شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دراسة

الحوثيون في اليمن: من صعدة إلى باب المندب (1)

صورة للأخبار
تصوير عبد الرحمن عبدالله/فرانس برس
صورة المؤلف
بقلم سعود المولى
نُشر سبتمبر 30, 2026 - 21:40

في أيلول/سبتمبر 2026، سيطر الحوثيون على الضفة اليمنية لمضيق باب المندب وضربوا القلب النفطي للمملكة العربية السعودية. وقد أنهى هذا التحول مرحلة “التصعيد المنضبط” التي لوحظت في بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، وفتح باب المواجهة المباشرة مع الرياض وحلفائها الجدد في ميثاق مكة. ولفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى الجذور الدينية والعائلية والاجتماعية لحركة نشأت في جبال صعدة.

مقدمة

في 11 أيلول/سبتمبر 2026، رفع مقاتلو أنصار الله رايتهم على جزيرة ميون (بريم)، وسط مضيق باب المندب. وخلال ثلاثة أيام، كانوا قد سيطروا على حيس والخوخة وميناء المخا، ثم مديرية ذباب، أي نحو 5400 كيلومتر مربع انتزعوها من القوات الموالية للحكومة المعترف بها. وقبل ذلك بثلاثة أيام، أصابت صواريخهم مطار أبها وقاعدة الملك خالد الجوية ومنشآت تابعة لأرامكو في أبها وجازان، في أعنف هجوم تتعرض له المملكة منذ سنوات.

لكن قبل أشهر قليلة فقط، كان المحللون يصفون الحركة بأنها لاعب حذر. فقد دخلت متأخرة في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، واكتفت بعمليات إطلاق رمزية باتجاه إسرائيل، وامتنعت عن استهداف الملاحة في البحر الأحمر. وبدا أنها جعلت من باب المندب “ردعًا احتياطيًا”، ورقة رابحة يحتفظ بها ولا يستخدمها.

يحاول هذا النص تفسير هذا التحول. وهو ينطلق من سؤال بسيط: من هم الحوثيون، وماذا تكشف خياراتهم العسكرية عن طبيعة الحركة في جوهرها؟ والفرضية التي يدافع عنها هي أن تصعيد صيف 2026 لا يتناقض مع العقلانية التي ظهرت في الربيع، بل يشكل امتدادًا لها: فالحركة تختار التصعيد عندما يفوق المكسب السياسي الخطر الذي يهدد بقاءها، وتنتقي أهدافها على هذا الأساس. ومن خلال تجنب السفن الأميركية والإسرائيلية، مع توجيه الضربات إلى المملكة العربية السعودية، تواصل الحركة ضبط مستوى تصعيدها، ولكن على مستوى أعلى بكثير من العنف.

ويمضي التحليل في ثلاث مراحل. يستعيد أولًا أصول الحركة ومرجعيتها العقائدية، أي الزيدية. ثم يتناول بناء الدولة الحوثية منذ عام 2014 ونقاط ضعفها. وأخيرًا، يتتبع المسار الإقليمي للحركة، من الحملة البحرية بين عامي 2023 و2025 إلى السيطرة على المضيق، مرورًا بـ“التدخل المحدود” في ربيع 2026، وصولًا إلى الرد الذي يمثله ميثاق مكة.

I - من هم الحوثيون؟ عائلة، موطن، ونسب

أنصار الله حركة شيعية زيدية إحيائية نشأت في محافظة صعدة، في أقصى شمال اليمن، بالقرب من الحدود السعودية. وتحمل اسم الأسرة التي أسستها ولا تزال تقودها: آل الحوثي، وهي سلالة هاشمية، أي إنها تقول بانتسابها إلى النبي عبر علي وفاطمة. والواقع أن معظم اليمنيين ينظرون إليها باعتبارها مشروعًا عائليًا أكثر منها حزبًا سياسيًا، قام على تعاليم العالم الزيدي بدر الدين الحوثي، الذي توفي عام 2010.

من “الشباب المؤمن” إلى الحركة المسلحة

تعود البدايات إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي. فقد ظهرت الحركة آنذاك كتيار فكري وتربوي، تأثر في الوقت نفسه بالثورة الإيرانية وبـ“الصحوة الإسلامية” السنية. واتخذت منذ تلك المرحلة اسم “الشباب المؤمن”. وكانت حلقات الدراسة والمخيمات الصيفية التي نظمتها تستجيب لتحدٍ محدد، هو صعود مركز دماج السلفي في قلب صعدة نفسها، الذي أسسه الشيخ مقبل الوادعي بدعم من شبكات سعودية. وهكذا شكّلت مواجهة الوهابية وإحياء الهوية الزيدية الهدفين الأساسيين في البداية.

وبعد الوحدة عام 1990 والانفتاح على التعددية، أسس قسم من هذه النخب حزب الحق، الذي هيمن عليه الهاشميون. وانتُخب حسين بدر الدين الحوثي نائبًا عنه عام 1993. لكن الحزب لم يحصل سوى على 18 ألف صوت على المستوى الوطني، ثم خمسة آلاف صوت عام 1997. وبعد اتهام بدر الدين وابنه حسين بدعم الانفصاليين الجنوبيين عام 1994، أمضيا أشهرًا في المنفى في قم، ثم في الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن يعودا إلى صعدة.

ومنذ عام 1999، أحكم حسين الحوثي سيطرته على “الشباب المؤمن” في مواجهة الجناح المعتدل الذي كان يقوده محمد عزان، والذي كان يريد أن يبقى “جسرًا” بين السنة والشيعة. وتحول المنتدى الثقافي إلى تنظيم سياسي يتمحور حول زعيمه. وفي عام 2002، في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر ومع اقتراب غزو العراق، اعتمد حسين الحوثي الشعار الذي سيصبح العلامة المميزة للحركة: “الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”.

حروب صعدة الست (2004-2010)

كان حظر ترديد هذا الشعار في المساجد الشرارة التي أطلقت المواجهة الأولى مع الدولة. ففي 19 حزيران/يونيو 2004 اندلعت الحرب الأولى، وقُتل حسين الحوثي في 9 آب/أغسطس. وقاد والده بدر الدين الحرب الثانية عام 2005، ثم تولى عبد الملك، الأخ الأصغر غير الشقيق لحسين، قيادة الحركة اعتبارًا من الحرب الثالثة. وتوالت ست حروب حتى عام 2010. ووصل مقاتلو الحركة في الحرب الخامسة إلى بني حشيش، عند أبواب صنعاء، فيما امتدت الحرب السادسة (2009-2010) إلى المملكة العربية السعودية، التي قصف طيرانها شمال اليمن.

وقد صقلت هذه الحروب، التي أوقعت عشرات الآلاف من القتلى، الحركة. فاكتسب أنصار الله خبرة عسكرية وعلاقات قبلية وتماسكًا أيديولوجيًا وقاعدة جغرافية. واكتسب أيضًا سردية خاصة به: سردية أقلية اضطهدتها سلطة متحالفة مع واشنطن والرياض.

هرم قائم على الدم والأصل

تعكس البنية الداخلية للحركة هذه النشأة. فالسلطة تنتظم في دوائر متراكزة. وفي القمة تأتي أسرة آل الحوثي وحلفاؤها بالمصاهرة، وهم عائلات العجري، والمتوكل، والمؤيد، وطاووس، والمشاط.

ثم يأتي مجاهدو صعدة، رفاق حروب 2004-2010، يليهم الهاشميون بصورة عامة. أما الذين التحقوا بالحركة في مراحل لاحقة، ويُطلق عليهم اسم “المتحوثين”، فلا يشغلون سوى أدوار ثانوية. وفي هذا النظام، لا تتوقف قوة المسؤول ونفوذه على منصبه بقدر ما تتوقف على مدى قربه من عبد الملك الحوثي، الذي يعيش في مكان سري، وتطلق عليه الدعاية الحوثية لقب “قائد الثورة”.

المقال المقبل: II. الزيدية: عقيدة الإمام الحاضر والثورة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل