شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

حين يصبح الافتراء دفاعاً عن المودعين

صورة للأخبار
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 22, 2026 - 22:12

اكتشفنا أخيراً مَن أضاع ودائع اللبنانيين: الطعن بمادة في قانون.



أما السنوات التي سبقت، والسياسات التي أنتجت الانهيار، والحمايات التي منعت المحاسبة، فكلها تصلح خلفيةً بعيدة للصورة. المتهم المطلوب اليوم جاهز، والتهمة أكبر من أن تحتاج إلى إثبات: معركة تقودها الرئاسة لحساب المصارف.



بهذه الخفة، يُختصر ملف بحجم الكارثة اللبنانية في رواية تعرف النيات، وتحدّد المستفيدين، وتكشف مَن يشرف من واشنطن ومَن يحرّك من بيروت. لا تنقصها سوى الأدلة التي تربط هذه الأسماء بالقرار موضوع النقاش.



لكن مَن يحتاج إلى الأدلة حين يمكن استعمال غضب المودعين بدلاً منها؟



هنا يبدأ الافتراء: عندما يُقدَّم تفسير سياسي بوصفه واقعة ثابتة، وتتحول الشبهة إلى علاقة عمل، ثم تصبح ممارسة صلاحية دستورية دليلاً على الانتماء إلى “الدولة العميقة”.



ليس لأن الرئاسة محصّنة من النقد. بل لأن النقد يفقد قيمته عندما يستبدل فحص القرار بمحاكمة ضمير صاحبه.



هناك مادة طُعن فيها، ومجلس دستوري نظر في الطعن وقبله. وبحسب الحيثيات المنقولة، فإن إبطال التعديل ارتبط بعدم إقرار المادة وفق الأصول المطلوبة. هذه واقعة مركزية، لكنها تُزاح سريعاً كي لا تعرقل الحكاية: المصارف طلبت، والرئاسة نفّذت، والمجلس الدستوري أكمل المهمة.



هكذا يصبح المجلس الدستوري مجرد ممرّ في رواية كُتبت نتيجتها سلفاً. يُذكر قراره لإثبات وقوع الإبطال، ثم تُهمَل حيثياته عند توزيع المسؤوليات.



والسؤال الذي يُراد تجنّبه واضح: إذا كان المجلس قد وجد خللاً يستوجب الإبطال، فهل المطلوب تجاهل الخلل لأن عنوان القانون إصلاحي؟



من قرّر أن القوانين التي تحمل كلمة «إصلاح» تُعفى من الرقابة؟ ومن منح فريقاً سياسياً أو إعلامياً حق تحديد الموعد الذي يصبح فيه احترام الأصول خدمةً للمصارف؟



نخسر يوميا كلبنانيين بسبب منطق الضرورات والاستثناءات. وكل مرة يقال لنا إن التدقيق يعرقل، وإن الاعتراض يهدد الاستقرار، وإن المطلوب تمرير التسوية أولاً ومعالجة العيوب لاحقاً. ثم يكتشفون أن التسوية باقية، وأن المعالجة لن تأتِ.



فهل نعيد اعتماد القاعدة نفسها، هذه المرة باسم استعادة الحقوق؟



أما الكلام عن أن إصدار القانون ثم الطعن فيه يكشف “دهاء” العاملين للمصارف، فيستحق التوقف. فالمشكلة، وفق هذا المنطق، ليست في غياب المسار الدستوري، بل في استعماله بفاعلية. كان يُفضَّل ردّ القانون إلى مجلس النواب، حيث يمكن تجاوز الاعتراض، بدلاً من عرضه على مرجع يستطيع إصدار قرار ملزم.



أي إن اللجوء إلى الرقابة يصبح موضع اتهام لأنه قد ينتج رقابة فعلية!



هذا فهم غريب للدولة: نطالب مؤسساتها بالعمل، شرط ألا تغيّر النتيجة التي اتُّفق سياسياً على تسويقها.



ثم تأتي القفزة الأكبر: من إبطال تعديل مادة إلى إعلان “لا محاسبة ولا إعادة ودائع”. عنوان يحسم مصير بلد كامل، من دون أن يبيّن بما يكفي كيف أسقط القرار كل إمكان للمحاسبة، وأغلق كل طريق لاستعادة الحقوق.



هل أُبطل القانون كله؟ هل صدر عفو عن أصحاب المصارف؟ هل مُنعت الحكومة من إعداد معالجة جديدة؟ أم أن المبالغة ضرورية حتى يبقى حجم الاتهام مناسباً لحجم الخصومة؟



يمكن التحذير من آثار العودة إلى النص السابق، ومناقشة صلاحيات الحاكم، والمطالبة بضمانات تمنع الاستنسابية. بل إن ذلك واجب. لكن القول إن صلاحيةً قد تُستخدم لحماية مصرف لا يثبت أنها استُخدمت فعلاً، ولا يثبت أن مَن طلب مراجعة النص أراد توفير هذه الحماية.



الفارق بين الأمرين هو الفارق بين الصحافة والافتراء.



والأكثر كشفاً للطابع السياسي لهذه الحملة هو تقديم ما جرى باعتباره ضربة لرئيس الحكومة وحرماناً له من إنجاز. فجأة، ينتقل الاهتمام من مصير أموال الناس إلى مصير الرصيد السياسي للحكومة. كأن نجاح المؤسسات يُقاس بمن يسجّل الهدف، وكأن أي مراجعة لمسار تشريعي محاولة لإفساد احتفال صاحبه.



لكن الحكومة لا تُضعَف بتصحيح خلل، ولا يقوى الإصلاح بمنع الاعتراض عليه. ما يضعفهما هو ترك الثغرات قائمة، ثم مطالبة الجميع بالصمت حفاظاً على الصورة.



المطلوب الآن أن يتحمل كل موقع مسؤوليته: أن تُعالج المشكلة، وأن تُضبط الصلاحيات، وأن يُمنع التأخير، وأن تُترجم الوعود إلى قرارات قابلة للتنفيذ. ومن يعطّل هذا المسار يُحاسَب على فعل محدد، ومن يحمي مصالح المصارف يُواجَه بالأدلة على حمايته.



أما توزيع الاتهامات بالجملة، فلن يعيد وديعة ولن يفتح ملف محاسبة.



المودعون أصحاب حقوق، لا شهود زور يُستدعون لتثبيت رواية سياسية. وغضبهم أكرم من أن يُستعمل ستاراً لخصومة مع هذا المسؤول أو ذاك.



من يريد الدفاع عنهم، فليشرح لهم الطريق إلى حقوقهم، وليسمِّ العوائق بأدلتها.



أما مَن يعرف أسماء المتآمرين قبل أن يقرأ أسباب القرار، فقد اختار معركته مسبقاً، ثم وضع المودعين في عنوانها.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

من غاليري سمعان إلى غاليري لافاييت… أيّ إسلام نُقدّم للعالم؟

بقلم جاد الاخوي
نُشر أكتوبر 20, 2026 - 22:01
تم التحديث أكتوبر 22, 2026 - 22:13

من صراع الحضارات إلى أمن الإنسانية

بقلم نواف كبارة
نُشر أكتوبر 19, 2026 - 11:17
تم التحديث أكتوبر 21, 2026 - 18:00

مَن ذا الذي طالب بالجولان المُحتلّ؟

بقلم يوسف معوض
نُشر أكتوبر 11, 2026 - 12:53
تم التحديث أكتوبر 15, 2026 - 14:13

هل يصبح الحياد مشروع لبنان المقبل؟

بقلم جاد الاخوي
نُشر أكتوبر 5, 2026 - 18:01
تم التحديث أكتوبر 11, 2026 - 20:26

من هم هؤلاء الحوثيون الذين يهددون حرية الملاحة؟

بقلم يوسف معوض
نُشر أكتوبر 3, 2026 - 13:31
تم التحديث أكتوبر 6, 2026 - 22:19

المزيد من جاد الاخوي

عرض الكل

المزيد في رأي

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل