
نتنياهو يلتقي محمد بن زايد في... الإمارات


قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، ألقى جي دي فانس محاضرة في واشنطن عرض فيها رؤيته لما يجب أن تكون عليه استراتيجية الولايات المتحدة في العالم. بالمختصر، شدد على ضرورة أن تركز واشنطن سياساتها على الساحة الآسيوية، موضحاً في هذا السياق أنه ينبغي على الإدارة الأميركية أن تعتمد، في بقية مناطق التوتر عبر العالم، على حلفائها مع توفير الدعم اللازم لهم.
ومن الواضح أن فانس يرى أنه في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، يتعين على "إسرائيل والدول السنية" أن تتولى الدفاع عن نفسها في مواجهة التوسع الإيراني، مع دعم أميركي. كذلك، على أوروبا أن تتولى الدفاع عن نفسها، مع الدعم الأميركي أيضاً.
وهذه المقاربة الاستراتيجية هي التي توضع موضع التنفيذ تدريجياً، كما يتجلى في اتفاقات ابراهام التي تهدف أساساً إلى إرساء تعاون متعدد المستويات بين إسرائيل ودول المنطقة، ولا سيما الدول العربية منها.
وفي هذا السياق، شهد أواخر الأسبوع الماضي تطوراً لافتاً مرّ بهدوء نسبي، ليترجم هذه الاستراتيجية: إنها الزيارة المفاجئة، بعيداً عن الأضواء، التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحد… إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث استقبله رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد. وقد أكدت وكالة الأنباء الإماراتية أن "الجانبان بحثا العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل وسبل تعزيزها وتطويرها"…
في الواقع، لم يكن ينبغي لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الإمارات، وعدم إثارتها لردود فعل تذكر، أن تشكلا مفاجأة كبرى. فالبلدان يقيمان منذ صيف 2020 علاقات وثيقة، دبلوماسية وغيرها، تشمل شراكات اقتصادية وتكنولوجية. وقد اتخذ هذا التعاون الثنائي منحى بالغ الاستراتيجية في صوماليلاند، الإقليم الواقع في الصومال والذي أعلن استقلاله عام 1991.
وعلى وقع تصعيد العمليات العسكرية التي أطلقتها في اليمن ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، يكتسب هذا التموضع المزدوج، الإسرائيلي والإماراتي، في أرض الصومال أهمية خاصة بدت جلية نظراً للقرب الجغرافي لهذه المنطقة من اليمن ومضيق باب المندب الذي باتت تسيطر عليه منذ أيام قليلة الأذرع الموالية لطهران.
مشاورات سعودية - إماراتية
هل تُعتبر زيارة نتنياهو للإمارات – الأولى من نوعها منذ التطبيع بين البلدين – مؤشراً إلى تبلور مشهد جيوسياسي جديد في المنطقة؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح على ضوء زيارة خاطفة أخرى جرت الثلاثاء؛ تمثلت في توجه نائب رئيس دولة الإمارات، منصور بن زايد، إلى الرياض حيث اجتمع بوزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان.
وإذا خطف اللقاء أنظار الدوائر السياسية، فلأنه ينذر بانفراج مستدام بين السعودية والإمارات اللتين شهدت علاقاتهما توترات حادة وصلت إلى حد الصدام مؤخراً. وغالباً ما يندرج هذا التقارب ضمن مساعٍ سعودية حثيثة لتحصين الجبهة الدفاعية بوجه الهجمات الحوثية التي تقف خلفها إيران.
ولتحقيق ذلك، تعمل الرياض على تنويع "أدواتها العسكرية": منظومة دفاع جوي فرنسية لمواجهة الحوثيين (قيد الدراسة)؛ اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها مع تركيا وباكستان؛ بالإضافة الى تحالف يضم نحو اثنتي عشرة دولة لحماية الملاحة في البحر الأحمر، ناهيك عن التطور السريع في صناعاتها العسكرية الوطنية. ومن هذا المنطلق، يأتي التقارب الفعلي مع الإمارات تتويجاً منطقياً لاستراتيجية الدفاع التي تبنتها الرياض منذ بدء الهجمات الحوثية.
المعطى الإيراني
تتجلى المعطيات الجيوسياسية الأخرى التي تطبع المشهد الإقليمي الراهن في الانعكاسات الثقيلة للحصار الاقتصادي الذي تفرضه واشنطن على الجمهورية الإسلامية. فخلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، انهارت العملة الإيرانية مرة جديدة بشكل حاد، متجاوزة عتبة 2.5 مليون ريال مقابل الدولار الواحد. وفي هذا السياق، باءت محاولات الوساطة التي قادتها قطر في الأيام الأخيرة لإبرام تفاهم جديد بين واشنطن وطهران بالفشل، نتيجة الشروط التعجيزية التي تصر إيران على فرضها على إدارة ترامب، تحت ضغط التشدد المستمر لجناح الحرس الثوري. وعلّق نائب الرئيس الأمريكي بالقول إن "مسؤولين إيرانيين اعترضوا على الهجمات ضد السفن (العابرة لمضيق هرمز)، لكنهم أخفقوا في إقناع المتشددين بذلك".
هكذا يواصل "حرس الثورة" التمسك بموقفه المتعنت، غير آبه بالانهيار الاقتصادي الواسع النطاق الذي خلفه الحصار الأمريكي. وفي تصريح لقناة "فوكس نيوز" الثلاثاء، أشار وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، إلى أن إيران قد تمتلك في البحر مخزوناً احتياطياً من النفط القابل للتسويق لا يتجاوز 15 مليون برميل مخصص للتصدير إلى الصين، وهو مخزون لا يكفي سوى لأسبوعين. وأكد بيسنت أنه "بانقضاء هذين الأسبوعين، لن يتبقى لإيران أي نفط تقريبا لتصديره".
وأمام هذا الانهيار الاقتصادي، تكثّف القيادة الإيرانية تهديداتها على جبهات عدة: "إذا ظلت حركة ملاحتنا الجوية معطلة، فستتعطل في المنطقة بأسرها"؛ "وإذا مُنعنا من تصدير النفط، فلن يستطيع أي طرف في المنطقة تصديره أيضاً"... تهديدات تستهدف في الوقت ذاته المصالح الأمريكية حول العالم - كما لفت وزير الخارجية ماركو روبيو الثلاثاء - وتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن نظام الملالي في طهران بات مأزوماً بالفعل.