شعار Levant Time

دراسة

خلف "الخط الأصفر"، ظلّ "إسرائيل الكبرى"؟
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 26, 2026 - 18:02

ملاحظة: الدراسة التالية لا تُقرأ دفعة واحدة، بل على أجزاء - وربما يكون من الأفضل طباعتها بدلاً من قراءتها على جهاز رقمي، خاصة الهاتف المحمول. يتقدم المؤلف باعتذاره مسبقاً للقارئ، لكن المنهج الأكاديمي المتبع لا يسمح بتقسيمها إلى مقالات عدة أو تقديم ملخص قد يضعف مضمونها وفوارقها الدقيقة. لذا، فالخطأ يقع على عاتقي (Mea maxima culpa). في مطلع أبريل 2026، أطلقت إسرائيل “خريطة جديدة” للجنوب اللبناني، تُبرز منطقةً تمتدّ قرابة عشرة كيلومترات شمال الحدود داخل الأراضي اللبنانية، مُلوَّنةً باللون الأصفر، تمثيلاً للمساحة الجغرافية التي باتت قواتها تحتلّها منذ بدء عمليتها العسكرية في مارس الماضي. هذا الخط الفاصل، الذي أخذ بحكم الأمر الواقع اسم “الخط الأصفر”، يُقدّمه المسؤولون الإسرائيليون بوصفه حقيقةً ميدانيةً تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، يرافقها حظرٌ مفروضٌ على سكّان خمسةٍ وخمسين بلدةً لبنانيةً يمنعهم من العودة إلى ديارهم. والنموذج المُعتمَد، بحسب ما أقرّ به الضباط العسكريون الإسرائيليون أنفسهم، هو ذاته المُطبَّق في غزة. والتجربة تشهد: إسرائيل لا تُبدع في الارتجال التكتيكي. وعلى الصعيد الرمزي، لا تخلو هذه الخريطة من أن تُجسّد انبعاث ذاكرةٍ إقليميةٍ تجتاز تاريخ الصهيونية منذ نشأتها، وهي ذاكرةٌ تعيد تنشيطها ظروف الفترة 2024–2026 — من انهيار حزب الله بوصفه قوّةً عسكريةً من الصفّ الأوّل، ومن تفكّك الإمبراطورية الإيرانية، وتلك التناغمات الانتهازية الحادّة بين دونالد ترامب وتل أبيب — بجرأةٍ لم تُعرف منذ عام 1967. فحتى في عشيّة هدنة نوفمبر 2024، كانت إسرائيل على وشك توطيد خطٍّ عازلٍ أفقي يمتدّ من الناقورة إلى كفرشوبا، بعرضٍ يبلغ نحو مئة كيلومتر وعمقٍ يتراوح بين سبعة وعشرة كيلومترات، ليُشكّل ما يناهز 452 كيلومتراً مربعاً من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية. وخلف هذا الخط الأوّل، كان المخطّطون العسكريون الإسرائيليون يُطوّرون محيطاً دفاعياً ثانياً بين الليطاني والأوّلي، يُسمّى داخلياً «منطقة الصيد والملاحقة”. وقد صرّح نتنياهو بنفسه قائلاً: “كلّ موقعٍ إرهابي — وهي مواقع كثيرة — يُسوَّى بالأرض ببساطة”، مضيفاً أنّ الجيش الإسرائيلي “وسّع وجوده في لبنان إلى ما هو أبعد من المواقع الخمس المُقامة في عام 2024” ليُشكّل — على حدّ تعبيره — “منطقةً أمنيةً متينةً وأعمق.” والواضح، استناداً إلى تصريحات القادة الإسرائيليين، أنّ نيّة الانسحاب من هذه المنطقة لا تبدو واردةً في الأشهر المقبلة، ولا في الأعوام القادمة. وهدم القرى بأسرها هدماً منهجياً دليلٌ ساطع على ذلك. فثمّة فراغٌ ديموغرافي تعمد تل أبيب إلى صناعته، وهذا ليس مفاجئاً البتة؛ إذ إسرائيل أتقنت هذه الطريقة منذ عام 1948. فما “الخط الأصفر” — خارج نطاق الاحتلال الاستراتيجي ذي الغاية الأمنية — إلّا مصدرٌ لإحياء الهواجس من ضمٍّ صريح وشاملٍ في إطار مشروعٍ إمبرياليٍّ عتيقٍ وأوسع مدى. جغرافيا الرغبة وللإحاطة بهذا الهاجس المشروع، والتصوّر المصاحب له لمنطق العمليات الإسرائيلية وما يُحرّكها، لا بدّ من الرجوع إلى المصفوفة الأيديولوجية للمشروع الصهيوني في أساسه. ولا شكّ أنّ الطموح الإقليمي الإسرائيلي تبدّل بحسب التيارات والحقب، غير أنّه كان حاضراً على الدوام؛ ولهذا يبدو من الضروري، في سياق هذه الدراسة، محاولة تتبّع نسبه الأيديولوجي. فـ”أرتس يسرائيل هشليما” — أي «أرض إسرائيل الكاملة» — هي تعبيرٌ يحمل دلالاتٍ دينيةً وسياسيةً متشعّبةً ومتحوّلة. وقد تراوحت الهواجس الإقليمية، بتقلّبات الحركات القومية والصهيونية، بين الصهيونية العمالية والصهيونية التنقيحية والصهيونية الدينية، وأمكن استخلاص تعريفين محوريين: أحدهما أضيق، يُشير إلى إسرائيل مضمومةً إليها هضبة الجولان والضفة الغربية وغزة، والآخر أقصى، يُشير إلى الرقعة الشاسعة الممتدّة من النيل إلى الفرات. وقد رسم تيودور هرتسل، أبو الصهيونية السياسية، هذا الأفق بنفسه خلال محادثةٍ مع ماكس بودنهايمر، إذ دوّن في يومياته أنّ الدولة اليهودية ينبغي أن تمتدّ “من نهر مصر إلى الفرات.” ومنذ ذلك الحين، يتردّد هذا التعبير بانتظامٍ في الأدبيات السياسية الإسرائيلية وفي تصريحات المسؤولين — من بينهم، في عام 2024، الناشطة دانييلا وايس التي جزمت: “نعلم، بموجب الكتاب المقدّس، أنّ الحدود الحقيقية لإسرائيل الكبرى تمتدّ من الفرات إلى النيل.” بيد أنّ الاستراتيجية الفعلية للدولة العبرية تشكّلت في المنطقة الوسطى بين هذين القطبين: المُطلق التوراتي من جهة، وبراغماتية المراحل من جهة أخرى. ولم تُصَغ هذه الجدلية بوضوحٍ مثل ذاك الوضوح الذي انطوت عليه الرسالة الشهيرة التي كتبها دافيد بن غوريون إلى ابنه آموس في الخامس من أكتوبر 1937، في أعقاب لجنة بيل. مجرّد “البداية” أرسلت الحكومة البريطانية لجنتها الملكية حول فلسطين في أعقاب اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1936، مُكلَّفةً باقتراح تعديلاتٍ على الانتداب البريطاني. وفي عام 1937، اقترحت إلغاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولةٌ عربيةٌ في الجنوب ودولةٌ يهوديةٌ في الشمال. وبن غوريون، مثيراً دهشة كثيرٍ من رفاقه المؤمنين بـ”إسرائيل الكبرى”، وافق على ذلك. غير أنّ هذه الموافقة كانت براغماتيةً تكتيكية، لا تخلّياً عن الأيديولوجيا الصهيونية. وفي رسالته إلى ابنه، كتب بن غوريون: “افتراضي — وهو السبب في أنّني مدافعٌ متحمّسٌ عن الدولة، حتى وإن كانت مرتبطةً بالتقسيم — هو أنّ دولةً يهوديةً على جزءٍ فحسب من البلاد ليست النهاية بل البداية. (…) لأنّ هذا التزايد في الحيازة لا يهمّ في ذاته وحسب، بل لأنّنا من خلاله نزيد قوّتنا، وكلّ زيادةٍ في القوّة تُساعد في حيازة البلد كلّه. إنشاء الدولة، ولو على جزءٍ من البلاد، هو أقصى ما يمكن من تعزيز قوّتنا في الوقت الراهن، وزخمٌ هائلٌ لجهودنا التاريخية في تحرير البلاد بأسرها.” هذا المنطق البارد القائم على قبول ما يمكن تحصيله اليوم استعداداً لما يُرغب فيه غداً هو حجر الزاوية في الاستراتيجية الصهيونية منذ نشأتها. ويُفسّر ذلك، بالتالي، لماذا كانت كلّ إيماءة — سواءٌ أكانت وقف إطلاق نار أم اتفاقاً أم انسحاباً جزئياً أم غيره — تُقدَّم دائماً على أنّها موقّتة من قِبَل المنادين بإسرائيل الكبرى. فالزمن ليس زمن الغموض الراكد، بل هو زمنٌ لروايةٍ متواصلةٍ في تشكّلٍ دائم. وفي عام 1954، تكشف يوميات موشيه شاريت أنّ بن غوريون كان يصف لبنان بأنّه «الحلقة الأضعف» في جامعة الدول العربية، مقترحاً إنشاء كيانٍ سياسيٍّ منفصل وضمّ الجنوب حتى الليطاني. أمّا موشيه ديان فكان يوصي باستغلال الانقسامات الداخلية اللبنانية لتسهيل التدخّل والسيطرة في نهاية المطاف — وهو ما جرت محاولته، بالنجاح النسبي الذي تسجّله الوقائع، من خلال توظيف فاعلينَ موالينَ للمشروع (الجبهة اللبنانية إبّان السبعينيات والثمانينيات، ثم سعد حداد) وفاعلينَ ظاهريين في موقع الخصومة (حزب الله…). بيد أنّ الأسد هو من أتقن الأسلوب إتقاناً تاماً. ومنذ مطلع الستينيات، كان يتسحاق رابين بدوره يُعرّف الليطاني بوصفه الحدود الشمالية المثلى. أمّا نتنياهو، فيكفي الإصغاء إلى تصريحات وزرائه — إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريش مثلاً — لإدراك أنّه في الخيال السياسي الإسرائيلي، ثمّة جزءٌ من لبنان على الأقل يُعدّ من حقّ إسرائيل. هاجس الليطاني عند تصفّح الكتابات المتعلّقة بالموقف الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، يتّضح أنّ مسألة الليطاني هي من أعتق الهواجس وأشدّها ثباتاً في الجيوسياسة الإسرائيلية، وتمتدّ جذورها إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919. ففي ذلك المؤتمر، قدّم حاييم وايزمان ودافيد بن غوريون خريطةً بالحدود المنشودة للدولة اليهودية المرتقبة تضمّنت الليطاني. إلّا أنّ اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1915، التي سبق بموجبها لبريطانيا وفرنسا أن رسمتا الحدود بين لبنان وفلسطين، أحبطت مساعيهما. وبإلحاحٍ من باريس، بقي الليطاني لبنانياً. غير أنّ المطالبة الإسرائيلية لم تتبدّد. فقد ظلّ بن غوريون يؤكّد: “من الضروري ألّا تقع مصادر المياه التي يتوقّف عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن اليهودي المنشود. ولهذا السبب طالبنا دائماً بأن تشمل أرض إسرائيل الضفاف الجنوبية للليطاني ومنابع الأردن ومنطقة الحوران.” وفي عام 1978، أطلقت إسرائيل على اجتياحها جنوب لبنان اسم «عملية الليطاني»، معلنةً أنّ الهدف المُعلَن هو الوصول إلى النهر. ومنذ عام 2025، تُشنّ حملةٌ علنيةٌ من قِبَل حركة مستوطنين إسرائيليين تُسمّى “أوري تسافون” تطالب بضمّ جنوب لبنان حتى الليطاني، مؤكّدةً أنّ “جنوب لبنان ليس سوى الجليل الشمالي.” والبُعد المائي لهذا المشروع ليس هامشياً. فالماء موردٌ استراتيجيٌّ في منطقةٍ جافّة، وبعد حرب 1967، صرّح وزير الدفاع موشيه ديان بأنّ إسرائيل حقّقت «حدوداً مُرضيةً بصفةٍ مؤقّتة، باستثناء تلك المتاخمة للبنان» — أي الليطاني، في مرمى اليد… غير متناوَل دائماً. لم يعد كذلك. وغنيٌّ عن البيان أنّ اكتشاف الغاز البحري في المياه المحاذية لجنوب الليطاني لم يُهدّئ الأطماع الإسرائيلية. بل على العكس تماماً… خطة يينون ومذهب التفتيت إن كانت رسالة بن غوريون من عام 1954 تُمثّل نوعاً من إعلان النوايا والخطة البنيوية التدريجية بالمراحل، فإنّ الوثيقة الشهيرة التي نشرها عوديد يينون عام 1982 في المجلة العبرية «كيفونيم» تُمثّل ترجمتها الاستراتيجية الأكثر صراحةً ومنهجية. ففي فبراير 1982، نشر يينون — المستشار السابق المزعوم لأرييل شارون والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية — مقالاً بعنوان “استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات”، يحلّل فيه مواطن ضعف الدول العربية ويخلص إلى أنّ على إسرائيل السعي نحو تفتيت العالم العربي إلى فسيفساءٍ من التجمّعات العرقية والطائفية. وزعم أنّ “كلّ شكلٍ من أشكال المواجهة العربية-العربية” سيكون في المدى القصير في صالح إسرائيل. وتنطلق الخطة من مقدّمتين أساسيتين: بقاءُ إسرائيل يستوجب أن تتحوّل إلى قوّةٍ إمبريالية إقليمية، وأن تُنتِج تقسيم المنطقة إلى دويلاتٍ صغيرة بحلّ جميع الدول العربية القائمة، تتحدّد أحجامها وفق التركيبة العرقية أو الطائفية لكلّ رقعة. ولبنانُ يحتلّ مكانةً خاصةً في هذه الخطة: إذ رأى فيه يينون نذيراً ومؤشّراً على ما ستؤول إليه الأمور في سائر العالم العربي، على نحوٍ تُشكّل اضطراباته سابقةً موجِّهةً للاستراتيجيات الإسرائيلية على المدى القريب والبعيد. ويبدو أنّه وجد آذاناً صاغية على أقلّ تقدير… وقد استقطبت خطة يينون بطبيعة الحال قراءاتٍ ومراجعاتٍ متعدّدة منذ عام 1982، إذ يرى بعض المعلّقين أنّها تصف بصورةٍ نبوئيةٍ أو برنامجية ما جرى فعلاً في منطقة الشرق الأوسط على مدار الأربعين سنة الماضية: لا سيما إقامة مناطق عازلة داخل لبنان، وضمّ أراضٍ سوريةٍ وراء الجولان، والدعم المُقدَّم للنظام العلوي في سوريا في مواجهة الأغلبية السنّية، وتعزيز النفوذ الإيراني في المشرق لزعزعة الأنظمة العربية، وإزالة السدّ الذي مثّله صدام حسين في العراق، ودعم المجموعات الدرزية والكردية الداعية إلى سوريا مُجزَّأة، والضربات على العراق واليمن، وحتى بروز حماس بهدف إضعاف فتح… وكلّ ذلك كان قد وضع، وفق ما يرى محلّلون مختلفون، صيغةً جديدةً من سايكس-بيكو محورها خطة يينون. والإشكال، بداهةً، يكمن في الوقوع في المنطق التآمري الذي يخلط بين قدرة الدولة العبرية على توجيه المسار السياسي في الاتجاه الملائم لمصالحها، وبين مخطّطٍ كبيرٍ مُحبَكٍ قبل نصف قرن… على غرار خطة كيسنجر الشهيرة للبنان، التي تبقى وظيفتها الخفيّة إعفاءَ أطرافها من تحمّل تبعات أخطائهم التكتيكية والاستراتيجية باسم القدر الحتمي… هذا ضربٌ من التساهل المريح. نتنياهو وانكشافه الخرائطي إن كان ثمّة سمةٌ خاصّةٌ ببنيامين نتنياهو، فهي قدرته على الانتقال دون أيّ تحفّظٍ من الأيديولوجيا إلى الممارسة، مصحوباً بنشوةٍ استعراضيةٍ لافتة. والرجل ووزراؤه المُشار إليهم بعيدون كلّ البُعد عن ممارسة فنّ البلاغة الدبلوماسية المُحتاطة أو التقيّة. وشغفه بالخرائط الجغرافية موثَّقٌ منذ عام 1990، ومن المرجّح جداً أنّه، بدلاً من أن يكون مجرّد عفويةٍ عابرة، نابعٌ من حسابٍ مدروس — ضربٌ من الحكم الرمزي بالصورة. ففي الثاني والعشرين من سبتمبر 2023، قبل أسبوعين من هجوم حماس، عرض نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطةً بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، لم تتضمّن لا الضفة الغربية ولا القدس الشرقية ولا غزة، مُدرِجاً بذلك هذه الأراضي فعلياً في جسم الدولة الإسرائيلية. وقبل ذلك في الخطاب ذاته، عرض خريطةً لإسرائيل عام 1948 تضمّنت الأراضي الفلسطينية ضمن الدولة الجديدة. وإن كانت الإدانة قد ارتفعت، فلم تمضِ وقتاً طويلاً… وجاء الهجوم الذي دبّره السنوار ورفاقه ليمحو تلك الإهانة الكبرى للقانون الدولي أمام الجمعية العامة من ذاكرة العالم. ولافتٌ للغاية أنّه في زمنٍ تتباهى فيه بعض الدول الأوروبية بغيرةٍ مفرطة في تقييد الحريات العامة عبر مشاريع قوانين من قبيل ما يُسمى بـ”قانون يادان”، غاب عن الأذهان جميعاً عرضُ بيبي الذي محا فلسطين بجرّة خريطة، رابطاً بذلك “النهر بالبحر.” وذلك العرض لم يكن قطعاً حادثةً دبلوماسيةً عرضية. ففي مستهلّ عام 2025، قبيل توجّهه إلى واشنطن، كان نتنياهو قد وعد في تصريحٍ بـ”إعادة رسم” خريطة الشرق الأوسط، في إشارةٍ إلى خطة حكومته لإقامة “إسرائيل الكبرى” التي تضمّ كامل الأراضي الفلسطينية وأجزاءً وافرةً من الدول المجاورة. وفي هذه الحكومة، يُمثّل سموتريش وبن غفير الجناح الأكثر صراحةً وجهاراً. ففي الثالث والعشرين من مارس 2026، مَثَل سموتريش أمام كتلته البرلمانية في الكنيست واستحضر صراحةً الليطاني بوصفه الخطّ المحدِّد لمنطقة نفوذٍ إسرائيليٍّ شمالي، مُماثِلاً بين ذلك وما يجري في غزة وسوريا. فهل يستجيب اختفاء قرى بأسرها من الجنوب اللبناني — المحيتُ بها على الأرجح من الخريطة إلى الأبد في التصوّر الإسرائيلي — لاعتباراتٍ أمنيةٍ حصراً؟ هذا سؤالٌ يستوجب الطرح بحدّة، وينبغي بالضرورة أن يُثار في إطار المفاوضات من قِبَل دولةٍ لبنانيةٍ حريصةٍ على صون سيادتها وسلامتها الإقليمية والدفاع عن حقوقها في مواجهة الاحتلال. الجولان: مختبر الضمّ الدائم ولعلّ مسار الجولان هو الذي يقدّم السابقة الأكثر اكتمالاً وأهميةً لمنهج الضمّ التدريجي الذي يميّز الأسلوب الإسرائيلي. فقد احتُلّ الجولان عام 1967، وضُمّ من جانبٍ واحد عام 1981 في تصرّفٍ رفض المجتمع الدولي الاعتراف به على مدى عقودٍ — وهو ما تنازل عنه الأسد بسخاءٍ لحليفه الضمني ثمناً لبقائه في السلطة في دمشق إلى أجلٍ غير مسمّى — ثم جاء الاعتراف الفعلي بسيادة إسرائيل على الجولان من دونالد ترامب عام 2019، في ما شكّل الفعل الأوّل في سلسلةٍ من إعادة الصياغة المعيارية لا تزال تتفاعل. ومنذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، مدّت إسرائيل نفوذها العسكري في الأراضي السورية إلى ما وراء المنطقة العازلة المرسومة عام 1974، مُرسِّخةً وقائع جديدة على الأرض. وهذا النموذج القائم على منطق الاحتلال / الاستيطان / الأمر الواقع / الاعتراف المؤجَّل هو تحديداً ما يبدو أنّ الخط الأصفر في الجنوب اللبناني يسعى إلى استنساخه، مع ما يقتضيه السياق المختلف ومقاومةٌ ذات طابعٍ مغاير. منطق “العتبات”: من الأسطورة التأسيسية إلى البرنامج السياسي ومن الضروري هنا، مرّةً أخرى، إدراج نُكتةٍ تحليليةٍ لا غنى عنها، حتى لا نقع في فخّ نظرية المؤامرة حيث الأصحّ قراءة التوتّر البنيوي بين الأسطورة التأسيسية والقرار السياسي. فـ«أرتس يسرائيل هشليما» لم يدخل في التداول السياسي الرائج إلّا بعد حرب 1967. فطوال حقبة الانتداب (1920–1948)، كان المعسكر الصهيوني منقسماً. فريقٌ ساند المناضل زئيف جابوتينسكي، الذي احتجّ بأنّ ضفّتَي الأردن كلتيهما وُعِدتا لليهود في إعلان بلفور. وآخرون، مع بن غوريون، قبلوا بإطار الانتداب البريطاني على فلسطين الغربية. ومع صعود الليكود، وارث التيار التنقيحي الجابوتينسكي، اتّسع انتشار هذا المصطلح وغدا مشروع الضمّ الشامل الهدفَ المحوري للتحالف الحاكم. وإذا كانت الأحلام الإقليمية لليمين الصهيوني تبدو في السابق لا أكثر من أوهامٍ استعمارية دون مستقبل، فإنّ مجريات الأحداث اليوم في غزة ولبنان وسوريا تُثبت أنّ آمال يمينٍ متطرّفٍ إسرائيليٍّ في صعودٍ متواصل باتت أقرب إلى التحقّق من أيّ وقتٍ مضى. فالحدّ الفاصل بين الأسطورة والواقع لم يكن يوماً بهذا التلاشي. ولعلّ من المناسب إعادة تأطير هذا الانبعاث الشديد لـ”إسرائيل الكبرى” في سياق ريح “الحنين إلى عصرٍ ذهبيٍّ أسطوري” التي تُيقظ نداءات الإمبراطوريات من سباتها — كما وصفها سمير فرنجية في مقابلةٍ قُبيل رحيله. من بوتين مع أوكرانيا ودول البلطيق، إلى ترامب مع فنزويلا وكوبا، مروراً بالصين وتايوان، أو تركيا أردوغان وشياطين الإمبراطورية العثمانية، دون أن ننسى إمبراطورية دولة الفقيه التي تلفظ أنفاسها تحت وابل القنابل الأمريكية الإسرائيلية… إنّها عاصفةٌ من الغطرسة الإمبريالية تجتاح العالم أجمع. والأسطورة الإمبريالية تُشكّل في هذا الإطار أفقاً للرغبة يهيمن على التفكير الاستراتيجي لجزءٍ لا يُستهان به من المؤسسة الإسرائيلية، يضبط طموحاتها وفق ما تُتيحه موازين القوى الإقليمية والدولية في كلّ لحظة. فالخريطة الجديدة ليست بالطبع خريطة الفرات إلى النيل. لكنّها قد تكون خطوةً نحو تلك الخريطة. وقد أنذر بن غوريون عام 1937 بأنّ المراحل هي تحديداً ما يهمّ. لم يكن يكذب. ونتنياهو اليوم لا يتبجّح بالكلام. وفي مرحلةٍ ما، سيكون لزاماً الخروج من المفاخرات المحلية المضادّة التي ترى في إسرائيل قوّةً مُنهَكةً على حافّة الانهيار في سكرات الموت. فتل أبيب في حالة حرب منذ ثلاث سنوات، وهي في هذا القرب من الهدف، فلِمَ تتخلّى عنه — لا سيما أنّها لم تحظَ قطّ بدعمٍ بهذه اللاهدوائية من حليفها الأمريكي؟ ما قد يبشّر به “الخط الأصفر” في ختام هذا العرض، يستوجب الأمر الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كانت “الخط الأصفر” ذات طابعٍ أمنيٍّ صرف، مرتبطاً بالمبدأ الأوّل القاضي بضمان ثبات الشمال الإسرائيلي في مواجهة أيّ اعتداءٍ محتمَل. وإن كان من المتعذّر بطبيعة الحال الإجابة عن هذا التساؤل بيقينٍ قاطع، فلا يزال بإمكاننا القول إنّ خطاب نتنياهو وسلوكه وسلوك وزرائه جليٌّ وكاد يكون شفّافاً في هذه المسألة. فلماذا لا نُصغي إليهم؟ فضلاً عن ذلك، إذا كانت تل أبيب تمتلك الآن حججاً ذهبية — الذريعة الانتقامية التي أهداها إياها حزب الله بمبادرته لثأرٍ من خامنئي — إلى جانب إفلاتٍ تامٍّ من العقاب وتوافقٍ نادر في الملابسات السياسية لتنفيذ مشروعها، فلماذا لا تفعل ذلك، ولا سيما في سياقٍ إقليميٍّ وعالميٍّ مُضطربٍ تماماً تغدو فيه الأمم المتحدة والقانون الدولي بلا قيمةٍ تُذكر؟ قد تكون الفرصة مُتفرّدة. وإنّ الضمّ الفعلي لجنوب لبنان يُمثّل بلا شكٍّ محاولةً لترسيخ أمرٍ واقعٍ إقليمي في غياب أيّ إطارٍ قانونيٍّ دوليٍّ معترَفٍ به، مستنداً إلى سابقة غزة وإلى الدعم السياسي لإدارة ترامب. بل ذهب المبعوث الأمريكي توم باراك إلى حدّ التلميح بإنشاء “منطقةٍ اقتصاديةٍ لبنانية” تحلّ محلّ القرى الحدودية العريقة. كما في غزة تماماً. الشكل الرسمي للسلب في كامل بهائه، مُقرونٌ بإغراء نعيم التقدّم والتنمية. بروباغندا “إيجابية” غريبة مبنية على البؤس الإنساني. تهديم المنازل، وهدم البنية التحتية، وحظر عودة السكّان… كلّ ذلك لا يخلو من رسم ملامح مشروعٍ يتجاوز الأمن وينال على الوجه الجليّ — بالأدلّة الموثّقة — من الديموغرافيا والجغرافيا البشرية، وربما من التعديل الدائم للمساحة الحدودية. من مؤتمر السلام عام 1919 إلى النقاشات الداخلية في الخمسينيات، من خطة يينون إلى خطابات التحالف الحاكم الراهن، لم تُعتبر الحدود الشمالية لإسرائيل محسومةً نهائياً. بل إنّ ثمّة أطماعاً إسرائيليةً شرهة تُخيّل لنفسها لذّة الضمّ حتى صور. وربما أبعد من ذلك. من يدري؟ في عالمٍ مُنفجرٍ يتعمّد إدارة بصره جهةً أخرى، لا حدود للخيال والهذيان. ما قد تكشف عنه “الخط الأصفر”، في المحصّلة، هو أنّ حلم “إسرائيل الكبرى” — بتجلّياته المتنوّعة ومتغيّراته المتشكّلة — يُعاش راهناً في زمن المضارع. تماماً كما تُعاش أحلام الإمبراطوريات الأخرى الزائلة. والجنوب اللبناني في عام 2026 هو، بلا شكّ — كما كانت غزة في 2025–2026 — المسرح الأكثر مباشرةً وإيلاماً لكلّ ذلك. مع خطر التشابه التدريجي في المصير. التخلّص من أسطورة لبنانية بيد أنّ ثمّة — ولا بدّ من الختم بهذه الملاحظة الحتمية — ما لا يمكن لكلّ ما سبق أن يُبرّره: الخطاب الذي يُروّج له المنادون بالممانعة، القائل بأنّ طمع إسرائيل يُثبت أنّ الحرب كانت ستقع على أيّ حال، وأنّ علينا التوقّف عن تحميل حزب الله مسؤولية ما يجري. حان الوقت للإجهاز على هذا المفتاح الجاهز للحجج الذي يسعى إلى تبرير كلّ ما يفعله الحزب — وعلى سخريةٍ مروّعة، كلّ ما تفعله إسرائيل أيضاً — بفضل قانونٍ مزيّفٍ للحتمية. وهذه القراءة تتجاهل، جهلاً أو سوء نيّة، جملةً من العوامل. دون الخوض في كلّ الجدليات العقيمة التي رُسمت لتبرير حرب حزب الله، يكفي التوقّف عند واحدةٍ منها: إذا كانت «المقاومة» مشروعةً في مواجهة دولةٍ لا تزال تطمع في أراضي جيرانها، فإنّ القرار بذلك لا يعود إلّا إلى الدولة اللبنانية، لا إلى جماعةٍ شبه عسكرية تابعةٍ لإيران تُمليت خلال خمسةٍ وعشرين عاماً ما تشاء — لا الحرب والسلم وحسب، بل أيضاً ما يُباح قوله وفعله، ومن يستحقّ الحياة أو الموت — على سائر مكوّنات المجتمع اللبناني، استناداً إلى مشروعٍ سياسيٍّ إمبرياليٍّ لا يعدو فيه لبنان كونه مقاطعةً وليس اللبنانيون سوى وقودٍ بشري. وإذا كانت الدولة عاجزةً حتى الآن عن الاضطلاع بهذا الدور السيادي، فتحديداً لأنّ حصان طروادة الإيراني من الداخل كان يأبى إعادة هذه الصلاحية إليها، وفاءً أعمى للإرادة الهيمنية الإيرانية. وقد كانت تجربة “المقاومة الإسلامية” لحزب الله كارثةً وطنيةً على كلّ المستويات — ولم تنتهِ بعد. إنّ “فارس الكبرى”، التي ليس حزب الله سوى امتدادٍ لها، لم تتلقَّ قطّ تفويضاً من الشعب اللبناني لمواجهة مشروع إسرائيل الكبرى. لبنان الكبير وحده قادرٌ على ذلك — رمزياً وعملياً، بكلّ الوسائل المشروعة، وأوّلها الدبلوماسية. إذن، في مواجهة إسرائيل الكبرى، لبنان الكبير. فقط. .

من برسيبوليس إلى طهران: فنٌّ واحدٌ في الحرب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 22, 2026 - 09:34

ملاحظة تحريرية : الدراسة التالية المكرَّسة لتحليل مستفيض لمنطق الحرب في الروح والممارسة الفارسية-الإيرانية على ضوء النزاع الراهن مع الولايات المتحدة، ليست للقراءة دفعةً واحدة بل على مراحل؛ إذ لا يتلاءم الدعم الرقمي مع طول النص. يُستحسن طباعة المقال وقراءته على الورق. يعتذر الكاتب مسبقاً للقارئ عن هذا الإزعاج، غير أن المقاربة الأكاديمية المتَّبعة لا تحتمل التجزئة في مقالات عدة ولا ملخَّصاً يُضعف مضمونها ودقة تفاصيلها. Mea maxima culpa، إذاً. في مساء يوم الثلاثاء الواقع في الحادي والعشرين من أبريل 2026، أعلنت طهران أنها لن تشارك في مفاوضات إسلام آباد المقررة مع واشنطن في اليوم التالي، متذرِّعةً بـ”شروط تعجيزية” فرضها الأمريكيون. كان وقف إطلاق النار المبرَم في الثامن من أبريل عقب خمسين يوماً من الحرب المفتوحة قد انتهى للتوّ، وقد وجد دونالد ترامب نفسه مضطراً إلى تمديده لإتاحة المزيد من الوقت للجمهورية الإسلامية كي تتوصل إلى اتفاق. كان مضيق هرمز قد أُعلن مفتوحاً كلياً أمام الملاحة التجارية يوم الجمعة، مما أدى إلى انهيار أسعار النفط بما يزيد على 10%، قبل أن تُعيد إيران إغلاقه يوم السبت حين رفضت واشنطن رفع الحصار البحري. وكان ترامب قد وصف وقف إطلاق النار بأنه انتهى فعلياً “مساء الأربعاء بتوقيت واشنطن”، في حين أوفد مفاوضَين إلى باكستان. ووصفت طهران، وفق ما أوردته وكالة إيرنا الرسمية، التصريحات الأمريكية بأنها “لعبة إعلامية” رامية إلى الضغط عبر “لعبة اللوم”، مع إبقاء القناة الباكستانية مفتوحةً حتى ليلة الثلاثاء، ساعةَ المفاجأة الكبرى. إذ إن المفاجأة هي الآتية: أعلنت طهران رفضها لوقف إطلاق النار الذي اقترحه ترامب، معلِنةً بطلان اتفاق الثامن من أبريل، وفاتحةً رسمياً الباب أمام استئناف الأعمال العدائية… إن هذا الارتباك الدبلوماسي الذي يتكشَّف أمام العالم بأسره، كمغازلةٍ خطيرة من الدرجة الدنيا لا تُفهم في شيء، ليس في الواقع كذلك. طهران تُطبِّق عقيدة. هذا هو النمط الاستراتيجي ذاته، يُعاد تمثيله بأدوات القرن الحادي والعشرين (صواريخ باليستية، ومسيّرات FPV، وحصار نفطي، وبيانات وكالات شبه رسمية)، النمط الذي كان بمقدور المراقب اليقظ أن يصفه عقب ماراثون، وسلاميس، أو سلام كالياس (الذي لا يزال المؤرخون يتجادلون في وجوده الفعلي أصلاً). طوال خمسة وعشرين قرناً لم تتغير ثوابت القوة الفارسية حين تبلغ الضغوط أقصاها. ومن بينها فنٌّ رفيع ومُتقَن في التبديل بين الحرارة والبرودة، وإنكار ما يُفعل في حين يُفعل، والإمساك بالخط الفاصل بين الحرب والسلام في حالة من التأرجح المقصود. تُعيد إيران المعاصرة، المنخرطة منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 في أخطر نزاع وجودي في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إحياءَ نماذج مواجهة لم تُفلح في طمسها لا فتوحات الإسكندر، ولا الإسلام العربي، ولا الثورة الخمينية. هذا التكرار ينبثق من عوامل جيوسياسية، وبالتالي ثابتة عبر القرون: الجغرافيا الداخلية للقوة، ومنطق الهضبة في مواجهة البحر، ثم القلب في مواجهة الأطراف، وهي عوامل لا تنفك تُهيكل التاريخ العسكري بأكمله لهذه الحضارة. سبعة ثوابت بوليمولوجية تعبر هذا الطيف المتصل. أولاً: حرب الزمن، أو السيادة «على العتبة» أولى هذه الثوابت دون شك الأقل وضوحاً لمراقب غير متمرِّس على عادات فارس وتاريخها. غير أنها تُشكّل العنصر الأعمق، والأقل ظهوراً بصورة مفارقة، في الاستراتيجية الميدية: عقيدة التوقيت سلاحاً. ما يُسمَّى عادةً بـ«الازدواجية» الإيرانية في المفاوضات ليس الحيلة الدبلوماسية العادية، بمعنى الكذبة الظرفية الرامية إلى تضليل خصم في نقطة بعينها. إنه ليس حصان طروادة أوليس. إنها ازدواجية بنيوية، تأسيسية للعقيدة ذاتها، تتجلى في القدرة على الإمساك في آنٍ واحد بخطابين متناقضين دون أن يُعاش التناقض بوصفه تناقضاً داخلياً… لأنه يُعاش بوصفه الإدارة الطبيعية لزمنية لا تشبه زمنية الخصم الغربي. هذا الفكر الباطني ما قبل السقراطي، الذي يعجز الغرب عن فهمه كلما أراد التعامل مع طهران والتفاوض معها، يشبه الأطروحة الوحدانية الديناميكية التي دافع عنها هيراقليطس الأفسسي (وابن عربي لاحقاً) قبل بزوغ الثنائية الأنطولوجية الأفلاطونية. بحسب هيراقليطس، التعارض ليس تناقضاً، بل توترٌ بين طرفَي المبدأ ذاته يسحبان في اتجاهين متعاكسين. بالمعنى الفارسي، توجد هذه اللاثنائية بين الظاهر، المعلَن والظاهري والخارجي، والباطن، الخفي والباطني والداخلي. يتعايش المستويان لأنهما ينتميان إلى مستويين مختلفين من الواقع. الواحد يحتوي القطبين كلَيهما، ومنهما يأتي بمثابة تجليَّين. التقية إذاً ليست كذباً بالمعنى الغربي للكلمة، بل هي الاعتراف بهذين الحالتين اللتين تُشكِّلان نظامَين منفصلَين يتعايشان في آنٍ واحد دون أن يتناقضا. الإمساك بخطاب مزدوج، واعتبار أن كل معرفة لا تتعرَّف على نفسها بذاتها بل بحكم ما بقي من المعرفة يستوجب بعدُ اكتسابَه، أي بنفي الموجود، يُعدّ بالتالي مساراً سليماً ومشروعاً، وعلامةً على حكمة أنطولوجية. التأرجح الإيراني بين الحرب والسلام هو إذاً الموقف المنشود من إيران. لا موقف سواه. المتناقضات تتعايش وهي بذلك متسقة. ما يُجنِّن الغربيين الباحثين عن الحقيقة خلف القناع، حين لا قناع أصلاً، بل مجرد «موقفَين متغيِّرَين» من الموقف ذاته الذي لم يسعَ قط إلى وحدة “منطقية”. شهادة هيرودوتس هيرودوتس هو من وثَّق عن غير قصد، أول مرة في التاريخ، الترجمة الآلية الأقدم لهذه الفكرة. بعد معركة ماراثون (490 ق.م.) لا يستسلم داريوس ولا يفاوض ولا يفعل شيئاً مقروءاً يمكن استيعابه عقلياً. يشبه في ذلك بعض الشبه سارون من «سيد الخواتم»؛ ينتظر ويستعد في صمت، يراكم طوال عشر سنوات ماكينة الغزو الثاني. بعد معركة سلاميس (480 ق.م.) ينسحب أحشويروش لكنه يترك ماردونيوس بجيش كامل في ثيساليا. لا سلام ولا حرب إذاً، بل حالة مُعلَّقة من التردد الاستراتيجي تُنهك المدن اليونانية سياسياً واقتصادياً، بكفاءة أعلى بكثير مما كانت ستفعله معركة جديدة. سلام كالياس (449 ق.م.، الذي لا يزال المؤرخون يتجادلون في وجوده الحقيقي، وهو ما يحمل دلالته بذاته) كان سيُنهي رسمياً الحروب الميدية. لكن الفرس واصلوا في الوقت ذاته تمويل إسبرطة ضد أثينا، ثم أثينا ضد إسبرطة، محوِّلين الحرب البيلوبونيزية أداةً لسياستهم دون أن يظهروا فيها رسمياً. هاهي أصول الحرب الإيرانية الراهنة بالوكالة المالية، وإفساد النخب، وصون الفوضى المتعمَّد لدى الخصم، كل ذلك دون خط جبهي، عبر لعبة خفية على تناقضات الآخرين. ما لم يفهمه الإغريق أن الفرس ببساطة لم يكن لهم الوضع الأنطولوجي ذاته في علاقتهم بالزمن. حيث كانت المدينة-الدولة اليونانية تفكِّر بمصطلحات الآغون (الصدام الحاسم، والمعركة المحسومة، والنتيجة القاطعة)، كانت الإمبراطورية الإيرانية تُفكِّر بمصطلحات المدة والصبر والتراكم البطيء والانقلاب المؤجَّل. يجد هذا النمط ترجمته في الفقه الإسلامي نفسه، عبر مفهوم الهدنة، الهدنة المؤقتة التي ليست سلاماً، العقد المُعلَّق الذي يتيح استراحةً لإعادة التسلح وإعادة التموضع قبل أن تستأنف المعركة. الهدنة لا تُعدّ استسلاماً، بل هي قوس تكتيكي في حرب أفقها الاستراتيجي لا يزال قائماً. كان قورش وخلفاؤه بعيدين بالطبع عن امتلاك هذا المفهوم الفقهي-الديني… لكنهم كانوا قد طوَّروا ممارسته الحدسية المطلقة… الغموض بوصفه موقفاً استراتيجياً الاستراتيجية النووية الإيرانية منذ عام 2003 (وكذلك استراتيجية حزب الله في لبنان الذي يصرخ انتصاراً وسط الأنقاض ما إن يصمت مدفع العدو) تُشكِّل الحالة النموذجية الحديثة لهذه العقيدة. أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات، والتنازلات الجزئية، والانتهاكات المحسوبة، والعودة إلى الطاولة، وعتبات التخصيب المتجاوَزة ثم المجمَّدة، وتوقيعات اتفاقيات لم يجفَّ حبرها حتى كانت غموض التطبيق قد بدأ يُستغل فيها… بالنسبة لطهران، اتفاقية JCPOA لعام 2015 لم تكن فعل نزع تسلح، بل فعل إدارة زمنية: كانت طهران تشتري الوقت تحت ضغط أقصاه، مع الإبقاء في الوقت ذاته على العتبة في متناول إعادة النشر السريعة. وهذا هو المنطق ذاته الذي يعمل حالياً: إنكار المحادثات مع إيفاد مندوبين، وفتح المضيق يوم الجمعة لإغلاقه يوم السبت، وتسمية الحوار الأمريكي «لعبة إعلامية» مع إبقاء القناة الباكستانية نشطة… إيران لا تتعامل بالغموض مصادفةً قط. تفعل ذلك لأن الغموض موقفها الاستراتيجي الطبيعي، المحيط الذي تتنفس فيه منذ خمسة وعشرين قرناً، والذي تعلم تمام العلم أنه يُنهك خصومها المتجذِّرين في الزمن التاريخي الهيغلي الدياكروني. ما يأبى الغرب فهمه هو أن معنى التاريخ، بالنسبة للنيوفرس، يسير أيضاً بالعكس… بل وفي تعالٍ، في ذاك الزمان اللطيف الذي عرَّفه السهروردي، ذلك الزمن بين الأزمنة الذي لا قيمة له بحسابات الزمن التاريخي الدياكروني (انظر في هذا الشأن المقال المنشور في هذا الموقع بتاريخ 7 مارس 2026 تحت عنوان “نهاية وهم”). ثانياً: الدفاع المتقدِّم، أو الحرب في ما وراء الهضبة النمط البنيوي الثاني هو ما كان الاستراتيجيون الأخمينيون يمارسونه دون أن يُسمُّوه، وما نظَّرته الجمهورية الإسلامية تحت مسمى “دفاع پيشگين”. أدرك الأخمينيون أن ضعف الإمبراطورية يكمن في سطحها؛ إذ كانت واسعةً جداً للدفاع عنها من الداخل، فكان لا بد من مضاعفة الشرائح الهامشية الحاجزة وتحويل الساتراپيات إلى مناطق عازلة مُعسكَرة، حتى يكون القتال بعيداً قدر الإمكان عن قلب فارس. فلم يكن داريوس الأول قد أطلق جيوشه نحو تراقيا ومقدونيا شهوةً في الغزو المجاني. كان هدفه إبعاد التهديدات عن الهضبة الإيرانية. وهو السبب ذاته الذي دفع أحشويروش إلى عبور الهلسبونت (مضيق الدردنيل اليوم)، ليصطدم بعد ذلك بالثلاثمئة إسبرطي بقيادة ليونيداس عند ممر ثيرموبيلا. إيران الملالي أعادت إنتاج المنطق ذاته بالضبط. منذ عام 1982 دفع الحرس الثوري الإسلامي بمستشاريه (ومنهم الدبلوماسيون الأربعة الشهيرون الذين اختطفتهم لاحقاً القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة) إلى وادي البقاع لتنظيم ما سيصبح حزب الله، التجربة الأولى الناجحة للدفاع المتقدِّم الحديث، أول تصدير للثورة الإسلامية. وكما كان الساتراپيون الأخمينيون يرفعون جيوشهم باسم ملك الملوك، كانت مليشيات محور المقاومة (حزب الله، وحماس، والحوثيون، وفصائل الحشد الشعبي العراقي) تُشكِّل ساتراپيات عسكرية تابعة لطهران دون أن تكون رسمياً ذراعها. المبدأ الذي أرساه طهران: أن تجري الحروب خارج الحدود الإيرانية دون أن تكون التربة الفارسية يوماً مسرحاً لها… غير أن هذا المبدأ كان له دائماً وجهه الداخلي المعكوس، الذي يؤكده كل من التاريخ الأخميني والإسلامي بانتظام: كلما أسقطت الإمبراطورية قوتها على الأطراف أكثر، كلما وجدت نفسها مضطرة إلى ضغط مركزها الداخلي وتقييده أكثر. الثورات الساتراپية التي تتخلل التاريخ الأخميني (مصر، وليديا، وبابل، وغيرها) هي المرادف الداخلي المتماثل لكل حملة خارجية كبرى. ليس من قبيل الصدفة التقويمية أن تكون الجمهورية الإسلامية قد ذبحت متظاهريها في يناير 2026، قبل أسابيع قليلة من إطلاقها الحرب في فبراير. إنه المنطق الضغطي ذاته يعمل، والانعكاس الإمبريالي ذاته الذي يستوجب سحق الداخل كي يُهاجَم الخارج. ومن هذا المنظور، الدفاع المتقدِّم هو دائماً، في جوهره، طغيان داخلي. ثالثاً: الحرب المركَّبة، أو فن التحالفات التابعة كان الجيش الأخميني فسيفساءً عرقية تأسيسية، يتألف خلطاً من الميديين والبكتريين والليديين والهنود والأحباش والمصريين وغيرهم. كانت كل ساتراپية تُقدِّم فصائلها وفق نظام جزية عسكرية متدرِّجة، إذ دفع الأقرب إلى فارس ضرائب أقل وخدم تحت السلاح أكثر. هيرودوتس في قوائم جيوش أحشويروش يرسم عن غير قصد صورة قوة لا تحارب منفردةً قط وتخوض حروبها دائماً عبر وسطائها. إيران المعاصرة أعادت إنتاج هذه البنية بالضبط: حزب الله وحماس والمليشيات العراقية والحوثيون شكَّلوا شبكةً إقليمية قادرة على العمل دون العتبة النووية المحتملة، مفرِضةً تكاليف موزَّعة على خصومها دون أن تستثير رداً مكثَّفاً على الأراضي الإيرانية. حتى وشيجة القيادة تُشبه نظيرتها بين الفرس والملالي؛ فالساتراپيون كانوا حكاماً مُعيَّنين ومُراقَبين، “عيون وآذان الملك” المشرفين على ولائهم. مليشيات محور المقاومة تعتمد كذلك على الرقابة المالية والإشراف العسكري لطهران، تحت القيادة السياسية والدينية لوليّ الفقيه، وعقيدته الشيعية العابرة للحدود الوطنية التي توحِّد الجسم الإمبراطوري رغم تعدد خصائص كل فصيل مسلح وبيئته. ولا بد من الإشارة إلى أن الانتماء إلى ولاية الفقيه قد تجاوز الإطار الشيعي، إذ جرى “تحويل” شرائح من مجتمعات أخرى (في لبنان مثلاً)، عبر تلقين خفي وتخريبي، لخدمة المشروع، تحت سقف يسار عالمي معادٍ للأمريكية ومعادٍ لإسرائيل (نضال المظلومين ضد الشيطان الأكبر الإمبريالي وذيله الإقليمي المشروع الصهيوني)، وقضية فلسطينية خذلها العرب، وأيديولوجيا التحالف بين الأقليات وحمايتها… رابعاً: السيطرة على المضايق، أو الجيوسياسة عند الخناق أحشويروش لم يكتفِ بعبور الهلسبونت عام 480 ق.م.، بل عمل على إحكام السيطرة عليه، فأمر ببناء جسر من السفن ليدل رمزياً ومادياً على هيمنته على الممر بين العالمين. كان الأسطول الأخميني في جوهره أداة للتحكم في مسالك الملاحة (السواحل الأيونية والمتوسط الشرقي والخليج الفارسي). فمن يمسك الخناق يمسك العالم في الجيوسياسة؛ إنها البديهة الأقدم والأثبت في الفكر الاستراتيجي الإيراني. في عام 2026 استهدفت إيران البنية التحتية النفطية في المنطقة، ولا سيما السفن في مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من نفط العالم. التهديد بالإغلاق التام، المتكرر بإصرار متصاعد، يُنشِّط هذه العقيدة متعددة الآلاف من السنين. النجاح التكتيكي لإشباع البحر بمسيّرات FPV في مارس 2026 (الذي أعاد سيناريو Millennium Challenge 2002 بتحسينات تكنولوجية وافرة) أوقع الأسطول الأمريكي في أزمة استنزاف بذخيرة الاعتراض. وأثبت الإيرانيون بذلك أن حرب الأسراب هي التجسيد التكنولوجي لحرب الإنهاك البحرية التي كان الفرس يمارسونها ضد الثلاثيات اليونانية. ما جرى يوم السبت 19 أبريل في المضيق (من الفتح والإغلاق والسفن المحاصَرة بالنيران في منتصف العبور) كان التسلسل الكوريغرافي ذاته… بفارق ألفين وخمسمئة عام! خامساً: الحرب غير المتماثلة، أو الرفض الأنطولوجي للصدام الجبهي منذ معركة ماراثون، راهن الفرس على الإشباع بالنبال (السلاح البعيد، ذاك الذي يُشوِّه قبل المواجهة) بدلاً من الصدام الفالانجي. كانت الفرسية الأخمينية قوةَ إنهاك وتطويق وكسر الأجناب، تتجنب الصدام المركزي بكل الوسائل. لا يجوز رؤية جبن في هذا الرفض للقتال الجسدي، بل مجرد عقيدة ترمي إلى النصر بالاستنزاف. حيث سعى المحارب اليوناني إلى الحسم، سعى الاستراتيجي الفارسي إلى الزمن… مما يُثبت أن الفكر الفلسفي يطبع حتماً وسائل خوض الحرب… الاستراتيجية الإيرانية طويلة الأمد دأبت دائماً على تفادي المواجهة المباشرة مع قوات متفوقة عسكرياً، بامتداد النفوذ بالوسائل غير المباشرة. في عام 2026 تبنَّت طهران موقفاً مقصوداً في التفاوت: مئات المسيّرات والصواريخ الباليستية لإشباع الدفاعات المعادية، وضربات البنية التحتية الطاقوية لرفع الثمن السياسي للحرب على واشنطن وتل أبيب، ورفضٌ عنيد للانخراط البري الذي سيكشف الهشاشة التقليدية للجيش الإيراني. المسافة سلاحاً (القوس بالأمس، والصاروخ الباليستي والمسيّرة FPV اليوم) تبقى التوقيع البوليمولوجي الثابت للمحارب الإيراني. يُضاف إلى ذلك إرادة فتح جبهات قتال متعددة في آنٍ واحد، وهو ما نادى به تشي غيفارا حين أراد إيجاد “فيتنامات عدة” لاستنزاف “الإمبريالية الأمريكية”. فارس الأخمينية كانت تستخدم الحيلة ذاتها لإنهاك خصومها وإيقاع بعضهم ببعض. سادساً: قطع الرأس وهشاشة المركز السادس من الثوابت ربما هو الأكثر مأساويةً. الهشاشة المطلقة لمركز القيادة حين تنهار استراتيجية الدفاع المتقدِّم وتعود الحرب إلى الهضبة، تُمثِّل كعب آخيل لكل إمبراطورية من هذا الطراز. فهم الإسكندر عام 330 ق.م. أن الإمبراطورية الأخمينية رغم ضخامتها كانت تقوم بنيوياً على شخص الملك العظيم؛ فإرغام داريوس الثالث على الفرار في غوغاميلا كان بمثابة قطع رأس الشرعية السياسية والقيادة العسكرية لآلة الإمبراطورية بأسرها في آنٍ واحد. ولذلك لم يسعَ الجنرالات المقدونيون قط إلى الإمساك بكل ساتراپية واحدةً تلو الأخرى؛ بل استهدفوا العقدة الرمزية والعملية للإمبراطورية. افتتاح عملية Epic Fury في الثامن والعشرين من فبراير 2026 أزال قلب وعقل النظام الإيراني باستهداف علي خامنئي، مُوقِعاً القيادة الإيرانية في دوامة من التشويش القراري العميق. جُرى انتخاب مجتبى خامنئي في الثامن من مارس خلفاً لوالده، غير أن الانتخاب المتسرِّع لخليفة (وهو نفسه ضحية هجوم عسكري ومصيره لا يزال غامضاً) لم يُعِد بناء الشرعية المتراكمة خلال خمسة وأربعين عاماً من السلطة الرمزية. وصفت صحيفة نيويورك تايمز في نهاية مارس قيادةً مشلولة عملياً، تكاد تتوقف آليات صنع القرار فيها. خمسة وعشرون قرناً تفصل بين خيمة داريوس الثالث الفارّ من غوغاميلا وبنكرات الحرس الثوري الإسلامي بعد Epic Fury، غير أن المنطق البنيوي متطابق تطابقاً دقيقاً. إمبراطورية مبنية على إرادة حاكم واحد (سواء كان ملك الملوك أم مرشد الثورة الإسلامية) يمكن أن تنهار بإزالة تلك العقدة المركزية. الفارق ربما أن الإسكندر كان قد سمت نفسه فبكى على جثة عدوه واتخذ من والدته والدةً له. أما ترامب… ولا شك أن البعض سيجادل بأن داريوس الثالث كان يستحق معاملةً نبيلة وفق المنطق السياسي الفروسي القائم على احترام صاحب الحق ولو كان عدواً، في حين أن خامنئي… أفرز شلل المركز الإيراني عواقب أخرى أقل ظهوراً لكنها أثقل بنيوياً. فقد فتح اغتيال المرشد الأعلى فضاءً من التنافس بين الباسداران (حرّاس الثورة المسلَّحة الذين يسير منطقهم نحو الحرب الشاملة ورفض أي تنازل) والخيار السياسي الذي يُجسِّده المفاوضون وجزء من حكومة بزشكيان الأكثر حساسيةً للتكاليف الاقتصادية والإنسانية للنزاع. هذه الهوّة ليست جديدة؛ فقد اخترقت الجمهورية الإسلامية في صمت منذ سنوات، غير أن اغتيال خامنئي جعلها صارخة. حيثما كان الولي يحكم ويُذيب التناقضات في وحدة شخصه الإلهي، وكان بمقدوره التلاعب بالمشهد كما يشاء (والميكيافيلية تقتضي) رافعاً الصقور وخافضاً الحمائم وفق الفرص السياسية، بات الفراغ يحكم الآن بحكم الاضطرار لصالح الأشد تطرفاً. والأسباب واضحة: في نظام تستند شرعيته إلى المقاومة والمنطق الثوري، لا يمكن لأي فاعل سياسي أن يتحمَّل الظهور بمظهر من يستسلم. هذا بالضبط هو الآلية (آلية قطع الرأس التي تُجذِّر تطرف الجسم المُقطَّع رأسه) التي لم يضطر المقدونيون لمواجهتها بعد غوغاميلا، لعدم وجود جسم أيديولوجي منظَّم بما يكفي للبقاء رغم فرار الملك واغتياله. سابعاً: حرب الشرعية، أو الرواية سلاحاً بعيداً عن كونه مجرد صراع جيوش، كانت الحرب الإيرانية دائماً وفي آنٍ واحد معركةً لتحديد مَن يحق له خوض الحرب وباسم ماذا. الشرعية الأيديولوجية والحرب النفسية يُشكِّلان وجهَي نمط واحد: الرواية بوصفها امتداداً للعنف العسكري، والعنف العسكري بوصفه تأكيداً للرواية. ونجد هنا مجدداً هذا الغياب الأنطولوجي للثنائية الفارسية: الظاهر والباطن بوصفهما مستويَين صادقَين في آنٍ واحد من واقع واحد. ابتكرت فارس أداةً فريدة في الغزو الناعم قبل استراتيجية التروتسكيين الإيداعية بكثير: أسطوانة قورش، حرب رواية صُمِّمت لإدخال بابل دون قتال، عبر تقديم الذات محرِّراً لا غازياً، ومُعيداً لآلهة أهل البلد لا أيقونوكلاستاً إمبرياً. أسطوانة قورش كُتبت بالخط المسماري الأكدي على الأرجح عام 539 ق.م.، فوراً بعد سقوط بابل؛ والأسطوانة نص مُملَى من قِبَل قورش (أو باسمه) يُقدِّم فيه نفسه “محرِّراً” مُفوَّضاً من مردوخ، الإله الأعلى البابلي، لاستعادة النظام الذي أخلَّ به الملك السابق نابونيدوس. يُعلن عودة الشعوب المُهجَّرة إلى أوطانها وإعادة بناء المعابد وحرية العبادات المحلية. وعلى هذا النص تستند التقليد (الذي رسَّخته الأمم المتحدة في القرن العشرين حين أعادت إنتاج الأسطوانة عام 1971) القائلُ بأن قورش أعلن أولَ ميثاق لحقوق الإنسان. على الصعيد البوليمولوجي تُشكِّل الأسطوانة عملية حرب نفسية بسطح تعقيد لم يتجاوزه القرن العشرون. عبر هذه العملية الميفيستوفيلية، يقلب قورش شرعية العدو على نفسها بتقديم ذاته باسم مردوخ الإله البابلي الذي يزعم أنه عبده المختار، لا باسم الآلهة الفارسية. إنه استعمار رمزي يسبق الاستعمار الإقليمي؛ قبل أن يدخل الجيش الفارسي بابل كان الخطاب الفارسي قد احتل البانثيون البابلي. نابونيدوس مُسقَط الشرعية على يد إله بابل نفسها. وقورش ليس سوى تعبيره… وبذلك يجعل قورش الغزو غير قابل للتمييز عن التحرير. بابل “تُردُّ إلى ذاتها”، ولا تسقط. هذا التلاعب الدلالي يُحيِّد كل مقاومة مشروعة: مقاومة قورش تعني مقاومة مردوخ ونظامه المُستعاد. إنه الظاهر للتسامح سلاحاً لباطن الضم… هل يُحرِّر حزب الله الأرض أم يُعبِّد باسمها الطريق للسيطرة على السلطة في بيروت؟ غموض إيماءة قورش ليس عرَضياً. لا يزال المؤرخون يتجادلون حول ما إذا كانت الأسطوانة تعكس قناعاته الحقيقية أم مجرد استراتيجية تلاعب. لكن مرةً أخرى، السؤال مطروح بصورة خاطئة ببساطة. في عقيدة «المواقف المتغيِّرة» لا حقيقة مختبئة خلف النص؛ الظاهر سياسة، والباطن أيضاً سياسة، في مستويَين صادقَين معاً. هل آمن قورش بمردوخ؟ السؤال لا جواب ثنائياً له حيث لا وجود للثنائية ذاتها. كان يتصرف كأنه يؤمن به، وكان أداؤه في آنٍ واحد صادقاً واستراتيجياً… تماماً كما تتصرف الجمهورية الإسلامية كما لو كانت مهمتها الإقليمية مُفوَّضةً لاهوتياً وعادلة، دون أن يحول ذلك دون أبرد حسابات القوة… وتضحية الوطن الثوري، أراضيه وبشره. مارس الأخمينيون إذاً الإكراه الناعم (soft coercion) قبل أن توجد الفئة ذاتها. سفارات مخيفة، وعروض استسلام شريفة، وإخراجيات في مشهدية الرحمة الملكية… سائر أساليب الحرب النفسية الساعية إلى إحباط معنويات الخصم قبل الصدمة الأولى. حيثما خفَّف قورش السلطة باحترام الشعائر المحلية، ركَّزت الجمهورية الإسلامية السلطة على شخصية المرشد الوحيدة، مُهشِّبةً بذلك كل الجهاز فور أن أُزيلت هذه العقدة. التوازي مع ولاية الفقيه الإمام الخميني لم يخترع حرب الشرعية عبر الرواية. لقد أسلمها ولاهوتها فحسب. حيثما استعار قورش إله العدو ليتشرعن، بنى الخميني، مستعيناً بالتشيع، عقيدةً فقهية-لاهوتية (ولاية الفقيه) تحوِّل كل مليشيا وكل وكيل وكل تدخل إقليمي إلى فعل تعبُّد. في المنطق النيوفارسي، حزب الله أكثر من الذراع المسلحة لطهران. إنه الظاهر من الرواية، مجتمع إيماني في المقاومة. وقليلٌ أهميةً ما إذا كانت هذه المسرحية الروائية “حقيقية”. المهم أن الدعوة، الخطاب، تكون فعّالةً عملياً على الصعيد الاستراتيجي. هنا الغاية تبرر الوسيلة، ولا وقت يُضاع بين “الحق” و”الباطل”، و”الكذب” و”الحقيقة”، و”الواقع” و”الوهم”. كل هذا موجود في أزواج وحدانية، باسم “اتساق” يُسمَّى “حكمةً” ويُبرِّره مبدأ الانتصار النهائي… تؤدي ولاية الفقيه إذاً تماماً الدور البنيوي ذاته الذي تؤديه الدعاية الأخمينية للتسامح. تحوِّل التوسع الإقليمي الإيراني إلى مهمة وصاية إلهية، وولاية لاهوتية على المجتمع المظلوم. لكن حيثما راهن قورش على الرحمة، طوَّرت العقيدة الإيرانية المعاصرة ما يمكن تسميته الشهادانيّة المرضية (martyropathie) — التضحية بوصفها عقيدة تشغيلية تحوِّل الموت إلى انتصار روائي، وتجعل كل هزيمة عسكرية مقروءةً ارتفاعاً روحياً، وتُلحم المقاتلين في مواجهة التفوق التقليدي للخصم… في حين تُعجز النظام بنيوياً عن التفاوض على الهزيمة دون أن يُدمِّر نفسه رمزياً. إنها حرب نفسية تنقلب على ذاتها بقدر ما تنقلب على العدو: قوتها القصوى هي أيضاً حدّها المطلق. ما الحل؟ كيف يجب التعامل مع هذا النوع من الخصم؟ هذا هو السؤال الذي طرحه ثيميستوكليس والإسكندر وهنري كيسنجر ومايك بومبيو، بإجابات مختلفة تماماً ونجاحات متفاوتة. وهو نفسه الذي يطرحه ترامب من جديد في هذا الربيع من عام 2026، دون أن يجد إجابةً متسقة بعد. الخطأ الأول، والأكثر ثباتاً، هو محاولة تثبيت الخصم ذي المواقف المتغيِّرة، وإرغامه على حالة تحدِّدها نهائية. كل أجل مُعلَن (“افتحوا المضيق وإلا ضربنا”، “الفرصة الأخيرة للتفاوض”) يُتيح له بالضبط مناسبةً جديدة لإنتاج رد هو في آنٍ واحد الاثنان معاً، مما يُنهك السائل ويكشف صلابته الذهنية. الضغط الأقصى، المبني على فرضية أن الخصم عند مستوى معين من الألم يجب أن يختار بين الاستسلام والقتال، يصطدم بالعقبة ذاتها. الخصم ذو المواقف المتغيِّرة لا يحتاج بنيوياً إلى الاختيار، لأن المعاناة والتفاوض والمقاومة والانتظار ليست لديه حالات متناقضة بل مستويات يمكنه سكنها في آنٍ واحد. ما تقرأه العقيدة الأمريكية بوصفه لاعقلانية هو في الواقع عقلانية من رتبة مختلفة، تعمل على محور زمني لا تقدر الديمقراطيات الانتخابية، المحكومة بالزمن القصير للدورة السياسية، على تحمُّله دستورياً. ما يُجدي نفعاً، جزئياً وبصورة ناقصة لكن موثَّقة تاريخياً، هو أن يتبنى المرء بنفسه جزءاً من هذه الزمنية، دون أن يجعلها مطلقاً. إن كان الإسكندر قد انتصر على الفرس فليس بإرغامهم على القتال وفق قواعد إغريقية. لقد قاتل بسرعتهم وحراكهم مع الحفاظ على تفوق الصدمة في اللحظة الحاسمة التي يختارها وحده. كيسنجر، أمام هانوي (خصم آخر ذو مواقف متغيِّرة وحضارة أخرى “عند العتبة”)، أدرك في نهاية المطاف أنه يجب التفاوض على مستويَين: الطاولة الرسمية للظاهر، والقنوات السرية للباطن، دون أن يُطالب قط بتطابق الاثنين. تجاوز الثنائية عملياً، هذا يعني ألا تُطرح أسئلة يُطلب لها جواب ثنائي، بل أسئلة إجرائية: “ما هي الخطوة التالية؟” لا “هل توافقون؟”، لأن خطوةً تتحقق حيث اتفاق يمكن أن يبقى مقبولاً ومرفوضاً في آنٍ واحد. لذا ينبغي الإمساك بالعتبة الخاصة دون الإعلان عنها. بهذا المعنى، الردع الفعّال ضد هذا الفاعل هو الردع المبهم، ذاك الذي يعلم الخصم بوجوده دون أن يعرف مُحرِّكه. وهو بالفعل ما فهمه إسرائيل، رغم كل شيء، أفضل من واشنطن في هذا النزاع. لكن الحقيقة الأصعب صياغةً هي ربما أنه لن يكون ثمة معاهدة نهائية مع إيران، بل سلسلة من الهُدَن، وتوازنات هشة مُصانة، و”مواقف متغيِّرة” مُدارة في الأمد البعيد. السلام مع هذا الخصم هو ممارسة مستمرة. لا يُكتسب بضربة واحدة إلا بوسائل مُدمِّرة فعلاً كتلك التي أسقطت اليابان وأنهت الحرب العالمية الثانية. الانتصار الكامل الوحيد على هذا النوع من الخصوم (وقد أدرك الإسكندر ذلك حين أعلن نفسه وارثاً للأخمينيين، أي حين لعب الظاهر الفارسي أفضل من الفرس أنفسهم) يفترض عمقاً ثقافياً وصبراً استراتيجياً لا يملكه أي فاعل معاصر. مما يُبقي الآخرين في الموقف الواقعي الوحيد: تعلُّم التعايش مع التأرجح، وإدارة العتبة لا إلغاؤها… وعدم الخلط مطلقاً بين وقف إطلاق نار موقَّع وبين نهاية الحرب. “البومرانج” قانوناً بنيوياً فيما وراء كل ما سبق، ثمة قانون أعمق من مجرد تكرار الأنماط. هذا القانون، الذي لم يُفلح قورش ولا الخميني في استيعابه، يقضي بأن كل استراتيجية إيرانية تحمل في صميمها، بنيوياً، آلية انقلابها على ذاتها. الدفاع المتقدِّم يُنشئ، في الأطراف التي يسعى إلى السيطرة عليها، شروط تحالف معادٍ ينتهي بضرب المركز. الحرب المركَّبة تولِّد وكلاء تفلت استقلاليتهم الجزئية من القيادة المركزية في اللحظة الحاسمة. السيطرة على الخناق تحوِّل المضيق إلى هدف للحصار فور أن يقرر الخصم عدم تحمُّل الابتزاز. عقيدة العتبة والبين-بين، في نهاية المطاف، تستفز الضربة الوقائية التي كانت بالضبط مصمَّمة لمنعها، لأن خصماً صبوراً بما يكفي يُقرر في نهاية المطاف دائماً أن الغموض المُصان أخطر من الحرب المفتوحة. الإمبراطورية الأخمينية اختبرت ذلك مع الإسكندر. الجمهورية الإسلامية تكرِّر التجربة في عام 2026. هذا “البومرانج” هو العاقبة التراجيدية والضرورية، المنقوشة في منطق هذه الإمبراطورية ذاته منذ اليوم الأول. إنها تحمل في صميمها، في مكان ما، حدودها الخاصة، بل جراثيم سقوطها. مأساة الاستمرارية ما يلفت الانتباه في نهاية هذا العبور البوليمولوجي عبر خمسة وعشرين قرناً من التاريخ العسكري الإيراني، هو بالتأكيد التشابه في أشكال الحرب، لكنه قبل ذلك استمرار التناقض الجوهري ذاته. استراتيجية الإسقاط الإيرانية دائماً ما خلقت، في الأطراف التي أرادت السيطرة عليها، شروط انقلابها على ذاتها. الدفاع المتقدِّم أنتج البومرانج الاستراتيجي. الحرب المركَّبة أولدت التحالف المعادي. السيطرة على الخناق حوَّلت المضيق إلى هدف للحصار. عقيدة البين-بين، هذه السيادة “على العتبة” التي هي أعمق ثوابت القوة الإيرانية، لا يمكنها العمل إلى ما لا نهاية. إنها تفترض خصماً عاجزاً عن تحمُّل الغموض في الأمد البعيد، وقد أعلنت واشنطن بضربة الثامن والعشرين من فبراير 2026 أن لهذا الصبر حدوداً. في هذا الحادي والعشرين من أبريل، انتهى وقف إطلاق النار للتوّ. أغلقت طهران باب إسلام آباد مستندةً إلى شروط تعجيزية. إيران تنفي إرسال مندوبين في حين كانت قد أرسلتهم حتى هذه المساء. أعادت فتح المضيق الجمعة لتُغلقه السبت. أعلنت موت المفاوضات مع إبقاء القناة الباكستانية حيّة، حتى مفاجأة الليلة. قال قورش، وفق ما أوردته هيرودوتس، إن الشعوب الطريّة تأتي من أراضٍ طريّة. كان يعتقد أن الهضبة الإيرانية تصنع رجالاً أصلاء. ما يعلِّمنا إياه التاريخ الطويل للقوة الفارسية هو على العكس من ذلك أن الهضبة الإيرانية تصنع إمبراطوريات عظمتها لا تنفصل عن هشاشتها. إمبراطوريات الأطراف المسيطَر عليها، والعتبة المُمسَك بها، التي تنهار حين تنقلب الأطراف على المركز، وحين يلحق زمن الخصم في نهاية المطاف بزمنها، ويُغلق البين-بين الذي كانت تزدهر فيه طويلاً بقسوة كالملقط. حيث يواصل بعضهم رؤية “انتصار” ما في الموقف الإيراني، ينبغي تجنُّب الانزلاق الخطر الذي يبدؤه هؤلاء نحو عالم لا تاريخي، يُشبه عالم الطوائف المنفصلة عن الواقع. لا يمكن لطهران أن تواصل عضَّ ذيلها إلى ما لا نهاية أمام القوة النارية الأمريكية وخصم بالغ الوحشية كالذي تواجهه حالياً (للمرة الأولى منذ صدام حسين)، لا يبالي هو نفسه بالزمن التاريخي ولا بالمبادئ الديمقراطية، وتصطدم أمامه الثنائية والفكر الباطني وسائر القوى الناعمة حتماً بخليط خام من الواقعية السياسية العدمية، وصبر رجل الأعمال الماكر، والقيصرية الدموية الشعبوية، ومسيحانية استعلائية تعتقد هي أيضاً أنها مُكلَّفة بمهمة إلهية باسم الرب وأمريك، والعسكرية الفاتنغيريستية مدفوعةً إلى ذروتها… من يمسك بشارب النمر طويلاً جداً، ينتهي حتماً إلى أن يُفترس.

