

كيف وصل لبنان الى هذه الحالة من التدهور الى درجة الانهيار؟ وما الذي يمنع الدولة من ممارسة حقها السيادي، في احتكار العنف، وفي قراري السلم والحرب، وفي اختيار السياسة الخارجية التي تتناسب مع مصالحها؟
ان من يراجع تاريخ المئوية الاولى من عمر الدولة اللبنانية بعين ناقدة ومحايدة، سوف يجد ان الطبقة السياسية الحاكمة تصرفت منذ الاستقلال وحتى اليوم بشكل فريد. فبالرغم من إرادة المؤسسين الأوائل لدولة لبنان الكبير بتدعيم مفهوم المواطنة والولاء للوطن والحق بتقرير المصير، سنجد ان ممارسات السياسيين أوصلتنا الى "مصادرة المواطنة" وإضعاف الولاء للوطن، الى درجة انعدامه لدى البعض، لصالح الزعامات الطائفية والعائلية والولاءات الخارجية.
إن سلوك النخبة الحاكمة، التي أُطلق عليها من قبل معارضيها (الأوليغارشية الطائفية المالية)، تمحور حول تركيز سياسة تبقي الفرد تابعاً للزعيم في مفاصل حياته الاساسية: عمل، تعليم، صحة وحتى في حال تعرضه لمخالفة ما، عليه ان يطلب المساعدة من الزعيم، لطلب تأمين حقوقه كخدمات، لضمان تبعيته له.
ولهذه السياسة اسم، "الزبائنية"، التي تحولت مع الوقت الى آلية عمل نمطية من السلوك الاجتماعي – السياسي.
تستند هذه الآلية، على تشاركها الميدان مع ركيزة أساسية ترفدها وهي ظاهرة الزعامة التقليدية. هؤلاء الزعماء التقليديون يتبادلون عبر الوسطاء والحلفاء الخدمات على جميع المستويات، اجتماعية واقتصادية وإدارية وصحية، مقابل الولاء السياسي ودعم الاتباع والمحازبين.
وبما أن الزعامة التقليدية ترتكز على ولاء ابناء الطائفة لزعيمها. صارت الطائفة هي الوسيط الإلزامي بين الفرد التابع والدولة.
ولقد طوعت الطبقة السياسية الحاكمة موارد الدولة وسخرتها لمصلحتها، بواسطة "الزبائنية النيابية والوزارية"، ما يعرف بالمحاصصة، لصالح الصناديق والمجالس الطائفية والمحسوبيات.
وهكذا تمأسست عملية "الوساطة الالزامية"، وتحولت الحقوق الى مكارم وأعمال خيرية، الأمر الذي منع قيام علاقة قانونية مباشرة بين الفرد والدولة.
إضعاف الكفاءات والحقوق الضائعة
تعمدت السلطة إضعاف كفاءة وفعالية الادارات العامة والمستشفيات الحكومية والمدارس الرسمية. والهدف من هذا الاضعاف البنيوي لمؤسات الدولة هو إجبار المواطن على اللجوء إلى "الزعيم" أو الحزب الطائفي للحصول على سرير في مستشفى، أو وظيفة في قطاع عام، أو منحة تعليمية.
لم يعد الحصول على وظيفة عامة او الحق بالطبابة، حق من حقوق المواطن على الدولة التي يدفع لها الضرائب. تحول كل ذلك الى "خدمات" يستجديها من الزعيم، فتحول المواطن بذلك الى "زبون" في امبرطورية الزعيم، المرفود بالولاء العائلي والطائفي. وكل من يخرج من تحت عباءة عائلته، يخرج من شبكة الأمان التي تؤمنها لمن يواليها هي والزعيم.
الخضوع لرجال الدين في شؤون الحياة والموت
تنص الفقرة (ج) من مقدمة الدستور ( التي اضيفت عام 1990 في الطائف) على ما يلي: " لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز او تفضيل".
ثم اردفتها بالمادة التاسعة التي أبقت على خضوع الفرد لطائفته ومراجعها الروحية والمذهبية. ففي هذه المادة من الدستور، التي تكفل حرية المعتقد المطلقة، نجد ان الدولة:" تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".
وبهذا تشترط على المواطن ان يعود الى حظيرة طائفته في دائرة الأحوال الشخصية: زواج، ولادة، وفاة، وتوريث. اي جعله خاضعا بالكامل لرجال الدين. وهكذا سلّم رجال السياسة "الجسد الاجتماعي" بكامله الى رجال دين الطوائف والمذاهب؛ بدل اعتماد قانون مدني موحد يساوي بين اللبنانيين.
أين هي المساواة التي تكلمت عنها الفقرة (ج)؟ وكيف إذن يمكن التوفيق بين هذه المادة التي تقسم اللبنانيين وتفرقهم على طوائفهم ومذاهبهم في أمور حياتهم ووجودهم الأساسية، وبين المادة السابعة التي تقول: أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم".
لقد تم إلغاء مبدأ "المساواة أمام القانون" بهذه الطريقة.
فالمواطنة أصبحت مجزأة؛ حقوق المرأة والطفل وحقوق الإرث تختلف بمجرد العبور من مذهب إلى آخر، مما رسخ في وعي الفرد أن حمايته الوجودية تنبع من طائفته التي تملك تشريعاً خاصاً، وليس من الدولة الغائبة تشريعياً.
السياسة كملكية خاصة
الديناميكية الأخرى التي رسخت سلطة ملوك وأمراء الطوائف، هي ألية التوريث العائلي المستند الى الاقطاع السياسي وجعل السياسة مهنة يتم توارثها كما الملكية الخاصة.
لقد ترسخت منذ نشوء الدولة اللبنانية طبقة سياسية، مكونة من عائلات حاكمة تتوارث السلطة وكأنها ملكية خاصة. وتتكرر نفس اسماء العائلات في المناصب السياسية. سياسيو ما قبل الحرب كانوا ينتمون الى الاقطاع، أما بعدها وبعد أن أبرم اتفاق الطائف، فلقد تحولت السلطة الى أيدي أمراء الحرب. المناصب السياسية في لبنان أصبحت نوعاً من "الأصول العائلية الموروثة" أو بأمرة الحزبية المقاتلة.
وكالات الاحتكار
تترسخ سيطرة العائلات بواسطة التحكم بالأسعار وليس بسبب تفوقها التجاري. فالقانون اللبناني يحمي ما يسمى "الوكالة الحصرية": إنه احتكار بواسطة القانون الذي يحظر أي استيراد لعلامات تجارية معينة اذا كان لها وكيل محلي مسجل في وزارة الاقتصاد. كذلك التمويل المصرفي هو حكر على عائلات معينة، لأنها هي نفسها شريكة او مساهمة في مجالس إدارة المصارف.
وهذه الكارتيلات الضخمة، موزعة على عدد محصور من العائلات في القطاعات الاساسية: قطاع النفط والطاقة والغذاء، وقطاع السيارات والمواد الثقيلة، والكارتيل الطبي والأدوية، وقطاع العائلات الصناعية الكبرى ومواد البناء.
وكل قطاع من هذه القطاعات له غطاءه الطائفي والسياسي؛ وكل من يحاول فتح باب المنافسة يتدخل الفيتو الطائفي بحجة حفظ حقوق الطائفة. فيما هي حيتان المال مع الزعامات تتبادل الحماية.
من هنا نعاين هذا التوريث للمقاعد النيابية والوزارية جيلاً بعد جيل. ولم يتغير الوضع بعد صعود بعض الأحزاب الميليشياوية او الطائفية التي اتبعت نفس السلوك مع شخصانية مفرطة.
من هنا ساد بين اللبنانيين شعور بأن من يحكمهم ليست دولة يمكن مساءلتها ومحاسبتها، بل "مزارع طائفية وسياسية" مغلقة على كل تغيير. وهكذا تكرس مفهوم الرعايا مجددا: بيعة الابن والحفيد لاستمرار التسلط والاحتكار.
لذا يتطلب أي إصلاح او تغيير في لبنان، ليس حصرية السلاح بيد الدولة فقط، ولا محاربة الفساد السياسي فقط، بل تفكيك بنية الاحتكار التي يقوم عليها الاقتصاد اللبناني والسماح بالمنافسة الاقتصادية الحرة.
التعبئة والارتهان الى الخارج
لجأ المتحكمون بالسياسة في لبنان، كي يتمكنوا من الحفاظ على تماسك الجماهير وولاءهم لهذه الزعامات، الى آلية التعبئة التي تقوم على سياسة "إنتاج الخوف من الآخر بشكل مستمر".
نتج عنها الركيزة الثانية لحفظ ولاء جماهير كل طائفة، فاستخدمت "عقدة الحصار الطائفي". كل زعيم منهم يعتمد خطاباً يقوم على فكرة ان الطائفة الأخرى، الشريكة في الوطن، تسعى الى إلغائنا، او القضم من حصتنا في مغانم الدولة، أو انهم يريدون تغيير وجه لبنان الحضاري. فلجأت كل طائفة الى الارتباط بقوى ومحاور اقليمية لمواجهة الحصار المزعوم. تم استدعاء الخارج في وجه الداخل، فاستخدم ورقة قوة تشهرها الطائفة في لعبة التوازنات الداخلية بوجه شركائها.
وداعاً للمواطنة
من هنا أصبح محرك الانتخابات "الخوف" من الطوائف الأخرى التي تسعى دوماً الى "الاقتطاع من حصتنا". وعندما يتحول هذا الخوف الى المحرك الأساسي للفعل السياسي في الاقتراع، لا يحتاج المرشح او الحزب الى امتلاك برنامج سياسي او اقتصادي او بيئي، فلسان حال الجميع: نحن نقترع لهذا الطرف لأنه يمثل "درع حماية" تجاه الطوائف الأخرى.
كل هذا كان عائقاً أمام ولادة شعور وطني جامع يقوم على الولاء للوطن. اللبناني يقترع لولائه الطائفي ومن خلفه، للولاءات الاقليمية العابرة للحدود.
غياب كتاب التنشئة الوطنية وتجهيل الذاكرة المشتركة
ناهيك عن غياب كتاب التنشئة الوطنية، التي عجزت السلطة على مر السنين من إنتاجه. فتم تجهيل الذاكرة المشتركة، وتهربوا من مواجهة ممارساتهم خلال الحرب الأهلية، وترك تقديم التاريخ لأولادنا للمدارس الخاصة والدينية والطائفية والارساليات. كل فئة تمجد أبطالها وتدين الآخرين، ما يجعل بناء ذاكرة وطنية جامعة لمواطنة حقيقية ضرباً من الخيال.
استحواذ حزب الله الوظيفي على الدولة
في مرحلة معينة، بعد انسحاب اسرائيل من الجنوب وعودة الجيش السوري الى بلده، دخل عامل جديد على الخريطة السياسية اللبنانية: حزب الله.
شكل هذا العامل الإضافي خلفية دعم بنيوية للسلطة السياسية عبر التشبيك معها، انطلاقاً من خطوات متدرجة استطاعت النجاح التام في نهاية المطاف.
ما هي هذه الخطوات؟
تبلور منذ العام 2006 نموذج حكم جديد، استخدم "الاوليغارشية الطائفية التقليدية" كي يرث الهيمنة السورية. مارس "الهيمنة المزدوجة" التي تجمع التشبيك بين فائض القوة (سلاح عسكري وعنف مدروس) وبين البراغماتية الزبائنية ( التبادل المصلحي مع النخب).
آلية العنف الحاسم والردع
لم يتبنى الحزب صيغة الوجود العسكري المباشر، كما كانت الحال مع السوري، لكنه استخدم ضربات العنف الموضعي المتنوع، من الاغتيال الى احتلال الساحات ( Site in) او الصدام المفتوح بين عامي (2006 و2008).
ثم صعّد هجومه في 7 أيار، وهو التاريخ الذي شكل الانعطافة البارزة في سلوكه، فوجّه سلاحه نحو الداخل. وفرض لاحقاً الفيتو الدستوري داخل مجلس الوزراء عندما مُنح الثلث المعطّل في الدوحة.
أما ما عناه الاكتفاء بإنزال القمصان السود، ان رسالة رعب ناعمة اصبحت كافية كي يفرض التغيير السياسي في لبنان. لم تعد الانتخابات هي الحاكمة.
الترهيب بالاغتيال
ترافق ما ذكرناه سابقا مع سلسلة اغتيالات للعقول الأمنية والسياسية المناهضة للحزب ( بعد الحريري اغتيل قائد الجيش فرنسوا الحاج مرورا بمحمد شطح ووسام حسن ووسام عيد حتى وصل الدور للقمان سليم). بعد محاولات تعطيل المحكمة العسكرية، انتقل الى تهديد القضاء مباشرة وعلناً (وفيق صفا). هكذا فرض الحزب "حصانته الجنائية والأمنية المطلقة" فوق الدولة اللبنانية وقوانيتها.
أما المقايضة الكبرى فكانت: السلاح مقابل الكرسي والفساد
هنا حصل التشبيك الأكبر والأعمق مع النخب الحاكمة: تسوية تاريخية غير مكتوبة صارت تعرف بشعار: لكم الكرسي والمكاسب ولي السلاح وقرار السلم والحرب وادارة الحدود (ترسيم الحدود البحرية).
تفاهم مار مخايل 2006 والغطاء المسيحي
شكل التحالف مع ميشال عون، ركن استراتيجية الحزب الأساسي، بمنحه الغطاء المسيحي لسلاحه ولحروبه خارج الحدود. ولقد مكنه فائض القوة الذي اكتسبه من فرض انتخاب ميشال عون بعد مرحلة الفراغ الدستوري المتعمد الذي فرضه لأكثر من عامين.
رعاية الفساد: حجر الزاوية كأداة ضبط
استخدم مشاركته في السلطة التنفيذية، بفرضه تكريس وزارات خدماتية أساسية تحت إدارته، وقام بالتصويت لصالح ميزانيات وسياسات مالية أدّت الى الانهيار. استخدم ايضا ملفات الفساد، الذي غضّ عنها الطرف، لكي يبتز بها الطبقة السياسية، من خصوم وحلفاء، بملفات الفساد ونهب المال العام وتكريس الانهيار، لضمان طاعتهم وخضوعهم التام. بحيث صارت هذه الملفات التي تأبطها نائبهم حسن فضالله "حبل المشنقة" المسلّط إذا مسّوا بالسلاح.
آخر عنقود التسلط: الهندسة القانونية والدستورية: قانون الانتخاب 2017
إن فرض قانون الانتخاب القائم على النسبية والصوت التفضيلي وتقسيم الدوائر، أتاح للحزب السيطرة الشاملة على البرلمان (بحيث صرّح سليماني إثرها ان لديه 74 نائباً في البرلمان اللبناني). وتحوّل البرلمان اللبناني الى آلة تشريع لانتاج شرعية قانونية لخيارات الحزب ومن خلفه إيران.
الكانتون والشبكات المتوازية
سمح تغلغل الحزب في نسيج الدولة، بتسهيل بناء شبكات بنى تحتية موازية على امتداد الاراضي اللبنانية، بتفريغ الدولة من سيادتها. بنى شبكة من الاتصالات، السلكية واللاسلكية على امتداد الأراضي اللبنانية، خارج رقابة وزارة الاتصالات. كما فرض نفوذ أمني واستخباراتي صارم على معابر الدولة الشرعية: مطار بيروت والمرفأ والمنافذ البرية على الحدود السورية، ما سمح له بفرض رقابة وسلطة على حركة الدخول والخروج، ووفر له طرق لتهريب المال والسلاح دون رقابة.
الزبائنية
استطاع الامساك بالشيعة بواسطة زبائنية قوية تغلبت على زبائنية الطبقة السياسية التقليدية . ففي الوقت الذي كانت فيها الدولة الهشة تتعرض للنهب الذي أوصل للانهيار ولعجز المؤسسات الخدماتية، كان الحزب يطور مؤسساته الموازية: القرض الحسن، جهاد البناء، المؤسسات الصحية والتربوية وحتى الترفيهية (كشافة وزيارات دينية) وشبكات إعاشة ومساعدات عينية تمولها ايران. أدى هذا الى تصدّع طائفي وتحولت الطائفة الشيعية الى "مجتمع مغلق" يعتمد في أمور حياته على الحزب. وبدل ان تصل الخدمات عبر الدولة مباشرة، صارت تصل عبر الحزب، فلا ننسى انه تعمّد احتكار الوزارات الخدماتية. فأعاق بذلك الولاء للدولة بتكريسه الولاء للحزب ومن خلفه ايران.
النتيجة الحتمية تحول الحزب الى دولة داخل الدولة، بمعنى ان الدويلة ابتلعت الدولة.
وصارت الموطنة حلماً للأجيال الجديدة، التي دُفعت للهجرة بحثاً عن الأمان.


















