


لم تُفضِ التقديرات الأولية المنبثقة عن اليوم الانتخابي شديد التوتر الذي شهدته إسرائيل يوم الثلاثاء 27 أكتوبر إلى تحديد فائز واضح في أول انتخابات تشريعية تُنظَّم بعد مجزرة السابع من أكتوبر.
أُغلقت مراكز الاقتراع في موعدها المحدد عند الساعة العاشرة مساءً، رغم طلب الليكود تمديد التصويت. وبلغت نسبة المشاركة، من بين ما يزيد قليلاً على سبعة ملايين ناخب، مستوى قياسياً قدره 75 في المئة، وهو الأعلى منذ أكثر من خمسة عقود.
وشارك المواطنون العرب في إسرائيل بكثافة، ولا سيما أبناء القبائل البدوية في النقب، ما قد يتيح دخول أكثر من 15 نائباً عربياً إلى الكنيست، بل 17 أو 18 نائباً وفق التوقعات الأولية.

تركيبة الكنيست قبل انتخابات 27 أكتوبر 2026.
وتُظهر استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع تصدّر الليكود بما يتراوح بين 23 و25 مقعداً، مقابل 21 أو 22 مقعداً لحزب غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء المنتهية ولايته وزعيم الليكود بنيامين نتنياهو.
لكن عند أخذ التحالفات السياسية المحتملة وما يصاحبها من مساومات في الحسبان، فإن كتلة المعارضة قد تحصل، وفق مصادر إسرائيلية، على 52 أو 53 مقعداً، مقابل 50 مقعداً لكتلة نتنياهو.
غير أن القناة 14 المقربة من الليكود تخالف هذه التوقعات، وتشير إلى أن ائتلافاً يمينياً قد يضم 60 نائباً، أي أقل بمقعد واحد من الأغلبية المطلقة، مقابل 43 نائباً لتكتل المعارضة و17 مقعداً للأحزاب العربية.
ومن الواضح، إذن، أنه من السابق لأوانه الخروج باستنتاج قاطع من هذه الانتخابات، ومن باب أولى، رسم ملامح الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
ولن تُعرف النتائج النهائية والرسمية لتوزيع مقاعد الكنيست قبل مرور 48 ساعة. لكن هذا الفرز لن يتيح، مع ذلك، الجزم بمن سينجح في تشكيل حكومة مستقرة تحظى بأغلبية، ولو ضئيلة: بنيامين نتنياهو أم منافسه في هذه المرحلة غادي آيزنكوت.
فالمنظومة الانتخابية الإسرائيلية القائمة على التمثيل النسبي تُفضي منذ عقود إلى تشرذم شديد في المشهد السياسي، وإلى ظهور طيف واسع من الأحزاب الصغيرة التي تعكس إما تباينات في التوجهات والبرامج السياسية، وإما مجرد طموحات وحسابات سياسية ضيقة.
ونتيجة لذلك، لا تمنح صناديق الاقتراع أي حزب أو تشكيل سياسي أغلبية، ولو بالحد الأدنى، تتيح له تشكيل حكومة.
وبالتالي، يجد كل رئيس وزراء مكلَّف نفسه مضطراً إلى خوض مفاوضات شاقة ومساومات حزبية، حتى يتمكن في اللحظة الأخيرة من بلوغ عتبة المقاعد الـ61 اللازمة لمنح حكومته هامشاً كافياً للتحرك.
وتُمنح الشخصية التي يكلّفها الرئيس الإسرائيلي بتشكيل الحكومة مهلة 28 يوماً لإنجاز مهمتها، مع إمكان تمديدها 14 يوماً إضافياً.
وفي حال لم تتمكن أي شخصية من تشكيل حكومة ضمن المهل المحددة، يتعين إجراء انتخابات جديدة.
ولا ينبغي استبعاد هذا السيناريو في ضوء النتيجة غير الحاسمة لاقتراع 27 أكتوبر، وهو ما سيتيح لزعيم الليكود البقاء في منصبه خلال فترة الانتظار هذه.
تأثير محدود على الخيارات الاستراتيجية
وفي انتظار اتضاح التركيبة الدقيقة للكنيست الجديد، والتكليف الرسمي للشخصية التي ستتولى إجراء محادثات مع الأحزاب الصغيرة لمحاولة تشكيل حكومة، سواء كانت نتنياهو أو آيزنكوت، تتكاثر التكهنات بشأن التداعيات الجيوسياسية والإقليمية المحتملة لتشكيل حكومة تقودها القوى المعارضة لليكود.
على نطاقنا اللبناني الصغير، وحتى على النطاق الإيراني، قد يميل حَمَلة لواء معسكر «الممانعة»، وفي طليعتهم الحرس الثوري وحزب الله، إلى الابتهاج على المدى القصير باحتمال إزاحة نتنياهو.
لكن سرعان ما ستخيب آمالهم، بالنظر إلى شخصية غادي آيزنكوت ومواقفه الحاسمة من التوجهات الإسرائيلية الكبرى، سواء على الصعيد الاستراتيجي أو على صعيد أمن الدولة العبرية.
وعموماً، أثبت التاريخ أن القادة الإسرائيليين، حين يواجهون تحديات وجودية ويكون أمن إسرائيل مهدداً بشكل جدي، يتمسكون بلا تردد بالثوابت والخيارات الاستراتيجية، أياً تكن خلافاتهم الداخلية.
وفي الحالة التي تعنينا تحديداً، سبق لآيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، أن اتخذ مواقف لا تقل تشدداً وحزماً عن مواقف نتنياهو، بل ربما تفوقها تطرفاً، حيال حزب الله (ولنذكّر بأنه يدعو إلى التدمير الكامل للضاحية الجنوبية لبيروت)، والوضع الأمني في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، وقضية غزة، حيث قُتل ابنه واثنان من أبناء إخوته، ولا سيما، وهذا هو الأهم، الملف النووي الإيراني والمسألة الإيرانية.
وفوق ذلك كله، إذا نجح زعيم المعارضة في تشكيل حكومته، فسيتمتع بلا شك بهامش مناورة أوسع من زعيم الليكود في التعامل مع هذه الملفات الاستراتيجية الشديدة الحساسية، إذ لن يكون مكبّلاً، إلى حد ما، بأعباء السجل السلبي الذي أثقل كاهل نتنياهو لدى شريحة من الرأي العام الغربي وبعض صناع القرار الأميركيين والأوروبيين.



















