية وعلى شركائها الرافضين للانصياع لم يكن عفوياً. فهذه العقوبات، التي يصفها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بـ "أكبر هجوم مالي في التاريخ"، ستشكل الفصل الأخير من حرب مستمرة بأشكال مختلفة منذ 28 شباط الماضي. وهذا ما يدركه الإيرانيون تماماً، كما يتضح من الهبوط الحاد في قيمة الريال، الذي جرى تداوله يوم الاثنين بأكثر من مليوني ريال مقابل الدولار الواحد، وقبل كل شيء، من الذعر الواضح في صفوف السلطة. فمنذ يوم الأحد، تتوالى التصريحات والتعليقات الرسمية بوتيرة سريعة في إيران، حيث يستمر إرسال إشارات متناقضة تراوح بين التهديدات المباشرة للولايات المتحدة والدول التي قد تنضم إلى نظام العقوبات الجديد، وبين إشارات الرغبة في التوصل إلى حل سياسي للنزاع، مروراً بالخطابات الحماسية عن الصمود أو القدرات العسكرية الإيرانية. وتفاقم الأمر إلى حدٍّ وجد معه الرئيس مسعود بزشكيان نفسه مضطراً للدعوة إلى "وحدة الموقف في مواجهة التهديدات الأميركية". أما الغائب الأكبر عن هذه المعزوفة من التصريحات، فكان المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي. فهل يستطيع الإيرانيون الصمود أمام هذه الضربة الأميركية القاضية؟ أمرٌ مستحيل في ضوء شدّة العقوبات الأميركية وحجم الأزمة المالية والتضخم اللذَين يعصفان ببلادهم منذ عدة أشهر، وزاد من تفاقمها الحصار البحري الأميركي. ويكفي تتبع مسار الصادرات النفطية الإيرانية لقياس مدى عمق الأزمة المالية التي يغرق فيها نظام الملالي. فبعدما كانت تقارب مليوني برميل يومياً قبل حرب شباط ، تراجعت إلى نحو 400 ألف برميل في منتصف آب. وفي مطلق الأحوال، وأمام هذا "الإنزال الاقتصادي"، أكدت السلطات الإيرانية مساء الاثنين أنها وضعت خطة "تمتد على مدى عامين" (أي حتى نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب...) لمواجهة هذه الحرب الاقتصادية. أيّ دور للدبلوماسية؟ على الرغم من الضغوط التي يواجهها، لا يزال النظام في طهران يرفض التراجع عما يسمّيه حقه في السيطرة على مضيق هرمز. هذا على الأقل في العلن، إذ إن باكستان تحركت مجدداً أملًا في تحقيق اختراق يعيد إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات ويخفف حدة التوتر على الأرض. في هذه الأثناء، واصلت ميليشيا الحوثيين اليمنية يوم الاثنين استهداف مواقع سعودية، ولا سيما في البحر الأحمر. ويزور قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، طهران حالياً لإجراء محادثات مع المسؤولين الإيرانيين. وبحسب وكالة "رويترز"، كان قد أجرى اتصالاً هاتفيًا مع دونالد ترامب الأسبوع الماضي. ومن المقرر أن يصل بعده وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، يوم الثلاثاء إلى العاصمة الإيرانية لإجراء محادثات تتناول وضع مضيق هرمز. قضية شيباني على أي حال، إذا استمر "الإنزال الاقتصادي" دون تحقيق أي اختراق دبلوماسي، فسيترك حكماً تأثيرات مباشرة على دول المنطقة التي تحتفظ فيها طهران بنفوذ عبر أذرعها المسلحة، كـ "حزب الله" في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيين في اليمن. وفي هذا السياق، يبرز حدثان لافتان: فقد أرجأت بغداد الجدول الزمني المحدد لنزع سلاح الجماعات المسلحة الموالية لإيران، من دون تقديم أي تفسير لهذا التعديل ومن دون تحديد موعد جديد. وكان من المفترض أن تنتهي هذه العملية، التي بدأت في حزيران الماضي، في 30 أيلول، وهو التاريخ الذي تنتهي فيه مهلة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق. غير أن بعض الجماعات رفضت إلقاء السلاح بضغط إيراني، معتبرة أن خطوة كهذه تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل. وحرصاً منها على تجنّب المواجهات المسلحة وتغليباً للخيار الحواري، أدخلت السلطات العراقية تعديلات على جدولها الزمني دون تغيير الموعد النهائي المحدد أساساً. ولا يمكن تفسير القرار العراقي بالتخلي عن هذا الموعد إلا بزيادة الضغوط الإيرانية التي دفعت حكومة علي الزيدي إلى كبح المسار الذي أطلقته. كذلك هو الحال في لبنان، حيث يتمسك السفير الإيراني المُعيّن وغير المعتمد، محمد رضا شيباني، بموقعه، رغم إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه وقد طالبته وزارة الخارجية بمغادرة البلاد في آذار الماضي. وعملياً، يُعدّ شيباني في وضع غير قانوني في لبنان منذ 24 آذار، إذ لم تعد تأشيرته صالحة منذ اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. ومع ذلك، لم تتخذ السلطات أي خطوة لتنفيذ القرار الذي أصدرته بنفسها، لتخفق بذلك في أول اختبار لسلطتها. ويوم الاثنين، أهدرت السلطات فرصة ثانية لإثبات مصداقيتها، بعدما تمكّن الممثل الإيراني من الحصول على إقامة لمدة ستة أشهر من الأمن العام، بصفته سفيراً سابقاً خدم في لبنان بين عامي 2006 و2009. غير أن هذا الالتفاف لا يُخفي الفجوة الكبيرة بين تصريحات المسؤولين حول رغبتهم في إبعاد لبنان عن النفوذ الخارجي، وبين أفعالهم التي تتناقض تماماً مع نياتهم المعلنة. وحده وزير الخارجية، جو رجي، بقي متمسكاً بموقفه، حين أكد قبل أيام في حديث لصحيفة "النهار" أنه لا مجال للتراجع عن قرارات آذار الماضي. ويشكل تجديد إقامة شيباني إحراجاً للسلطات، التي أثبتت بذلك أنها لا تملك الشجاعة لتحمّل مسؤولية قراراتها، أياً كانت الذرائع المرفوعة، ولا سيما أن "حزب الله"، التابع مباشرة لإيران، يواصل تحديها. وقد جاء الدليل مرة أخرى على لسان أحد نواب الحزب، حسن فضل الله، الذي تحدث خلال لقاء في طهران مع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، وكأنه يمثل لبنان، بل ذهب إلى حد المطالبة بـ "عمل منسق" مع الجمهورية الإسلامية لمواجهة العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في لبنان. شطب سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب في ظل هذا المناخ المتفجر، يبرز تطور على جانب كبير من الأهمية، لا يخفى على أحد مغزاه الرمزي وتوقيته. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مساء الاثنين الشطب الرسمي لسوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب الدولي. وفي المناسبة نفسها، رُفع اسم تنظيم "هيئة تحرير الشام" (الذي كان يترأسه الرئيس أحمد الشرع تحت اسمه الحركي "أبو محمد الجولاني") من قائمة المنظمة الإرهابية الدولية. ومن شأن هذا القرار المزدوج، من الناحية الاستراتيجية، أن يفسح المجال أمام الاستثمارات الخاصة في سوريا، بما يحيي الاقتصاد السوري ويتيح لسوريا ما بعد الأسد إعادة الاندماج في حركة الاقتصاد العالمي.

هرمز: إيران تريد فرض شروطها على ترامب
بقلم
ميشال توما
نُشر
أغسطس 6, 2026 - 00:03

لا يزال نظام الملالي الإيراني، وتحديداً التيار المتشدد الذي يمثله الحرس الثوري الإسلامي، يسعى إلى إدارة أزمة مضيق هرمز بشروطه الخاصة، مع إقصاء الولايات المتحدة من المفاوضات الجارية، بل وإنكار أي دور لواشنطن في الحل الذي يتشكّل. وسعياً لتحقيق هذا الهدف، أجرى صانعو القرار في طهران مفاوضات مشروع التسوية حصراً مع سلطنة عُمان، حرصاً منهم على التأكيد بأنه لا حوار يجري مع الأمريكيين. والأدهى من ذلك أن النظام الإيراني، في تصعيد متواصل لغطرسته واستهزائه الصريح بالرئيس الأمريكي، أعلن صباح يوم الأربعاء أن «الاتفاق مع عُمان جرى تأجيله بسبب التهديدات الأمريكية». يتعامل طهران مع الإدارة الأمريكية بوصفه «المنتصر»، الذي لا يكتفي بفرض قواعد اللعبة، بل يُعامل «عدوّه» بأسلوب مهين ومقصود، مستثمراً تردد الرئيس دونالد ترامب وتذبذبه دليلاً على الضعف يسعى إلى توظيفه لصالحه. في هذا السياق، ينقل موقع الجنوبية ، الناطق باسم تيار المعارضة الشيعية اللبنانية المناهضة لحزب الله، معلومات مستقاة من الصحافة الإيرانية تؤكد مجدداً وجود شرخ داخل النظام الإيراني، وتكشف بصورة أساسية عن إقصاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من المفاوضات الجارية. وفي هذا الإطار، أفاد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية يوم الأربعاء بأنه «لا زيارة مقررة لوزير الخارجية أو رئيس البرلمان (كبار المفاوضين الإيرانيين) إلى باكستان أو قطر» (الوسيطين الرئيسيين بين الولايات المتحدة وإيران). في الوقت ذاته، نقلت الجنوبية أيضاً أن مسؤولاً رفيعاً في التيار المتشدد داخل النظام صرّح بأنه إذا أقدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مجدداً على تقديم استقالته، فستُقبل على الفور. إن هذا المناخ الإيراني المحيط بمفاوضات إدارة مضيق هرمز، وإصرار طهران على إبعاد الولايات المتحدة عن أي حل، يُلقي بظلال كثيفة من الشك على متانة الاتفاق الذي يجريه النظام مع عُمان ومدى مصداقيته. وقد حرص مصدر إيراني مخوّل على التأكيد مساء الأربعاء على أن الاتفاق الإيراني العُماني «لا يعني أن مضيق هرمز سيصبح آمناً»، ولا «يعني الفتح الكامل للمضيق»! على الصعيد العملي، أفاد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي مساءً بأن الاتفاق المبرم مع عُمان يتضمن «نموذجاً مختلفاً في الإدارة عما هو معمول به منذ ستين عاماً». وأوضح المتحدث أن السلطنة، بناءً على طلب طهران، مستعدة لتغيير «ممرات دخول السفن التجارية وخروجها». يبقى السؤال مطروحاً في هذا السياق: هل سيقبل الرئيس ترامب قواعد اللعبة التي رسمها الجناح المتشدد في النظام؟ لا سيما أن حليف الحرس الثوري في اليمن، ميليشيا الحوثيين، تواصل تصعيدها في البحر الأحمر ضد المملكة العربية السعودية. وأعلن المتحدث باسم الحوثيين مساءً أن الميليشيا استهدفت «ناقلة نفط سعودية في خليج عدن بصاروخ باليستي». وكانت مصادر بريطانية قد أفادت في وقت سابق من اليوم بوقوع هجوم قبالة السواحل اليمنية استهدف سفينة تجارية. وجاءت هذه الهجمات في حين كان الرئيس ترامب قد صرّح بعد الظهر بأنه سيحمّل إيران مسؤولية أي هجوم يشنّه الحوثيون على السفن السعودية. على أي حال، شدد وزير الخارجية عراقجي في سياق المحادثات مع عُمان على أن أي اتفاق مع السلطنة بشأن مضيق هرمز يجب أن يحظى بموافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. غير أن الرئيس الإيراني صرّح في وقت متأخر من المساء بأن «التواصل مع المرشد الأعلى بالغ الصعوبة في المرحلة الراهنة»... الملف اللبناني في هذا السياق البالغ التعقيد والمثقل بتداعيات لا يمكن التنبؤ بها، انعقد يوم الأربعاء الجلسةُ الثانية من الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في أجواء أكثر إيجابية مقارنةً بالجلسة السابقة. هذا ما أعلنته في نهاية اليوم مصادر مقربة من قصر بعبدا، مشيرةً إلى أن المباحثات أسفرت عن تشكيل ثلاث لجان معنية بالملفات السياسية والعسكرية وترسيم الحدود الدولية بين البلدين. وكانت أبرز التقدمات قد سُجِّلت على هذا الصعيد الأخير بالذات. وأوضحت مصادر بعبدا أن الوفد اللبناني قدّم دراسة مفصّلة وموثّقة حول هذا الموضوع، فيما أشاد الممثل الأمريكي بالموقف الذي حدده الجانب اللبناني في هذا الشأن. أما الموضوع الآخر الذي تناولته مباحثات الوفدين اللبناني والإسرائيلي، فهو تحديد الطرف الثالث الذي سيتولى التحقق من خلوّ المناطق التجريبية التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وتسلّمها الجيش اللبناني من أي وجود مسلح لحزب الله. ويُعارض الكيان الإسرائيلي أن تضطلع فرنسا بهذا الدور. في المقابل، لفت المراقبون إلى أن وزير الخارجية الإيطالي أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني، وبالتوازي مع ذلك عقد ضابط إيطالي رفيع في بيروت اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش اللبناني، مما أثار تكهنات بشأن اختيار إيطاليا طرفاً ثالثاً يُناط به التحقق من التطبيق الصارم لبنود الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل. وعلى أي حال، رُفعت جلسة بعد ظهر الأربعاء قبل موعدها المحدد، بطلب من الوفد الأمريكي، «بسبب مستجدات ميدانية»، وفق ما أفاد مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في مطلع المساء. دعم بكركي للمفاوضات مع إسرائيل ونشير ختاماً لهذا الملف الدبلوماسي إلى أنه في أعقاب اجتماعه الشهري المنعقد في بكركي - على غرار ما اعتاد عليه في كل أربعاء أول من الشهر - أصدر مجمع الأساقفة الموارنة بياناً أعلن فيه الأساقفة دعمهم الكامل للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، بهدف انتزاع «انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان وعودة السكان إلى قراهم (...)». واللافت في الأمر أن بيان بكركي يُصرّح صراحةً بأن مسار التفاوض مع إسرائيل الذي تسلكه السلطة اللبنانية يجب أن يمضي «بعيداً عن المحاولات الرامية إلى ربط هذه المسيرة بأجندات خارجية»، في إشارة شبه مكشوفة إلى مساعي النظام الإيراني للإمساك بورقة جنوب لبنان. على الصعيد الميداني في جنوب لبنان، شهد يوم الأربعاء السادس من أغسطس 2026 خسائر فادحة في الأرواح. وبدأ اليوم بانفجار عبوة ناسفة بدائية الصنع في بلدة مجدل زون بقضاء صور، أودى الانفجار بحياة اثنين وأوقع 7 جرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، أحدهم في حالة خطرة. وعلى إثر هذا الانفجار، أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً اتهم فيه بعبارات حادة حزبَ الله بانتهاك وقف إطلاق النار في لبنان، مُعلناً أن غارات انتقامية ستُشنّ على الجنوب. وبالفعل، نُفِّذ هجوم بطائرة مسيّرة استهدف بلدة تبنين، ما أسفر عن مقتل شخص واحد وإصابة 12 آخرين. وفي الوقت ذاته، أعلنت قوات الدولة العبرية أنها دمّرت منشأة تحت الأرض تابعة لحزب الله في قرية صريبين (قضاء بنت جبيل)، حيث جرت مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.

أمام أرز لبنان: الدولة العبرية و«العجز الأخلاقي»
بقلم
فادي نون
نُشر
مايو 12, 2026 - 19:56

بماذا نجيب يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، حين يتحدى لبنان ويؤكد أن «النار ستأكل أرزه عما قريب»؟ وبماذا نرد على بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، الذي يسخر من لبنان زاعماً أن ابنه يطلب منه «أن يترك له شيئاً ليدمره»؟ يجدر بالمسؤولين الإسرائيليين أن يضبطوا ألسنتهم بشكل أفضل، فللكلمات عواقبها. يستشهد يسرائيل كاتس بسفر زكريا: «افتح أبوابك يا لبنان، فتأكل النار أرزك (...). ولول يا بلوط باشان، لأن الوعر المنيع قد هبط. نسمع صوت ولولة الرعاة، لأن فخرهم خرب. نسمع صوت زمجرة الأشبال، لأن كبرياء الأردن خربت» (زكريا 11: 1-3). في هذا المقطع، يمثل تهديد الأرز تهديداً رمزياً لبلد بأسره، ولتراثه الثقافي والتاريخي. إنه قول متسرع بحق أمة ذات إرث ضارب في القدم مثل لبنان. وكما أسلفنا، فإن هذه الإشارات التوراتية تهدف إلى تطبيع الحرب في وعي الرأي العام الإسرائيلي، وإضفاء الشرعية عليها، والإيحاء بأنها نبوءة تتحقق. ولهذا السبب تحديداً، من المهم الرد على يسرائيل كاتس بمنطق مغاير. فقد أثبتت التجارب أن الخطابات التحريضية لا تؤدي إلا لترسيخ دوامة العنف، ولا تبني عدلاً ولا سلاماً مستداماً. بل إنها، على العكس من ذلك، تهدد بتأجيج التصعيد والعداء بين الشعوب، في وقت تشرع فيه الأبواب أمام مفاوضات تهدف، على الأقل، إلى وقف نهائي للأعمال العدائية. إن الرد الدبلوماسي الذي يذكّر بالقانون الدولي، والسيادة الوطنية، وضرورة الحوار، يشكل المسار الأكثر عدلاً وعقلانية في آن معاً، لحماية أجيال المستقبل واستقرار المنطقة، بعيداً عن السقوط في فخ الاستفزاز المتبادل. المسؤولية الأخلاقية للكلمة وعلى الصعيد الأخلاقي، يجدر التذكير أيضاً بأن العنف أو التهديدات الموجهة ضد الآخرين لا يمكن أن تشكل إرثاً يُورّث. فحين تزعم شخصية عامة أن ابنها يطلب منها أن تترك له «شيئاً ليدمره»، فإنها تتحول إلى منبر لترويج الكراهية والعنف. إن كلمات الوزير الإسرائيلي هي آخر ما يجب أن يردده أبٌ أمام ابنه الذي أصيب بجروح بليغة في لبنان. بل على العكس من ذلك، تقع على عاتق المسؤولين السياسيين الإسرائيليين واجب الحماية والتربية ونقل مبادئ العدالة والمسؤولية والاحترام المتبادل إلى شعبهم، لا صبّ الزيت على النار. ممنوع الضحك من مآسي الغير يكاد المرء لا يحتاج إلى تبيان مدى لاأخلاقية السخرية من مصائب الآخرين. ففي حداثة سنّنا، كان كبارنا ينهروننا إذا ما تهكمنا على عيب جسدي في الآخر، كالحدبة أو سوى ذلك من تشوهات، أو حتى على عيب في النطق. ولكي يغرسوا في نفوسنا قيم الاحترام، كانوا يؤكدون لنا أن الله سيبتلينا بذات «الحدبة» أو العلة التي سخرنا منها. هكذا تعلمنا أن هناك عدالة خفية، متأصلة في الخلق، تعيد صياغة التوازنات الإنسانية حين اختلالها. ومن المثير للدهشة، أننا نجد قانون العدالة غير المنظورة هذا، أو لنقل قانون التوازن، في سفر الأمثال، وهو أحد أكثر أسفار الكتاب المقدس اقتباساً، حيث يحذر: «لا تفرح بسقوط عدوك، ولا يبتهج قلبك إذا عثر»، لئلا يرى الرب ذلك (وفي ترجمة أخرى «يرى شرّك») «فيشيح بنظره عنه» (الباب 24(. ربما كان سفر الأمثال أحد المصادر الأساسية في صلب عيشنا المشترك؛ ففي الحضارة المشتركة بين جميع الشعوب السامية في المنطقة، للكلمة عواقبها. وتبرز هذه الفكرة بوضوح، على سبيل المثال، في المزامير، حيث يُذكر أن الذين يسعون لإلحاق الأذى بالآخرين سيقعون في شر أعمالهم ومكائدهم. ففي المزمور السابع، ورد أن: «مَنْ حفر حفرةً سقط فيها، وعمله يرتدُّ على رأسه». وتتطابق هذه الصورة مع فكرة أن التهديد أو العنف ينقلب في نهاية المطاف على المعتدي نفسه. وفي المزمور السابع والثلاثين، وصيّةٌ تقول: «لا تَغَرْ من الأشرار، ولا تحسد عُمّال الإثم (...) الأشرارُ سلّوا السيف ومدّوا قوسهم لصرع المسكين والفقير (...) سيفهم يدخل في قلبهم، وقسيُّهم تنكسر». إنها طريقةٌ شاعرية وأخلاقية للتذكير بأن العنف الجائر لا يكتب له النصر طويلاً. فاللغة التصويرية لهذه الحِكم العملية تؤكد أن الشرّ والعنف والدمار، غالباً ما يرتدُّ على مُدبّريه. وغالباً ما تزاوج المزامير بين هذين المبدأين: التهديد الذي ينقلب على المعتدي، والحماية أو المكافأة التي ينالها البارّ. ذاكرة القرى وبعيداً عن الرموز، يحمل لبنان في وجدانه ذاكرة قرى الجنوب الضاربة في القِدم، تلك التي تسحقها اليوم الجرافات الإسرائيلية. إن هذا الجنوب جزءٌ من أرضٍ وطئتها قدما المسيح، وهو يوازي في عيون اللبنانيين، والمسيحيين منهم بوجّه خاص، كنوز لبنان مجتمعة، من الوادي المقدس والأرز، وصولاً إلى بعلبك وبيت الدين. يشعر كل لبناني بوجعٍ حيال قرىً تُمسح عن الخريطة، لكنه يستشعر أيضاً نداءً للصمود وثقةً بمصير بلاده. فأن تأتي ضيفاً إلى ديار اللبناني، يعني أنك في بيتك، أما أن تأتيها عدواً، فهو حكمٌ تبرمه على نفسك بالشقاء. لقد بزغ فجر هذا الوطن كدولة مستقلة بعد قرون من الهجرات والاجتياحات والوصايات والضغوط، وهو لا يزال يصون اليوم سيادة وسلامة أراض نالها بشق الأنفس. إن تهديد شعبه أو رموزه الوطنية لن يصيبه بالشلل، بل على العكس، فإن خطاباً كهذا لا يزيد لبنان وأصدقاءه وشركاءه إلا عزيمةً على التمسك بمكامن قوته: الحوار، والدبلوماسية، والمسؤولية الجماعية. واستحضاراً لصور النبي زكريا، سيطال الحساب لـ «الرعاة الأشرار» الذين تركوا حظيرة الأغنام، أي حدود البلاد، بلا حماية. الحرية والتعددية حيال التهديدات والاستفزازات، لا بدَّ من ردودٍ تتجذر في صلب ثقافتنا العميقة. إن الدبلوماسية، والتروّي، والتبصّر، والإحاطة الوافية بملفاتنا وبطبيعة الخصم، إلى جانب التمسك بالمبادئ الأخلاقية وتوكيد الحقوق السيادية، هي الردّ الأمثل على الخطابات التحريضية التي تُصوَّب باتجاهنا. وهكذا، فإن قوة اللبنانيين الحقيقية تكمن في قدرتهم على التعالي فوق الاستفزازات، وفي الدفاع عن العدالة – بما في ذلك حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، بالتنسيق الوثيق مع دول جامعة الدول العربية – وفي حمل رسالة الحرية والتعددية والحوار إلى العالم أجمع؛ تلك القيم التي تشكل جوهر رسالة لبنان التاريخية. كنيس بيروت في مقابلة أجرتها معه مؤخراً صحيفة «لا كروا» (20 نيسان)، لم يتوانَ أبراهام بورغ، الرئيس السابق للكنيست عن حزب العمل وللوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، عن الحديث عن «الإفلاس الأخلاقي» لإسرائيل، التي يسحق جنودها قرانا، وينهبون بيوتنا، ويدنّسون رموزنا الدينية. يقول بورغ: «إن إسرائيل حالياً فاسدة تماماً على المستوى الأخلاقي»، مُعرباً عن سخطه بشكل خاص حيال قانون عقوبة الإعدام الذي يُطبّق بشكل انتقائي ضد الفلسطينيين المدانين بـ«الإرهاب». ويتابع قائلاً: «على نطاق أوسع، قوّضت الحكومة اليهودية، وعالمية العدالة، وكل القيم التي كانت إسرائيل تدّعي العمل بموجبها». ويضيف المسؤول العمالي السابق في لفتة مفاجئة: «بشكل مدهش للغاية، فإن الصوت الوحيد الذي ينادي بإنسانية مرهفة ومسؤولة هو صوت البابا. لقد تجنب لاون الرابع عشر السياسة قدر الإمكان، لكن لم يعد بمقدوره فعل المزيد. ولهذا السبب، وبطريقة جدلية تماماً، هو من يمثل روحانيتي ومنظومة قيمي، وليس الحاخامات». ويكاد المرء يذهب إلى القول ذاته في لبنان؛ هذا البلد الذي يمنح دستوره مكاناً للطائفة اليهودية أسوةً بالمكونات السبعة عشر الأخرى، وحيث رُمِّم الكنيس الذي دمرته الحرب ليتصدّر مكاناً بارزاً في وسط بيروت التاريخي.

عندما يستغل نشطاء سياسيون عيد الفصح لأغراض الدعاية
بقلم
هادي دميان
نُشر
أبريل 12, 2026 - 15:20

من الواضح أن المعلومات المضللة وتشويه الحقائق التاريخية ليس لهما حدود بالنسبة لبعض الأوساط. بمناسبة عيد الفصح الكاثوليكي، في 5 أبريل الماضي، نشر قيادي في حزب الله، حسن دور، على منصة X (تويتر سابقًا) الرسالة التالية: https://x.com/HasanDorr/status/2040735419952718037?s=20   «نداءً لمريم العذراء: 'المقاومة' توجه تحياتها لإخواننا المسيحيين بمناسبة #الفصح، باستهداف قاعدة 'ستيلا ماريس'، التابعة لقتلة يسوع المسيح (عليه السلام)، في #فلسطين المحتلة»." رافق الناشط التابع لحزب الله رسالته بمقطع فيديو للعملية. ووفقًا للعناصر المرئية المعروضة على الشاشة، يبدو أن الفيديو هو تسجيل لبث مباشر من قناة الميادين، وهي قناة إخبارية فضائية عربية تتماشى مع حزب الله، مع شريط يشير إلى: «صور للمقاومة الإسلامية في لبنان». ويحمل فيديو العملية أيضًا شعار «جهاز الإعلام الحربي لحزب الله». بينما ربط السيد دور العملية بيوم عيد الفصح، كانت قناة المنار التابعة لحزب الله قد نشرت ما يلي على موقعها الإلكتروني باللغة الإنجليزية في 31 مارس 2026 الساعة 20:59 بتوقيت بيروت: «استهدفت المقاومة الإسلامية قاعدة ستيلا ماريس (قاعدة استراتيجية للمراقبة والتحكم البحري على طول الساحل الشمالي لإسرائيل) في الساعة 20:00، يوم الثلاثاء 31 مارس 2026، بوابل من الصواريخ المتطورة: البيان رقم 22». (ترجمة دبلوماسية) علاوة على ذلك، يتوفر الفيديو الكامل للعملية الذي يشير إليه دور على X على العنوان التالي، بتاريخ 31 مارس 2026: https://x.com/OSINTWarfare/status/2040856427963494574?s=20 , وعلى موقع المنار: https://www.almanartv.com.lb/article/724772/ , ولا يزال يحمل تاريخ 31 مارس 2026. هذا يظهر أن العملية لم يكن لها أي صلة بعيد الفصح، إلا في السيناريو الذي أعده دور، والذي يستغل الاحتفالات المسيحية لإثارة التوترات الدينية بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. فك التشفير يعيد دور تأكيد الادعاء القديم والمرفوض بأن اليهود مذنبون في قتل المسيح. وتدعم هذه الأطروحة فكرة أن الشعب اليهودي يتحمل مسؤولية جماعية عن موت يسوع، بما في ذلك الأجيال التي تلت صلبه. ومع ذلك، ترفض الكنيسة الكاثوليكية تهمة قتل الإله منذ مجمع ترنت، في منتصف القرن السادس عشر. في كتاب التعليم المسيحي الناتج عن هذا المجمع، كانت الكنيسة الكاثوليكية تعلم أن البشرية الخاطئة ككل تتحمل مسؤولية موت يسوع، مع مسؤولية خاصة للمسيحيين في هذا الصدد. خلال المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، أصدر البابا بولس السادس الإعلان 'نُوسترا آيتاته'، الذي رفض فكرة الذنب اليهودي الجماعي وعبر الأجيال في صلب يسوع. أوضح الإعلان أن 'ما ارتكب خلال آلامه لا يمكن أن يُنسب بشكل عام إلى جميع اليهود الذين عاشوا آنذاك، ولا إلى يهود عصرنا.' كما رفض البابا بنديكتوس السادس عشر تهمة قتل الإله الموجهة ضد اليهود في كتابه 'يسوع الناصري'، الذي نُشر عام 2011، مؤكدًا أنها لا تستند إلى أي أساس كتابي. باختصار، وسع مجمع ترنت المسؤولية لتشمل البشرية الخاطئة ككل، ورفض الفاتيكان الثاني صراحة أي ذنب يهودي جماعي، وتقدم المصادر الكاثوليكية والمسيحية المعاصرة عادة اتهام قتل الإله على أنه استعارة معادية للسامية أو لليهودية تستند إلى الذنب الجماعي، مع التحذير مؤخرًا من استخدامه خلال الأسبوع المقدس. تلاعب رسالة دور المتلاعبة تحتوي على أبعاد متعددة: أولاً، إنه ادعاء لا أساس له، وقد تم استبعاده من الناحية الليتورجية من قبل السلطات المسيحية. ثانياً، يستغل صلب المسيح، وهو احتفال أساسي في المسيحية. يؤكد بيانه على إثارة التوترات الدينية لدى بعض المسيحيين، الذين قد يميلون بعد ذلك إلى دعم أعمال حزب الله ضد إسرائيل (المقصود هنا اليهود) من أجل «الثأر لموت المسيح»، على الرغم من أن «الثأر» يتعارض مع أبسط التعاليم المسيحية. هذه المحاولة لحشد دعم عابر للطوائف لمعسكر حزب الله تسمح للدعاة بالقول إن أعمال حزب الله تخدم لبنان بأكمله، بقاعدة دعم تتجاوز المجتمع الشيعي وحده. وهو مجتمع انتهى به الأمر إلى الانضمام إلى الطوائف اللبنانية الأخرى في إدانة ورفض أعمال حزب الله بصوت عالٍ وعلني. اليوم، وصل الانشقاق الشيعي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، بسبب نزوح السكان الشيعة وتدمير مساكنهم بسبب الأنشطة العسكرية لحزب الله والضربات الإسرائيلية الانتقامية. من خلال تقديم حزب الله، وهي جماعة تعرّف نفسها بأنها مقاومة إسلامية، على أنه القوة التي تضرب اليهود لتحقيق العدالة للمسيحيين ولعيسى نفسه، يورط دور الإسلام والمسلمين في حروب دينية. ثالثاً، وقبل كل شيء، يغفل دور عن النقطة الأساسية: عيد الفصح هو الانتقال من الموت إلى الحياة؛ إنه احتفال بالقيامة، بالحياة الأبدية. رسالة دور التحريضية تأتي متأخرة بثلاثة أيام، وخمسة قرون، وألفي عام، وهي خاطئة.

مضيق هرمز واتفاقية «مونتيغو باي»
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
أبريل 10, 2026 - 13:15

تبدو بنود اتفاق وقف إطلاق النار – المقرر لفترة محدودة تمتد لأسبوعين – غامضة وفقاً لما سُرّب بشكل غير رسمي. وفي هذا السياق، أفادت المعلومات بأن إيران وافقت على إعادة فتح مضيق هرمز، وهي خطوة قُدّمت كمقايضة أساسية مقابل وقف إطلاق النار. ويخضع هذا المضيق للمعايير التي حددتها اتفاقية «مونتيغو باي» لعام 1982، باعتباره مضيقاً دولياً. وتفصّل هذه الاتفاقية، في قسمها الثاني، القواعد الناظمة لاستخدام المضائق الدولية، كما تحدد آليات عبور السفن في مياهها وتحليق الطائرات في أجوائها. المادة 37 «نطبق هذا القسم على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة. المادة 38 – حق المرور العابر 1 - «في المضائق المشار إليها في المادة 37، تتمتع جميع السفن والطائرات بحق المرور العابر الذي لا يجوز إعاقته (...).» 2 - «يُقصد بالمرور العابر ممارسة حرية الملاحة والتحليق بموجب هذا الجزء، لغرض وحيد وهو العبور المتواصل والسريع في المضيق بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة.» إنّ استخدام مصطلح «إعادة فتح» قد ينطوي على تداعيات وخيمة تطال مستقبل الملاحة وحركة عبور السفن غير الإيرانية أو العمانية في هذا المضيق. فهذا التعبير يكرّس انطباعاً بأن المضيق كان مغلقاً وأن إيران هي من سيعيد فتحه؛ وبمعنى آخر، يوحي المصطلح بأن المضيق يقع تحت السيادة الإيرانية المطلقة، تُغلقه وتفتحه وفق مشيئتها – أو عبر تقاسم الإدارة والمسؤوليات مع سلطنة عُمان. وهذا ما يمثّل صيغة أخرى للقول إن مضيق هرمز لم يعد مضيقاً دولياً، وأن استخدامه سيخضع مستقبلاً لالتزامات وقيود، من بينها سداد «رسوم عبور»؛ الأمر الذي سينعكس بشكل كبير على تكلفة النقل البحري في منطقة الخليج العربي. إنّ وضعاً كهذا قد يتكرر في مناطق أخرى: من باب المندب إلى ملقا، ولومبوك، وسوندا، وجبل طارق – ولمَ لا؟ – وصولاً إلى الدردنيل، ثم القنال الإنكليزي (المانش)، والساحل الشمالي لروسيا، وهو أمرٌ تدرسه موسكو بالفعل – أو ربما خططت له – وصولاً إلى الممر الشمالي الغربي، وغيرها من المضائق والممرات الدولية الإلزامية للتجارة والتبادل البحري. ألم يكن من الأجدر استخدام مصطلحات أخرى، من قبيل «كفّ التعطيل عن مضيق هرمز» أو «وقف التهديدات ب إغلاق مضيق هرمز»، أو أي صيغة أخرى توضح أن إيران قد اتخذت إجراءات تخالف الاتفاقية الدولية وتتعارض مع تعريف المضيق الدولي؟ وإذا كان المفاوضون قد اعتمدوا المصطلحات التي أُعلنت حالياً – مع الأمل بأن يكون الواقع خلاف ذلك – فذلك يعود بلا شك إلى أن الإيرانيين، الذين يبدو أنهم كانوا أكثر فطنة من نظرائهم، لديهم رؤية بعيدة المدى. وهو أمرٌ لا نتمناه. * جان باتريك دايراس: أميرال (لواء بحري) في البحرية الفرنسية؛ طيار في سلاح الجو البحري؛ متخصص في العمليات الجوية البحرية وتدخلات الكوماندوز؛ وخبير سابق لدى المنظمة البحرية الدولية (IMO).

رد هيكل على السناتور غراهام: كل شيء نسبي
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر
فبراير 6, 2026 - 19:20

يُعرف الأمريكيون بكونهم «صريحين»، خاصة في الأسئلة التي يطرحونها على محاوريهم، متوقعين إجابة تلقائية، ثنائية: نعم/لا، أبيض/أسود. تعرض كاش باتل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، خلال جلسة استماعه أمام مجلس الشيوخ، لاستجواب مكثف من قبل السيناتور إريك سوالويل بنفس السؤال: «هل أبلغت وزير العدل عن ذكر اسم دونالد ترامب في ملف إبستين، نعم أم لا؟»، وهو سؤال لم يقدم باتل الإجابة القاطعة المتوقعة عليه. إذا كانت الإجابة على هذا السؤال بسيطة، لأنه يتعلق بحقيقة، فإن السؤال الذي طرحه السيناتور ليندسي غراهام، في واشنطن، على القائد العام للجيش، الجنرال رودولف هيكل، هو، على النقيض من ذلك، أكثر تعقيدًا بكثير، لأنه يتعلق برأي، بل وحتى بموقف سياسي. «هل تعتبرون حزب الله منظمة إرهابية؟» هو السؤال بامتياز الذي لم يكن قائد الجيش ليتمكن بالتأكيد من الإجابة عليه بنعم أو لا بسيطة. رده «لا، في السياق اللبناني» ليس ذكيًا، لكنه ليس خاطئًا أيضًا. كان بإمكانه القول إنه ما دام لم تحظر الحكومة اللبنانية هذه المنظمة رسميًا، فإنه لا يستطيع البت في المسألة، كونه هو نفسه عسكريًا ينفذ التعليمات التي يصدرها له السلطة السياسية. مع ذلك، ومع مخاطرة أن تكون الكلمات التالية صادمة، فإن حزب الله ليس (حتى الآن) يعتبر في لبنان منظمة خارجة عن القانون، خاصة وأنه ممثل في صلب الحكومة والبرلمان. على عكس الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، الذي كان لديه فكرة فصل جناحه شبه العسكري عن جناحه السياسي (شين فين)، والذي، بفضل قادة مثل جيري آدامز، نجح في التفوق على الميليشيا، فإن الجناح العسكري لحزب الله هو الذي يهيمن على الجناح السياسي، وكذلك على النظام اللبناني برمته. أعضاء البرلمان من حزب الله يتظاهرون بزي الميليشيا، ويدافعون عن جميع المواقف وكذلك عن شن الحروب والعداوات التي دمرت البلاد. الأكثر إيلامًا هو أن فصائل سياسية أخرى، بدافع الانتهازية أو، الأسوأ من ذلك، بدافع القناعة، تدافع عن حزب الله، الذي نجح، خلال ثلاثين عامًا مجيدًا (من 1994 إلى 2024)، في مد شبكته في جميع أنحاء الإدارة اللبنانية، بما في ذلك الجيش. لا يمكن إنكار أن تراجع الميليشيا قد بدأ منذ 27 سبتمبر 2024. ومع ذلك، فإن مطالبة المرؤوسين بتغيير الموقف (وهو ما ينطبق حرفيًا في هذه الحالة) هو أمر طوباوي. حادثة إضاءة مغارة الروشة هي أوضح مثال على ذلك. يجب إعطاء الوقت للوقت، كما كتب سرفانتس، حتى لو أظهرت مؤسساتنا السياسية و/أو العسكرية نوعًا من الدونكيشوتية بتجنب رؤية «الفيل في الغرفة» والتعامل مع مشاكل أخرى لن تُحل أبدًا بشكل حقيقي ما لم يتم نزع سلاح حزب الله بشكل نهائي. ولكن، ها هو الأمر: الوقت يداهمنا وليس لدينا ترف الانتظار. بناءً على ذلك، فإن إجابة رودولف هيكل ليست خاطئة: كل شيء نسبي، كل شيء مسألة إدراك. في اللحظة التي طُرح عليه السؤال، لم يكن حزب الله منظمة إرهابية في نظر الدولة. وإلا، لكان ذلك يعني أن الوزراء شحادة، عيسى الخوري، نصار، رجي، وسعدي، بالإضافة إلى جميع النواب السياديين، يتعاملون ويتفاوضون مع مجرمين، وبمعنى ما، هم أنفسهم مجرمون. يمكن دائمًا القول دفاعًا عنهم أن يهوذا كان لديه أصدقاء لا تشوبهم شائبة، لكن ذلك لا يزال يمثل رؤية مبسطة للوضع. وبالتالي، وبكل موضوعية، فإن حقيقة أن الجنرال هيكل قدم إجابة لا تتوافق بالضرورة مع تطلعات غالبية اللبنانيين ليست مستنكرة بشكل خاص. ولكن المؤسف هو أن معسكر حزب الله المبرمج، وحراسه وغيرهم من المرضى الذين يعانون من متلازمة مار مخايل، وهي أقوى بكثير من متلازمة ستوكهولم التي احتفلت بعيدها العشرين، قد استغلوا بالفعل، بطريقة شبيهة بـ«إبستين»، تصريحات الجنرال هيكل لإحياء الثالوث «جيش وشعب ومقاومة»، وهو انحراف حقيقي عانى منه البلد وجميع سكانه لعقود. يبقى أن نأمل ألا يمنح الرئيس، عند عودة رودولف هيكل، وسامًا جديدًا، خاصة وأن الذي حصل عليه سابقًا (بعد الروشة) كان أرفع وسام. إلا إذا تم التفكير في فئة جديدة: فئة الجدارة النسبية، وهي ميدالية لخدمات مقدمة للارتباك الوطني، تُمنح بمرتبة الشرف من قبل دولة تفضل تزيين تناقضاتها بدلاً من مواجهة واقعها...

نوري المالكي: عودة شخص أم ارتداد مشروع؟
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يناير 26, 2026 - 06:49

لا يمكن قراءة عودة نوري المالكي إلى السلطة — أو حتى إلى موقعٍ حاسم داخل منظومة القرار العراقي — بوصفها حدثاً سياسياً عادياً أو مجرّد إعادة تدوير شخصية من الماضي. فالرجل، بما يمثّله وبما راكمه من تجربة وسجلّ، تحوّل إلى رمز لنموذج حكم كامل، ارتبطت به مرحلة مفصلية من تاريخ العراق بعد 2003، بما حملته من إخفاقات وانقسامات وتحوّلات بنيوية في طبيعة الدولة. من هنا، فإن أي عودة محتملة له تعني، عملياً، عودة اتجاه سياسي كامل، داخلياً وإقليمياً ودولياً، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات. أولاً: داخلياً – عودة «الدولة المُسيَّسة» 1) تكريس المركزية وتآكل التوازنات ارتبط اسم نوري المالكي، خلال ولايتيه بين 2006 و2014، بتغليب السلطة التنفيذية على باقي السلطات، تحت شعارات «فرض هيبة الدولة» و«مكافحة الإرهاب». إلا أن النتيجة العملية كانت تسييساً متدرجاً لمفاصل الدولة، من القضاء إلى الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى الإعلام الرسمي. هذه المقاربة أفرغت مبدأ الفصل بين السلطات من مضمونه، وحوّلت الدولة إلى أداة بيد السلطة السياسية لا إطاراً ناظماً لها. أي عودة للمالكي اليوم تُقرأ كإعادة إنتاج لهذا النموذج: مركزية صارمة، تضييق على المعارضة، وإضعاف ممنهج لأي توازن يمكن أن يحدّ من نفوذ السلطة التنفيذية. وفي بلد متعدّد الهويات والانتماءات كالعراق، لا تؤدي هذه المركزية إلى الاستقرار، بل إلى تراكم الاحتقان تحت السطح. 2) تعميق الانقسام الطائفي رغم الخطاب الوطني الذي رافق بعض مراحل حكمه، ارتبطت تجربة المالكي عملياً بتدهور العلاقة بين المكوّنات العراقية، خصوصاً مع السنّة والأكراد. سياسات الإقصاء، والاعتماد المفرط على الأدوات الأمنية، وملفات الاعتقال والملاحقات، كلّها ساهمت في تقويض الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع. هذه السياسات لم تكن تفصيلاً، بل شكّلت أحد الأسباب البنيوية التي انفجرت لاحقاً مع تمدّد تنظيم «داعش» عام 2014. وبالتالي، فإن عودة المالكي اليوم تُعيد إلى الأذهان هذا المسار، وتفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانقسام بدل ترميمه، في وقت لا يزال فيه النسيج الوطني هشّاً. 3) إضعاف مسار الإصلاح وإجهاض مطالب التغيير مثّلت احتجاجات تشرين 2019 لحظة فارقة في الوعي السياسي العراقي، حيث عبّرت عن رفضٍ عابر للطوائف لمنظومة الحكم القائمة، وطالبت بدولة مواطنة، ومكافحة جدّية للفساد، وإنهاء منطق المحاصصة والسلاح المنفلت. في هذا السياق، تُفهم عودة المالكي كرسالة معاكسة تماماً: انتصار للنظام القديم على مطالب التغيير، وإعادة تدوير النخبة نفسها التي حمّلها الشارع مسؤولية الانهيار السياسي والاقتصادي. ثانياً: أمنياً – ترجيح كفّة «الدولة الموازية» 1) تعزيز نفوذ الفصائل المسلحة يُنظر إلى نوري المالكي على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز الغطاءات السياسية للحشد الشعبي والفصائل المرتبطة به. وخلال فترة حكمه، لم يُطرح مشروع حقيقي لدمج هذه القوى ضمن مؤسسات الدولة وفق منطق احتكار السلاح، بل جرى تكريس ازدواجية القرار الأمني. عودته اليوم تعني، عملياً، تثبيت هذه الازدواجية: دولة رسمية بقدرات محدودة، إلى جانب قوة مسلحة موازية تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وهذا النموذج لا ينتج دولة قوية، بل دولة ضعيفة محاطة بقوى أقوى منها. 2) توتير العلاقة مع المؤسسة العسكرية أظهرت التجربة السابقة للمالكي توظيفاً سياسياً مباشراً للمؤسسة العسكرية، سواء عبر التعيينات أو إدارة العمليات الأمنية. وقد أدّى هذا النهج إلى إضعاف الاحترافية العسكرية، وخلق ولاءات متداخلة داخل الجيش. في أي سيناريو عودة، يُخشى من إعادة هذا المسار، بما يقوّض فكرة الجيش كمؤسسة وطنية جامعة، ويحوّله إلى أداة ضمن صراع سياسي أوسع. ثالثاً: إقليمياً – عودة محور إيران 1) إشارة ولاء واضحة لطهران لا يُعدّ المالكي مجرّد حليف عابر لإيران، بل يُصنَّف ضمن أكثر الشخصيات العراقية السياسية ثباتاً في هذا الخيار. عودته تعني، من منظور إقليمي، إعادة العراق إلى موقع متقدّم في مشروع النفوذ الإيراني، في لحظة تشهد فيها المنطقة محاولات لإعادة رسم التوازنات. هذا التموضع لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل ينعكس على الداخل العراقي، عبر تعزيز دور القوى المرتبطة بمحور طهران على حساب منطق الدولة الوطنية. 2) تصعيد محتمل مع الخليج شهد العراق بعد 2021 محاولات انفتاح على محيطه العربي، خصوصاً الخليج، ضمن مسار تدريجي لإعادة التوازن إلى علاقاته الإقليمية. عودة المالكي تهدّد هذا المسار، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر سياسات الأمر الواقع، ما قد يؤدي إلى فتور أو انتكاس في العلاقات العربية. 3) ارتدادات لبنانية يتجاوز أثر عودة المالكي حدود العراق. فهي تُقدّم نموذجاً مُجدَّداً لـ«الدولة الضعيفة – الميليشيا القوية»، وهو النموذج الذي تستند إليه قوى حليفة لإيران في لبنان لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة. من هنا، فإن أي تكريس لهذا النموذج في بغداد يُترجم تعزيزاً لسرديات مشابهة في بيروت. رابعاً: دولياً – عزلة وضغوط 1) توتر مع واشنطن والغرب تحمل العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، ذاكرة سلبية تجاه تجربة المالكي، سواء في ما يتعلّق بالحوكمة، أو إدارة الملف الأمني، أو العلاقة مع الفصائل المسلحة. عودته لا تُعدّ تطميناً، بل مصدر قلق، حتى لو جرى التعاطي معه ببراغماتية. 2) قلق استثماري وتراجع الثقة يحتاج العراق، في مرحلة إعادة الإعمار وتنويع الاقتصاد، إلى بيئة مستقرة وقواعد واضحة. غير أن عودة نموذج الحكم المرتبط بالمالكي تُضعف الثقة بالاستقرار السياسي والقانوني، ما ينعكس مباشرة على الاستثمارات، ويُبقي الاقتصاد رهينة الريع والفساد. عودة إلى ما قبل 2014 في المحصّلة، تعني عودة نوري المالكي — أو حتى تعاظم دوره — عودة العراق إلى ما قبل 2014: دولة أقل توازناً، نفوذ إقليمي أثقل، سلاح خارج الدولة، ومسار إصلاحي مُعطَّل. ليست المسألة عودة شخص، بل عودة نموذج حكم أثبت، بالتجربة، عجزه عن بناء دولة جامعة وقادرة. وبين استقرار أمني هشّ واحتقان سياسي متراكم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحمّل العراق كلفة تكرار التجربة نفسها، أم أن لحظة التغيير التي عبّرت عنها الاحتجاجات لا تزال كامنة، تنتظر فرصة أخرى؟