
الحزب الموالي لإيران يندد بـ«انتهاك لحقوق الإنسان»!

شهدت قضية متفجرات ضهر البيدر، يوم الجمعة، تطوراً قضائياً بارزاً قد يعيد إشعال الجدل حول سلاح حزب الله وأنشطته شبه العسكرية.
ادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على ثلاثة عشر عنصراً من الحزب الموالي لإيران، لتورطهم بدرجات متفاوتة في نقل شحنة كبيرة من متفجرات «تي إن تي» و«سي فور». وكانت القوى الأمنية قد ضبطت الشحنة في ضهر البيدر، على الطريق التي تربط البقاع ببيروت، قبل العثور على شحنة أخرى مماثلة في منطقة الهرمل، آتية من سوريا.
وردت في قرار الادعاء أسماء ثمانية أشخاص، ستة منهم فارّون من العدالة. وهم هيثم أمهز وعلي الكردي، اللذان أوقفا على متن الشاحنة الصغيرة المحمّلة بالمتفجرات، وإبراهيم حبيب الملقّب بـ«ساجد»، وبلال صبوري الملقّب بـ«ذو الفقار»، ومحمد أيوب، ومحمد زعيتر الذي كان على متن السيارة المواكبة لسيارة ناقلَي المتفجرات، ومحمد حزيمة مالك السيارة، إضافة إلى إيرينا كريشينوفا، زوجة أمهز. وشمل الادعاء أيضاً خمسة أشخاص آخرين لم تُعرف سوى ألقابهم.
ويواجه الأشخاص الثلاثة عشر اتهامات بالمساس بأمن الدولة، وتأليف جمعيات أشرار بهدف النيل من سلطة الدولة وهيبتها، وحيازة أسلحة ومتفجرات، ومخالفة القوانين النافذة والقرارات الحكومية. وهي جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات، وقد عدّد القاضي غانم المواد ذات الصلة في قرار ادعائه، طالباً إنزال عقوبات تصل إلى السجن عشر سنوات بحق المدعى عليهم الثلاثة عشر.
لكن الأهم أن المواد المذكورة، ولا سيما المادة 335، تفتح الباب أمام إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وهو المرجع القضائي المختص بالجرائم الخطيرة التي تمسّ أمن الدولة، والذي لا تقبل أحكامه الاستئناف. غير أن ثنائي أمل وحزب الله يعارض بشدة هذا الاحتمال.
ويبقى الآن معرفة المسار الذي ستسلكه هذه القضية، المفترض أن تأخذ مجراها القضائي، من دون أن ينفي ذلك طابعها السياسي البالغ الحساسية، كما يتضح من رد فعل حزب الله «المستنكر».
وقد بلغت الوقاحة بأحد نواب الحزب، حسين الحاج حسن، حدّ التذرّع بـ«حقوق الإنسان» (!) للتنديد بقرار القاضي غانم. فبحسب قوله، فإن قرار الادعاء «لا يحترم حتى أبسط مبادئ الميثاق الوطني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (!) وميثاق الأمم المتحدة، ولا العديد من القوانين اللبنانية التي تكفل الحقوق المشروعة لأي مقاومة في مواجهة الاحتلال». وفي إطلاق الكلام العبثي، يصعب التفوق عليه. لكن تصريحاته، ولا سيما الإشارة إلى الميثاق الوطني، تنطوي على خطر يتمثل في الاستغلال المفرط لهذه القضية سعياً إلى تعبئة قاعدة حزب الله ضد الحكومة.
وزعم النائب أن ناقلي المتفجرات والجهات التي كلّفتهم «كانوا يؤدّون واجباً وطنياً بالدفاع عن بلدهم وحماية الشعب اللبناني»، مسمحاً لنفسه باتهام القاضي بأنه «رضخ لإملاءات سياسية عند إعداد قرار الادعاء».
وعليه، ستشكّل هذه القضية، بعيداً عن جانبها القضائي، اختباراً جديداً للحكومة التي يُفترض أن تعقد جلستها المقبلة في الخامس من تشرين الثاني. ويعتزم وزير العدل عادل نصار وزملاؤه من وزراء القوات اللبنانية المطالبة مجدداً بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، استناداً إلى نتائج التحقيق الذي أجرته المحكمة العسكرية.
وكان إصرارهم على هذه النقطة قد أثار نقاشاً حاداً داخل الحكومة خلال جلستها في 22 تشرين الأول. فقد دافع الوزير نصار خصوصاً، مدعوماً بوزراء القوات اللبنانية، بشدة عن إحالة القضية فوراً إلى المجلس العدلي، انطلاقاً من أن جميع العناصر اللازمة لإثبات وجود مساس خطير بأمن الدولة كانت متوافرة. وقد فصّل هذه العناصر في عرضه، موضحاً وجهَي الاستخدام المحتملين للمتفجرات، أي في عمليات عسكرية أو أعمال أمنية داخلية، في إشارة إلى اعتداءات محتملة. وشدّد وزير العدل على أن استخدامها في كلتا الحالتين يشكّل عملاً جرمياً ويبرّر إحالة الملف مباشرة إلى المجلس العدلي.
لكن الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام فضّلا، بدفع من رئيس مجلس النواب نبيه بري، إرجاء القرار إلى حين صدور نتائج التحقيق الأولي. وكان الهدف تجنّب أزمة كبرى داخل الحكومة، التي لن يكون بوسعها، مع ذلك، تفادي مناقشة القضية مجدداً يوم الخميس.
وفي الواقع، نجح وزير العدل في ضمان إدراج القضية، نظراً إلى خطورتها، حكماً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وفق ما أفادت به مصادر وزارية «ليفانت تايم». وبعبارة أخرى، يمكن طرحها في كل جلسة لمجلس الوزراء، وهو ما وافق عليه نواف سلام. فمسؤولية الحكومة قائمة مباشرة في هذا الملف: إذا نُفّذت عملية أمنية تزعزع الاستقرار في البلاد، من دون أن تكون السلطة التنفيذية قد اتخذت القرارات اللازمة لمعالجة ملف المتفجرات، فإن الحكومة هي التي ستُحاسَب، بحسب ما أوضحته المصادر الوزارية نفسها لـ«ليفانت تايم».
محطة مفصلية
وعليه، سيشكّل اجتماع الخامس من تشرين الثاني محطة مفصلية ضمن مسار أوسع لاستعادة سلطة الدولة وتنفيذ قراراتها في هذا الشأن. ويبقى أبرز هذه القرارات حظر الأنشطة الأمنية لحزب الله، الذي اتُّخذ في آذار 2026، وأتاح اتخاذ إجراءات قضائية لم يكن من الممكن تصوّرها قبل بضع سنوات.
وتندرج إحالة الملف إلى المجلس العدلي في الإطار نفسه، إذ إن قضية المتفجرات ستفتح ملف حزب الله برمّته، وما يلحقه سلاحه من أضرار بالبلاد. وهي سابقة منذ ثلاثين عاماً، وفق ما تؤكده الأوساط المعنية.
ويوم الجمعة، جدّد نواف سلام تأكيد عزم الدولة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، مذكّراً، خلال إطلاق المشاورات بشأن الخطة الوطنية لإدارة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، بأن هذه المخيمات تخضع للسيادة اللبنانية ويجب أن تسري عليها القوانين الوطنية.
كما تطرّق إلى أحكام اتفاق الطائف المتعلقة ببسط سلطة الدولة وحلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، في موقف يحيل مباشرة إلى مسألة سلاح حزب الله.
وبحسب المصادر الوزارية نفسها، فإن مسار استعادة سلطة الدولة، الذي لا رجعة عنه، يتقدّم في الاتجاه الصحيح، وإن كان يسير وفق سياسة الخطوات الصغيرة.



















