
عندما تتخطى الاوضاع في بلد ما درجة الجنون، يسأل الانسان نفسه: ما العمل لتدعيم القدرة على تحمل هذه الفوضى والانهيارات المتراكمة؟ عادة ما نجد في الحكمة الصينية، التماسا مختلفاً يساعد على إيجاد التوازن.
شوانغ تسي الصيني هو أحد فلاسفة الطاوية، يعتبر ثاني شخصية صينية بعد لاو تزو مؤسس الطاوية.
أول مرة تعرفت على لاو تزو كانت جملة في كتاب إدوارد هال: "البعد الخفي" La dimension cachėe، توقفت عندها طويلاً وهي: "الفراغ يعطي الأشياء معناها"!! لاو تزو يرى أن "الوجود يعطي الصفة، لكن اللاشيء (الفراغ) هو الذي يمنح المنفعة والاستعمال."
إدوارد هال يرى ان لكل كائن حي حيزاً مكانياً ضرورياً لتوازنه، لكن هناك بعداً آخر خفي: وهو البعد الثقافي. ولتفسير ذلك يقارن بين الثقافتين الأميركية واليابانية في تعاملهما مع المساحة: الغربي يدرك الأشياء والأجسام والكتل فقط، ويعتبر ما بينها مساحة فارغة يجب عبورها او ملؤها. بينما الياباني او الصيني يجد أن الفراغ نفسه هو "شيء" له اسم وقيمة ويحترم. اسمه في اليابان الـ "ما" Ma، وهو الفراغ الحركي او الزمني الذي يمنح هوية لما يحيط به.
ما أراد هال ان يقوله للمهندس الغربي: انت تبني الجدران لكن الانسان يعيش في الفراغ المتروك بينها.
يرتبط مفهوم لاو تزو عن "الفراغ" بعمق بحكاية الفيلسوف شوانغ تسي الشهيرة عن "حلم الفراشة". تقول الرواية ان شوانغ تسي حلم أنه فراشة ذات مرة، وعندما استيقظ سأل نفسه: "هل أنا رجل حلم بأنه فراشة؟ أم فراشة تحلم بأنها رجل؟". يخلق سؤاله هذا "فراغاً إدراكياً"، مساحة فارغة تسقط فيها الحدود الصارمة بين الهويات. وهو ما يسميه "تحول الأشياء"، من حالة الى حالة، وهذا يتطلب التخلي عن الجمود للدخول في منطق "الفراغ"، حيث كل شيء ممكن.
يتطلب التحول إذن التخلي عن الجمود والدخول في منطقة فراغ، بحيث يصبح كل شيء ممكناً.
ما قام به شوانغ تسي هو تطوير لمفهوم لاو تزو عن الفراغ المادي، ونقله الى العقل وسمّاه "صيام القلب".
بالنسبة له العقل المزدحم بالأفكار المسبقة، والأحكام، والهوية الثابتة: "أنا رجل، انا غربي، أنا شرقي، انا قومي، أو انا مقاومة مثلاً"، يجعل الإناء ممتلئاً، لذا لا يمكن الاستفادة منه، بمعنى وضع شيء آخر او اضافي؛ فهو جامد بمعنى مقفل.
"حلم الفراشة" هو تطبيق عملي لتفريغ العقل؛ فمن خلال إفراغ الذهن من فكرة "الأنا" الصارمة او الجامدة، استطاع شوانغ تسي ان يختبر الوجود كفراشة دون قيود. الفراغ هنا هو فضاء نفسي يسمح للشخص بالمرونة. انه كالنوافذ بالنسبة للغرفة.
ما نتعلمه من لاو تزو ان الفراغ بين الجدران هو ما يجعل الغرفة صالحة للسكن، ومن شوانغ تسي أن الفراغ من الهويات والأفكار، كاحتواء الغرفة على نوافذ، يجعل العقل صالحاً للاضطلاع بالحرية وللتناغم مع الكون.
وفي حاجتنا في لبنان للبحث عن أداة نفسية للبقاء او الصمود، ووجودية لمواجهة الأزمات المتناسلة والمتراكمة المفروضة علينا، يمكننا تجربة تطبيق فلسفة الحكيمين الصينين لاو تزو وشوانغ تسي.
يعلمنا شوانغ تسي ان الهويات الصلبة قابلة للكسر عند الاصطدام بالواقع، فالأشجار اليابسة الضخمة تقتلعها العواصف، بينما ليونة أعواد الخيزران تسمح لها بالانحناء مع الريح، لتعود فتنتصب بعد العاصفة.
كيف نترجم ذلك بالنسبة للحالة اللبنانية كي نستطيع تحمل الواقع، للاحتفاظ بالطاقة والحيوية المطلوبتان لحفظ الجسم والعقل معاً، بعيداً عن خوض معارك طاحنة يومياً تجاه تفاصيل لا نستطيع التحكم بها!؟
تفيد هنا ممارسة "صيام الذهن وتفريغه"، بعيداً عن الضجيج الاعلامي والتهديدات المستمرة. واذا كان الانهيار الخارجي المفروض علينا حتمياً، يظل الانهيار الداخلي خياراً يمكننا تجنبه. وخلق الفراغ في حالتنا يعني إيجاد "مسافة أمان نفسي" بيننا وبين الخارج، بين ما يحدث في الخارج وبين هوية واحدنا؛ كي نتنفس في هذا الجو الخانق.
واذا استعدنا فلسفة لاو تزو، تصبح الضجة التي تحيط بنا هي كالعجلة ( الذي اتخذها كمثال)، التي تدور على المحور، لكن الفراغ الموجود بين شفرات العجلة (حيث يمر المحور) هو ما يجعل العجلة تدور.
فلنجد لأنفسنا مثل هذا الفراغ كي نستطيع التحرك والعيش.
عند استماعنا الى أغنية ما، أليس الصمت بين الكلمات هو الذي يعطي الكلمات معنى؟ هل تستمتعون بأغنية إذا كان ضجيج الموسيقى وصخبها، يعلو على الكلمات فيمنع الاستماع اليها بهدوء وفهم معناها؟
لقد تعلمنا من إدوارد هال أن كل فكر أو ثقافة تخلق مساحات فضاء لحماية نفسها. ثقافتنا إذن تحدد نمط وجودنا في المساحة المكانية وفي التعامل مع الآخر. طريقة في الرؤية للعالم وطريقة التأويل وفي النظر، طريقة في ترتيب أشياء العالم وحدوده.
وفي لبنان انهارت المساحات العامة والأمن الجغرافي، فاضطر اللبناني الى إعادة صياغة "مساحات ضيقة" يحتمي بها: العائلة والاصدقاء المقربون، وجدران البيت وحتى المساحة الافتراضية بحيث أصبح تشات جي بي تي ملجأ ومستشار اللبنانيين الطبي على الأقل. ما يعني ان اللبنانيين أوجدوا لأنفسهم مساحات بنوا فيها شبكات تضامن إنساني ضيقة، فراغات زمنية مقتطعة من داخل الأزمة: من هنا ازدحام المقاهي والمطاعم.. كما العودة الى النفس والى لحظات صمت، والهروب الى الفراغ.
الصلابة الداخلية هنا هي في تفريغ الذهن من الأوهام - انتظار مواعيد الانفراج الآتية والتي لا تأتي – وان نتمكن من خلق قدرة على أن نطفو فوق الأحداث.
وجدت في مرحلة ما ان التكيف على وضع سيء ينتج تكيفاً على سوء تكيف، ونظرت بسلبية الى تكيف اللبنانيين الزائد مع كل ما يتعرضون له، فيبدعون في إيجاد بدائل وحلول لكل ما يفشل النظام في تأمينه: طاقة شمسية، سيترنات مياه، مولدات كهربائية، شبكات تضامن وجمعيات اهلية لاستقبال النازحين... ولمنع السقوط مع الدولة.
كنت أتساءل كيف يسكت اللبنانيون الآن بعد أن ثاروا من أجل 6 سنتات في 2019؟
لكن بعيداً عن نظرتي المحبطة والتشاؤمية بدأت ارصد "لمسات من التغيير الداخلي"، متزامن مع التحولات الخارجية الكبرى. وحاولت إعادة قراءة ما حصل منذ 2019.
حاول الكثير من اللبنانيين بعد عام 2019 القيام بما تسميه الطاوية "توجيه النهر بيديك"، أي الدفع لتغيير الأمور بالقوة. لكن لم يحدث التغيير المنتظر، فتبعه الاحباط.
تطبيق فكرة الطاوية يعني التوقف عن المقاومة الهوجاء للأمواج العالية، والبدء بالتدفق معها بذكاء. وإحداث التغيير الداخلي، أي التوقف عن انتظار الخلاص من الدولة او من الخارج، وإفراغ العقول من أوهام الماضي والبدء في بناء البدائل والاكتفاء الذاتي.
قبل الانهيار عاش اللبنانيون في بحبوحة زائفة: استهلاك مفرط، حياة قائمة على الديون والتمسك بهياكل طائفية نخرها السوس.
الانهيار الحالي هو عملية "تفريغ قسرية وعنيفة للوعاء". هي مؤلمة حد المأساة، لكن ما سينتج عنها من فراغ هو المساحة الوحيدة التي ستتيح ولادة ما هو جديد. ان لمسات الوعي التي نلمسها عند اللبنانيين ما كان لها ان تنوجد لو بقينا على نمط الحياة القديمة. اللبناني أصبح ملزماً باختيار ما هو جوهري وحقيقي للبقاء، بعيداً عن القشور للحفاظ على حياة كريمة.
وهكذا وجدت نفسي الطّف من نظرتي للتكيف الزائد كمخدر سلبي، ووجدت فيه وفي الفراغ الذي اوجده الانهيار، فرصة لإعادة بناء الذات وانبثاق الوعي من جديد.
من هنا نرى تحول علاقة اللبناني مع الارض والطاقة: العودة الى الزراعة المنزلية والطاقة الشمسية والنظرة السلبية لبهرجة المظاهر. انه نوع من بداية التصالح مع الطبيعة. وفي تراثنا مثل قديم يقول: فلاح مكفي، سلطان مخفي.
لقد أعادت شريحة واسعة من اللبنايين تعريفها لمفهوم الكفاية، فتخلت عن الاستهلاك الكمالي غير الضروري، في استعادة لمفهوم "الكفاف"، بعيداً عن الاستهلاك الزائد لسلع وكماليات غير ضرورية. وربما هذا نتيجة خروج معظم محال الاستهلاك الفاخرة من السوق اللبناني، ما قاد الى إعادة تقييم الفرد للأشياء. وكأنها عودة الى مقولة الأجداد عن "أن القناعة كنز لا يفنى".
أيضاً لم يعد لدى الفرد الطاقة النفسية الضرورية للمجاملات والعلاقات السطحية، بعد ان انكمشت الدوائر الاجتماعية وضاقت، مقابل إكسابها المزيد من العمق.
أن الفراغ الذي تركته الدولة وغياب مؤسساتها ملأته المبادرات المحلية العفوية، فولدت حركة تضامن شملت شبكات عائلية وصناديق دعم ولجان أحياء وتقديم خدمات دون مقابل مالي..
إن سقوط فكرة الرهانات على الخارج وانتظار المنقذ الخارجي او التغير السحري للطبقة السياسية، "أفرغ ذهن" اللبنانيين من التوقعات الكاذبة، وحلّ محلها الفكر البراغماتي والاعتماد على الذات.
هذا التغير الصامت هو نوع من انتفاضة على مستوى الوعي والانتقال من انتظار تغيير النظام الى "تغيير طريقة التعامل مع الحياة".

















