Logotipo da Levant Time

رأي

العودة إلى لبنان الكبير
Por
فادي نون
Publicado
أغسطس 31, 2026 - 00:12

«ما قيمة تبجيل المؤسس إذا كان إرثه يُهدم على أيدي من يدّعون أنهم ورثته؟» أظهرنا في مقال سابق، أثناء التعليق على المثل القائل «الأقربون أولى بالمعروف»، كيف يتأرجح تاريخ لبنان باستمرار بين أنانية طائفية داخلية، تتمثل في الانكفاء إلى الطائفة على حساب الدولة، و«إيثار» أيديولوجي خارجي، يقوم على تفضيل قضايا إقليمية على حساب الوطن. وفي الحالتين، كان مشروع الدولة اللبنانية الديمقراطية القوية والمزدهرة هو الذي يُضحّى به. فلنمضِ أبعد في التحليل. في رسالة نشرتها صحيفة «لوريان لوجور»، كتبت المحامية كارول شلهوب، في معرض حديثها عن هذا التفتت القاتل، عبارات قاسية لكنها بالغة الصواب: «لم يعد الإفلاس اللبناني إقليميًا. إنه سياسي وأخلاقي ومؤسساتي. خضعت الإدارة للزبائنيات، ووُزعت الخدمات العامة كأنها مِنح، وأصبح القانون موضع مساومة تبعًا لموازين القوى (...). الدولة، التي كان يفترض أن تتجاوز الطوائف، تحولت إلى غنيمة تتقاسمها (...) وهنا تحديدًا تكفّ ذكرى إلياس الحويك عن أن تكون مطمئنة، وتصبح اتهامية. يحب الموارنة أن يطلقوا عليه لقب أب لبنان الكبير. يحتفلون باسمه، ويستحضرون إرثه، ويكرّمون مسار تطويبه. لكن ما قيمة تبجيل المؤسس إذا كان إرثه يُهدم على أيدي من يدّعون أنهم ورثته؟ (...) كم من زعيم ماروني أدرك أن حماية المسيحيين لا تعني إضعاف الدولة من أجل الحفاظ على الامتيازات، بل بناء دولة قوية إلى حد لا يعود معه أي مواطن بحاجة إلى حامٍ؟». كيف يمكن إصلاح هذا التشتت وهذه الانكفاءات الهوياتية التي تؤخر ولادة لبنان يتطلع إلى لبنان الكبير الذي أُسس عام 1920؟ على كل طائفة في لبنان أن تعيد النظر في مسارها. وربما يكون من العدل أن يبدأ هذا الفحص التاريخي والسياسي للضمير بالمسيحيين، وبالموارنة تحديدًا، بصفتهم في أصل مشروع لبنان الكبير. فهم كانوا أول الأمناء على رؤية البطريرك الحويك. ومن المعروف ما شعر به البطريرك من أسى، بل من استياء عميق، إزاء غياب الحس المدني لدى الطبقة السياسية في عصره، والنداء اليائس الذي أطلقه من أجل تخليق الحياة العامة في رسالته الأخيرة إلى الأمة: «محبة الوطن». «اكتفاء ذاتي إداري ورعوي» بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، دُعي الموارنة وسائر الكنائس الشرقية الكاثوليكية من قبل البابوات، ولا سيما يوحنا بولس الثاني، إلى العمل بروح الوحدة وبناء لبنان مع الطوائف الإسلامية، ضمن مناخ من الشركة والخدمة. لكن دون جدوى. على الصعيد السياسي، استمرت المصالح نفسها، والمؤامرات نفسها، والحسابات الخاطئة نفسها، إلى أن وصلنا إلى الكارثة التي نعيشها اليوم. أما على الصعيد الديني، وهو المجال الوحيد الذي تملك فيه الكنائس كامل سلطتها، فقد واصلت الكنائس الشرقية مقاومة الدعوات إلى تنسيق عملها الرعوي ومشاريعها وتطلعاتها. وكان الانطباع الدائم أن المبدأ هو «كلٌّ لنفسه»: «قديسونا»، «احتفالاتنا»، «بثّنا»، «مقاعدنا»، «أماكن الشرف الخاصة بنا». وقد امتلك أكثر أبنائها بصيرةً، منذ سنوات، الشجاعة ليوجهوا بهدوء لومًا إلى السيدة الكبرى بين كنائس لبنان، لأنها «تمتعت بامتيازات إنشاء لبنان الكبير عام 1920، من دون أن تتحمل واجباته كاملة؛ وخططت لنفسها لا للوطن الذي أسهمت في تأسيسه؛ وحتى عندما صدر عنها بعض الخير، قامت به بروح الهيمنة لا بروح الخدمة». لقد حان الوقت للخروج من دائرة التحفظ وقول الأمور كما هي. «إذا لم يكن هناك لقاء شخصي مع يسوع المسيح، فسيكون هناك نوع من الإثنية المتخفية بلباس المسيحية»، قال البابا فرنسيس ذات يوم، وربما كان يفكر في الكنائس المستقلة في العالم الأرثوذكسي. فهل ينطبق هذا الحكم أيضًا على كنائس لبنان التي تعيش فوق الأرض نفسها في نوع من الاكتفاء الذاتي الإداري والرعوي؟ ألعاب أدوار وهويات مستعارة ينبغي أن يتسع هذا الاتهام ليشمل مجمل المكونات الطائفية في لبنان الكبير. فبعد قرن أو يكاد على وفاة المؤسس، ما زالت الدولة «غير مكتملة» على نحو مؤلم، بحسب تعبير شلهوب، وما زالت المواطنة تختنق بفعل أبسط أشكال الطائفية. ويعود ذلك، إلى حد كبير، إلى دولة تنازلت عن هويتها وتخلت، خصوصًا، عن تدريس التاريخ. كم من اللبنانيين نشأوا من دون كتاب تاريخ، ومن دون ذاكرة، وبالتالي من دون قاعدة معرفية قادرة على تكوين هويتهم وترسيخها، باستثناء شذرات جُمعت من الحقيقة كما من الخطأ، ومن الذكريات السعيدة كما من الصدمات الطائفية؟ وكم من اللبنانيين، ومن بينهم كاتب هذا المقال، لم يكونوا يعرفون شيئًا عن البطريرك الحويك حتى قبل أربعة أشهر فقط؟ هل كان إنشاء «تربية وطنية» أمرًا زائدًا؟ أم أن التراخي اختلط، مرة أخرى، بالحكمة؟ وينطبق الحكم نفسه على الخدمة العسكرية بوصفها حاضنة للمواطنة، مع العلم أن التربية الوطنية والخدمة العسكرية لا ينبغي أبدًا اعتبارهما منجزتين نهائيتين، بل يجب إعادة بنائهما في كل جيل. «وطن الفرص الضائعة» منذ أبعد ما تسعفنا الذاكرة، جسدت الطوائف اللبنانية هويات مستعارة، تبعًا للإغراءات الخارجية أو للخيال التاريخي. واليوم، كأن معركة كربلاء يعاد تمثيلها في جنوب لبنان. صحيح أن السياسة هي مجال الالتباس بامتياز، لكن الانطباع هو أن تاريخنا لم يكن سوى سلسلة من «إعادات الإنتاج» الكارثية وألعاب الأدوار المدمرة. وكل ذلك لأن الكنائس الخاصة، التي غلب عليها سبات الإكليروسية الأكثر تشددًا، والدولة اللبنانية، التي أذابها أوليغارشيّوها، لم تمتلكا الشجاعة والإرادة السياسية لتدلانا على موضع كنز هويتنا الإنسانية والروحية، وعلى مثال التعددية والحرية والتسامح الذي كان يرفع لبنان إلى الأعلى، من دون أن يملأ جيوبهم. حقًا، كما يقول فيلسوف مسيحي صديق، «لبنان هو بامتياز وطن الفرص الضائعة». ومن بين هذه الفرص، ينبغي ألا ننسى أبدًا الزيارات الليلية للعذراء مريم فوق قبة كنيسة السريان الأرثوذكس في المصيطبة عام 1970. وقد قوبلت هذه الزيارة السماوية بالسخرية من قبل رجال الدين في الكنائس الشرقية الكاثوليكية، مع أنهم كانوا على علم بالظهورات المتزامنة للعذراء في الزيتون بمصر عام 1968، وبالصدى العالمي الذي أحدثته. وكان ذلك أيضًا علامة تحذير أخرى رفضت تلك الكنائس أن توليها أدنى اهتمام. «ما يقوله الروح للكنائس» لكن منذ ذلك الحين، أسهم انتشار تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني، لحسن الحظ، في تنمية حساسية أكبر لدى الإكليروس تجاه «ما يقوله الروح للكنائس». وقد قال هانس-بيتر كولفنباخ (1928-2016)، الرئيس العام السابق للرهبنة اليسوعية: «كثيرًا ما ننسى الفصول الأولى من سفر الرؤيا، حيث ينتقل الرب من كنيسة إلى أخرى، فيثني على ما يجري فيها أو يرفضه، وخصوصًا ليعلن ما هو آتٍ. وهو يواصل مخاطبتنا، ولا سيما في أزمنة الأزمات، أيضًا من خلال صوت والدة الإله والعديد من الشهود الآخرين، الذين لا يتمتعون بوظيفة تعليمية رسمية، لكن لهم سلطة آتية من العلى». وبتطبيق مبدأ «الأقربون أولى بالمعروف»، على كنائس لبنان أن تدرك أخيرًا أنها تملك رافعتين لإنقاذ لبنان، وبالتالي إنقاذ حضورها المسيحي فيه: دعم دولة القانون، بروح الخدمة لا «الهيمنة»، وتحقيق وحدتها الفعلية غير القابلة للمساومة، «كما أرادها المسيح وبالوسائل التي أرادها». ومن خلال توحيد صفوفها، ووضع نفسها في خدمة ثقافة المواطنة اللبنانية، وتجنب أي انكفاء هوياتي، ولو كان ذلك على حساب التخلي عن بعض أدوات النفوذ التي تمتلكها، مثل الإلغاء الجزئي للطائفية في الوظيفة العامة أو في قانون الانتخابات كما ينص اتفاق الطائف، تستطيع الكنائس الشرقية أن تؤدي رسالتها الأسمى: تقريب لبنان من رؤيته التأسيسية، وتحويل التنوع اللبناني إلى قوة لا إلى هشاشة بنيوية. لأن «إن كانت الأغصان قد فسدت، فإن الجذع بذرة مقدسة» (إشعيا 6: 13).

حذارِ، الإنكشاريون على الأبواب!
Por
يوسف معوض
Publicado
أغسطس 29, 2026 - 01:29

أنقرة العثمانية الجديدة تحرّك بيادقها في بلاد الشام !وليس قصفٌ إسرائيليّ لقاعدة أبو الظهور الجوية في 18 آب/أغسطس الماضي، أو للضاحية الدمشقية بعد عشرة أيام، ناهيك عن التهديدات شبه المبطّنة الصادرة عن تل أبيب، كفيلاً بوقف التقدّم التركي باتجاه الجنوب الجغرافي وعلى امتداد ‘بحر سورية ‘ (1) وسيكون توم بارّاك، سفير الولايات المتحدة في تركيا ومبعوثها الخاص إلى دمشق، أمام مهمة شاقة الآن، بعدما بدأت تتبلور منافسة استراتيجية بين الأتراك والإسرائيليين، قد تقوم على الأراضي السورية، وقريباً اللبنانية، باعتبارهما الساحة الرئيسية للتنافس، بل للمواجهة. وعلى واشنطن، وقد أخذت علماً بانحسار النفوذ الإيراني، أن تفكر في إقامة آلية لـ«فضّ الاشتباك» بين حليفيها، الدولة العبرية وجمهورية أتاتورك، ما دام كلاهما يسعى إلى ملء الفراغ السحيق الذي خلّفه وراءه الملالي الإيرانيون المنهكون! حنين إلى أوروبا لما كنا بلغنا ما نحن فيه اليوم، لو لم يرَ مجلس الاتحاد الأوروبي في حزيران/يونيو 2019 أن مفاوضات الانضمام مع أنقرة «وصلت إلى طريق مسدود». ذلك أن تركيا، مدفوعة بشيء من الحنين، لطالما حلمت بمصير أوروبي. وفي مناسبتين، حاصرت جيوش السلطان فيينا، عامي 1529 و1683. وللتذكير، وقبل أن يجعل السلطنة القسطنطينية عاصمتها، كانت قد اتخذت من أدرنة (أدريانوبل) في تراقيا الشرقية مقراً لها. ولنضف إلى ذلك أن الجمهورية التركية، بعد الحرب العالمية الأولى، وقد تقلّصت إلى حجم دولة-أمة، كانت قوة إقليمية لا يستهان بها، وقد حدّثت نفسها من دون أن تنزع عنها إسلامها. أفهل كان ذلك هو السبب الذي جعل الاتحاد الأوروبي يصدّ عنها الباب؟ لقد خلصت السلطات التركية إلى أن أوروبا تريد أن تبقى «نادياً مسيحياً حصراً». وعندها، وللاختصار، لم يعد أمامها سوى التوسع شرقاً في المجال التركي اللسان، وجنوباً في المجال العربي اللسان. وها نحن هنا! حلف السيف والدين والحال أن «التركي الكبير»، كما كانوا يسمّونه في الزمن الذي كان فيه يُرعب آل هابسبورغ، ليس وافداً جديداً إلى مسرح الشرق الأدنى. فعلى مدى أربعة قرون، كانت بلاد الشام جزءاً من إمبراطوريته، وكانت هويتها ذات الغالبية السنية تهيئها بصورة طبيعية لقبول سلطة السلطان-الخليفة، ذاك الملقب «بظلّ الله على الأرض» (2). ولنتذكّر أن العثمانيين أسقطوا الحكم المملوكي وفتحوا سورية عام1516. وفي أواخر أيلول/سبتمبر من العام نفسه، سقطت دمشق، وأقيمت صلاة الجمعة أخيراً في الجامع الكبير باسم السلطان سليم. وفي الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، وقد اكتسب هذا الأخير الشرعية الإسلامية طالما توجها بأمجاد الإنتصار. وفي اليوم التالي دخل هذا الأخير عاصمة الأمويين دخول الفاتحين. وكان عنصران قد رسّخا سلطته وحملا «الرعايا» في بلاد الشام، كما في سائر أنحاء الإمبراطورية، على الإذعان له: الانتصار العسكري والاشتراك في العقيدة الدينية نفسها. وبعبارة أخرى، كانت تلك «تحالف السيف والدين»، كما في ظلّ النظام القديم في فرنسا، وكما في إسبانيا في عهد فرانكو والبرتغال في عهد سالازار. فلا يأتينّنا أحد ليقول إن العقليات قد تغيّرت منذ ذلك الحين! فمتى نعترف أخيراً بأن الرافعتين نفسيهما هما اللتان حملتا أحمد الشرع إلى سدة الحكم العليا على ضفاف بردى: الانتصار في الميدان، واعتناقه الدين الحنيف الصارم؟ اتفاقات سايكس ـ بيكو مجدداً لكن لنعد نحو قرن إلى الوراء، ولنضف أن السوريين، قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، لم يكونوا يسعون إلى الانفصال عن الأناضول؛ بل كانوا سيتقبلون قدراً من اللامركزية تُعترف فيه بتطلعاتهم الثقافية، وتُعتمد فيه اللغة العربية في الإدارة العامة. وكانوا ليرحّبوا بملكية مزدوجة على غرار الدولة النمساوية ـ المجرية، لولا السياسة القاسية، وغالباً الوحشية، التي انتهجها جمال باشا خلال سنوات الحرب. والواقع أن الذي وضع حداً للاحتلال العثماني عام 1918 لم يكن انتفاضة محلية (3)، ولا حتى الأعداد الزهيدة من القوات العربية التابعة للأمير فيصل، بل بالأحرى التقدم الظافر لقوات الحلفاء، وفي مقدمتها القوات البريطانية. ثم، ابتداءً من عهد الانتداب، أخذت القومية العربية بالتبلور، فطوّرت خصوصياتها ومزاجها الخاص. لكن الذي أدى بصورة خاصة إلى مزيد من تفكيك الروابط التي امتدت لأربعة قرون بين العالم التركي اللسان والعالم العربي اللسان، كان إلغاء الخلافة عام 1924، إلى جانب العلمنة القسرية، وهما علامتا النظام الأتاتوركي الفارقتان. وبعد ذلك، لعب حزب البعث على وتر العداء بين العرب والأتراك، رغبةً في ترسيخ سلطته، ولم يكن ضمّ لواء الإسكندرون عام 1939 ليساعد على المصالحة بين الشعبين. الحذر من الحماس المفاجئ كل هذا لأقول إن الخلاف السوري ـ التركي، إذا ما استمر، يمكن حله في مناخ من الأخوة الدينية. فتركيا أردوغان، التي ترفع بفخر لواء انتمائها إلى الإسلام، مرحّب بها في سورية التي اضطهد فيها الحكم البعثي، على مدى خمسين عاماً، بصورة منهجية، الأكثرية السنية، وكمّم أفواه كبار رجال الدين فيها. والآن، بعدما انسحبت إيران والاتحاد الروسي من دون أن يطلبا مقابلاً، يُفترض أن تكون تركيا موضع ترحيب. بل إن المعلومات تفيد بأن شباناً سوريين في سن القتال قد لا يترددون في الانضمام إلى صفوف قوات أنقرة، في حال دخلت هذه الأخيرة في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. فمئة عام من القومية العربية المتشددة ربما لم تمحُ أربعة قرون من العثمانية، ولم تطمس ألف عام من التضامن الديني! ملاحظة: على تركيا أن تحذر من الحماسة السورية تجاهها! ولتتذكر المصير الذي لقيه جمال عبد الناصر. ففي عام 1958، أقامت له دمشق احتفالاً عظيماً عند إعلان الجمهورية العربية المتحدة. ثم، في عام 1961، وقّع الانفصال! 1 ـ تاريخياً، تعني عبارة «بحر سورية» أو Mare Syriacum باللاتينية الجزء الشرقي من البحر المتوسط الواقع قبالة الساحل السوري ـ اللبناني. 2 ـ لقب مستعار من لقب الباسيليوس البيزنطي، عند سقوط القسطنطينية عام 1453. 3 ـ في سورية، ورغم تدهور ظروف المعيشة خلال الحرب العالمية الأولى، لم تُسجَّل لا اضطرابات ذات شأن، ولا انتفاضة، ولا فتنة ضد التركي. بل إن الضباط والمثقفين وكبار البرجوازيين الذين انضموا إلى الأمير فيصل كانوا يُوصمون في بعض الأحيان بالخيانة والارتداد في المراكز الحضرية الكبرى، مثل حلب وحمص، وحماة، ودمشق، وغيرها.

 لماذا يخاف اللبنانيون من كلمة "السلام"؟
Por
جاد الاخوي
Publicado
أغسطس 28, 2026 - 12:38

“طوبى لفاعلي السلام”. ربما لا توجد عبارة تختصر حاجة لبنان اليوم أكثر من هذه العبارة التي حملها البابا لاون الرابع عشر في زيارته إلى لبنان، وجعل منها رسالة أساسية إلى اللبنانيين. وقد جاءت زيارته في بلد أنهكته الحروب والأزمات والانقسامات، ليضع السلام في قلب الخطاب اللبناني، لا بوصفه استسلاماً أو تنازلاً، بل بوصفه فعلاً ومسؤولية ومشروعاً للمستقبل. لكن المفارقة اللبنانية تكمن في أننا، نحن الذين عشنا الحروب أكثر من غيرنا، أصبحنا أحياناً نخاف من كلمة السلام نفسها. لماذا؟ لماذا يحتاج اللبناني إلى تبرير دعوته إلى السلام؟ ولماذا يشعر البعض أن مجرد استخدام هذه الكلمة يمكن أن يضعه في موقع الاتهام، وكأنه تخلى عن حقوقه أو قبل بالاستسلام أو أراد التطبيع أو تنازل عن القضية؟ هل أصبح السلام في لبنان تهمة؟ هذه الأسئلة ليست لغوية. إنها تكشف مشكلة عميقة في الثقافة السياسية اللبنانية. لقد عاش لبنان عقوداً من الحروب. حرب أهلية، احتلالات، اجتياحات، اعتداءات، اغتيالات، نزاعات داخلية، وصراعات إقليمية تحولت إلى أزمات لبنانية. وفي كل مرة كان اللبنانيون يدفعون الثمن: قتلى وجرحى، تهجير، دمار، انهيار اقتصادي، هجرة، وانقسام اجتماعي. ومع ذلك، لم نتعلم بعد أن الحرب ليست قدراً لبنانياً. ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف السلام. السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلام الاستسلام، ولا سلام الإذعان، ولا سلاماً مفروضاً من الخارج. إنه السلام اللبناني. والسلام اللبناني يبدأ من فكرة بسيطة: أن يكون لبنان صاحب قراره. أن تكون الدولة هي التي تقرر الحرب والسلم. أن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة. أن يكون الجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمي الحدود والسيادة. أن يكون القانون فوق الجميع. وأن لا يكون لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. فالسلام لا يعني أن نتخلى عن حقوقنا. بل يعني أن نبحث عن حماية هذه الحقوق بالوسائل التي تحفظ لبنان وشعبه، لا بالوسائل التي تجعل من لبنان مرة أخرى أرضاً للحرب. السلام ليس ضعفاً. بل قد يكون أصعب أشكال القوة. فمن السهل أن تطلق النار، ومن السهل أن تعلن الحرب، ومن السهل أن ترفع شعارات الانتصار. لكن الأصعب هو أن تمنع الحرب عندما تكون قادراً على إشعالها، وأن تختار التفاوض عندما يكون التفاوض أكثر فائدة لشعبك، وأن تستخدم الدبلوماسية والقانون والعلاقات الدولية لحماية بلدك. ولهذا فإن السلام لا يتناقض مع السيادة. على العكس، السلام الحقيقي هو نتيجة السيادة. الدولة ذات السيادة هي التي تقرر متى تحارب ومتى تفاوض، وهي التي تتحدث باسم شعبها، وهي التي تدافع عن حدودها، وهي التي توقع الاتفاقات وتتحمل مسؤولية تنفيذها. أما عندما تتعدد مراكز القرار، يصبح السلام نفسه مستحيلاً. ولا يمكن أن يكون هناك سلام دائم فيما توجد في البلد قوى قادرة على اتخاذ قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية. وهنا لا يتعلق الأمر بطائفة دون أخرى، ولا بمذهب دون آخر. المشكلة ليست في الشيعة، ولا في السنّة، ولا في المسيحيين، ولا في الدروز. المشكلة في منطق الطوائف عندما يتحول إلى بديل عن الدولة. لبنان لا يحتاج إلى طوائف مسلحة كي تحمي بعضها بعضاً. لبنان يحتاج إلى دولة تحمي الجميع. فالشيعي يجب ألا يحتاج إلى حزب كي يشعر بالأمان، والمسيحي يجب ألا يحتاج إلى حماية خارجية، والسنّي يجب ألا يبحث عن قوة إقليمية تسنده، والدرزي يجب ألا يخاف على وجوده. الدولة هي الضمانة. وهنا يصبح السلام الداخلي شرطاً للسلام الخارجي. لا يمكن أن نتحدث عن السلام مع العالم فيما اللبنانيون أنفسهم يعيشون في حالة خوف متبادل. السلام اللبناني يعني أن ننتقل من منطق الجماعات إلى منطق المواطن. أن يشعر اللبناني أن حقوقه محفوظة لأنه مواطن، وليس لأنه ينتمي إلى طائفة أو حزب أو منطقة أو محور. ولهذا، فإن تطبيق الدستور ليس مسألة تقنية. إنه جزء من مشروع السلام. الدستور يحدد المؤسسات والصلاحيات والعلاقات بين السلطات. والمشكلة اللبنانية ليست دائماً في غياب النصوص، بل في عدم تطبيقها، وفي استبدال الدولة بمنظومة من المحاصصة السياسية والطائفية. لا يمكن بناء السلام على المحاصصة. السلام يحتاج إلى دولة قانون. والدولة تحتاج إلى قضاء مستقل، ومؤسسات فعالة، ومحاسبة، ومساواة بين المواطنين. لكن السلام لا يقتصر على السياسة والأمن. هناك سلام اجتماعي واقتصادي. ما معنى أن يتوقف إطلاق النار إذا بقي اللبناني بلا عمل؟ ما معنى الأمن إذا كان الشاب اللبناني مضطراً إلى الهجرة؟ ما معنى الاستقرار إذا كان الفقر يزداد، والدولة عاجزة، والاقتصاد منهاراً؟ السلام هو أيضاً أن يستطيع اللبناني أن يعيش بكرامة. أن يجد مدرسة وجامعة ومستشفى. أن يجد فرصة عمل. أن يستطيع بناء بيت وتأسيس عائلة. أن يشعر أن مستقبله موجود في لبنان، لا في مطار بيروت. لذلك، فإن السلام ليس مجرد غياب الحرب. السلام هو وجود الحياة. وهنا تصبح عبارة البابا «طوبى لفاعلي السلام» أكثر عمقاً. فهو لم يقل: طوبى للذين ينتظرون السلام. قال: فاعلي السلام. أي أولئك الذين يصنعونه. وهذه مسؤولية اللبنانيين قبل أن تكون مسؤولية المجتمع الدولي. نحن لا نستطيع أن نطلب من العالم أن يصنع لنا السلام بينما نرفض نحن أن نكون جزءاً من صناعته. السلام يحتاج إلى قرار لبناني. يحتاج إلى دولة. يحتاج إلى حوار. يحتاج إلى شجاعة سياسية. ويحتاج قبل كل شيء إلى تغيير في الثقافة السياسية التي جعلت من الحرب بطولة، ومن التسوية خيانة، ومن التفاوض ضعفاً، ومن السلام تنازلاً. علينا أن نعيد الاعتبار إلى فكرة التفاوض. فالتفاوض ليس خيانة. الدبلوماسية ليست استسلاماً. والبحث عن تسوية تحفظ مصالح لبنان ليس تنازلاً عن لبنان. الدول لا تحمي مصالحها فقط بالسلاح. تحميها أيضاً بالقانون، وبالقوة الدبلوماسية، وبالاقتصاد، وبالتحالفات، وبالمؤسسات، وبقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع العالم. واللبنان الذي نريده يجب ألا يكون تابعاً لأي محور. لا لإيران. ولا لإسرائيل. ولا للولايات المتحدة. ولا لأي قوة إقليمية أو دولية. بل للبنان أولاً. وهذا هو معنى السيادة. أن تكون علاقات لبنان مع الآخرين قائمة على المصلحة اللبنانية، لا على التبعية. أن يكون لبنان جسراً لا ساحة. دولة لا ورقة. وطناً لا منصة. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للسلام اللبناني. سلام لا يلغي الخلافات، لكنه يمنع تحويلها إلى حروب. سلام لا يطلب من اللبنانيين أن يتخلوا عن ذاكرتهم، لكنه يرفض أن تتحول الذاكرة إلى وقود لحرب جديدة. سلام لا ينسى الشهداء، لكنه لا يرسل أبناءهم إلى موت جديد. سلام لا يتجاهل الاحتلال أو الاعتداء، لكنه يضع مصلحة لبنان وشعبه في المقدمة. ولذلك، يجب أن نتوقف عن الخوف من كلمة السلام. بل ربما يجب أن نخاف من شيء آخر: أن تصبح الحرب أمراً طبيعياً في حياتنا، وأن يصبح الحديث عن السلام أمراً مشبوهاً. أي وطن يريد أن يبقى أسير الحرب؟ أي شعب يريد أن يعيش أبناؤه في انتظار الحرب المقبلة؟ وأي دولة يمكن أن تبني اقتصاداً ومستقبلاً فيما قرار الحرب ليس محصوراً فيها؟ لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: كيف ننتصر في الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نمنع الحرب؟ ومن سؤال: من الأقوى؟ إلى سؤال: كيف تصبح الدولة أقوى من الجميع؟ ومن سؤال: من يحمي طائفتنا؟ إلى سؤال: كيف تحمي الدولة كل اللبنانيين؟ هذه ليست أسئلة استسلام. إنها أسئلة بناء وطن. ولذلك، فإن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلاماً بين اللبنانيين وإسرائيل فقط، ولا بين لبنان وسوريا، ولا بين لبنان وأي دولة أخرى. إنه قبل كل شيء سلام اللبناني مع اللبناني، وسلام المواطن مع الدولة، وسلام الدولة مع نفسها، وسلام لبنان مع محيطه والعالم. السلام هو أن يتوقف لبنان عن أن يكون ساحة. وأن يصبح دولة. السلام هو أن يعود القرار إلى المؤسسات. السلام هو أن يصبح السلاح حصراً في يد الدولة. السلام هو أن يصبح الدستور مرجعاً لا شعاراً. السلام هو أن تصبح المواطنة أقوى من الطائفة. السلام هو أن تصبح التنمية أقوى من الحرب. السلام هو أن يصبح مستقبل أبنائنا أهم من انتصاراتنا الماضية. وفي النهاية، ربما لا ينبغي أن نخجل من كلمة “السلام”. بل يجب أن نفتخر بها. لأن من يطلب السلام لا يطلب الموت أقل، بل يطلب الحياة أكثر. ومن يريد السلام لا يتخلى عن وطنه، بل يريد أن يحميه من أن يتحول إلى ساحة دائمة للصراعات. ومن يصنع السلام ليس ضعيفاً. بل هو الذي يمتلك شجاعة كسر دائرة العنف. لقد قال البابا: “طوبى لفاعلي السلام”. ولبنان، الذي عرف الحرب أكثر مما عرف السلام، يحتاج اليوم إلى أن يحوّل هذه العبارة من شعار ديني إلى مشروع وطني. مشروع يقول بوضوح: نريد لبنان دولةً لا ساحة، وسيادةً لا تبعية، ومواطنةً لا محاصصة، وتنميةً لا دماراً، وسلاماً لا حرباً. فربما تكون أعظم مقاومة يمكن أن نخوضها اليوم هي مقاومة تحويل لبنان إلى ساحة حرب. وربما يكون أعظم انتصار للبنانيين هو ألا يضطر أبناؤهم إلى خوض الحرب المقبلة. طوبى للبنان إذا أصبح صانعاً للسلام، لا ضحيةً دائمة للحروب.

"لا انصياع بعد اليوم"، شعارُ الإسلام السني!
Por
يوسف معوض
Publicado
أغسطس 22, 2026 - 13:26

وجد السنّة أنفسهم وحيدين إلى حدّ بعيد عندما غادر ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، بأسلحتهم وعتادهم، على متن سفن فرنسية متجهة إلى تونس. كان ذلك في 30 آب/أغسطس 1982؛ وكان بشير الجميّل قد انتُخب رئيساً للجمهورية، فيما كان الجيش الإسرائيلي يستعد لدخول بيروت الغربية. ومع رحيل أبو عمار وقواته التي كانت قد أسهمت في تأجيج الحرب الأهلية والطائفية اللبنانية، طُويت صفحة من تاريخ البلاد. وأمام هذا الواقع، عبّر الرئيس تقي الدين الصلح، رجل الدولة المحنّك والمراقب الدقيق، بمرارة قائلاً: «تفانى المسلمون حتى فنوا» (1). وكان يقصد بذلك السنّة اللبنانيين، وتحديداً أبناء التجمعات المدينية، الذين احتضنوا القضايا العربية إلى حدّ أنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مهزومين، بل وأدركوا أيضاً إلى أي مدى باتت السلطة تفلت من أيديهم! وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة، نشرت صحيفة السفير تحقيقاً توثيقياً على حلقات حمل عنوان: « الضاحية، ربع الوطن » (2). وكان ذلك بمثابة جرس إنذار ينبئ بقرب دخول الطائفة الشيعية، التي كانت مهمّشة في السابق، بقوة إلى الساحة اللبنانية. ولم يكن هذا التطور ليخلو من إثارة مخاوف مشروعة لدى البيروتيين الأصليين. فالطائفة الشيعية الاثنا عشرية كانت في طريقها بالفعل إلى الحلول محل الطائفة السنّية بوصفها اللاعب المسلم الأول على الساحة السياسية. ومع اندلاع انتفاضة شباط/فبراير 1984 بقيادة حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، لم يتردد الصحافي المخضرم سركيس نعوم في إطلاق كلام بدا يومها استشرافياً. فقد كان يردد أمام من يشاء الاستماع إليه في أروقة صحيفة النهار أن لبنان دخل «العصر الشيعي»، بعدما خرجت بيروت الغربية عن سلطة أمين الجميّل! ومنذ ذلك الحين، أخذ نفوذ السنّية السياسية يتقلص على امتداد سنوات الثمانينيات. وفقد هذا التيار زمام المبادرة لمصلحة فرع آخر من الإسلام، فرع كان يُعدّ أقل حضوراً، لكنه راح يطالب بحقوقه في المحافل السياسية كما في ساحات القتال. وحتى وصول رفيق الحريري إلى السلطة اعتباراً من عام 1992، وما شكّله من انفراج، لم يكن كافياً لإعادة البريق إلى جماعة يعود نفوذها السياسي إلى عهدي المماليك والعثمانيين. الأنقاض و«إعادة الضبط» بقية القصة معروفة: فبعد أن حشدتها إيران وشحنتها عقائدياً، ونظّمتها حركة أمل وحزب الله، ودعمها النظام العلوي القائم في دمشق، فرضت الطائفة الشيعية نفسها، ولا بد من الإقرار بذلك، في مواجهة سائر مكونات الفسيفساء اللبنانية. لكنها، وقد استبدّ بها الغرور الذي لا يستثني أحداً، اعتقدت أنها قادرة على اللعب في ملعب الكبار. ومن بين الأخطاء التي ارتكبتها، أنها عادت الولايات المتحدة كما إسرائيل، وتدخلت عسكرياً في الحرب الأهلية السورية: خطآن قاتلان كانا سيقودانها مباشرة إلى خسائر فادحة ويغرقانها في صراعات لا أفق لها. ذلك أن حزب الله، ذراعها المسلحة الموجّهة من طهران، اعتقد أنه قادر، من خلال دعمه بشار الأسد، على الحفاظ على هيمنته على كتل سنّية مستنزفة أو عاجزة عن التوافق! وحده زعيم كاريزماتي من طراز جمال عبد الناصر كان قادراً على توحيد هذه الكتل وشحذ هممها وإخراجها من سباتها. غير أن هذا البطل القادر على إحداث «إعادة ضبط» سياسية تأخر في الظهور. ولوقت طويل، ظلت «السفيانية» (3)، أو السنّية السياسية، تنحني أمام العاصفة في انتظار أيام أفضل. «السفيانية» والصعود إلى القوة لكن القدر يحمل لنا أحياناً مفاجآت جميلة، وقد يقلب أكثر الأنظمة رسوخاً. وهكذا تخلّص الشعب السوري من المغتصب بشار الأسد، لكنه، للأسف، احتفظ بضغينة عميقة تجاه الذين اعتدوا عليه آتين من لبنان أو إيران. فهؤلاء، المنتمون إلى الفلك الشيعي، وفي طليعتهم حزب الله، كانوا قد انخرطوا عسكرياً في مختلف جبهات الحرب الأهلية. وكانت النتيجة أن دمشق الأموية بدت، في المخيال السوري، وكأنها قد دُنّست، وأن الدماء التي أُريقت باتت تستدعي الثأر. وهذه الرغبة في الانتقام، أو منطق العين بالعين، ستسمّم لوقت طويل العلاقات بين الشيعية اللبنانية والسنّية في العمق السوري. لكن، في هذه الأثناء، فإن البيت السنّي، الذي استعاد فجأة شيئاً من قوته بعد سقوط بشار، بات يرفض أن يتحمل في لبنان الإهانات التي كان يتعرض لها يومياً ما دامت سلالة الأسد العلوية متربعة على عرش دمشق. ولن يُسمح بعد اليوم بأي تعدٍّ على حصته المحفوظة في الإدارة العامة أو في أجهزة الدولة. وهكذا بدأت «السفيانية» تعيد بناء نفسها ببطء، بل وبصعوبة، فيما كانت إيران ووكلاؤها منشغلين في جبهات أخرى، يخوضون الحروب ضد الأميركيين والإسرائيليين. لكن هذه الصحوة السنّية لم تكن تعني أن رئيس مجلس الوزراء لدينا سيتمكن، من دون عراقيل، من استعادة زمام المبادرة الحكومية! إذ كانت معركة صامتة تُخاض عند كل استحقاق سياسي لفرض وجهة نظر على أخرى. وماذا عن الفرضية المصرية؟ وإذا باتفاق دفاعي يُبرم في مكة في 7 آب/أغسطس الماضي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. وقد رأى البعض فيه «ناتو سنّياً» لمواجهة إسرائيل كما إيران. ولا شك في أن ذلك كان مطمئناً بالنسبة إلى «السفيانية»، إلا أن لاعباً رئيسياً ظل غائباً عن المشهد، وهو مصر! فلو انضم بلد النيل إلى تحالف مكة، لكانت مساهمته لا تُنكر: فهو يمتلك أكبر جيش عربي، وسيضيف إلى التحالف ثقله الدبلوماسي وعمقه الاستراتيجي وشرعيته العربية. كما سيشكّل عامل توازن، حتى إن البعض يقول منذ الآن إن انضمامه إلى هذا التحالف «سيحول دون أن يصبح الأخير معادياً لإيران بصورة علنية». ومن يدري! في كل الأحوال، ستشكّل مصر ثقلاً موازناً لتركيا التي جعلت سوريا تدور في فلكها. وأخيراً وليس آخراً، فإن وضعها الجديد سيثير بالتأكيد تساؤلات في تل أبيب، في وقت تتدهور فيه علاقاتها مع أنقرة. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن انخراطاً مصرياً أكبر في عملية إعادة التوازن الإقليمي لن يؤدي إلا إلى تعزيز موقع رئيس مجلس الوزراء لدينا والسلطة التنفيذية عموماً. غير أن دور القاهرة الأبرز سيكون في كبح النزعات الانتقامية لدى السوريين تجاه طائفة لبنانية تورطت ميليشياتها في حرب أهلية لم تكن تعنيها. وبالنسبة إلينا، هنا تحديداً يمكن للقاهرة أن تصبح عنصراً لا غنى عنه للحفاظ على سلمنا الأهلي! 1) «تفانى المسلمون حتى فنوا». 2) أي بمعنى واضح: «الضاحية الجنوبية الشيعية تمثل ربع الوطن». وكانت الرسالة في غاية الوضوح: بات من الضروري أخذها في الحسبان! 3) تشير «السفيانية» السياسية إلى معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية في دمشق.

فؤاد شهاب: الإنصاف المتأخّر لرئيس كبير
Por
أنطوان منسى
Publicado
أغسطس 18, 2026 - 12:59

في وقت تعيد فيه وسائل التواصل الاجتماعي اكتشاف ما تميّز به فؤاد شهاب من تواضعٍ ونزاهة، تتداعى إلى خاطري ذكرى شخصية تبعث في النفس سيرة رئيس سعى إلى إحلال الدولة محلّ الإقطاع، ولم ينصفه لبنان إلا بعد رحيله. فمنذ أيام، شاع تداول صور الرئيس فؤاد شهاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُحيّي روّادُها تواضعه ونزاهته وإخلاصه لمفهوم الدولة. وفي إحدى تلك الصور، يظهر مشاركاً في مطلع ستينيات القرن الماضي، بقداس أقيم على نية العذراء مريم في باحة مزار سيدة لبنان في حريصا المشرف على خليج جونية. وتستحضر هذه الصورة في نفسي ذكرى شخصية مؤثّرة جداً. كنت يومئذٍ فتىً يافعاً من تلامذة القسم الداخلي في مدرسة "الرسل" بجونية، وأُنشد ضمن جوقة المدرسة التي أحيت القداس بقيادة أستاذ اللغة الفرنسية السيد لبكي. وكان الرئيس شهاب يقف على بُعد أمتار قليلة منا. لا أزال أذكر ما خالجني حينها من مشاعر الاعتزاز وأنا أقف على مقربة من رئيس الجمهورية اللبنانية. غير أن ما ترسّخ في ذاكرتي قبل كل شيء هو صورة رجل يعكس حضوره الوقار والبساطة والتواضع الشديد. لقد كان فؤاد شهاب، بلا أدنى شك، أحد أعظم رؤساء لبنان. رجلٌ جمع بين الاستقامة والضمير الحي والزهد، استعان بأهل الكفاءة، وكان شديد التعلق بمفهوم الدولة والخدمة العامة. إلا أنه لم ينل في حياته ما يستحقه من الفهم والتقدير، فشأنه في ذلك شأن رجالات الوطن الكبار الذين لا يدرك الناس عظم قدرهم إلا بعد الرحيل. فمنذ انتخابه رئيساً في أعقاب أزمة عام 1958، أخذ على عاتقه العبور بلبنان من قبضة المصالح الضيقة والزبائنية والإقطاع السياسي إلى رحاب دولة فعلية تقوم على مؤسسات حديثة. في عهده، تطوّرت الإدارة العامة، وتكرّست هيبة الدولة، وعاش اللبنانيون في ظل أمن واستقرار ندرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قيمتهما الحقيقية. أما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، فقد أُديرت بحزمٍ وفرضت احترامها وهيبتها. ولا شك في أن بعض ممارسات تلك المرحلة، ولا سيما ما نُسب إلى "المكتب الثاني"، أثارت انتقادات وسجالات واسعة. غير أن تلك المآخذ لا تُلغي حجم العمل المؤسساتي الذي تحقّق؛ إذ كان فؤاد شهاب يرمي إلى إعلاء سلطة الدولة فوق سلطة العائلات والزبائنيات. لم يكن يطمح إلى ممارسة السلطة لذاته، بل إقامة إدارة قادرة على خدمة المواطنين كافة. في ذلك الحين، كانت جونية، حيث كانت مدرستي الداخلية، أشبه ببلدة كبيرة يغلب عليها الهدوء؛ مدينة ساحلية صغيرة تقيم فيها عائلاتها القديمة في منازل متناثرة على طول الشاطئ. وكان افتتاح سينما "فينيسيا" عام 1963، ومن ثم سينما "بريزيدانس" في الكسليك، بمثابة حدثين بارزين في المنطقة. ورافقت هذه المساحات الثقافية الجديدة النهضةَ التي بدأت قبل سنوات مع افتتاح "كازينو لبنان". كان المشهد مختلفا كل الاختلاف عما نعرفه اليوم؛ فالجبال المحيطة بجونية، حتى أعالي حريصا، كانت تكسوها الخضرة و لم يكن العمران قد طالها بعد. وخلال ولايته، منح فؤاد شهاب جونية زخماً جديداً، وكان له دور أساسي في تحديث كسروان؛ فشُقّت شبكات الطرق، وتطورت البنية التحتية، وانخرطت المنطقة في مسار التحديث الذي شهده لبنان. ومن هنا، يكتسب إنجازه في نظري أهمية استثنائية. ومع اقتراب نهاية ولايته، أراد عدد كبير من النواب إتاحة التمديد له في رئاسة الجمهورية، إلا أن فؤاد شهاب رفض هذا الطرح، وغادر السلطة فور انقضاء ولايته الدستورية. ومع ذلك، قوبل فؤاد شهاب من قطاع واسع من أهالي كسروان بجحود يصعب فهمه؛ إذ أسفرت الانتخابات النيابية عن سقوط جميع مرشحي اللائحة التي كان يدعمها في المنطقة. يا لَها من مفارقة حزينة؛ فالرجل الذي قدّم لكسروان الكثير، لم يَنَل في حياته التقدير الذي يستحقه. تكشف حالة الجحود هذه، للأسف، ثابتاً من ثوابت حياتنا الوطنية: إننا نحارب رجال الدولة الكبار في حياتهم، ثم نحتفي بهم بعد أن يعجزوا عن سماعنا أو خدمة وطنهم. فخصوم الأمس يتحولون أحياناً إلى معجبين بعد رحيلهم، ومن عرقلوا مسيرتهم يعودون ليدّعوا إرثهم؛ فنُحوّل إلى رموزٍ أولئك الذين رفضنا الاستماع إليهم حين كانوا قادرين على العمل. في لبنان، يبدو أن تكريم الكبار لا يأتي إلا بعد غيابهم؛ يوم لا يعود الخصوم يخشونهم، ويغدو بالإمكان الاحتفاء بإنجازاتهم من دون الإضرار بالمصالح القائمة. لم يكن فؤاد شهاب بحاجة إلى التمجيد أو إلى المديح المفرط؛ فنزاهته، وتواضعه، وحسه بالواجب، والمؤسسات التي ساهم في إرسائها، كلها تتكلم عنه. وهو يظل رمزاً لجمهورية ذات كرامة، منظمة، وفي خدمة مواطنيها. فالأمة التي تنسى تاريخها، وتتنكر لمؤسسيها، وترفض الاتعاظ من الماضي، تحكم على نفسها بتكرار الأخطاء ذاتها. ولذا، حان الوقت لممارسة فعل الذاكرة بفعلٍ؛ لا لتأليه مرحلةٍ أو إنكار السجالات التي رافقتها، بل لإحقاق الحق لمن حاولوا بصدق بناء الدولة وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المآرب الشخصية. إن ذاكرة فؤاد شهاب يجب ألا تقتصر على إشادات متأخرة أو منشورات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل ينبغي أن تدعونا إلى التفكير في لبنان الذي أضعناه، وقبل كل شيء، في لبنان الذي نريد إعادة بنائه. إن التكريم الحقيقي لفؤاد شهاب لا يكون بمجرد إحياء ذكراه بعد رحيله، بل يستدعي استعادة نزاهته، وتواضعه، وحسه بالدولة، ومفهومه الصارم للخدمة العامة. وبهذا الشرط وحده، تتحول الذاكرة إلى قوة في خدمة إعادة بناء الجمهورية وصون الوطن اللبناني.

"الخير يبدأ من الذات"... أو خيبات لبنان الكبير
Por
فادي نون
Publicado
أغسطس 17, 2026 - 15:17

تختصر مقولة "الخير يبدأ من الذات" انحرافات مسار لبنان الكبير، وهي الانحرافات عينها التي لخّصها جورج نقاش بعبارته القاطعة والثاقبة: "نفَيان لا يصنعان أمة". عبارة تكشف مكامن القصور الفادحة لدى الجيل الأول من اللبنانيين أمام دولة تُعاني عُسْراً في ترسيخ وجودها. تعود هذه المقولة في أصلها إلى القديس أوغسطينوس، ومعناها البسيط أن على المرء تلبية احتياجاته والوفاء بمسؤولياته أولاً، قبل أن يسعى إلى إغاثة غيره. ورغم أن هذا المفهوم يُحرَّف أحياناً لتبرير السلوك الفردي، أو شحّ العطاء، أو تقديم المصالح الشخصية على قضية جماعية، إلا إنه ينبع في جوهره من الفكر الأوغسطيني (القرن الرابع) ووتحديداً من مفهوم "ترتيب المحبة" ( ordo caritatis ). فبحسب القديس أوغسطينوس، تخضع المحبة (المحبة الإلهية) لتراتبية منطقية: محبة الله أولاً، ثم محبة الذات على نحوٍ سليم ومستقيم (صوناً لخلاص النفس)، لتصبح محبة القريب ممكنة بعد ذلك. ومن هذا المبدأ الأوغسطيني، صيغت العبارة اللاتينية ( caritas bene ordinata incipit a se ipso ) على أيدي فقهاء القانون في القرون الوسطى بأسلوب عملي بحت؛ إذ استعان بها الشُّراح لفض نزاعات الجوار المتعلقة بالمياه. وكانت العُرف الشائع حينها ينص على أن صاحب الأرض التي تنبع منها المياه غير ملزم بريِّ حقول جيرانه إذا كان ذلك يهدد جفاف أرضه. وبذلك كان القانون يكفل أولوية المصلحة الحيوية المباشرة. وعبر القرون، خرجت المقولة من أروقة المحاكم والنصوص الدينية لتدخل الأدبيات الشعبية. فمنذ القرن السادس عشر، باتت مثلاً سائراً للتذكير ببديهية طبيعية: أن يسعى الإنسان إلى صون أمنه المادي والأخلاقي أولاً، قبل أن يتلفت إلى الآخرين. المأساة اللبنانية ينطبق هذا المبدأ كلياً على تاريخ لبنان. للوهلة الأولى، قد يُخيَّل للمرء أن هذا المثل يختصر مأساة نظامٍ غلّبت فيه كل طائفة، عبر التاريخ، بقاءها وأمنها الخاص على حساب الدولة المركزية. غير أن ثمة زاوية أخرى لمقاربة الأمر، ومن خلالها تحديداً تتجلى "المأساة" اللبنانية الحقيقية. زاويةٌ تُظهر كيف أن تفضيل قضايا أخرى على قضية لبنان الكبير، كما أراده وتصوّره آباؤه المؤسسون – كالقضية الفلسطينية، أو الوحدة العربية، أو سوريا الكبرى، أو الجامعة الإسلامية، قد أخرج البلاد عن مبدأ "الخير يبدأ من الذات"، والذي كان يقتضي أولاً تقديمِ بناء الدولة- الأمة وتطويرها على ما عداه. يلامس هذا التحليل بالفعل اللحظة المفصلية في تاريخ لبنان الحديث، وَيُسلّط الضوء على الوجه الآخر للمقولة: أي إن الإفراط المعاكس – والمتمثل في تبنّي قضايا إقليمية أو أممية قبل تمتين القواعد الداخلية – هو ما قاد البلاد إلى الهلاك. فمن خلال تحويل لبنان إلى مسرحٍ لِصِراعات الشرق الأوسط المذكورة أعلاه، فوت الجانب الأكبر من الطبقة السياسية والشعب فرصة النمو الداخلي السليم. وهذا الخروج عن مبدأ "الخير يبدأ من الذات" يتجلى بوضوح في متلازمة "التضحية بالذات من أجل الآخرين". ففي اللاهوت كما في المنطق، لا يمكن لأحد أن يعطي ما لا يملك. ولبنان، كدولة فتية وهشة وليدة عامي 1920 و1943، لم يكن قد رسّخ مؤسساته بعد، ولا أرسى هوية وطنية جامعة. لذلك، وحين اندفع بكثافة في قضايا عابرة للحدود منذ خمسينيات القرن الماضي وستينياته (كالناصرية، ثم الدعم المسلح للقضية الفلسطينية عبر اتفاق القاهرة عام 1969)، تصرّف ككيان ضعيف يحاول المستحيل: حمل أعباء الآخرين. وهو الخيار الذي أسقط التوافق الهش للميثاق الوطني، وفجّر الحرب الأهلية عام 1975. تلاشي "الذات" الوطنية كي تستقيم مقولة "الخير يبدأ من الذات"، كان ينبغي أولاً أن تتشكل "ذاتٌ" واضحة المعالم ومقبولة من الجميع؛ وهو ما عجزت النخب اللبنانية عن تحقيقه، بل حتى عن إرادته. فمن خلال تقديم خيار "سوريا الكبرى" (الذي حمله الحزب السوري القومي الاجتماعي) أو خيار "الوحدة العربية"، استمر فريق من اللبنانيين في النظر إلى لبنان ككيان مصطنع أو مجرد ولاية يُفترض صهرها في مشروع أكبر. وفي المقابل، ومن خلال تقديم مشاريع ثيوقراطية أو الارتهان لمحاور إقليمية (كالمحور الإيراني)، نقلت أطراف أخرى مركز القرار إلى خارج الحدود، وأقصت شركاءها في الوطن. والنتيجة: لم يتمكن لبنان يوماً من محبة ذاته كدولة-أمة ذات سيادة. بل إن الوطنية اللبنانية ظلت، في نظر خصومها، شكلاً من أشكال الخيانة لـ"القضايا الكبرى"، ووصم أصحابها بـ"الانعزالية". إن نمواً متوازناً ومستقيماً للبلاد كان يقتضي منح الأولوية المطلقة لتطوير البنى التحتية، وإرساء تربية مدنية موحدة، وضبط الحدود، ورفد الاقتصاد المحلي. لكن استيراد حروب الآخرين إلى الداخل أدى إلى تبديد الثروات، وتهجير النخب، وتمزيق النسيج الاجتماعي؛ فأصبح البلد ساحة مفتوحة لحروب الآخرين بالوكالة منذ عقود، مؤكداً الحقيقة البديهية: حين لا يصون المرء بيته، يستبيحه الجيران نهباً وإدارة. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية بأبهى صورها: يتأرجح تاريخ البلاد باستمرار بين أنانية طائفية في الداخل (التقوقع الفئوي على حساب الدولة)، وارتهان أيديولوجي للخارج (تفضيل القضايا الإقليمية على حساب الوطن). وفي كلا الخيارين، كان الضحية هو مشروع الدولة اللبنانية الحديثة، القوية والمزدهرة.

صراع السرديتين، أو «حين تدق الساعة السنّية»
Por
يوسف معوض
Publicado
أغسطس 15, 2026 - 13:41

«كفى!» هكذا هتفت ثلاث دول اجتمعت في مكة المكرمة في السابع من آب الماضي. فتركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية، وهي ثلاث قوى تتكامل في ما بينها، أنشأت للتو ما يشبه «حلف ناتو سنيًا»، قد لا تتردد دول أخرى تبحث عن حماية عسكرية أو مظلة دبلوماسية في الانضمام إليه. وقد أحدث الإعلان عن توقيع هذا الحلف، بطبيعة الحال، وقع الصاعقة. ويكفي متابعة الصحافة السعودية خلال الأيام الأخيرة لإدراك التحول في نبرتها حيال ملالي طهران. فقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الرياض، عاصمة المملكة السعودية، تتجرّع الإهانات وتتحمل بصبر واستكانة الاستفزازات الإيرانية، مفضلةً الحل السلمي للنزاعات مع المعتدين عليها. الحجة الدامغة! ما كان لطهران أن تتمادى في هذا النهج العدائي والمتغطرس تجاه جيرانها من الدول العربية، لولا القضية الفلسطينية التي رفعتها عاليًا، وهي قضية مقدسة طالما وفرت لها نوعًا من الحصانة. فلا يمكن إنكار أن إيران وذراعها، حزب الله، هما اللذان واصلا بلا كلل الصراع ضد إسرائيل ومشروعها التوسعي. فمن يستطيع إنكار ذلك، في حين لم تفعل الدول العربية، السنية في معظمها، سوى تجرّع الهزائم المتتالية على الأرض في أعوام 1948 و1956 و1967 وما تلاها؟ بل إن هذه الدول لم تكن لتعارض تطبيع علاقاتها مع تل أبيب، لو أن هذه الأخيرة أبدت استعدادًا لتقديم بعض التنازلات التي تتيح لها، على الأقل، حفظ ماء الوجه. وفي المقابل تمامًا، يقف العالم الشيعي، سواء في إيران أو في بلاد الشام . ألم يُحتفَ بحسن نصرالله عام 2006 كما لو كان صلاح الدين جديدًا، من قبل «شارع عربي» امتد من بلاد ما بين النهرين إلى المحيط الأطلسي؟ ألم يُقال إنه أجبر الجيش الإسرائيلي على التراجع؟ لقد كان هو، ولا أحد سواه، من أعاد للإسلام عزته، بحسب هذا التصور. وهو بذلك كان يخطّ، بدماء مقاتليه، سردية مضادة تعيد الاعتبار إلى طائفته الشيعية. سردية الحروب الصليبية وخطاب «المقاومة» إن تاريخ القرون الوسطى لا يسقط أبدًا بالتقادم في ذاكرة شعوبنا. ولنتذكر أن السردية العربية الشائعة، المستندة إلى مؤرخي ذلك العصر، ابن الأثير وابن القلانسي وابن العربي، تحمّل الفاطميين الشيعة مسؤولية سقوط الأراضي المقدسة والقدس في أيدي الصليبيين في أواخر القرن الحادي عشر (1). وهذه الرواية الراسخة في الأذهان تلوم الفاطميين، بصورة غير مباشرة، على محاولتهم الاستفادة من الغزو الفرنجي لإضعاف الأتراك السلاجقة (2). وفي السياق نفسه، لم يُغفل هؤلاء المؤرخون الثلاثة التأكيد على أن الرد السني، بقيادة قادة أمثال زنكي ونور الدين وصلاح الدين، ثم المماليك، هو الذي أسقط في القرن الثالث عشر آخر المعاقل الفرنجية وأعادها إلى أيدي المسلمين! وهذه هي السردية التي سادت لاحقًا، وحملتها الأيديولوجيا العثمانية طوال أربعة قرون، ثم تبنتها القومية العربية بوصفها رواية جامعة. إلى أن ظهر الخميني يومًا على مسرح الشرق الأوسط، معلنًا أن إسرائيل يجب أن تُمحى من على وجه الأرض! ودخل نظام ولاية الفقيه في صراع لا هوادة فيه مع الإسرائيليين، تخللته بعض النجاحات التي لم يتوقف عن التفاخر بها! نحن إذًا أمام سرديتين متنافستين، تحاول الثانية منهما دحض الأولى. ففي مواجهة ماضٍ غير مجيد، بات في وسع «الفاطمية السياسية» أن تطرح حاضرًا مشرقًا منسوجًا من البطولة والتضحية! وجعل حزب الله، مدعومًا من السلطات الإيرانية، من هذه السردية لازمةً يكررها باستمرار عبر وسائل الإعلام. حلف في مكة! نعم، ولكن ماذا يمكن أن ينتج عنه؟ ينبغي دائمًا أخذ الشارع العربي على محمل الجد، ولا سيما أنه سريع الانجراف وراء الأوهام. وفي الوقت الراهن، لا بد أنه يشعر بالارتياح إزاء عودة الصعود السني، إذ إنه، منذ عبد الناصر وياسر عرفات وصدام حسين، لم يعرف زعيمًا قادرًا على حشد الجماهير وإلهاب حماستها. فقد افتقد صورة البطل، في وقت كان فيه المعسكر الشيعي قادرًا على تعداد سلسلة من «شهداء القضية»، من قاسم سليماني إلى حسن نصرالله. وهكذا، شهد هذا الشارع السني، المعروف بحيويته، تراجعًا على مدى عقود. ثم جاء السابع من آب، فإذا بموازين قوى جديدة تبدأ بالتبلور في مكة، بعدما خرجت سوريا من محور «الممانعة»، فيما بقيت مصر على الحياد، وربما في موقع المترقب. لكن هل سيبقى الحلف الموقع في مكة، أقدس مدن الإسلام، حبرًا على ورق، شأنه شأن تحالفات كثيرة قصيرة العمر حفلت بها صفحات تاريخنا المعاصر؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، أوضح أحد المراقبين أن الأمر لا يتعلق بإعادة تشكيل «جبهة سنية دينية، بل بإعادة تأكيد دور قوى وطنية سنية تسعى إلى استعادة زمام المبادرة الاستراتيجية في مواجهة إيران»، وكذلك في مواجهة إسرائيل. صحيح أنه، إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فقد نشهد عملية «إعادة تطييف»، لكنها ستظل ذات طابع جيوسياسي. فحتى لو وفّر المذهب السني العمق التاريخي والاجتماعي لهذا التحالف بين دول ذات سيادة، فإن المصالح المدروسة لهذه الدول ستظل تتقدم على الأيديولوجيا الدينية وعلى التضامن الذي تفرضه هذه الأخيرة. فماذا يمكن أن نتوقع إذًا؟ ربما سردية جديدة للخلاف القديم نفسه بين أنصار الأرثوذكسية السنية وأنصار الاعتراض الشيعي! (3) 1- اتهام ينبغي، عند التمعن فيه، التخفيف من حدته. 2- عشية وصول الصليبيين، كان صراع ضارٍ يدور بين السلاجقة السنة والفاطميين الشيعة للسيطرة على المجال العربي-الإسلامي. 3- هشام جعيط، «الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر»، غاليمار، 1989.

ماذا لو كنا نبدأ من المكان الخطأ؟
Por
حسام العيد
Publicado
أغسطس 13, 2026 - 14:13

ثمة فكرة تكاد تتحول اليوم إلى مسلّمة في الحياة السياسية اللبنانية. فكلما جرى الحديث عن استعادة الدولة، أو عن مستقبل حزب الله، أو عن إعادة بناء التوازن الوطني، ينتهي النقاش، عاجلاً أم آجلاً، إلى السؤال نفسه: كيف نبني حالة شيعية مستقلة؟ يصعب الاعتراض على هذا السؤال. فهو يبدو منطقياً، بل بديهياً. فمن الطبيعي أن يحتاج أي مشروع وطني إلى حضور شيعي مستقل، وأن ينتهي احتكار أي جهة لتمثيل طائفة كاملة. لكن أكثر الأفكار خطراً ليست تلك التي تبدو خاطئة، بل تلك التي تبدو بديهية إلى درجة أننا نتوقف عن مساءلتها. ماذا لو كان السؤال نفسه هو المشكلة؟ ماذا لو لم يكن الطريق إلى الدولة يمر عبر بناء حالة شيعية، بل العكس تماماً؟ ماذا لو كانت الحالة الشيعية المستقلة، بكل ما تمثله من تنوع واستقلالية، ليست نقطة البداية، بل إحدى النتائج الطبيعية لنجاح مشروع وطني حقيقي؟ فعندما تصبح الأولوية هي إنتاج شخصيات شيعية، أو جمعها، أو الاستثمار فيها، أو تحويلها إلى عنوان المرحلة، ينتقل مركز الثقل، من دون أن نشعر، من الدولة إلى الطائفة. وتصبح السياسة، مرة جديدة، محاولة لإعادة ترتيب التوازنات داخل جماعة واحدة، بدلاً من إعادة تعريف العلاقة بين جميع اللبنانيين ودولتهم. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التفكير. فنحن نقول إننا نريد تجاوز النظام الطائفي، لكننا نبدأ مشروعنا السياسي من داخل الطائفة. ونقول إننا نريد بناء دولة المواطنين، لكننا نفتش أولاً عن ممثلين للطوائف. ونقول إننا نريد إخراج اللبنانيين من منطق الجماعات، لكننا نطلب من كل جماعة أن تنتج ممثلها الجديد قبل أن يبدأ المشروع الوطني. ربما لا يكون هذا تناقضاً مقصوداً، لكنه يستحق المراجعة. فحزب الله لم يصبح ما هو عليه لأنه احتكر التمثيل السياسي للطائفة الشيعية فقط. لقد بنى، على مدى عقود، منظومة متكاملة من القوة العسكرية، والخدمات الاجتماعية، والمؤسسات، والسردية الدينية، والعلاقات الإقليمية. وهذه المنظومة لا تواجه بإنتاج منظومة طائفية أخرى أكثر اعتدالاً، بل ببناء دولة تصبح هي المرجعية الطبيعية للأمن، والخدمة، والاقتصاد، والعدالة، والانتماء. ولهذا، فإن السؤال ليس إن كنا بحاجة إلى شخصيات شيعية مستقلة. نحن بحاجة إليها بالتأكيد. لكن السؤال هو: أين نضعها؟ هل نضعها في قلب مشروع شيعي جديد؟ أم في قلب مشروع لبناني جديد؟ الفرق بين الخيارين ليس شكلياً. ففي الأول، تصبح هذه الشخصيات مسؤولة عن تغيير طائفة بأكملها، وهو حمل لا يستطيع أحد أن يحمله. أما في الثاني، فإنها تصبح شريكاً في بناء بيئة وطنية قادرة على جذب اللبنانيين جميعاً، ومن بينهم الشيعة. وربما هنا يكمن الخطأ الأكثر شيوعاً في مقاربة هذه المرحلة. فبدلاً من الاستثمار في البيئة التي تُنتج القيادات، نستثمر في القيادات نفسها. وبدلاً من بناء المؤسسات والتنظيمات والشبكات المحلية والجامعات والنقابات والبلديات، نبحث عن الوجوه التي يمكن أن تختصر كل هذا العمل الطويل. لكن السياسة لا تعمل بهذه الطريقة. فالقيادات ليست بداية المشاريع، بل إحدى نتائجها. وما لم توجد البيئة التي تمنحها الشرعية والقدرة على الاستمرار، تبقى الشخصيات أكبر من قواعدها، وأكبر من الأدوات المتاحة لها، وأكبر من النتائج التي تستطيع تحقيقها. ولهذا، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف نبني حالة شيعية مستقلة؟ أصبح السؤال الأهم هو: كيف نبني مشروعاً وطنياً يشعر المواطن الشيعي، كما المواطن السني والمسيحي والدرزي، أنه بيئته السياسية الطبيعية؟ فعندما ننجح في ذلك، لن نحتاج إلى صناعة شخصيات شيعية. ستظهر من تلقاء نفسها.

إن لم تكن سوريا، فعلى الارجح تركيا... والعكس صحيح!
Por
يوسف معوض
Publicado
أغسطس 8, 2026 - 14:31

بعد أن حظي العماد جوزاف عون ببركة واشنطن، ها هو في أواخر تموز يُستقبل في أنقرة استقبال الرؤساء، حيث أُحيط بكل ما يليق بمنصبه من مظاهر التكريم. فالسجاد الأحمر وطلقات المدفع، وحرس الشرف الرئاسي وهو يؤدي التحية العسكرية (Süngü tak)، ليست تفاصيل عابرة في نظر عسكري محترف كرئيس الجمهورية اللبنانية. ومن البديهي أنه لن يكون من أولئك الذين يفتعلون الخلاف مع وفد تجاري تركي، كما فعل الرئيس إلياس الهراوي في مستهل ولايته. ومن يذكر اليوم تلك المشادة التي وقعت بين "أبو الياس" والوفد التركي، الذي جاء لبنان متحمساً لتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية مع طرابلس، لكنه ارتكب، خطأً حين ذكّر بالروابط التاريخية التي جمعت المدينة الشمالية بتركيا؟ لاأحد يعلم ما الذي أثار حفيظة رأس الدولة آنذاك، فأعلن بغضب أن لبنان دولة ذات سيادة – يا للمفارقة! – ولن يسمح بعودة النفوذ العثماني إلى ربوعه، ولا بإقامة علاقة مميزة بين أنقرة ومنطقة لبنانية على حساب الدولة المركزية. وقد أثارت تلك الحادثة سخرية بعض الأوساط التي استهجنت موقف رئيس الجمهورية، في وقت لم تكن فيه غرف التجارة تسعى إلا إلى إحياء علاقات التبادل والازدهار بينها. طرابلس الشام ولبنان الكبير طُويت صفحة ذلك الحادث منذ زمن بعيد، غير أن بعض التساؤلات عادت إلى الواجهة مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس في الثاني من تموز الماضي. فقد أوحى الحماس الشعبي الذي استُقبل به بأن المدينة قد تتطلع إلى مصير غير لبناني! وللتذكير، فإنها حملت عبر التاريخ اسم طرابلس الشام، كما أنها عارضت الانتداب الفرنسي، ولم تتقبل بسهولة ضمها إلى دولة لبنان الكبير. ومع ذلك، ينبغي ألا نتسرع في استخلاص الاستنتاجات، فالجماهير معروفة بردود فعلها العاطفية، وكانت طرابلس قد عانت طويلاً من الاحتلال البعثي، بحيث كان من الطبيعي أن تعبر، عند أول فرصة، عن ضيقها وإحساسها بالتحرر. الخريطة الكاملة لسناجق ولايتي بيروت وسوريا عام 1909. كانت ولاية بيروت تضم سناجق نابلس وعكا و«بلاد بشارة» (التي تقابل حاليًا جنوب لبنان، أو جبل عامل)، إضافة إلى مدينة بيروت وسنجقي طرابلس الشام واللاذقية. وكانت تسمية «طرابلس الشام» تُستخدم لتجنّب الخلط بينها وبين مدينة عثمانية أخرى هي طرابلس الغرب، أي مدينة طرابلس الحالية في ليبيا، التي احتفظت بهذا الاسم. (ويكيميديا كومنز) وفي خضم الاحتفاء بالشيباني، ذهب أحد أبناء طرابلس إلى القول:"لو دخلت القوات التركية اليوم شوارع مدينتنا، لاستُقبلت وسط أفراح عارمة." ولو صحّ ما يقوله هذا المراقب، لكانت المباني قد ازدانت بالأعلام الحمراء التي تحمل الهلال والنجمة، أعلام الإنكشارية في الدولة العثمانية. وفي هذه العبارة شيء من الحقيقة، وإن كان من باب الشعور والانفعال أكثر منه من باب السياسة: فالمدينة عانت، في عهد حافظ الأسد وابنه بشار، من إخضاع قاسٍ لسكانها، ومن هيمنة طائفية على مفاصلها الاقتصادية الحيوية. ولكن، هل يعني ذلك أن تركيا ستتدخل في لبنان باسم ما يُسمى بالعثمانية الجديدة، أو استعادة حكم السلطنة، أو بدافع مشروع الإخوان المسلمين؟ إمبريالية عثمانية جديدة أم مجرد تمدد اقتصادي؟ مهما تكن أهداف أنقرة، فإنها لن تتجسد إلا ضمن رؤية إقليمية شاملة تشمل الفضاء السوري–اللبناني–الأردني بأسره. وقد يثير ذلك المخاوف والهواجس في لبنان كما في غيره. ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن حزب العدالة والتنمية، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وإن كان يستحضر أحياناً أمجاد الدولة العثمانية، فإنه يفعل ذلك في الغالب لأغراض انتخابية وسياسية داخلية. ولا يخطر ببال النخب التركية الجدية إعادة بناء إمبراطورية كانت تمتد على ثلاث قارات، خصوصاً بعدما قدّمت مغامرة فلاديمير بوتين في أوكرانيا درساً بليغاً لكل دعاة التوسع العسكري. على الأقل، هذا ما نأمل! ويقال أيضاً إن الحضور التركي يتركز أساساً في إطار القوة الناعمة، إذ أصبحت قصة النجاح الاقتصادي التركي نموذجاً يحتذى به لدى كثير من رجال الأعمال في الشرق الأوسط. وهذا احتمال وارد، خاصة بعد أن فقدت النزعة القومية العربية، بما حملته من عداء للأتراك، كثيراً من قدرتها على التعبئة، ولم يعد التركي يُحمّل مسؤولية أربعة قرون من التراجع العربي. لكن تركيا لا تستطيع أن تكتفي بالنجاحات الاقتصادية وحدها. فهي ليست سنغافورة ولا دبي، ولا يمكنها أن تحصر دورها في أن تكون مركزاً مالياً، ولا سيما أنها باتت قوة إقليمية ذات نفوذ، وصارت صناعتها العسكرية تحتل موقعاً متقدماً في سوق السلاح العالمية. سوريا... البوابة الرئيسية للنفوذ التركي أليست أنقرة، عملياً، الراعي الأول لنظام أحمد الشرع؟ ويجيب البعض بأن تركيا، مهما قدمت من دعم عسكري وسياسي واقتصادي، فلن تتمكن من تحويل النظام السوري إلى مجرد وكيل proxy مطيع لها. كما أن السياسة "الأموية" تبدو ماضية في تنويع وتعميق علاقاتها مع دول الخليج. ثم إن الخيلاء التركية كفيلةٌ، في نهاية المطاف، بكبح اندفاعة أي مسؤول سوري يبدي استعداداً مفرطاً للخدمة والتعاون. خريطة تعود إلى عام 1913، تظهر ولايتي سوريا وبيروت. وفي الوسط، باللون الأخضر، متصرفية جبل لبنان. (ويكيميديا كومنز) ومع ذلك، فإن النفوذ التركي في لبنان، في الظروف الراهنة، لا يمكن تصوره إلا من خلال محور أردوغان–الشرع، ولا سيما أن أنقرة تخشى أن تمنح الولايات المتحدة إسرائيل حصة وازنة من "كعكة" الشرق الأوسط، هذه المنطقة الوسطى التي ما زالت تبحث عن توازنها المفقود. إنها مهمة شاقة تنتظر الرئيس التركي في بلاد الشام. فعليه أولاً أن يواجه النفوذ الإيراني بأبعاده العقائدية والعسكرية والمالية والمذهبية، إذ ستسعى طهران على الأرجح إلى استعادة موطئ قدمها في سوريا، وإعادة فرض نفوذها في لبنان. لكن إذا خرجت دولة الملالي نهائياً من المشهد، فسيجد أردوغان نفسه أمام فراغ سيتوجب عليه ملأه. وليس هذا فحسب، فكلما اندفعت تركيا جنوباً، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع إسرائيل، وهي الدولة التي تتدهور العلاقات معها يوماً بعد يوم، والتي لاتقل صعوبة كشريك عنها كخصم 1 . وخلاصة القول، إذا كان الرئيس أردوغان قد عزز موقع العماد جوزاف عون 2 ، فإنه في الوقت نفسه يواصل ترسيخ أركان نظام أحمد الشرع. فعندما تدق الساعة التركية، ستكون سوريا المكمّل الاستراتيجي لأنقرة، وذراعها العسكرية، وربما أيضاً وكيلها الإقليمي. 1 أعلن رجب طيب أردوغان في حزيران الماضي أن أمن بلاده "لا يبدأ في ولاية هاتاي، بل في حلب ودمشق وبيروت"، مؤكداً أن تركيا لن تتسامح مع أوهام "أرض الميعاد". كما اعتبر أن "الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان بلغت مستوى بات يهدد تركيا نفسها". 2 خلال المحادثات التي جرت في أنقرة، وعد أردوغان الرئيس جوزاف عون بإرسال قوات تركية في إطار تحالف عسكري أوسع، لتحل محل قوات اليونيفيل التي تنتهي مهمّتها في نهاية العام.

أزمة مالية ذات جذور سياسية عميقة
Por
أنطوان منسى
Publicado
أغسطس 7, 2026 - 17:19

تُعزى الأزمة اللبنانية، التي برزت رسمياً في خريف عام 2019، في معظمها إلى عوامل تقنية بحتة: الهندسات المالية لمصرف لبنان، وأرباح البنوك، وسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وأسعار الفائدة، وتحويلات رؤوس الأموال، والعجز التجاري والاستهلاك. وإن كانت هذه العوامل تستوجب الدراسة فعلاً، إلا أنها وحدها لا تكفي لتفسير الانهيار تفسيراً كاملاً. أما الأسباب السياسية والأمنية والإدارية — من نهب للقطاع العام، وتوظيفات عشوائية في مؤسسات الدولة، وإنفاق بلا موازنات منتظمة، ومحسوبيات، وتسييس للقضاء، وتهريب، واقتصاد موازٍ، وتورط في صراعات إقليمية — فقد طُمست إلى حدٍّ بعيد. وحكومة حسان دياب ليست المسؤول الوحيد عن أزمة كانت تتراكم منذ عقود، غير أن ثمة قرارات اتُّخذت أو تبنّتها في عهده أسهمت في تسريع الانهيار. أولاً، لم يُقرَّ أي قانون فوري ومتسق لضبط حركة رؤوس الأموال، وهو ما أفضى إلى قيود تعسفية، وفاقم من التفاوت بين المودعين، وأتاح تسرّب جزء من السيولة. ولو صدر قانون استثنائي يقوم على المبدأ ذاته الذي طُبِّق إبان حرب عام 1967، أو أزمة بنك إنترا، أو بعد تدمير الطائرات المدنية في مطار بيروت خلال غارة 28 ديسمبر 1968، لكان بالإمكان الحدّ من الأضرار. ثانياً، قرّرت حكومة دياب في مارس 2020 التوقف عن سداد سندات اليوروبوند، برفض دفع ما قيمته 1.2 مليار دولار. في حين كانت احتياطيات مصرف لبنان آنذاك تُقدَّر بنحو 29 مليار دولار. كان بوسع لبنان الوفاء بالالتزامات الآنية في الوقت الذي يتفاوض فيه على إعادة هيكلة منظّمة مع الدائنين وصندوق النقد الدولي. فالتوقف غير المُعدّ له عن السداد أجهز على مصداقية الدولة، وأغلق أبواب الأسواق المالية، وزاد من عزلة لبنان المالية. ثالثاً، لجأت حكومة تلك المرحلة إلى دعم أكثر من 300 سلعة بدلاً من دعم الأسر مباشرة. وقد أفضى هذا النظام إلى تشجيع الاكتناز والاحتكار، وفوق كل ذلك التهريب نحو سوريا. ويُقدَّر ما أُنفق عليه بما بين 12 و14 مليار دولار. وهذا الإنفاق غير المبرر يناقض الحجة القائلة بضرورة الحفاظ على الاحتياطيات مسوّغاً لرفض دفع 1.2 مليار دولار في مارس 2020. رابعاً، كانت الخطة التي أُعدّت بالتعاون مع شركة لازار تنطوي على خطر تحميل المودعين والقطاع المصرفي القائم الجزء الأكبر من الخسائر، بهدف استبدال البنوك الحالية بخمسة مصارف جديدة. وظلّ الوعد برد الودائع مجرد كلام لم يُرفق بأي إجابة واضحة عن مصادر التمويل، والأصول التي سيُستعان بها، والجدول الزمني للتنفيذ. لقد أسهمت هذه الخيارات مجتمعةً في تسريع استنزاف الاحتياطيات، وتأجيج أزمة السيولة، ونشر اقتصاد الكاش، وتهميش لبنان دولياً. والتذكير بها لا يعني تبرئة مصرف لبنان أو البنوك أو الحكومات السابقة، إذ يجب تحديد المسؤوليات كاملةً وفق الصلاحيات الفعلية والالتزامات القانونية، دون أن يُجعل قطاع بعينه كبش فداء. لا يقوم النهوض بالبلاد إلا على استعادة هيبة الدولة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، واستقلالية القضاء، وإقرار قانون عادل ومموَّل لردّ الودائع، وإعادة هيكلة مصرفية شفافة، والتفاوض على الدين، وإصلاح الإدارة العامة. يجب أن يراعي توزيع الخسائر الطبيعة القانونية لكل التزام على حدة. فمطالبات الدولة، وحقوق مصرف لبنان، والتزامات البنوك، وحقوق المودعين مترابطة لكنها ليست متماثلة، والخلط بينها يعني بطبيعة الحال تحميل المواطنين العاديين الثمن. يجب إيلاء الأولوية لصغار المودعين، مع تحديد المبالغ والجداول الزمنية ومصادر التمويل بوضوح تام. ويمكن للأصول العامة أن تُسهم في عملية التعافي من خلال عائداتها المستقبلية، شريطة أن تظل محمية ومُدرجة في سجلات وخاضعة لإدارة شفافة. ولا يجوز التفريط بها أو إسنادها إلى هيئات تفلت من الرقابة الديمقراطية. وعلى المنوال ذاته، يتعين على المساهمين تحمّل نصيبهم من المسؤولية في حدود ما يقضي به القانون، فيما يجب أن تخضع التحويلات غير المشروعة والإثراء غير المبرر لتحقيقات قضائية جدية. إن إعادة الهيكلة قبل تحديد الموارد المتاحة تعني وضع العربة أمام الحصان. فالأزمة وإن بدت في مظاهرها مالية، إلا أن جذورها سياسية بامتياز، ولن يكون لأي حل مستدام أن ينجح إذا أغفل هذه الحقيقة. وفي نهاية المطاف، سيرتبط استعادة الثقة باستعادة لبنان لعلاقاته مع شركائه العرب والدوليين، والتزامه بمعايير المالية العالمية، وإعادة توجيه سياسته الاقتصادية لتصبّ حصراً في خدمة المصلحة الوطنية.

/