شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دراسة

الجنوب: حين تصبح المعاناة تاريخاً فورياً

دراسة لبعض حالات النازحين

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 29, 2026 - 07:35

I - أهمية التاريخ الفوري والتعريف

أمام الكارثة التي نعيشها، من حرب مفتوحة تدمر وتمحي آثار الحياة في الجنوب اللبناني، وما تتسبب به من نزوح وتهجير ومن انهيار اقتصادي وسياسي على صعيد لبنان ككل، وأمام قصور الدولة وأجهزتها تجاه العدوان وآثاره، من مثل تقصيرها في القيام بما يتوجب عليها من فرض سيادتها على جميع أراضيها، والذي كان السبب الأساسي في قيام هذه الحرب أصلاً. وأمام ارتباكها في معالجة الوضع الاقتصادي والمالي، خصوصاً لجهة الفساد من ناحية وللمستقبل التربوي للأجيال الراهنة من ناحية أخرى.

أمام كل هذه التحديات لجأت إلى كتاب: “الكتابة التاريخية”، من سلسلة التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، دار “أفريقيا الشرق”، 2014، الدار البيضاء. وفيه نص لبرنارد بايارد بعنوان “التاريخ الفوري”، أي ما يقع في اللحظة نفسها.

يناقش في مساهمته تلك إشكالية المدرسة التاريخية التقليدية، التي كانت تشترط ضرورة وجود “مسافة زمنية” عن الحدث، كشرط أساسي لضمان الموضوعية والنزاهة العلمية عند الكتابة عن الأحداث.

لكن بايارد يرى أن “التاريخ الفوري” يمكنه دراسة الحدث الراهن خلال تشكله. لأن ما يقع “هنا وعلى الفور” يمكنه أن يكون مجالاً للتاريخ الراهن؛ لأن التاريخ الفوري يمنح المؤرخ والباحث فرصة ذهبية لاقتناص “الحدث الحي” بكل تفاعلاته النفسية والاجتماعية قبل أن يتحول لاحقاً إلى روايات رسمية تكتفي باللوائح والأرقام الباردة، دون أن تنقل تفاصيل ما حصل أو ما نتج عنه من معاناة ومشاكل في تفاصيلها الدقيقة.

ويجد أن السوسيولوجيا هي التي رسخت هذا الاتجاه، مشيراً بشكل خاص لما بدأه إدغار موران في مجموعة من الأبحاث حول أحداث الساعة في السبعينيات. ويستنتج من أعمال المجموعة أنه يمكن للتاريخ الراهن أن ينهل من ثلاثة روافد: الصحافة والتاريخ والسوسيولوجيا. فإدغار موران يستنتج أن التاريخ الفوري، ليس مجرد سرد صحفي سريع للأحداث، بل هو أداة تحليلية سوسيولوجية.

ويخلص بايارد إلى سؤال: من المؤهل لدراسة هذه القضايا، المؤرخون أو علماء الاجتماع؟ ليجيب أنه ليس للسؤال من معنى، لأن دراسة “التاريخ في تكونه” لا يمكنها أن تتم إلا ضمن جدلية الماضي والحاضر والمستقبل، فهي إذن اجتماعية-تاريخية.

وهكذا لا يعود الباحث مجرد مراقب لما يحدث ويحيّد نفسه عنه، بل يصبح هو نفسه شاهداً وبقيامه بالتسجيل الفوري من خلال المقابلات والشهود، فإنه يصبح موثقاً أيضاً لما يشاهده ويعاينه. إن ذلك حريّ بالحفاظ على الذاكرة الجماعية من التشوه والنقصان.

يعتمد التأريخ الكلاسيكي على الوثائق المحفوظة، بينما يعتمد مسجل التاريخ الفوري على المقابلات مع شهود عيان بينما ذاكرتهم حية، وفي حالتنا معاناتهم لا تزال حية، كما يعتمد على الصحافة والإعلام المرئي والمسموع ومعلومات كافة وسائل الاتصال.

إن ما يمكن أن يعترض عمل الباحث في هذا الميدان، هو “فائض المعلومات”، وعليه يتطلب منه الأمر مهارات نقدية فورية وغربلة للمعلومات من أجل فرزها وتبويبها بموضوعية.

بهذا يتحول الباحث هنا إلى مشارك في نفس الوقت الذي يراقب فيه. كما أن ما يقوم به يساهم في “أرشفة” الأحداث وصناعتها. الأمر الذي يتطلب منه امتلاك وعي صارم لكي لا يتحول إلى معلق صحافي. إن هذا النوع من التاريخ الفوري يوثق اللحظات الهاربة ويلتقط التحولات النفسية والاجتماعية حين حدوثها.

مفهوم “الكل في الجزء” (The Whole in the Part)

يرى موران وبايارد أن حدثاً صغيراً ومحدوداً جغرافياً، داخل أزمة كبرى، يحمل شيفرة النظام بأكمله. أي أن حدثاً صغيراً أو إشكالاً فردياً في مدرسة (النزاع بين عائلتين على تقاسم حصة إغاثية)، أو عراك في قرية (أحداث عربصاليم في الإشكال بين مناصري حركة أمل ومناصري الحزب)، أو رفض تأجير منزل، الأمر الذي تكرر مع النازحين في مختلف المناطق، وصادف الكثير من العائلات حتى في قرى متجانسة طائفياً.

كل ذلك يختزل التوتر الاجتماعي والحزبي والطائفي والمناطقي الكامن، ولكنه يطفو على السطح عندما تضعف الرقابة الاجتماعية والسياسية أو تغيبان. ونحن نعرف أن التهجير واللجوء يضعفان الرقابة الاجتماعية، ويمزقان النسيج الاجتماعي الأصلي للمعنيين.

إن منهج إدغار موران يتعامل مع “الأزمة” على أنها ليست مجرد خلل عابر. وبعد دراسته للثورة الطلابية في أيار 68، استنتج أن “الأزمة”، سواء كانت ثورة أو شائعة كبرى، أو حدثاً سياسياً غير متوقع، تكون نوعاً من كاشف بنيوي، يسمح بكشف الغطاء عما هو كامن في المجتمع، من صراعات وتناقضات سياسية أو طبقية أو نفسية، تحت ستار الاستقرار. فتطفو عندها التناقضات دفعة واحدة بشكل كثيف. من هنا اعتبار إدغار موران للأزمة، التي تعمل كمسرّع للتاريخ، فتنكشف في فترة قصيرة التناقضات والصراعات البنيوية العميقة داخل المجتمع، والتي قد تحتاج عقوداً لتظهر في الظروف العادية. وبالتالي، فالمؤرخ الفوري يدرس “العمق” من خلال “السطح”.

برنارد بايارد (Bernard Paillard)، “التاريخ الفوري” (L’histoire immédiate)، في Dictionnaire des sciences historiques.

II - نموذج عن حالة نزوح: السيدة دال. لماذا يجوع أطفالي؟

تعريف الحالة

السيدة دال نازحة عمرها 40 عاماً، متزوجة منذ حوالي 11 عاماً، من زوج كان عاملاً بسيطاً في مصرف، بعد ذلك تردى وضعه وصار يقوم بأعمال يدوية بسيطة، يساعد في العناية بالحدائق وأعمال صغيرة مشابهة.

كانت قبل زواجها تسكن إحدى قرى الجنوب الحدودية، وتعمل في فندق في منطقة قريبة من سكنها. لديها عاهة خلقية بسيطة منذ الولادة في اليد. عند زواجها ظلت علاقاتها جيدة مع عائلتها، بينما رفضتها عائلة الزوج، بتقديرها بسبب وضعها الجسماني، وبالتالي ليس لدى الأسرة علاقة بهم الآن.

بدأت مشاكل الأسرة تتفاقم مع جائحة كورونا ومع الانهيار الاقتصادي عام 2019، بحيث تباطأت الحركة والأعمال وندرت النقود بين أيدي الناس، وصاروا يؤجلون أعمالهم غير الضرورية للنقص في السيولة.

هذا ما فاقم كثيراً أحوال الأسرة، ولم يعد لدى الزوج دخل ثابت بحيث يتمكن من إعالة أسرته.

حرب الإسناد الأولى: صدمة فقدان الأمان

المنزل ليس مكاناً مادياً فقط، إنه إحساس بالسيطرة وبالاستقرار النفسي، وهو حدود واضحة بين “الداخل الآمن” و“الخارج المليء بالمخاطر”.

بعد حرب الإسناد الأولى، حرب الـ66 يوماً كما يطلقون عليها فيما بينهم، ازداد وضع الأسرة سوءاً، وصارت تعيش على الاستدانة والمساعدات من عائلتها ومن المحيط الأوسع: من المحال والصيدلية التي تعطي الدواء مجاناً أو بحسم كبير وهكذا.

عملت الزوجة عملاً يدوياً في جمعية (كنست الشوارع لمدة شهرين فقط بحسب سياسة الجمعية)، ولم تعد تجد عملاً بعد ذلك. الزوج ظل دون عمل. أخبرتني لاحقاً أن زوجها كان جندياً في الجيش وهرب عام 2015. لذا ربما تكون اتكالية الزوج واعتماده على الآخرين، سبباً إضافياً لعدم مساعدة أسرته له!

الهشاشة السكنية القسرية للنازحين

في حرب الإسناد الثانية، على غرار الآلاف مثلها، نزحوا للمرة الثانية، وتعذرت عليهم العودة حتى الآن.

في البداية أُسكنوا في مدرسة رسمية، ثم تم نقلهم 5 مرات، كل مرة في مدرسة. وأخيراً تم وضعهم في إحدى الغرف في مدرسة رسمية، من دون أي موارد على الإطلاق.

هذا التكرار لا يعكس فقط أثر الحرب، بل غياب أي سياسة إسكان طارئة لدى الدولة، قادرة على تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، في ظل وضع متفجر وعدوان إسرائيلي منتظر. مع الأخذ بعين الاعتبار حجم الكارثة.

عندما يُهجّر النازح مرتين: يتحطم الإحساس بالأمان مرتين، ويصبح العالم كله غير قابل للتوقّع.

إذ تُظهر الدراسات أن غياب السكن المستقر يولّد شعوراً دائماً بعدم الأمان وفقدان السيطرة، وهو من أهم أسباب التدهور النفسي لدى النازحين. ولقد كشفت لحظة “عودة المدارس”، التي تحولت إلى لحظة طرد لفئة من النازحين، الانتقال من الهشاشة إلى التشرد الصريح.

اللامساواة الاقتصادية داخل الكارثة

استطاعت فئة من النازحين استئجار مساكن من مدخراتهم، بينما عجز الأضعف. الكارثة هنا لا توحّد، بل تعمّق الفوارق، لأن الدولة لا تتدخل لإعادة التوازن.

تفكك الحماية الاجتماعية

تنقّلها، كغيرها، بين المدارس كملاجئ مؤقتة يكشف أن الدولة ظلت على سياستها، ولم تهيئ بنية إيواء حتى الآن، وكأن النازحين سيعودون إلى قراهم غداً!

أما وزارة التربية فلقد اعتمدت على حلول ترقيعية انتهت صلاحيتها مع بداية العام الدراسي. والقطاع التربوي يعاني نتائج هذه السياسة، من فوضى وعجز ستنعكس نتائجهما على مستقبل هذا الجيل بكامله.

الوضع الاجتماعي العام

طبعاً يطغى على المقابلة مع الأم الشكوى من الوضع الاقتصادي. فالأسرة لا دخل لها على الإطلاق من أي مصدر، سوى مساعدات من هنا وهناك، إضافة إلى أهل الزوجة، الفقراء بدورهم. فعائلتها لا دخل لديها سوى ما يجنيه الأخ الأوسط من مهنة يدوية، والذي يسكن في بيت مكون من 3 غرف في حي شعبي فقير في الضاحية الجنوبية.

انتقلت والدتها (والدها متوفى) مع أولادها الاثنين العازبين، لقصر ذات اليد، (واحد في الأربعين والثاني في الخامسة والعشرين)، نزحوا عند الأخ الأوسط. لديها أخت أكبر منها متزوجة ولديها أولاد.

تعيش عائلتها الآن في بيت ضيق ومكتظ دون أي خصوصية. وبديهي أن تقول إن بيت أخيها لن يسعهم فيما لو أرادت العيش مع أهلها.

يساعدها الأخ قدر استطاعته، والأم توفر ما يمكنها لترسل لها حفنة من الدولارات، لتشريج الهاتف أو شراء الطعام.

استدانت 300 $ لا تستطيع سدادها.

تحاول السيدة دال. العمل، دون جدوى. هذه الأم لا تطلب رفاهية، ولا حياة مريحة. تطلب فقط ما يبقيها واقفة: بيت، عمل، طعام. لكن هذه البديهيات مرفوضة في لبنان الحالي.

تُرفض من سوق العمل لوضعها الخاص (الإعاقة) ولأنها نازحة في مدرسة. تُرفض بصمت، دون تصريح، دون اعتراف.

هي نازحة، فقيرة، امرأة، وذات إعاقة. كل واحدة من هذه كفيلة بأن تصعّب الحياة. مجتمعة، تصبح حكماً بالإقصاء. والزوج ينزوي في عجز مضاعف، فالنازحون من القرى يشعرون بالغربة والضياع في المدينة.

الحرمان والطفولة المهدورة والرشد المبكر

كما أشرنا، يغلب على الحوار شكواها من الوضع المادي والحاجة إلى المساعدة. تبدأ من شعور الأولاد بالحرمان فيسألون: لماذا لا نخرج إلى أي مكان؟ مطعم أو البحر… وهكذا! لماذا لا تشترين الألعاب؟ وأخيراً السؤال الأصعب: “ليش جبتونا؟!”

فعندما يعبرون عن رغباتهم البسيطة: لعبة أو طابة، أو مشوار، ترد أنها تعجز عن تأمين ذلك لأن عليها أن تشتري الطعام بهذا المال، أو تأمين تشريج للهاتف لتظل على اتصال بالعالم وبالأهل…

يقضي الأطفال يومهم في الشارع، ويلعبون مع باقي الأولاد، ويقارنون أنفسهم بهم، فيشعرون بحرمان أكبر؛ مع ذلك لديهم شعور بالكبرياء يمنعهم من الشكوى أمامهم أو إظهار حاجتهم.

أما ما يحصلون عليه من طعام، فوجبة واحدة في اليوم كمساعدة، وتتكرر هي نفسها، أرز والقليل جداً من الدجاج، أو همبرغر مع كاتشاب فقط… وعليهم تدبر أمر الوجبتين الباقيتين، الأمر غير المتوفر دائماً.

تقول إن أولادها ناموا من دون طعام منذ يومين، نام الصغير وهو يقول “أنا جوعان…”

هذه ليست جملة عابرة. هذه جملة يجب أن تلاحق أي مجتمع يدّعي أنه حي وعنده ضمير.

عوارض نفس-جسدية: هذا الطفل صار يخاف من أي صوت. يرتجف، يبكي، ويتبول على نفسه.

هذا ليس “خوفاً”، هذا جسد يعيش في حالة إنذار دائم. جسد لم يعد يميز بين خطر حقيقي وصوت عابر. الطفولة هنا لا تتأذى فقط، بل تتحطم.

الطفل الأكبر (9 سنوات) لم يعد طفلاً. يقترح على أمه أن يعمل. أن يحمل الحجارة. أن يصبح عاملاً ليساعدها. يعدها أنه سيعود إلى المدرسة لاحقاً، كأن الطفولة يمكن تأجيلها. كأن التعليم يمكن استرجاعه بعد أن ينسحب منه.

هو لا يلعب، بل يفكر كيف يُنقذ عائلته. هذه ليست مسؤولية طفل. إنها طفولة مهدورة. طفل لا يعيش طفولته، لا يلعب، لا يمارس هواية. لا يتوفر لديهم أي شيء يساعدهم على تمضية الوقت. يطلبون أن يستخدموا الهاتف، وهذا أيضاً يحتاج إلى مال لتشريج الهاتف.

هذه نتيجة مباشرة لعجز من يُفترض أنهم مسؤولون.

وفي هذا كله، الدولة موجودة. ليست غائبة. موجودة، لكنها لا تفعل ما يجب.

الوضع التربوي

يقضي الأولاد نهارهم في الشارع. عليهم الذهاب إلى غرفهم في السادسة مساء. “جابولهم كل واد دفتر وقلمين. فكيف سيمضون الوقت؟ بالجنوب كانوا يلعبون مع أولاد الجيران، بالبيسيكليت، يذهبون لشراء البوظة. من 2024 ما راحوا إلى أي مطرح”.

