


ملاحظة: الدراسة التالية لا تُقرأ دفعة واحدة، بل على أجزاء - وربما يكون من الأفضل طباعتها بدلاً من قراءتها على جهاز رقمي، خاصة الهاتف المحمول. يتقدم المؤلف باعتذاره مسبقاً للقارئ، لكن المنهج الأكاديمي المتبع لا يسمح بتقسيمها إلى مقالات عدة أو تقديم ملخص قد يضعف مضمونها وفوارقها الدقيقة. لذا، فالخطأ يقع على عاتقي (Mea maxima culpa).
في مطلع أبريل 2026، أطلقت إسرائيل “خريطة جديدة” للجنوب اللبناني، تُبرز منطقةً تمتدّ قرابة عشرة كيلومترات شمال الحدود داخل الأراضي اللبنانية، مُلوَّنةً باللون الأصفر، تمثيلاً للمساحة الجغرافية التي باتت قواتها تحتلّها منذ بدء عمليتها العسكرية في مارس الماضي.
هذا الخط الفاصل، الذي أخذ بحكم الأمر الواقع اسم “الخط الأصفر”، يُقدّمه المسؤولون الإسرائيليون بوصفه حقيقةً ميدانيةً تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، يرافقها حظرٌ مفروضٌ على سكّان خمسةٍ وخمسين بلدةً لبنانيةً يمنعهم من العودة إلى ديارهم.
والنموذج المُعتمَد، بحسب ما أقرّ به الضباط العسكريون الإسرائيليون أنفسهم، هو ذاته المُطبَّق في غزة.
والتجربة تشهد: إسرائيل لا تُبدع في الارتجال التكتيكي.
وعلى الصعيد الرمزي، لا تخلو هذه الخريطة من أن تُجسّد انبعاث ذاكرةٍ إقليميةٍ تجتاز تاريخ الصهيونية منذ نشأتها، وهي ذاكرةٌ تعيد تنشيطها ظروف الفترة 2024–2026 — من انهيار حزب الله بوصفه قوّةً عسكريةً من الصفّ الأوّل، ومن تفكّك الإمبراطورية الإيرانية، وتلك التناغمات الانتهازية الحادّة بين دونالد ترامب وتل أبيب — بجرأةٍ لم تُعرف منذ عام 1967.
فحتى في عشيّة هدنة نوفمبر 2024، كانت إسرائيل على وشك توطيد خطٍّ عازلٍ أفقي يمتدّ من الناقورة إلى كفرشوبا، بعرضٍ يبلغ نحو مئة كيلومتر وعمقٍ يتراوح بين سبعة وعشرة كيلومترات، ليُشكّل ما يناهز 452 كيلومتراً مربعاً من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية.
وخلف هذا الخط الأوّل، كان المخطّطون العسكريون الإسرائيليون يُطوّرون محيطاً دفاعياً ثانياً بين الليطاني والأوّلي، يُسمّى داخلياً «منطقة الصيد والملاحقة”. وقد صرّح نتنياهو بنفسه قائلاً: “كلّ موقعٍ إرهابي — وهي مواقع كثيرة — يُسوَّى بالأرض ببساطة”، مضيفاً أنّ الجيش الإسرائيلي “وسّع وجوده في لبنان إلى ما هو أبعد من المواقع الخمس المُقامة في عام 2024” ليُشكّل — على حدّ تعبيره — “منطقةً أمنيةً متينةً وأعمق.” والواضح، استناداً إلى تصريحات القادة الإسرائيليين، أنّ نيّة الانسحاب من هذه المنطقة لا تبدو واردةً في الأشهر المقبلة، ولا في الأعوام القادمة. وهدم القرى بأسرها هدماً منهجياً دليلٌ ساطع على ذلك. فثمّة فراغٌ ديموغرافي تعمد تل أبيب إلى صناعته، وهذا ليس مفاجئاً البتة؛ إذ إسرائيل أتقنت هذه الطريقة منذ عام 1948.
فما “الخط الأصفر” — خارج نطاق الاحتلال الاستراتيجي ذي الغاية الأمنية — إلّا مصدرٌ لإحياء الهواجس من ضمٍّ صريح وشاملٍ في إطار مشروعٍ إمبرياليٍّ عتيقٍ وأوسع مدى.
جغرافيا الرغبة
وللإحاطة بهذا الهاجس المشروع، والتصوّر المصاحب له لمنطق العمليات الإسرائيلية وما يُحرّكها، لا بدّ من الرجوع إلى المصفوفة الأيديولوجية للمشروع الصهيوني في أساسه. ولا شكّ أنّ الطموح الإقليمي الإسرائيلي تبدّل بحسب التيارات والحقب، غير أنّه كان حاضراً على الدوام؛ ولهذا يبدو من الضروري، في سياق هذه الدراسة، محاولة تتبّع نسبه الأيديولوجي. فـ”أرتس يسرائيل هشليما” — أي «أرض إسرائيل الكاملة» — هي تعبيرٌ يحمل دلالاتٍ دينيةً وسياسيةً متشعّبةً ومتحوّلة.
وقد تراوحت الهواجس الإقليمية، بتقلّبات الحركات القومية والصهيونية، بين الصهيونية العمالية والصهيونية التنقيحية والصهيونية الدينية، وأمكن استخلاص تعريفين محوريين: أحدهما أضيق، يُشير إلى إسرائيل مضمومةً إليها هضبة الجولان والضفة الغربية وغزة، والآخر أقصى، يُشير إلى الرقعة الشاسعة الممتدّة من النيل إلى الفرات.
وقد رسم تيودور هرتسل، أبو الصهيونية السياسية، هذا الأفق بنفسه خلال محادثةٍ مع ماكس بودنهايمر، إذ دوّن في يومياته أنّ الدولة اليهودية ينبغي أن تمتدّ “من نهر مصر إلى الفرات.” ومنذ ذلك الحين، يتردّد هذا التعبير بانتظامٍ في الأدبيات السياسية الإسرائيلية وفي تصريحات المسؤولين — من بينهم، في عام 2024، الناشطة دانييلا وايس التي جزمت: “نعلم، بموجب الكتاب المقدّس، أنّ الحدود الحقيقية لإسرائيل الكبرى تمتدّ من الفرات إلى النيل.”
بيد أنّ الاستراتيجية الفعلية للدولة العبرية تشكّلت في المنطقة الوسطى بين هذين القطبين: المُطلق التوراتي من جهة، وبراغماتية المراحل من جهة أخرى. ولم تُصَغ هذه الجدلية بوضوحٍ مثل ذاك الوضوح الذي انطوت عليه الرسالة الشهيرة التي كتبها دافيد بن غوريون إلى ابنه آموس في الخامس من أكتوبر 1937، في أعقاب لجنة بيل.
مجرّد “البداية”
أرسلت الحكومة البريطانية لجنتها الملكية حول فلسطين في أعقاب اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1936، مُكلَّفةً باقتراح تعديلاتٍ على الانتداب البريطاني. وفي عام 1937، اقترحت إلغاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولةٌ عربيةٌ في الجنوب ودولةٌ يهوديةٌ في الشمال. وبن غوريون، مثيراً دهشة كثيرٍ من رفاقه المؤمنين بـ”إسرائيل الكبرى”، وافق على ذلك. غير أنّ هذه الموافقة كانت براغماتيةً تكتيكية، لا تخلّياً عن الأيديولوجيا الصهيونية.
وفي رسالته إلى ابنه، كتب بن غوريون: “افتراضي — وهو السبب في أنّني مدافعٌ متحمّسٌ عن الدولة، حتى وإن كانت مرتبطةً بالتقسيم — هو أنّ دولةً يهوديةً على جزءٍ فحسب من البلاد ليست النهاية بل البداية. (…) لأنّ هذا التزايد في الحيازة لا يهمّ في ذاته وحسب، بل لأنّنا من خلاله نزيد قوّتنا، وكلّ زيادةٍ في القوّة تُساعد في حيازة البلد كلّه. إنشاء الدولة، ولو على جزءٍ من البلاد، هو أقصى ما يمكن من تعزيز قوّتنا في الوقت الراهن، وزخمٌ هائلٌ لجهودنا التاريخية في تحرير البلاد بأسرها.”
هذا المنطق البارد القائم على قبول ما يمكن تحصيله اليوم استعداداً لما يُرغب فيه غداً هو حجر الزاوية في الاستراتيجية الصهيونية منذ نشأتها. ويُفسّر ذلك، بالتالي، لماذا كانت كلّ إيماءة — سواءٌ أكانت وقف إطلاق نار أم اتفاقاً أم انسحاباً جزئياً أم غيره — تُقدَّم دائماً على أنّها موقّتة من قِبَل المنادين بإسرائيل الكبرى. فالزمن ليس زمن الغموض الراكد، بل هو زمنٌ لروايةٍ متواصلةٍ في تشكّلٍ دائم.
وفي عام 1954، تكشف يوميات موشيه شاريت أنّ بن غوريون كان يصف لبنان بأنّه «الحلقة الأضعف» في جامعة الدول العربية، مقترحاً إنشاء كيانٍ سياسيٍّ منفصل وضمّ الجنوب حتى الليطاني. أمّا موشيه ديان فكان يوصي باستغلال الانقسامات الداخلية اللبنانية لتسهيل التدخّل والسيطرة في نهاية المطاف — وهو ما جرت محاولته، بالنجاح النسبي الذي تسجّله الوقائع، من خلال توظيف فاعلينَ موالينَ للمشروع (الجبهة اللبنانية إبّان السبعينيات والثمانينيات، ثم سعد حداد) وفاعلينَ ظاهريين في موقع الخصومة (حزب الله…). بيد أنّ الأسد هو من أتقن الأسلوب إتقاناً تاماً.
ومنذ مطلع الستينيات، كان يتسحاق رابين بدوره يُعرّف الليطاني بوصفه الحدود الشمالية المثلى. أمّا نتنياهو، فيكفي الإصغاء إلى تصريحات وزرائه — إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريش مثلاً — لإدراك أنّه في الخيال السياسي الإسرائيلي، ثمّة جزءٌ من لبنان على الأقل يُعدّ من حقّ إسرائيل.
هاجس الليطاني
عند تصفّح الكتابات المتعلّقة بالموقف الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، يتّضح أنّ مسألة الليطاني هي من أعتق الهواجس وأشدّها ثباتاً في الجيوسياسة الإسرائيلية، وتمتدّ جذورها إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919.
ففي ذلك المؤتمر، قدّم حاييم وايزمان ودافيد بن غوريون خريطةً بالحدود المنشودة للدولة اليهودية المرتقبة تضمّنت الليطاني. إلّا أنّ اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1915، التي سبق بموجبها لبريطانيا وفرنسا أن رسمتا الحدود بين لبنان وفلسطين، أحبطت مساعيهما. وبإلحاحٍ من باريس، بقي الليطاني لبنانياً.
غير أنّ المطالبة الإسرائيلية لم تتبدّد. فقد ظلّ بن غوريون يؤكّد: “من الضروري ألّا تقع مصادر المياه التي يتوقّف عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن اليهودي المنشود. ولهذا السبب طالبنا دائماً بأن تشمل أرض إسرائيل الضفاف الجنوبية للليطاني ومنابع الأردن ومنطقة الحوران.”
وفي عام 1978، أطلقت إسرائيل على اجتياحها جنوب لبنان اسم «عملية الليطاني»، معلنةً أنّ الهدف المُعلَن هو الوصول إلى النهر.
ومنذ عام 2025، تُشنّ حملةٌ علنيةٌ من قِبَل حركة مستوطنين إسرائيليين تُسمّى “أوري تسافون” تطالب بضمّ جنوب لبنان حتى الليطاني، مؤكّدةً أنّ “جنوب لبنان ليس سوى الجليل الشمالي.”
والبُعد المائي لهذا المشروع ليس هامشياً. فالماء موردٌ استراتيجيٌّ في منطقةٍ جافّة، وبعد حرب 1967، صرّح وزير الدفاع موشيه ديان بأنّ إسرائيل حقّقت «حدوداً مُرضيةً بصفةٍ مؤقّتة، باستثناء تلك المتاخمة للبنان» — أي الليطاني، في مرمى اليد… غير متناوَل دائماً. لم يعد كذلك.
وغنيٌّ عن البيان أنّ اكتشاف الغاز البحري في المياه المحاذية لجنوب الليطاني لم يُهدّئ الأطماع الإسرائيلية. بل على العكس تماماً…
خطة يينون ومذهب التفتيت
إن كانت رسالة بن غوريون من عام 1954 تُمثّل نوعاً من إعلان النوايا والخطة البنيوية التدريجية بالمراحل، فإنّ الوثيقة الشهيرة التي نشرها عوديد يينون عام 1982 في المجلة العبرية «كيفونيم» تُمثّل ترجمتها الاستراتيجية الأكثر صراحةً ومنهجية.
ففي فبراير 1982، نشر يينون — المستشار السابق المزعوم لأرييل شارون والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية — مقالاً بعنوان “استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات”، يحلّل فيه مواطن ضعف الدول العربية ويخلص إلى أنّ على إسرائيل السعي نحو تفتيت العالم العربي إلى فسيفساءٍ من التجمّعات العرقية والطائفية.
وزعم أنّ “كلّ شكلٍ من أشكال المواجهة العربية-العربية” سيكون في المدى القصير في صالح إسرائيل.
وتنطلق الخطة من مقدّمتين أساسيتين: بقاءُ إسرائيل يستوجب أن تتحوّل إلى قوّةٍ إمبريالية إقليمية، وأن تُنتِج تقسيم المنطقة إلى دويلاتٍ صغيرة بحلّ جميع الدول العربية القائمة، تتحدّد أحجامها وفق التركيبة العرقية أو الطائفية لكلّ رقعة.
ولبنانُ يحتلّ مكانةً خاصةً في هذه الخطة: إذ رأى فيه يينون نذيراً ومؤشّراً على ما ستؤول إليه الأمور في سائر العالم العربي، على نحوٍ تُشكّل اضطراباته سابقةً موجِّهةً للاستراتيجيات الإسرائيلية على المدى القريب والبعيد.
ويبدو أنّه وجد آذاناً صاغية على أقلّ تقدير…
وقد استقطبت خطة يينون بطبيعة الحال قراءاتٍ ومراجعاتٍ متعدّدة منذ عام 1982، إذ يرى بعض المعلّقين أنّها تصف بصورةٍ نبوئيةٍ أو برنامجية ما جرى فعلاً في منطقة الشرق الأوسط على مدار الأربعين سنة الماضية: لا سيما إقامة مناطق عازلة داخل لبنان، وضمّ أراضٍ سوريةٍ وراء الجولان، والدعم المُقدَّم للنظام العلوي في سوريا في مواجهة الأغلبية السنّية، وتعزيز النفوذ الإيراني في المشرق لزعزعة الأنظمة العربية، وإزالة السدّ الذي مثّله صدام حسين في العراق، ودعم المجموعات الدرزية والكردية الداعية إلى سوريا مُجزَّأة، والضربات على العراق واليمن، وحتى بروز حماس بهدف إضعاف فتح… وكلّ ذلك كان قد وضع، وفق ما يرى محلّلون مختلفون، صيغةً جديدةً من سايكس-بيكو محورها خطة يينون.
والإشكال، بداهةً، يكمن في الوقوع في المنطق التآمري الذي يخلط بين قدرة الدولة العبرية على توجيه المسار السياسي في الاتجاه الملائم لمصالحها، وبين مخطّطٍ كبيرٍ مُحبَكٍ قبل نصف قرن… على غرار خطة كيسنجر الشهيرة للبنان، التي تبقى وظيفتها الخفيّة إعفاءَ أطرافها من تحمّل تبعات أخطائهم التكتيكية والاستراتيجية باسم القدر الحتمي… هذا ضربٌ من التساهل المريح.
نتنياهو وانكشافه الخرائطي
إن كان ثمّة سمةٌ خاصّةٌ ببنيامين نتنياهو، فهي قدرته على الانتقال دون أيّ تحفّظٍ من الأيديولوجيا إلى الممارسة، مصحوباً بنشوةٍ استعراضيةٍ لافتة. والرجل ووزراؤه المُشار إليهم بعيدون كلّ البُعد عن ممارسة فنّ البلاغة الدبلوماسية المُحتاطة أو التقيّة. وشغفه بالخرائط الجغرافية موثَّقٌ منذ عام 1990، ومن المرجّح جداً أنّه، بدلاً من أن يكون مجرّد عفويةٍ عابرة، نابعٌ من حسابٍ مدروس — ضربٌ من الحكم الرمزي بالصورة.
ففي الثاني والعشرين من سبتمبر 2023، قبل أسبوعين من هجوم حماس، عرض نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطةً بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، لم تتضمّن لا الضفة الغربية ولا القدس الشرقية ولا غزة، مُدرِجاً بذلك هذه الأراضي فعلياً في جسم الدولة الإسرائيلية. وقبل ذلك في الخطاب ذاته، عرض خريطةً لإسرائيل عام 1948 تضمّنت الأراضي الفلسطينية ضمن الدولة الجديدة.
وإن كانت الإدانة قد ارتفعت، فلم تمضِ وقتاً طويلاً… وجاء الهجوم الذي دبّره السنوار ورفاقه ليمحو تلك الإهانة الكبرى للقانون الدولي أمام الجمعية العامة من ذاكرة العالم. ولافتٌ للغاية أنّه في زمنٍ تتباهى فيه بعض الدول الأوروبية بغيرةٍ مفرطة في تقييد الحريات العامة عبر مشاريع قوانين من قبيل ما يُسمى بـ”قانون يادان”، غاب عن الأذهان جميعاً عرضُ بيبي الذي محا فلسطين بجرّة خريطة، رابطاً بذلك “النهر بالبحر.”
وذلك العرض لم يكن قطعاً حادثةً دبلوماسيةً عرضية. ففي مستهلّ عام 2025، قبيل توجّهه إلى واشنطن، كان نتنياهو قد وعد في تصريحٍ بـ”إعادة رسم” خريطة الشرق الأوسط، في إشارةٍ إلى خطة حكومته لإقامة “إسرائيل الكبرى” التي تضمّ كامل الأراضي الفلسطينية وأجزاءً وافرةً من الدول المجاورة.
وفي هذه الحكومة، يُمثّل سموتريش وبن غفير الجناح الأكثر صراحةً وجهاراً. ففي الثالث والعشرين من مارس 2026، مَثَل سموتريش أمام كتلته البرلمانية في الكنيست واستحضر صراحةً الليطاني بوصفه الخطّ المحدِّد لمنطقة نفوذٍ إسرائيليٍّ شمالي، مُماثِلاً بين ذلك وما يجري في غزة وسوريا.
فهل يستجيب اختفاء قرى بأسرها من الجنوب اللبناني — المحيتُ بها على الأرجح من الخريطة إلى الأبد في التصوّر الإسرائيلي — لاعتباراتٍ أمنيةٍ حصراً؟ هذا سؤالٌ يستوجب الطرح بحدّة، وينبغي بالضرورة أن يُثار في إطار المفاوضات من قِبَل دولةٍ لبنانيةٍ حريصةٍ على صون سيادتها وسلامتها الإقليمية والدفاع عن حقوقها في مواجهة الاحتلال.
الجولان: مختبر الضمّ الدائم
ولعلّ مسار الجولان هو الذي يقدّم السابقة الأكثر اكتمالاً وأهميةً لمنهج الضمّ التدريجي الذي يميّز الأسلوب الإسرائيلي.
فقد احتُلّ الجولان عام 1967، وضُمّ من جانبٍ واحد عام 1981 في تصرّفٍ رفض المجتمع الدولي الاعتراف به على مدى عقودٍ — وهو ما تنازل عنه الأسد بسخاءٍ لحليفه الضمني ثمناً لبقائه في السلطة في دمشق إلى أجلٍ غير مسمّى — ثم جاء الاعتراف الفعلي بسيادة إسرائيل على الجولان من دونالد ترامب عام 2019، في ما شكّل الفعل الأوّل في سلسلةٍ من إعادة الصياغة المعيارية لا تزال تتفاعل. ومنذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، مدّت إسرائيل نفوذها العسكري في الأراضي السورية إلى ما وراء المنطقة العازلة المرسومة عام 1974، مُرسِّخةً وقائع جديدة على الأرض.
وهذا النموذج القائم على منطق الاحتلال / الاستيطان / الأمر الواقع / الاعتراف المؤجَّل هو تحديداً ما يبدو أنّ الخط الأصفر في الجنوب اللبناني يسعى إلى استنساخه، مع ما يقتضيه السياق المختلف ومقاومةٌ ذات طابعٍ مغاير.
منطق “العتبات”: من الأسطورة التأسيسية إلى البرنامج السياسي
ومن الضروري هنا، مرّةً أخرى، إدراج نُكتةٍ تحليليةٍ لا غنى عنها، حتى لا نقع في فخّ نظرية المؤامرة حيث الأصحّ قراءة التوتّر البنيوي بين الأسطورة التأسيسية والقرار السياسي.
فـ«أرتس يسرائيل هشليما» لم يدخل في التداول السياسي الرائج إلّا بعد حرب 1967. فطوال حقبة الانتداب (1920–1948)، كان المعسكر الصهيوني منقسماً. فريقٌ ساند المناضل زئيف جابوتينسكي، الذي احتجّ بأنّ ضفّتَي الأردن كلتيهما وُعِدتا لليهود في إعلان بلفور. وآخرون، مع بن غوريون، قبلوا بإطار الانتداب البريطاني على فلسطين الغربية. ومع صعود الليكود، وارث التيار التنقيحي الجابوتينسكي، اتّسع انتشار هذا المصطلح وغدا مشروع الضمّ الشامل الهدفَ المحوري للتحالف الحاكم.
وإذا كانت الأحلام الإقليمية لليمين الصهيوني تبدو في السابق لا أكثر من أوهامٍ استعمارية دون مستقبل، فإنّ مجريات الأحداث اليوم في غزة ولبنان وسوريا تُثبت أنّ آمال يمينٍ متطرّفٍ إسرائيليٍّ في صعودٍ متواصل باتت أقرب إلى التحقّق من أيّ وقتٍ مضى. فالحدّ الفاصل بين الأسطورة والواقع لم يكن يوماً بهذا التلاشي.
ولعلّ من المناسب إعادة تأطير هذا الانبعاث الشديد لـ”إسرائيل الكبرى” في سياق ريح “الحنين إلى عصرٍ ذهبيٍّ أسطوري” التي تُيقظ نداءات الإمبراطوريات من سباتها — كما وصفها سمير فرنجية في مقابلةٍ قُبيل رحيله. من بوتين مع أوكرانيا ودول البلطيق، إلى ترامب مع فنزويلا وكوبا، مروراً بالصين وتايوان، أو تركيا أردوغان وشياطين الإمبراطورية العثمانية، دون أن ننسى إمبراطورية دولة الفقيه التي تلفظ أنفاسها تحت وابل القنابل الأمريكية الإسرائيلية… إنّها عاصفةٌ من الغطرسة الإمبريالية تجتاح العالم أجمع.
والأسطورة الإمبريالية تُشكّل في هذا الإطار أفقاً للرغبة يهيمن على التفكير الاستراتيجي لجزءٍ لا يُستهان به من المؤسسة الإسرائيلية، يضبط طموحاتها وفق ما تُتيحه موازين القوى الإقليمية والدولية في كلّ لحظة. فالخريطة الجديدة ليست بالطبع خريطة الفرات إلى النيل. لكنّها قد تكون خطوةً نحو تلك الخريطة. وقد أنذر بن غوريون عام 1937 بأنّ المراحل هي تحديداً ما يهمّ. لم يكن يكذب. ونتنياهو اليوم لا يتبجّح بالكلام. وفي مرحلةٍ ما، سيكون لزاماً الخروج من المفاخرات المحلية المضادّة التي ترى في إسرائيل قوّةً مُنهَكةً على حافّة الانهيار في سكرات الموت. فتل أبيب في حالة حرب منذ ثلاث سنوات، وهي في هذا القرب من الهدف، فلِمَ تتخلّى عنه — لا سيما أنّها لم تحظَ قطّ بدعمٍ بهذه اللاهدوائية من حليفها الأمريكي؟
ما قد يبشّر به “الخط الأصفر”
في ختام هذا العرض، يستوجب الأمر الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كانت “الخط الأصفر” ذات طابعٍ أمنيٍّ صرف، مرتبطاً بالمبدأ الأوّل القاضي بضمان ثبات الشمال الإسرائيلي في مواجهة أيّ اعتداءٍ محتمَل.
وإن كان من المتعذّر بطبيعة الحال الإجابة عن هذا التساؤل بيقينٍ قاطع، فلا يزال بإمكاننا القول إنّ خطاب نتنياهو وسلوكه وسلوك وزرائه جليٌّ وكاد يكون شفّافاً في هذه المسألة. فلماذا لا نُصغي إليهم؟
فضلاً عن ذلك، إذا كانت تل أبيب تمتلك الآن حججاً ذهبية — الذريعة الانتقامية التي أهداها إياها حزب الله بمبادرته لثأرٍ من خامنئي — إلى جانب إفلاتٍ تامٍّ من العقاب وتوافقٍ نادر في الملابسات السياسية لتنفيذ مشروعها، فلماذا لا تفعل ذلك، ولا سيما في سياقٍ إقليميٍّ وعالميٍّ مُضطربٍ تماماً تغدو فيه الأمم المتحدة والقانون الدولي بلا قيمةٍ تُذكر؟ قد تكون الفرصة مُتفرّدة.
وإنّ الضمّ الفعلي لجنوب لبنان يُمثّل بلا شكٍّ محاولةً لترسيخ أمرٍ واقعٍ إقليمي في غياب أيّ إطارٍ قانونيٍّ دوليٍّ معترَفٍ به، مستنداً إلى سابقة غزة وإلى الدعم السياسي لإدارة ترامب.
بل ذهب المبعوث الأمريكي توم باراك إلى حدّ التلميح بإنشاء “منطقةٍ اقتصاديةٍ لبنانية” تحلّ محلّ القرى الحدودية العريقة. كما في غزة تماماً. الشكل الرسمي للسلب في كامل بهائه، مُقرونٌ بإغراء نعيم التقدّم والتنمية. بروباغندا “إيجابية” غريبة مبنية على البؤس الإنساني.
تهديم المنازل، وهدم البنية التحتية، وحظر عودة السكّان… كلّ ذلك لا يخلو من رسم ملامح مشروعٍ يتجاوز الأمن وينال على الوجه الجليّ — بالأدلّة الموثّقة — من الديموغرافيا والجغرافيا البشرية، وربما من التعديل الدائم للمساحة الحدودية.
من مؤتمر السلام عام 1919 إلى النقاشات الداخلية في الخمسينيات، من خطة يينون إلى خطابات التحالف الحاكم الراهن، لم تُعتبر الحدود الشمالية لإسرائيل محسومةً نهائياً. بل إنّ ثمّة أطماعاً إسرائيليةً شرهة تُخيّل لنفسها لذّة الضمّ حتى صور. وربما أبعد من ذلك. من يدري؟ في عالمٍ مُنفجرٍ يتعمّد إدارة بصره جهةً أخرى، لا حدود للخيال والهذيان.
ما قد تكشف عنه “الخط الأصفر”، في المحصّلة، هو أنّ حلم “إسرائيل الكبرى” — بتجلّياته المتنوّعة ومتغيّراته المتشكّلة — يُعاش راهناً في زمن المضارع. تماماً كما تُعاش أحلام الإمبراطوريات الأخرى الزائلة.
والجنوب اللبناني في عام 2026 هو، بلا شكّ — كما كانت غزة في 2025–2026 — المسرح الأكثر مباشرةً وإيلاماً لكلّ ذلك. مع خطر التشابه التدريجي في المصير.
التخلّص من أسطورة لبنانية
بيد أنّ ثمّة — ولا بدّ من الختم بهذه الملاحظة الحتمية — ما لا يمكن لكلّ ما سبق أن يُبرّره: الخطاب الذي يُروّج له المنادون بالممانعة، القائل بأنّ طمع إسرائيل يُثبت أنّ الحرب كانت ستقع على أيّ حال، وأنّ علينا التوقّف عن تحميل حزب الله مسؤولية ما يجري.
حان الوقت للإجهاز على هذا المفتاح الجاهز للحجج الذي يسعى إلى تبرير كلّ ما يفعله الحزب — وعلى سخريةٍ مروّعة، كلّ ما تفعله إسرائيل أيضاً — بفضل قانونٍ مزيّفٍ للحتمية. وهذه القراءة تتجاهل، جهلاً أو سوء نيّة، جملةً من العوامل.
دون الخوض في كلّ الجدليات العقيمة التي رُسمت لتبرير حرب حزب الله، يكفي التوقّف عند واحدةٍ منها: إذا كانت «المقاومة» مشروعةً في مواجهة دولةٍ لا تزال تطمع في أراضي جيرانها، فإنّ القرار بذلك لا يعود إلّا إلى الدولة اللبنانية، لا إلى جماعةٍ شبه عسكرية تابعةٍ لإيران تُمليت خلال خمسةٍ وعشرين عاماً ما تشاء — لا الحرب والسلم وحسب، بل أيضاً ما يُباح قوله وفعله، ومن يستحقّ الحياة أو الموت — على سائر مكوّنات المجتمع اللبناني، استناداً إلى مشروعٍ سياسيٍّ إمبرياليٍّ لا يعدو فيه لبنان كونه مقاطعةً وليس اللبنانيون سوى وقودٍ بشري.
وإذا كانت الدولة عاجزةً حتى الآن عن الاضطلاع بهذا الدور السيادي، فتحديداً لأنّ حصان طروادة الإيراني من الداخل كان يأبى إعادة هذه الصلاحية إليها، وفاءً أعمى للإرادة الهيمنية الإيرانية.
وقد كانت تجربة “المقاومة الإسلامية” لحزب الله كارثةً وطنيةً على كلّ المستويات — ولم تنتهِ بعد.
إنّ “فارس الكبرى”، التي ليس حزب الله سوى امتدادٍ لها، لم تتلقَّ قطّ تفويضاً من الشعب اللبناني لمواجهة مشروع إسرائيل الكبرى.
لبنان الكبير وحده قادرٌ على ذلك — رمزياً وعملياً، بكلّ الوسائل المشروعة، وأوّلها الدبلوماسية.
إذن، في مواجهة إسرائيل الكبرى، لبنان الكبير.
فقط. .