« الإمبراطورية الإيرانية » : إسرائيل وتحالف الأقليات، استقرار متناقض (5/5)

يبدو من الضروري التوقف لحظة عند اللعبة الخبيثة التي تمارسها إسرائيل، بصفتها سيد العرائس، في سياق الطموحات الجيوستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. لمدة نصف قرن، وجدت تل أبيب في «تحالف الأقليات» (العلويين، المسيحيين، الدروز، شيعة لبنان، الأكراد) حاجزًا جيوسياسيًا للمناطق السنية النائبة. وقد استندت العقيدة الإسرائيلية «للمحيط» (سنوات 1950-70) بالفعل إلى مبدأ: التحالف مع الأقليات لكسر الحصار السني. في هذا السياق، كانت الأنظمة العلوية في دمشق — حافظ ثم بشار الأسد — أعداء معلنين ولكنهم متوقعون؛ مستقرين أيديولوجيًا؛ مهووسين ببقائهم الداخلي؛ ويمكن ردعهم تمامًا. فضلت إسرائيل أسدًا ساخرًا وعقلانيًا على سوريا سنية قومية أو إسلامية. وقد سار العالم الغربي، من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، على خطى الدولة العبرية، بدافع النفعية البحتة. لقد قدم أزلام نظام الأسد الكثير من الخدمات الجيدة والمخلصة لأجهزة الاستخبارات الأوروبية على مدى العقود الأربعة الماضية… فلماذا التخلص من عدو متساهل إلى هذا الحد؟ ومما يثير السخرية، فإنه بعد عقود عدة من مجازر حمص وحماة، لم تبدأ هذه الدول في الترحيب بسقوط نظام غير إنساني لطالما شرعته، إلا اليوم، حتى عندما كان يذبح المعارضين المدنيين بلا هوادة في عام 2011 ويسلم البلاد لداعش عن طريق العفو عن الإسلاميين، ليصرخوا بعد ذلك «بالذئب»... لقد أزال حزب الله في لبنان جميع كوادر جبهة المقاومة الوطنية لإسرائيل، التي تشكلت من اليسار، منذ ثمانينيات القرن الماضي. وما لم تفعله الدولة العبرية، أكمله الحزب الموالي لإيران. حتى أصبح حارس حدود مثاليًا لمنع أي محاولة فلسطينية للتجذر في جنوب لبنان. في المقابل، تجاهلت إسرائيل الهيمنة السورية على لبنان عام 1990 وعلى سيطرة حزب الله على الدولة اللبنانية اعتبارًا من عام 2006. كما استغلت، على كل حال، النزاع بين حماس وفتح لإضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية... الحفاظ على التنافس المحاكي مع سقوط الأسد ووصول أحمد الشرع، تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة جيواستراتيجية: على المدى القصير، تفقد إيران — التي حان الوقت، في المنطق الصهيوني، للتقليل من غطرستها الإمبريالية المفرطة — جسرها الشامي. على المدى المتوسط، تظهر سوريا سنية مُعاد تشكيلها — بكل ما يترتب على ذلك من مجهولات عقائدية وعسكرية قبلية وإقليمية. يجب أن نفهم أن إسرائيل سعت باستمرار إلى تغذية التنافس المحاكي القائم بالفعل بين مجتمعات بلاد الشام على خلفية المخاوف الوجودية. وبالتالي، تحريض المسيحيين ضد السنة، والسنة ضد الشيعة، والعلويين ضد السنة، وفقًا للمنطق الميكيافيلي الخالص… مع إعادة التوازن عندما يختل. إن وظيفة هذه الاستراتيجية واضحة: ضمان بقاء الدولة العبرية من خلال استغلال نقاط ضعف الآخرين ومخاوفهم وتناقضاتهم، وكذلك هشاشة التعددية في المجتمعات الشامية. وبالتالي، القضاء على أي إمكانية لظهور مقاومة فلسطينية ذات مصداقية وولادة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ذات سيادة، وتتمتع بشرعية دولية. صحيح أن نظام الشرع يكسر النفوذ الإيراني بالكامل، ويغلق طرق الأسلحة نحو حزب الله، ويتقرب من الرياض وواشنطن؛ ويحاول «تطبيعًا محافظًا» لطرد ماضيه الجهادي ويشكل فرصة لتوسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل سوريا بشرعية سنية. لكن بالنسبة لإسرائيل، يظل هذا التشكيل الجديد غامضًا: فمجموعة جهادية سابقة أصبحت قوة دولة هي أقل قابلية للفهم من دكتاتورية علوية مستقرة، وقد يشكل نظام سني دعمًا للقضية الفلسطينية. وإذا كان الحوار معه لدفعه نحو السلام ضروريًا، فيجب الإبقاء على الضغط على النظام للحفاظ عليه في حالة من الهشاشة والتبعية، سواء بتحييد قدراته العسكرية، أو بتحريك الفصائل داخل الأقليات، أو بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية. بالنسبة لإسرائيل، تكمن كل الازدواجية هنا: الإمبراطورية الإيرانية تنهار، ولكن معها المنطق المريح لـ«تحالف الأقليات». تفقد تل أبيب «عدوًا حميمًا» (الذي أخرت سقوطه قدر الإمكان) مع بشار — «الزوج القديم من الجوارب»، على حد تعبير مسؤول إسرائيلي عام 2011 عن الرئيس السوري — لصالح جار غير متوقع، لكنه قد يضمن لها سلامًا دائمًا، بشرط إبقائه تحت سيطرة سياسية واقتصادية غربية وعسكرية إسرائيلية محكمة. الإمبراطورية في شظايا ما تبقى لإيران، في نهاية عام 2025، لم يعد محورًا، بل أجزاء من نجم منهار: باب المندب والحوثيون، غزة المدمرة وحماس، حزب الله معزول يحاول بصعوبة إعادة تشكيل نفسه، عراق تحت السيطرة ولكنه يعاني من توترات، وسوريا ضائعة تمامًا. حتى قلب الإمبراطورية يتأوه الآن تحت وطأة العقوبات والنقص. لم تختفِ استراتيجية طهران الإمبراطورية؛ لقد تحطمت، وكانت ضحية، جزئيًا، لغرورها الإمبريالي، برغبتها في التلاعب بمن هو أقوى منها. كما حدث لصدام بعد غزو الكويت. «إذا خفض من شأنه، أمدحه؛ وإذا تباهى، أخفض من شأنه»، نصح مكيافيلي. «الضفدع الذي أراد أن يكون كبيرًا مثل الثور»، كتب لافونتين. داريوس الثالث اغتيل على يد أتباعه بعد هزيمته أمام الإسكندر وسقوط الإمبراطورية. هل سيواجه مجلس الإدارة الإيراني الحالي المصير نفسه؟ ربما. الفرق أن الإسكندر بكى داريوس الثالث. لا أحد — لا أحد على الإطلاق — سيبكي على أنقاض ولاية الفقيه. اقرأ في نفس السياق «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط (1/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: الممر البري وطموح الإمبراطورية الشامية (3/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: العراق، جرح مفتوح؛ غزة، عمق فلسطيني (4/5)

« الإمبراطورية الإيرانية »: العراق، جرح مفتوح؛ غزة، عمق فلسطيني (4/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 21, 2025 - 23:23

لطالما كان العراق حجر الزاوية للمناورات والطموحات الجيوستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبدون العراق، لا شيء يبقى: لا الممر البري نحو سوريا، ولا اقتصاد الالتفاف على العقوبات، ولا شبكة الميليشيات التي كانت تضمن لإيران عمقًا استراتيجيًا في الخليج. وقد سيطرت الميليشيات الشيعية القوية (الحشد الشعبي)، التي تمولها وتدربها وتشرف عليها قوات الحرس الثوري، لسنوات على المناطق الحدودية في القائم/البوكمال، حيث كانت تمر الأسلحة والرجال والتكنولوجيا نحو سوريا ولبنان. الحكومة العراقية المترددة كانت تتأرجح باستمرار بين واشنطن وطهران، لكن النفوذ الإيراني بقي هائلاً. اليوم، أصبح العراق ساحة تناقضات: تتزايد الضغوط الأمريكية لمعاقبة الشبكات الموالية لإيران؛ أصبحت الميليشيات ضعيفة بعد تفكك الجبهة السورية؛ النزاع الداخلي الأخير حول تصنيف حزب الله والحوثيين، الذين أُدرجوا ثم سُحبوا من قوائم الإرهاب في غضون أيام قليلة، يظهر بوضوح ارتباكًا؛ وأخيرًا وليس آخرًا، يتشكل الآن تيار قومي عراقي يرفض التدخل الإيراني والسيطرة الأمريكية على حد سواء. تلعب بغداد الآن دور المتوازن بين واشنطن وطهران والرياض. تحتفظ طهران بنفوذ حقيقي وأساسي هناك، لكنها لم تعد تملك «الممر» الذي كان يجعل من العراق امتدادًا طبيعيًا لبنيتها الدفاعية. لا تزال الحلقة العراقية موجودة؛ لكنها لم تعد تنظم الفضاء الإقليمي غزة، أو العمق الفلسطيني للمحور الإيراني تبقى غزة. لماذا هذا الارتباط الجيوسياسي بالقضية الفلسطينية، بغض النظر عن المكسب السياسي الذي شكلته منذ عام 2006 – أي امتداد سني لإيران وورقة تفاوض مع الغرب بشأن الملف النووي، لأنها أداة ضغط على إسرائيل؟ لفهم غزة في الاستراتيجية الإيرانية، يجب فك اللبس عن الأسطورة: حماس ليست صنيعة إيرانية. حماس هي التعبير الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، وقد سهّلت إسرائيل بشكل واضح ترسيخها لخلق ثقل موازن لحركة فتح، السلطة الفلسطينية، ولتقسيم الصفوف الفلسطينية، وتبرير استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باسم وجود تيار متطرف إرهابي. بين عامي 1990 و2000، اقتربت حماس تدريجياً من إيران وحزب الله، على خلفية رفض اتفاقيات أوسلو. وفي عام 2007، أدت سيطرة حماس على غزة على حساب فتح إلى زيادة اعتمادها المتزايد على الدعم الإيراني على جميع المستويات. صحيح أن حماس ليست حزب الله — الذي هو امتداد مباشر للحرس الثوري عبر لبنانيين. إنها تحتفظ باستقلال ذاتي أيديولوجي وتكتيكي — لكنها جزء لا يتجزأ تمامًا من الاستراتيجية الإيرانية. بالنسبة لطهران، تخدم غزة ثلاث وظائف. أولاً، تشكل جبهة داخلية دائمة ضد إسرائيل. قطاع غزة لا غنى عنه لتل أبيب: فهو محاط، ومتفجر، ومن المستحيل تحييده سياسياً دون تكلفة بشرية وعسكرية هائلة. لم ينجح التدمير المنهجي للقطاع والتصفية المنهجية لسكانه منذ أكتوبر 2023 في هزيمة حماس. يثبت الصراع جزءًا من الجيش الإسرائيلي، ويمنع إسرائيل من التحرك بحرية في المنطقة، ويفتح ثغرة دائمة في الأمن الداخلي الإسرائيلي... لكن، ومن المفارقات، فإنه يسمح لبنيامين نتنياهو بالبقاء في السلطة على الرغم من اتهامات الفساد الموجهة إليه. ثانيًا، تضمن غزة شرعية فلسطينية للرواية الإيرانية — وهي وظيفة يؤمنها أيضًا خطاب حزب الله. بدون غزة، لا تستطيع إيران الادعاء بأنها بطلة القضية الفلسطينية. مع غزة، يكتسب سرد «المقاومة» مضمونًا — حيث توفر الصواريخ على تل أبيب وأشكلون الأيقونات اللازمة للخرافات الإيرانية. إنه الإلهاء المثالي لتحويل انتباه الشعوب العربية عن الأساسي: سيطرة ولاية الفقيه على الشرق الأوسط باسم استعادة عصر ذهبي إمبريالي أسطوري. المقال القادم - إسرائيل وتحالف الأقليات: استقرار متناقض اقرأ في نفس الموضوع «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط (1/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5) « الإمبراطورية الإيرانية » : الممر البري ومشروع الإمبراطورية المشرقية (3/5)

« الإمبراطورية الإيرانية » : الممر البري ومشروع الإمبراطورية المشرقية (3/5)

الاستراتيجية الإيرانية ليست بحرية فقط. لقد بنيت، بصبر شبه روماني، حول قوس بري : طهران – بغداد – دمشق – بيروت. على مدى عشرين عامًا، قامت طهران ببناء «هلال شيعي» يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط بصبر، تحت سيطرة ولاية الفقيه , المرشد الروحي الإيراني. وهكذا قام بتحصين الميليشيات الشيعية وسيطر على المناطق الحدودية في العراق؛ واكتسب نفوذًا قراريًا، اعتبارًا من عام 2012، في شراكته مع نظام الأسد، بتدخل من الحرس الثوري وحزب الله لحماية نظام الأسد (شاركته بعد ذلك موسكو خلال التدخل الروسي اعتبارًا من سبتمبر 2015؛ وخاصة، مع ذروة حزب الله في لبنان اعتبارًا من عام 2008 كقوة استكشافية وأداة لإسقاط النفوذ الاستراتيجي). كان لهذا المحور وظيفة مزدوجة. أولاً، خلق عمق استراتيجي في مواجهة إسرائيل. لقد جعل حزب الله، المدعوم بعشرات الآلاف من الصواريخ، جنوب لبنان منصة ردع متقدمة. أما سوريا، فقد كانت بمثابة مصفوفة لوجستية: مستودعات، قواعد، ممرات للأسلحة، ومعابر حدودية تسمح بنقل الصواريخ والتكنولوجيا. ثانيًا، إبراز الوجود الإيراني حتى البحر الأبيض المتوسط، وهو الحلم القديم للإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية: الحصول على منافذ بحرية، والتحكم في الطرق المؤدية إلى أوروبا، ودمج الموانئ السورية (طرطوس، اللاذقية) في جيوسياسية البنى التحتية. لم تسعَ إيران لتصبح قوة بحرية متوسطية بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح، بل لتقييد البحر الأبيض المتوسط على خصومها، وفي هذه الحالة إسرائيل والولايات المتحدة، عبر نظام وكلاء. لم تفهم أوروبا ذلك إلا بعد فوات الأوان. كانت بيروت قد استنزفت بالفعل، والثوار السوريون عام 2011، الذين تُركوا وشأنهم، تم سحقهم حرفياً على يد الأسد، في ظل لامبالاة تامة من العالم الغربي. أوباما لم يفعل شيئاً سوى أن دق آخر مسمار في نعش المشرق عام 2015. باختصار، سيمكن الطريق المحصن بالكامل طهران–بغداد–دمشق–بيروت إيران، على مدى عقدين من الزمن، من ضمان نقل الأسلحة والتكنولوجيا إلى حزب الله؛ وإبراز القوة الإيرانية إلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط؛ والتحايل على الترتيبات الأمريكية؛ وتشكيل تهديد دائم لإسرائيل من الشمال. كل هذا انهار كبيت من ورق بين أواخر 2024 ومنتصف 2025. حماس تجر حزب الله إلى دوامة انتحارية، ونتيجة للضعف الكبير للميليشيا الشيعية، التي أصبحت الحرس البريتوري لنظام الأسد، تسقط دمشق في أيدي أحمد الشرع، المنتمي إلى هيئة تحرير الشام السابقة. تتوارى طهران لصالح سلطة جديدة مرتبطة بأنقرة والرياض، حريصة على شرعنة نفسها دوليًا، ومهووسة بالتصفية الكاملة للنفوذ الإيراني في سوريا، وواقعية بما يكفي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. الأسد، بصفته أقلية، لم يكن يستطيع منح الشرعية لاتفاق رسمي مع تل أبيب. لقد جعل ترتيب قديم وأصلي، وبشكل ساخر، النظام نوعًا من الهاجاناه للدولة العبرية – غزو لبنان، السيطرة على السلطة في بيروت، إخضاع الفلسطينيين، احتواء لحزب الله في جنوب لبنان تحت وصايته، وفوق كل شيء، إغلاق جبهة الجولان السوري منذ عام 1973… صعود الشرع إلى دمشق له نتيجة أخرى كارثية على طهران: يتم الاستيلاء على المستودعات الإيرانية، وتغلق المعابر الحدودية، وتُقطع شبكات الميليشيات عن دعمها اللوجستي. ثم، في حزيران 2025، تتعرض البنى التحتية العسكرية الإيرانية لضربات عميقة من قبل الطيران الإسرائيلي. يهتز الجهاز الاستراتيجي. الإمبراطورية الإيرانية، التي نسجت بصبر، خيطًا بخيط، مثل شبكة عنكبوت عملاقة أو سجادة فارسية، تتهاوى. يصمد حزب الله، الذي يتعرض قادته العسكريون يوميًا للإبادة من قبل الطيران الإسرائيلي، لكنه معزول، محروم من عموده الفقري السوري. وتوجه تصرفاته المتهورة بشكل أساسي – العدو القديم يعود – ضد الدولة اللبنانية ورغبتها في استعادة احتكار العنف الشرعي وتجنب، من خلال التفاوض مع إسرائيل، المزيد من الانتحار الاستراتيجي الداخلي، بما يحمله من دمار وضحايا أبرياء. النتيجة العملية: الحلم الإيراني بالاستمرارية الإقليمية نحو البحر الأبيض المتوسط، هذا المشرق الفارسي لداريوس الثالث الذي تخيله خامنئي – لقد انتهى. المقال التالي: العراق, العمود الفقري والجرح المفتوح اقرأ في نفس السياق «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط (1/5) الإمبراطورية الإيرانية»: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5)

« الإمبراطورية الإيرانية »: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 20, 2025 - 10:37

لقد خضعت سياسة طهران الإقليمية خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية لمنطق واضح: التمركز في اختناقات وممرات الشرق الأوسط، وتحويل المضائق والطرق البرية والجيوب إلى أدوات ابتزاز استراتيجي، وبناء عمق دفاعي حول إيران يتكون من الميليشيات والأنظمة التابعة. وفي إطار هذه السياسة، لعب اليمن والحوثيون دوراً محورياً. كان اليمن، الممزق والفاشل، يمثل الأرض المثالية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لإقامة هذا «التوأم الغربي». وقد وفرت الحركة الحوثية، التي تستند إلى مرجعية زيديه وقواعد لغوية معادية للإمبريالية قابلة للتشكيل، لطهران وكيلاً قادراً على: السيطرة على العاصمة صنعاء؛ والتحكم في جزء كبير من ساحل البحر الأحمر؛ وتهديد باب المندب بالصواريخ والطائرات المسيرة والقوارب المفخخة. وهكذا أصبح باب المندب رافعة استراتيجية، ومتغيراً يمكن لإيران تفعيله وفقاً للضغوط التي تتعرض لها: العقوبات، التصعيد الإسرائيلي، التوترات مع الرياض، المواجهة مع واشنطن. رسالة طهران هي كالتالي، ثابتة: إذا مسستم إيران، فسوف تتحملون العواقب على مستوى تجارتكم العالمية. وبهذا المعنى، فإن الهجمات الحوثية في 2023-2024، والتي أعيد تنشيطها في 2025 بذريعة غزة، لم تكن أعمالاً معزولة: بل كانت ترجمة للعقيدة الإيرانية التي مفادها أن باب المندب هو الامتداد البحري لنظامها الرادع. كانت نقطة التحول لصالح طهران بلا شك اغتيال علي عبد الله صالح عام 2017، عندما أقدم الحوثيون بدم بارد على تصفية الرئيس السابق الذي كان يستعد للعودة إلى الرياض. لقد أدت وفاته إلى إغلاق الباب أمام حل سياسي وطني. وقد استفاد منها الحوثيون - وبالتالي إيران - إلى حد كبير على المدى القصير، مثل اغتيال رفيق الحريري، وإعدام صدام حسين، واختفاء ياسر عرفات. لقد دمرت وفاة صالح إمكانية وجود يمن موحد، وحبست طهران في تحالف مع حركة راديكالية وفوضوية - بل تكاد تكون كاريكاتورية - لا يمكن إدراجها في تسوية إقليمية. لكن الجبهة المناهضة للحوثيين قد تفتتت مع: صعود المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من أبو ظبي؛ والانسحاب العسكري السعودي بعد هجومها الكارثي عام 2015 وبداية حوار مع طهران؛ وانهيار وهم الدولة الموحدة؛ وزيادة الضغط الدولي على الحوثيين، لا سيما عبر الضربات الإسرائيلية والأمريكية والعقوبات الدولية. لا يهم... على الرغم من زعزعتها، لا تزال وكلاء طهران صامدة: لا يزال شمال البلاد تحت سيطرتهم، ولا يزال جهازهم الأمني يعمل، وقدرتهم على الإضرار لا تزال سليمة، ويظلون على الصعيد الخطابي حلقة وصل بين إيران والبحر الأحمر. أما الحكومة المعترف بها دوليًا، فقد تحولت إلى مجرد وهم. لقد وضع الاتفاق الإيراني السعودي لعام 2023، الذي تم التفاوض عليه تحت مظلة صينية، حداً لسبع سنوات من القطيعة. ولم يكن الهدف منه بالدرجة الأولى التوفيق بين قوتين متنافستين وجودياً، بل تجميد جبهة لم يكن أي منهما قادراً على الفوز بها. كانت الرياض تريد الخروج من المستنقع اليمني، وتقليل ضربات الطائرات المسيرة على بنيتها التحتية، وحماية رؤية محمد بن سلمان 2030. أما طهران فكانت تريد الحصول على اعتراف ضمني بمكاسبها في اليمن والعراق، وتقليل عزلتها وتجنب تصعيد أمريكي. لكن الهدنة لم تحل شيئاً. إنها تحدد نطاق إزعاج الحوثيين دون إنهائه، وتحد من الطموحات الإيرانية دون نزع سلاحها، وتخلق توازناً غير مستقر. والأهم من ذلك أنها تحمي السعودية من ردود فعل إيرانية على أراضيها في سياق صراع إسرائيلي-إيراني. علاوة على ذلك، ليس لدى الرياض أي مصلحة في إعادة فتح حرب في اليمن خرجت منها منهكة، وإيران، التي أضعفتها الضربات الإسرائيلية، ليس لديها الوسائل لتوسيع نطاق الحريق. وهكذا يصبح اليمن منطقة توتر خاضعة للسيطرة، مفيدة ولكن محتواة، تفضل العاصمتان الحفاظ عليها عند مستوى منخفض الكثافة. المقال القادم: الممر البري وطموح الإمبراطورية الشامية مقالة ذات صلة «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط

هكذا سقطت "الامبراطورية الايرانية" (1/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 19, 2025 - 11:45

كان عام 2025 نقطة تحول في الشرق الأوسط، حيث نسف مشروعًا كان قيد التكوين منذ أوائل الثمانينيات - ويشمل حزب الدعوة في العراق، وحزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا - وكان ميشيل سورا من أوائل من تحدثوا عنه في مقالاته. في وقت لاحق، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انضمت حماس في غزة والحوثيون في اليمن إلى هذه الديناميكية، التي حاولت أيضًا أن تتجذر في البحرين خلال الربيع العربي عام 2011. وبالفعل، في 2005-2006، بعد الإطاحة بصدام حسين في العراق، واغتيال رفيق الحريري، وحرب يوليو 2006، والسيطرة التدريجية على فتح من قبل حماس في غزة، بدأ مشروع «الهلال الشيعي» الإيراني يتجسد بالفعل في الواقع... قبل أن يحصل على شرعية بحكم الأمر الواقع في عام 2015 من خلال خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن الملف النووي الإيراني، وهي «هدية» ذهبية من باراك أوباما استفادت منها الأهداف الإمبريالية للملالي. منذ ربع قرن، التزمت السياسة الإقليمية لطهران بمنطق واضح وضوح الشمس: التمركز في المضائق والممرات في الشرق الأوسط، وتحويل المضائق والطرق البرية والجيوب إلى أدوات ابتزاز استراتيجي، وبناء عمق دفاعي حول إيران يتكون من ميليشيات وأنظمة تابعة وأجزاء من دول. من جهة، المضائق: هرمز شرقًا، وباب المندب جنوب البحر الأحمر، ومن جهة أخرى، الممرات البرية: طهران – بغداد – دمشق – بيروت. ثم مستوى ثالث، طالما تم التقليل من شأنه: غزة، نقطة ضغط داخلية على إسرائيل، وكذلك على مصر. وأخيرًا، تكتونية غير مفهومة بشكل كافٍ لأنها لم تُشرح أبدًا بما يكفي: «تحالف الأقليات» الذي هيكل بلاد الشام لمدة نصف قرن — والذي تعايشت معه إسرائيل طالما ضمن نظامًا يمكن التنبؤ به. ثم… في 7 أكتوبر 2024، وفي خطوة انتحارية، قام يحيى السنوار بإلقاء هذا المشروع في الهاوية، ساحبًا معه كبار قادة حزب الله وحماس. وفي ديسمبر 2024، استيقظت الإمبراطورية الإيرانية على الضربة القاضية - سقوط دمشق، مع فرار بشار الأسد، الذي تخلى عنه جنوده وحلفاؤه. أدى انهيار المحور بطبيعة الحال إلى تعرض قلب الإمبراطورية نفسه للهجوم، وإبادة القيادة العليا للحرس الثوري من قبل إسرائيل، وتدمير البرنامج النووي. نظرة إلى المشروع الإمبراطوري الإيراني، الذي أصبح الآن مفتتًا، ولكنه لا يزال قادرًا على إلحاق الضرر، من خلال مقاربة جيوسياسية. باب المندب: هرمز الثاني تبدأ التحليلات المدرسية عادة بمضيق هرمز، وهو طريق الوصول والجزء الشرقي من الخليج العربي. يشكل هرمز بالفعل نقطة استراتيجية حيوية، حيث يمثل ممرًا تجاريًا أساسيًا للحركة الدولية، يستخدمه أكثر من 30% من تجارة النفط العالمية. بالإضافة إلى عمان والإمارات العربية المتحدة وإيران، يتحكم المضيق في الوصول إلى دول أخرى منتجة للمحروقات بنفس الأهمية مثل العراق والكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر. يمر عبره ما لا يقل عن 2400 ناقلة نفط سنويًا، بحجم حوالي 17 مليون برميل نفط يوميًا. إنه إذن ممر تبادل أساسي، باعتباره الطريق الوحيد المرضي لتصدير النفط السعودي والإيراني والإماراتي (أي ربع الإنتاج العالمي من النفط الخام). خيارات تصدير النفط متجاوزة المضيق محدودة، ولا يمكن أن تكون هذه الصادرات إلا بكميات محدودة. إيران، المتاخمة للمضيق، يمكنها إغلاق الوصول إليه. ليس عبثًا أن قائد الحرس الثوري الإسلامي، محمد علي جعفري، قد أكد في 29 يونيو 2008 أنه إذا تعرضت إيران للهجوم من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، فإنها ستغلق المضيق. ومع ذلك، فإن التركيز على هرمز يحجب قليلاً حقيقة أن النظام يعمل بطريقة ما كالساعة الرملية: هرمز في الشمال الشرقي، وباب المندب في الجنوب الغربي. باب المندب هو مضيق في البحر الأحمر يربطها بخليج عدن، ويفصل جيبوتي وإريتريا في إفريقيا عن اليمن في شبه الجزيرة العربية. المضيق هو أيضًا نقطة قفل استراتيجية مهمة وأحد أكثر ممرات الملاحة ازدحامًا في العالم، لأنه يقع على الطريق الذي يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس. يتركز فيه أكثر من 10% من حركة الملاحة البحرية العالمية، بما في ذلك 75% من الصادرات الأوروبية؛ إنه يشكل ممرًا للطاقة بين الخليج وأوروبا وآسيا، والنقطة التي تلتقي فيها طرق النفط وتدفقات الحبوب والخدمات اللوجستية للحاويات. بالنسبة للتجارة بين شمال أوروبا وآسيا، يمر البديل عبر… رأس الرجاء الصالح، أي مسافة إضافية تبلغ 6500 كيلومتر! وبناءً عليه، عندما يغلق باب المندب… تتوقف قناة السويس عن الوجود. بالنسبة لإيران، المعادلة واضحة: إذا كان هناك هرمز ثانٍ، فهو بالتأكيد باب المندب. المقال التالي: في اليمن، الرهان الحوثي