استطاعت تسجيل الأولاد في مدرستهم المعتادة ليدرسوا على الإنترنت، وهذا على الأقل يعطي الطفلين بعض الاطمئنان والثبات، في أن يحافظوا على صلتهم بمحيطهم الأساسي ورفاقهم.

في أول يوم مدرسة سألت المعلمة السؤال البديهي المعهود: أين قضيتم فترة الصيف؟ “قال لها ابني: نحنا قضيناها مهجرين بالمدارس، وبعدنا ما زلنا في المدرسة”. أما رفاقه الباقين، فهناك من ذهب إلى البحر أو إلى الكورنيش أو كذا…

طلبت المعلمة شراء الكتب، لم تستطع الأم تأمينها بسهولة. التعليم سيحصل أونلاين، الأمر الذي يتفق الجميع على أنه “متل قلته” أي كأنه لم يكن. على كل حال هذا النوع من التعليم يحتاج إلى توفر الإنترنت، الأمر المكلف لكثيرين منهم. إضافة إلى حالة الإنترنت في لبنان.

تسأل: “وين الضمير؟ ما بقدر اترك أولادي بلا علم؟”

صناعة “الجيل الضائع” والخطر الوجودي على لبنان

من مقابلاتي مع الأهل والبعض من المربيات (خصوصاً السيدة منى جهمي)، يمكن الاستنتاج بأن النزوح والتنقل من مركز إيواء إلى آخر يؤثر على الأطفال وقدرتهم على: التركيز والتذكر والاستيعاب.

كما أن الصدمات الصوتية والنفسية المستمرة، ستؤثر على المرونة الذهنية للأطفال، فتظهر عوارض: تشتت في القدرة على الانتباه الحاج، نسيان المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة لمن هم في مرحلة التأسيس. ولقد اشتكى بعض الأهل من تراجع القدرة على القراءة، ومن تفشي العصبية والعنف والعناد وعدم احترام الأهل، الذين يشعرون بالعجز بدورهم.

ولقد أشارت السيدة دال. إلى أن الأطفال يقضون يومهم في الشارع، في ظل افتقاد أدوات تربوية مساعدة، وهذا ما يحمل خطر “الفراغ المطلق”، ما يبعدهم عن جو الانضباط والالتزام الضروريين لمتابعة الاكتسابات الذهنية والتربوية.

إضافة إلى أن هذا يحمل خطر ظهور “ثقافة الشارع” في مراكز الإيواء، أو سلوكيات مكتسبة نتيجة غياب الرقابة المدرسية والاجتماعية التقليدية. فتتفشى الألفاظ النابية، ويتصاعد العنف الجسدي في اللعب، والتمرد على سلطة الأهل المجهدين.

أما ظاهرة الرشد المبكر التي ظهرت على الابن الأكبر (9 سنوات) فتحمل خطر بروز الرغبة في التسرب من التعليم ودخول حقل العمل لإعالة عائلتهم.

وهذا يساعد على توسيع مساحة “الشرخ الطبقي والنفسي الحالي”، بين طفل نازح فقير ومحروم وطفل نازح وضعه أفضل قليلاً، وطفل مقيم عاش صيفيته بشكل طبيعي! فلنتصور كيف ستنعكس هذه الوضعيات على نفسية الأطفال؟

أزمة أهلية الدولة وغياب شبكات الأمان (مفارقة الـ130 مليون دولار)

عن المساعدة من الدولة، تقول إن ما تناله: “إبر مورفين، يقولون سنساعدك ولا مساعدة تأتي”…

حين تُجبر عائلة على مغادرة ملجأ دون بديل، وأطفالها جوعى، لا تعود المشكلة نقص خدمات، بل انهيار العلاقة السياسية نفسها. الدولة لا تظهر كحامٍ، بل كجهة غائبة أو غير معنية.

ويزداد هذا الانكشاف حدة عند النظر إلى قرار تحويل 130 مليون دولار إلى مجلس الجنوب.

فالمشكلة هنا ليست في حجم المبلغ وهو ضئيل، بل في طريقة استخدامه، أو بالأحرى عدم استخدامه، لإيواء وإطعام النازحين الأكثر هشاشة.

تقول هذه السيدة إنه لا يصلها شيء من المبلغ المرصود! لا تسمع سوى الوعود “سنساعدك”. المال موجود، ولكنه مهدور في مزاريب دولة الفساد والمحسوبيات. لا تعود المشكلة إذن نقصاً. تصبح قراراً. قراراً بترك الناس لمصيرهم. وهذا وضع عشرات إذا لم نقل مئات الآلاف.

السؤال ليس ماذا ينقص هذه العائلة؟ السؤال: لماذا تُترك لتجوع؟

في منطق الدولة الحديثة، تُوجَّه الموارد أولاً إلى حماية الأفراد في حالات الطوارئ.

أما في الحالة اللبنانية، فيبدو أن الموارد تنفصل عن حاجات الناس، وتبقى ضمن قنوات مغلقة لا تعيد إنتاج الحماية بل تعيد إنتاج النظام نفسه.

هنا تحديداً يتجسد منطق “الوساطة الريعية” في أبشع صوره: المال العام موجود، لكنه لا يصل حيث يجب. والحاجة موجودة، لكنها لا تُترجم إلى حق. وبين الاثنين، تنكسر فكرة الدولة. وتنتقل “أزمة الشرعية” من المستوى النظري إلى الواقع اليومي: الدولة لا تفشل فقط في الأداء، بل تفشل في تبرير وجودها أمام مواطنيها.

الانعكاسات النفسية والاجتماعية

وقد أظهرت دراسات على النزوح المتكرر أن الصدمة لا تُمحى مع الزمن، بل تتراكم وتُعاد تنشيطها مع كل تجربة اقتلاع جديدة، ما يرفع بشكل كبير احتمالات اضطرابات ما بعد الصدمة.

لكن ما تعيشه هذه السيدة لا يتوقف عند حدود الحرب والنزوح، لأنها بدأت مرحلة أخرى أقل صخباً وأكثر قسوة: العيش في أماكن مؤقتة.

فالمدرسة، التي يُفترض أن تكون فضاء للتعلم، تتحول في لبنان إلى ملجأ. ثم تعود فجأة إلى وظيفتها الأصلية، فتفتح أبوابها للطلاب وتُغلقها في وجه من احتمى بها. هنا يحدث التحول الأكثر عنفاً: من “نازحة” أو “نازح” إلى “شخص زائد عن الحاجة”.

المشكلة هنا ليست فقط أن الدولة قصّرت، بل أن سلوكها أنتج آثاراً نفسية واجتماعية محددة:

تحويل القلق إلى بنية دائمة:

لو كان النزوح مؤقتاً مع إدارة واضحة، كان من الممكن أن يبقى الأذى محدوداً. لكن في ظل غياب إيواء مستقر، سيتحوّل القلق إلى حالة مزمنة.

إنتاج الإذلال بدل الحماية:

حين يُطلب من نازحين مغادرة المدارس دون بديل، هذا يعني أن الدولة لا تغيب فقط، بل تصبح جزءاً من التجربة المؤلمة المعاشة. إنها تنتقل من الفشل إلى المساهمة في الأذى.

كسر فكرة “الحق”:

حين توجد الأموال (130 مليون دولار) ولا تُستخدم لإيواء الأضعف أو إطعامهم، لا يعود تأمين السكن حقاً، يتحول إلى مسألة حظ أو مقدرة فردية، ويعاد إنتاج اللامساواة على مستوى واسع جداً، وانتقال المجتمع من منطق الحقوق إلى منطق النجاة الفردية.

يشكل هذا الانتقال خطراً اجتماعياً كبيراً، لأنه يفكك الثقة بالدولة وبالمؤسسات وربما بالمجتمع ككل. ما يثبت الهشاشة كحالة طبيعية معممة.

الوعي الإيجابي في مواجهة التفتت الطائفي (بصيص الوعي)

بالرغم من كل ذلك تتمسك هذه الأم بفكرة “الوطن”. ويبدو أن الأنظمة المنهارة قد تنتج داخلها “آليات مقاوماتية ذاتية صامتة” ضد التفتت الشامل.

تقول: “أكثر، أكثر ما أخاف منه إنو أولادنا يتربوا على أشيا… مش بس الحرب، أشيا إنهم قاعدين بمنطقة مش منطقتهم. بصيروا يتعلموا إن يحقدوا، أو أنا طائفتي كذا وانت طايفتك كذا. ابني عمره 8 سنين ولا مرة سألني أنا سني أو شيعي أو مسيحي، بس صار يروح مع رفقاته هنا، صاروا يسألوه: انت شو؟ مع إنهم شيعة يعني.

بيسألني أنا شو؟ قلت له قل لهم انت لبناني وبس. وما تفوت معهم بهيك تفاصيل. قال لي أوكي.

أقول لأولادي وأوعّيهم: “نحنا منحب كل الطوائف. نحنا إخوة مع المسلمين والمسيحيين والسنة والدروز والشيعة والكل، ما عنا تفرقة”.

أنا أقول: “لابني بس تكبر ويسألك حدن انت شو طايفتك؟ قل لهم أنا لبناني، نحنا لبنانية وأرضنا لبنانية”.

تلقين الهوية الجامعة

رغم المعاناة والبيئة الخصبة التي تفرزها الحرب لتوليد الحقد والفرز السلوكي القائم على الهويات الفرعية (خاصة أنهم يعيشون في منطقة غريبة عليهم ويتعرضون للتوجس)، تبرز الأم كـ“صمام أمان قيمي”.

عبارة الأم: “بس تكبر ويسألك حدن شو؟ قل لهم أنا لبناني”، هي محاولة واعية ومقاومة وطنية شرسة لمنع تفكك المنظومة الأخلاقية لأولادها، ورفض الانزلاق نحو التعبئة الطائفية أو الحقد الطبقي، متمسكة بالهوية الوطنية كملجأ أخير وسط بلد يتشظى.

عن المخاوف: عودة الحرب

تقول: “يوجد مثلي كتير بالمدرسة، معنا حجة معها سرطان، ابنها يعينها، بس كمان عنده عايلة.

معنا كمان حجة ممن أعرفهم، أولادها قاعدين بلا شغل ما عم يلاقوا شغل، صراحة تستدين ثمن علبة الدخان”.

الوضع أصبح صعباً جداً. وأنا هنا لا أعرف الجمعية التي تستلمنا، ولكنها جمعية تحضر وجبة واحدة يومياً.

وما أخاف منه صراحة أن “تعلق” الحرب من أول وجديد، وترجع البلد تتبلبل أكثر من هيك، وما يبقى حدن يقدر يساعد، أو يعمل عمل خير، نحن لدينا أطفال، أنا عشت حياتي (وهي في الأربعين!) بس بخاف على ولادي، إنو كيف مستقبلهم.

عند سؤالها: هل تلومين أحداً على الوضع الذي نحن فيه؟ ترد: “أنا أفهم إنها حرب أكبر منا، وهي موضوع سياسي ووضع عام. لكني ألوم من انتخبناهم. وأنا عندي منذ 2006 بطاقة معوقين ولم أقبض منهم أي مساعدة أو أي شيء، أرسلوا لي السنة الماضية 100 دولار مرة واحدة… وعندما طلبت مساعدة قالوا لي: انت مش مخولة لأن عمرك فوق الـ30. عمرها 40 سنة، نحن نساعد من هم تحت الثلاثين 30 وفوق الخمسين!”

سألتها: لماذا لا تذهبين الآن إلى النائب؟ كانت إجابتها: “وين بدي شوفه للنائب؟ ليس لدي هاتفه. لا يمكنني الاتصال به”.

أخيراً

يقف أمام المدرسة حارس مسؤول من حزب الله يستجوب الداخلين إلى المبنى، فسألت السيدة دال. أيضاً: والحارس أمام المدرسة اطلبي منه المساعدة من حزبه، اسأليه هل لديكم مساعدات!

أجابت: سألت البنت المسؤولة من وزارة الشؤون… والشيخ المتواجد في المدرسة لم أذهب إليه!

سألتها: من مسؤول عن الحرب؟ أجابت: “حزب الله، شو بدنا نخبي على حالنا…”

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل