شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

فأين هي إذن تلك الحكمة الشيعية التي طالما تغنّى بها أصحابها؟

صورة للأخبار
صورة المؤلف
نُشر نوفمبر 1, 2026 - 00:08

«الشيعة يريدون الدولة» (1)، عبارة لم يكلّ الرئيس الراحل حسين الحسيني من تردادها. كانت شعاره الدائم وردّه على اللبنانيين الذين لم يخفوا ريبتهم حيال صعود طائفة عانت الحرمان طويلًا، أو على الأقل لم تكفّ عن تقديم نفسها بوصفها مهمّشة.

ولم يكن هذا السياسي المخضرم يقصد بذلك أن على الشيعة الاثني عشرية الاستيلاء على السلطة لإقصاء سائر المكوّنات الوطنية. على العكس تمامًا، لم يكن يطمح لأبناء طائفته إلا إلى أن يُقبلوا، شأنهم شأن سائر الطوائف، شركاء في إدارة البلاد والانتفاع بخيراتها، وأن يُعترف بهم مواطنين كاملي الحقوق، لا أبناء الوطن المحرومين.

ومن كان بوسعه أن ينكر عليهم هذا الطموح أو يعترض على هذه التطلّعات؟



وماذا لدينا اليوم؟

غير أن عبارة الرئيس الحسيني، على وجاهتها، حُرّفت عن مقصدها. فقد أخذت حركة أمل وحزب الله البلاد رهينة، مستندَين إلى تجذّرهما في المؤسسات وتمثيلهما السياسي وقوتهما العسكرية المستقلة. وبعدما تغلغلا في الإدارة على مختلف مستوياتها، باتا يستخدمان نفوذهما لتعطيل عملها وفرض الفيتو على أي محاولة إصلاح.

أما رأسا السلطة التنفيذية، فلعجزهما عن مواجهة الحلف الفولاذي الذي عقده الثنائي الشيعي، يتلقّيان الضربات كلّما تعذّر عليهما تفاديها!

وللتدليل على ذلك، نذكّر بقضية متفجرات حزب الله التي ضُبطت مؤخرًا في ضهر البيدر.

كان يُفترض، نظرًا إلى خطورة هذه القضية، أن تُحال إلى المجلس العدلي. لكن السلطة، خشية أن ينفّذ حزب الله تهديداته، عدلت عن ذلك، وإن قيل لنا إن هذا التراجع مؤقت فحسب.

وليس هذا كل شيء، إذ لا يتوقف الدوس على قواعد دولة القانون إرضاءً للثنائي المذكور. فقد جرى مؤخرًا التجديد لبسام بدران، المقرّب من نبيه بري، في رئاسة الجامعة اللبنانية، متجاوزين إبطال المجلس الدستوري قانونًا يتيح لرئيس الجامعة تولّي ولاية ثانية.

والحبل على الجرّار! فالأمثلة في هذا المجال لا تُحصى، وأمام هذا العجز والخَوَر، يحقّ لنا أن نتساءل: كيف لا تزال الولايات المتحدة، وتوم حرب تحديدًا، تطالب الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله؟

فلنضع نصب أعيننا، من الآن فصاعدًا، أن الدولة الموحّدة ستواصل انتهاج سياسة مترددة، لشدة خشيتها من مواجهة أهلية مع ميليشيا مسلّحة!

من أين يأتي الخلاص؟

يعيش اللبنانيون يوميًا على وقع مناورات ترمي إلى الاستحواذ على الدولة عبر تقويضها من الداخل.

والسيطرة على ما تبقّى من جهاز الدولة لا تعود إلى تمثيل مفرط للشيعة في الجيش أو الخارجية أو القضاء أو التربية، بل إلى الزبائنية والتعيينات الحزبية والمحسوبيات التي تكبّل قدرة السلطة التنفيذية على التحرّك وتشلّها.

وبمصادرة قدرة السلطة التنفيذية على اتخاذ القرار، يفرض الثنائي الشيعي «خياراته خارج الآليات المعتادة للمساءلة العامة»، التي وُضعت لضمان الإدارة السليمة للشأن العام.

باتت الشرعية الجمهورية بلا حاضن: مراكز نفوذ خفيّة تمسك بالسلطة، ولم تعد البلاد تنعم إلا بتعددية شكلية.

وهكذا، فإن نظامنا السياسي، بخصوصيته اللبنانية، الذي صُمّم لضمان تعايش الطوائف وتهدئة مخاوفها المتوارثة، قد «تحوّل إلى آلية تشلّ المؤسسات وتحدّ من السيادة الوطنية».

وخلاصة القول إن التعطيل والإكراه اللذين يمارسهما الثنائي الشيعي علنًا يطبعان الوضع الراهن، فيما تكابد سائر الطوائف اللبنانية للبقاء وسط الشدائد والريبة، ولا تنشد سوى الخلاص.



نحو قائمقامية شيعية تكون منطقة نموذجية تجريبية!



لعلّ من المفيد أن نعيد قراءة كمال الصليبي، الذي نشر في ستينيات القرن الماضي مؤلَّفًا مرجعيًا عن تاريخ لبنان: «لدى الشيعة، انعكس تاريخ طويل من الاضطهاد والقمع في التحفّظ السياسي الذي اتّسمت به الطائفة، وفي تنظيمها الذي بدا ضعيف البنية» (2).

لم تعد هذه الملاحظة التي سجّلها المؤرّخ البارز تنطبق على واقع اليوم. فقد شهدت الطائفة الشيعية منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وربما قبل ذلك بكثير، تحوّلات عميقة كان لا بدّ أن تؤدّي إلى إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني.



لكن بدلًا من أن تجد الأحزاب الشيعية لنفسها مكانًا إلى جانب الطوائف الأخرى، أرادت الاستئثار بالساحة كلّها. ومدفوعًا بتحوّل عميق، بلغ الغرور بحزب الله حدّ اغتصاب الحقّ السيادي في إعلان الحرب، فجرّ بذلك الطائفة الاثني عشرية إلى مغامرات طائشة لحساب إيران.



وخلاصة القول إن الثوب اللبناني ما انفكّ يتمزّق منذ عام 1975.

وما كان لاتفاق الطائف، حتى لو طُبّق بحذافيره، أن يرقّع هذا الثوب على حاله.

فلماذا لا يُنظر إذًا في إنشاء قائمقامية شيعية تضمّ أنصار الحزب، أيًّا كانت طوائفهم الدينية، وتكون فيها الكلمة الفصل لحزب الله؟

ستكون «منطقة نموذجية»، ما دام هذا التعبير رائجًا، يستطيع فيها المتشدّدون حتى النهاية ممارسة حكمهم الذاتي بكلّ طمأنينة، من دون إلحاق أضرار جانبية بشركائهم ومواطنيهم.



ألم يختبر المسيحيون والدروز المرحلة الشاقّة من نظام القائمقاميتين بين عامَي 1842 و1858، ليعيشوا بعدها أكثر من خمسين عامًا من السلم الأهلي في ظلّ المتصرّفية؟



1- «الشيعة يريدون الدولة»

2- كمال الصليبي، تاريخ لبنان من القرن السابع عشر إلى أيامنا الحاضرة، نوفل، 1988، ص. 29.


مقالات ذات صلة
عرض الكل

المأزق السياسي الإسرائيلي وتداعياته على لبنان

بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 31, 2026 - 00:35
تم التحديث أكتوبر 31, 2026 - 00:36

عند باب المندب، تسيل دماء الآخرين

بقلم يوسف معوض
نُشر أكتوبر 24, 2026 - 14:57
تم التحديث أكتوبر 29, 2026 - 00:11

حين يصبح الافتراء دفاعاً عن المودعين

بقلم جاد الاخوي
نُشر أكتوبر 22, 2026 - 22:12
تم التحديث أكتوبر 29, 2026 - 00:11

من غاليري سمعان إلى غاليري لافاييت… أيّ إسلام نُقدّم للعالم؟

بقلم جاد الاخوي
نُشر أكتوبر 20, 2026 - 22:01
تم التحديث أكتوبر 25, 2026 - 23:24

من صراع الحضارات إلى أمن الإنسانية

بقلم نواف كبارة
نُشر أكتوبر 19, 2026 - 11:17
تم التحديث أكتوبر 24, 2026 - 01:16

المزيد من يوسف معوض

عرض الكل

المزيد في رأي

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل