

ذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى الأمم المتحدة وتحدّث مطولاً عن السيادة. طالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وأكد حصرية السلاح بيد الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الدستورية، وشدّد على أن لا أحد يملك حق التحدث باسم لبنان أو التفاوض عنه سوى الدولة اللبنانية. وهي كلها مبادئ يفترض بأي رئيس حكومة لبنانية أن يتمسّك بها.
لكن اسماً واحداً غاب بصورة لافتة عن الخطاب: حزب الله.
لم يسمِّ سلام، ولو مرة واحدة، الجهة التي تجعل من كل حديثه عن حصرية السلاح ضرورة ملحّة أصلاً. تحدّث عن “سلاح خارج قوات الدولة”، وعن حرب لم يخترها لبنان، وعن ضرورة استعادة القرار الوطني، لكنه تجنّب تسمية الجهة التي تمتلك هذا السلاح، والتي صادرت مراراً قرار الحرب والسلم، وربطت أمن لبنان ومصيره باستراتيجية إيران الإقليمية.
هذا ليس إغفالاً لغوياً، بل خيار سياسي.
من حق سلام أن يطالب بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، ومن واجبه أن يفعل ذلك. الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان يجب أن ينتهيا. لكن أي مقاربة جدّية لاستعادة السيادة اللبنانية يجب أن تطرح أيضاً السؤال الذي حاول الخطاب الالتفاف حوله: كيف وصل لبنان إلى هنا؟
فالوجود العسكري الإسرائيلي الحالي لم يظهر من فراغ. سيادة لبنان كانت منتهكة قبل أن يدخل الجنود الإسرائيليون أراضيه. كان حزب الله يمتلك سلاحاً خارج الدولة، وبنية عسكرية مستقلة عنها، وقدرة على جرّ لبنان إلى الحرب من دون موافقة حكومته أو مؤسساته الدستورية.
لهذا لم يعد كافياً القول إن “السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة”. الجميع يعرف أي سلاح هو المقصود.
مشكلة خطاب سلام ليست إذاً في ما قاله، بل في ما امتنع عن قوله. فبعدم تسمية حزب الله، حوّل مشكلة سياسية وأمنية واضحة إلى مبدأ دستوري مجرّد. لبنان لا يعاني من انتشار غامض لأسلحة مجهولة الهوية والمصدر. إنه يواجه تنظيماً مسلحاً بعينه، مدعوماً من إيران، انتزع لنفسه صلاحيات لا يجوز أن يمتلكها إلا الجيش والدولة اللبنانية.
وثمة تناقض آخر في الخطاب. قال سلام إن “لا أحد يتحدث باسم لبنان” ولا أحد يفاوض عنه سوى الدولة. وهذا صحيح. لكن المنطق نفسه يجب أن ينطبق على الحرب.
فإذا كان لا يحق لأحد أن يفاوض باسم لبنان، فلا يحق لأحد أيضاً أن يحارب باسمه. ولا أن يطلق النار باسمه، أو يحدّد تحالفاته العسكرية، أو يبني منظومة عسكرية موازية، أو يقرر متى تتحول أرضه إلى ساحة حرب.
لا تستطيع الدولة أن تطالب الآخرين بالاعتراف بسيادتها في الخارج، فيما تفاوض على معنى هذه السيادة في الداخل.
كذلك وضع سلام الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة ضمن مسار يقوم على التبادلية والمرحلية. قد تبدو هذه الصيغة متوازنة دبلوماسياً، لكن الخطر يكمن في إعادة إنتاج الحلقة المفرغة التي حمت سلاح حزب الله لعقود: السلاح يُبرَّر بالاحتلال، ثم يأتي الاحتلال والتصعيد العسكري ليشكّلا مبرراً جديداً لبقاء السلاح.
هذه الحلقة يجب كسرها.
على الحكومة اللبنانية أن تكون قادرة على قول حقيقتين في الوقت نفسه ومن دون مواربة: على إسرائيل أن تنسحب من الأراضي اللبنانية، وعلى حزب الله أن يسلّم سلاحه إلى الدولة اللبنانية. لا تناقض بين الأمرين. بل إنهما، معاً، يشكلان المعنى الفعلي للسيادة.
كانت أمام نواف سلام في الأمم المتحدة فرصة ليقول ذلك بوضوح. لكنه اختار لغة التلميح.
ولبنان لم يعد يملك ترف التلميح.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة مقابل عقود من العبارات الملتبسة والمصطلحات التي تؤجل مواجهة المشكلة: “المقاومة”، و”الاستراتيجية الدفاعية”، و”حصرية السلاح بيد الدولة”، فيما يعرف الجميع ما هي القضية الفعلية ومن هو الطرف المقصود.
استعادة السيادة تبدأ باستعادة المعنى للكلمات. الاحتلال يجب أن يسمى احتلالاً. والانتهاك الإسرائيلي يجب أن يسمى انتهاكاً إسرائيلياً. والتنظيم المسلح الذي يعمل خارج سلطة الجمهورية اللبنانية يجب أن يسمى باسمه.
واسمه حزب الله.