
يمرّ لبنان بإحدى أشدّ الفترات قسوة في تاريخه. فالتوترات الأمنية، والسلاح الخارج عن سلطة الدولة، والوجود العسكري الأجنبي، وتداعيات الانهيار الاقتصادي والمالي، كلها تعرقل النهوض. ولا يمكن تصوّر إعادة إعمار مستدامة من دون سيادة وأمن ومؤسسات قادرة على تحمّل مسؤولياتها. لكن هل علينا انتظار حلّ هذه الأزمات جميعها كي نستعدّ للمستقبل؟ بالتأكيد لا.
يجب ألّا يحلّ السلام ونحن بلا مشروع. فالعالم يشهد تحوّلات عميقة، وأصدقاؤنا التقليديون، ولا سيما دول الخليج التي تجمعنا بها علاقات تاريخية وأخوية، يواجهون هم أيضاً تحدياتهم الخاصة.
لذلك، لا يستطيع لبنان أن يبني مستقبله على مجرّد انتظار المساعدة الخارجية. عليه أن يعتمد أولاً على موارده وكفاءاته والإمكانات الهائلة التي يتمتع بها أبناؤه في الاغتراب. وهذا لا يعني إطلاقاً الاستغناء عن شركائنا العرب والدوليين، بل يستدعي أن نقدّم لهم مؤسسات ذات مصداقية ومشاريع قادرة على جذب الاستثمارات.
يجب أن تواكب المساعدات الخارجية مسار النهوض، لا أن تحلّ محلّه.
من «نعم، نستطيع» إلى «رؤية لبنان 2045»…
هذه القناعة هي التي حرّكت مؤتمرات «نعم، نستطيع» الدولية، التي أُقيمت على مدى ثلاث سنوات متتالية في جامعة بيروت العربية في طرابلس، بمبادرة من جمعية رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا (HALFA)، وبالتعاون مع شركاء من الأوساط الجامعية والاقتصادية.
وقد جمعت الدورة الثالثة، التي عُقدت يومَي 26 و27 أيار 2025 برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، الذي مثّلته في الافتتاح وزيرة التربية ريما كرامي، عدداً من أعضاء الحكومة وأكاديميين ورواد أعمال وممثلين عن الانتشار اللبناني.
وركّزت النقاشات خصوصاً على أربعة مرافق استراتيجية في شمال لبنان: مرفأ طرابلس، ومعرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، ومطار رينيه معوّض في القليعات.
وفي الأسابيع التالية، شهدت ملفات عدّة تقدّماً على المستوى الحكومي، ولا سيما ما يتعلّق بمطار القليعات وتعيين مجلس إدارة جديد لمعرض رشيد كرامي. وهذه القرارات هي بطبيعة الحال ثمرة جهود متضافرة، ولا يمكن نسبتها إلى مؤتمر واحد. لكنها تؤكد أهمية الحوار بين المسؤولين في القطاع العام والأوساط الاقتصادية والأكاديمية وأبناء الاغتراب.
هذه هي ثقافة الإصغاء واتخاذ القرار وتحقيق النتائج التي ينبغي للبنان أن يعمّمها. وكان من بين المتحدثين الدكتور كميل جبيلي، الذي أسهمت أفكاره في بلورة طموح وطني أوسع. وامتداداً لهذه اللقاءات، تبلورت بدفع منه وبمشاركة لبنانيين من مختلف الطوائف ومن أبناء الاغتراب، مبادرة «رؤية لبنان 2045». وتقوم هذه المبادرة على قناعة أساسية: لن يُعاد بناء لبنان برؤوس الأموال وحدها، بل لا بدّ أيضاً من إعادة بناء الثقة، وأخلاقيات العمل العام، وروح المواطنة، والمسؤولية الفردية.
وتضع الرؤية التي يحملها الدكتور جبيلي في صميم النهوض مواطنين أكفاء ونزيهين وبنّائين وملتزمين، يكون ولاؤهم الأول للبنان، بعيداً عن الانقسامات الحزبية والطائفية. فإعادة بناء المواطن ضرورة لا تقلّ أهمية عن إعادة بناء المؤسسات.
من الرؤية إلى العمل
ويمكن أن تُضاف إلى هذا الطموح البعيد المدى خريطة طريق اقتصادية ومالية قصيرة المدى، يبدأ إعدادها من اليوم، بأهداف قابلة للقياس، ومصادر تمويل محدّدة، ومهل زمنية واضحة. ويمكن أن تقوم على ثلاث أولويات.
أولًا، استعادة مصداقية الدولة. فتحديد التوجهات الوطنية من صلاحيات السلطة السياسية، لكن تنفيذ المشاريع يجب أن يُعهد به إلى مهنيين أكفاء، محصّنين ضد التدخلات الحزبية وملزمين بتحقيق النتائج. ويمكن النظر في إنشاء هيئة مستقلة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ذات صلاحيات محددة وآليات رقابة صارمة.
ثانيًا، إعادة بناء النظام المصرفي واستعادة ثقة المودعين. لا بد من تحديد المسؤوليات المالية لكلّ من الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، ولا سيما في ضوء المادة 113 من قانون النقد والتسليف، ثم وضع جدول زمني موثوق ومضمون التمويل لإعادة الودائع. ولا يمكن أن تستند إعادة هيكلة القطاع المصرفي إلى النصوص التشريعية وحدها، بل تتطلب الإجابة عن سؤال جوهري: من أين نأتي بالأموال اللازمة؟
ثالثًا، إعداد مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ. يجب وضع برامج محددة التكاليف وخاضعة للرقابة في قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والزراعة والصناعة والتدريب المهني والتكنولوجيا الحديثة. ويمكن للاغتراب اللبناني أن يساهم فيها باستثماراته وخبراته وشبكة علاقاته الدولية. لكن إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على البنى التحتية، بل ينبغي أن تخلق فرص عمل، وتدعم المؤسسات، وتحدّ من هجرة الشباب، وتعيد إلى اللبنانيين إمكانية العيش بكرامة في وطنهم. ويجب أن تكون عملية وطنية تشمل جميع المناطق والطوائف، بعيدًا عن أي استئثار حزبي.
رفض الاستسلام للقدر
تبقى السيادة والأمن شرطين أساسيين لنهوض مستدام. لكن لا شيء يمنعنا من أن نبدأ منذ الآن بإعداد الإصلاحات وفرق العمل والمشاريع التي يمكن تنفيذها حين تسمح الظروف بذلك. لا نستطيع أن نقرر وحدنا متى يعود السلام، لكننا نستطيع أن نقرر أيّ لبنان سيجده عند عودته.
مرّ وطننا بمحن كان يمكن أن تحطّم دولًا كثيرة غيره. ومع ذلك، لا يزال يملك النساء والرجال والكفاءات والموارد البشرية اللازمة لنهوضه. فما دام الشعب يحتفظ بإرادة الحياة والعمل وإعادة البناء، فلا شيء ضاع إلى الأبد. الأمل ليس انتظارًا سلبيًا لأيام أفضل، بل هو العمل منذ اليوم على تهيئة شروط عودتها. فلنعتمد أولًا على أنفسنا، ولننظّم قوانا. لا نضيّع سنوات في انتظار المستقبل، بل لنُعِدّ له.



















