

دخول متأخر ورمزي
في 28 فبراير 2026، هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران. وسرعان ما أغلقت طهران مضيق هرمز إلى حد بعيد، ما خفّض صادرات الخليج إلى حدها الأدنى. وكان كثيرون يتوقعون عندئذ أن يفتح الحوثيون جبهة ثانية عند باب المندب. لكنهم لم يفعلوا. فقد كان انخراطهم حذراً وتدريجياً ومتأخراً: لم يطلقوا صواريخهم الأولى باتجاه إسرائيل إلا في 28 مارس، أي بعد شهر من بدء الحرب، كما لو أنهم انتظروا اللحظة التي يكون لدخولهم فيها أكبر أثر.
واقتصرت عملياتهم على إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل. وظل أثرها العسكري محدوداً، بالنظر إلى المسافة وفاعلية الدفاعات الجوية الإسرائيلية. والأهم أنهم تجنبوا الجبهات ذات التأثير الكبير: فلا حملة على الملاحة في البحر الأحمر، ولا ضربات ضد الملكيات الخليجية، ولا استهداف للبنى التحتية الإقليمية للطاقة. وعوّض البعد الإعلامي ذلك: فكل عملية إطلاق أبقت حية صورة قوة “مقاومة” وفية للمحور. وتوقفت هذه الإطلاقات مع مذكرة إسلام آباد التي أُبرمت في يونيو بين واشنطن وطهران.
ردع منضبط
يمكن، لتفسير ذلك، الاستعانة بثلاث أدوات: نظرية الردع في صيغتها غير المتكافئة، ونظرية الحرب غير المتكافئة، ومفهوم التصعيد دون العتبة (escalation below threshold). يضرب الفاعل حيث تتجاوز المكاسب السياسية المخاطر العسكرية، ويهدد من دون تنفيذ تهديده، ويفرض حضوره من دون أن ينخرط انخراطاً كاملاً. وهكذا انتقل الحوثيون من “ردع غير متكافئ مفتوح” إلى “ردع منضبط”.
وفي هذا السياق، تغيّرت وظيفة باب المندب. فبعدما كان المضيق أداة يومية للضغط التكتيكي، أصبح أداة ردع استراتيجية احتياطية. وكان تفعيله، بالتزامن مع إغلاق هرمز، قادراً، وفق بعض التقديرات، على رفع سعر برميل النفط إلى أكثر من 150 دولاراً وإحداث موجة تضخم عالمية. ولأن هذه الورقة شديدة القوة تحديداً، لم تُستخدم: إذ إن استخدامها كان سيؤدي إلى رد لا يمكن ضبطه.
القيود الأربعة
تفسر أربعة عوامل هذا القدر من ضبط النفس. أولها أثر ضربات 2024-2025، التي أضعفت القدرات، وكشفت الثغرات الاستخباراتية، وجعلت التهديد بشن ضربات جديدة تهديداً ذا صدقية.
وثانيها الهشاشة الاقتصادية: فالمناطق الخاضعة للحوثيين تعتمد على تجارة محدودة، وتهريب الوقود، والتحويلات المخصصة للرواتب، وتحويلات المغتربين؛ وكان من شأن تصعيد كبير أن يهدد بانهيار داخلي سريع.
أما العامل الثالث، الذي غالباً ما يُستهان به، فهو العلاقة مع المملكة العربية السعودية. فمنذ هدنة 2022، أدت الرياض دور شبكة أمان اقتصادية، ولا سيما من خلال التمويل الجزئي للرواتب في المناطق الخاضعة للحوثيين.
والعامل الرابع هو الاستقلال النسبي عن طهران. فالحركة، وإن كانت عضواً في المحور، لا تتخلى عن اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الخاصة. ويمكن تلخيص أهدافها آنذاك على النحو الآتي: دعم إيران دبلوماسياً، والحفاظ على مكانتها الإقليمية، وتعزيز شرعيتها الداخلية، والإبقاء على خيار التصعيد قائماً.
قاعدة لاتخاذ القرار
يمكن صياغة هذا المنطق في قاعدة بسيطة. تختار الحركة التصعيد إذا كان يزيد نفوذها السياسي من دون أن يهدد بقاءها. وهي تمتنع إذا كان التصعيد يهدد استقرارها الداخلي أو يستجلب رداً مدمراً. وفي ربيع 2026، أفضت هذه القاعدة إلى ضبط النفس. ويبقى أن نفهم لماذا أفضت القاعدة نفسها، ابتداءً من يوليو، إلى النتيجة المعاكسة، ثم ماذا تصبح في أكتوبر، حين يصبح البقاء نفسه على المحك.
القطيعة في يوليو
بدأ التحول في يوليو 2026، عندما بدأت مذكرة إسلام آباد تتفكك. أطلقت إيران النار على سفن تتهمها بتجاهل قواعد العبور التي تفرضها في هرمز، وأعلن الرئيس ترامب أن الاتفاق أصبح لاغياً، فيما أعادت البحرية الأميركية في 14 يوليو فرض حصارها على الموانئ الإيرانية. عندها هدد الحرس الثوري ممرات التصدير الأخرى المفيدة للولايات المتحدة وحلفائها. وبحسب رويترز، طلبت طهران من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب.
وفي اليمن، تفككت هدنة 2022 على مرحلتين. ففي 3 يوليو، حطت طائرة تابعة لشركة Mahan Air في صنعاء، في أول رحلة إيرانية معلنة منذ قرابة عشر سنوات، ونقلت وفداً حوثياً إلى جنازة علي خامنئي. وفي 13 يوليو، أثناء رحلة العودة، استُهدف مدرج صنعاء لمنع الطائرة من الهبوط؛ فحُوّلت إلى الحديدة. وبحسب رويترز، كانت تقل ما بين عشرة وواحد وعشرين مستشاراً من الحرس الثوري ومعدات للصواريخ والطائرات المسيّرة. وأعلن الحوثيون انتهاء الهدنة، وأطلقوا في اليوم نفسه النار على مطار أبها.
وتلاحقت التطورات في أقل من أسبوعين. ففي 20 يوليو، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على المملكة العربية السعودية؛ وفي 22 يوليو، أُصيبت ناقلتا نفط سعوديتان؛ وفي 24 يوليو، قصفت الرياض الحديدة؛ وفي 25 يوليو، ضرب الحوثيون مصافي أرامكو في جازان وينبع، في أول هجوم مباشر على البنية التحتية النفطية السعودية منذ أربع سنوات. وعاد سعر خام برنت إلى ما فوق 100 دولار. وظلت رسالتهم محسوبة: “لا إغلاق لباب المندب”، وحظر الملاحة يستهدف المملكة العربية السعودية وحدها.
وبين أواخر يوليو ومطلع أغسطس، أطلقت الرياض تحالفاً بحرياً يضم ثماني دول مشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن؛ فرد الحوثيون بالتهديد بـ“تصعيد شامل”. وابتداءً من 6 أغسطس، هاجموا أيضاً القوات الحكومية اليمنية على جبهات عدة، ولا سيما في مأرب. وفي أغسطس، تكاثرت الهجمات على نجران، وعلى سفن سعودية، وعلى سفينة الشحن Tihama، حيث قُتل بحاران باكستانيان. وظلت مصفاة جازان، التي تبلغ طاقتها 400 ألف برميل يومياً، متوقفة عن العمل أسابيع عدة.
ميثاق مكة للدفاع (7 أغسطس 2026)
في هذا السياق، وقّع محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف في مكة، في 7 أغسطس 2026، اتفاق الدفاع المشترك لمكة. ويقوم مبدؤه على بند للدفاع الجماعي: فأي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول جميعاً. ولم يُنشر نص الاتفاق، كما أنه لا يحدد الالتزامات العسكرية لكل طرف. وهو امتداد لاتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني المبرم في سبتمبر 2025.
وبالنسبة إلى الرياض، يستجيب الاتفاق لواقعين. أولهما أن الحماية الأميركية أصبحت موضع شك، بعدما انشغلت واشنطن بالحرب مع إيران. وثانيهما أن المملكة، التي تسعى منذ 2022 إلى الخروج من النزاع اليمني، تحتاج إلى قدرة ردع لا تضطرها إلى العودة إليه بمفردها. ويجمع الميثاق قوتين متكاملتين: تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، والحاضرة بقوة أصلاً في البحر الأحمر والصومال، وباكستان، الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، التي يتمتع جيشها بتاريخ طويل من التعاون مع المملكة. كما يمدد التقارب بين الرياض وأنقرة والقاهرة الذي تبلور في مواجهة إعادة التشكل في القرن الأفريقي.
وجاءت المأسسة سريعة لكنها غير مكتملة. ففي 31 أغسطس، وفي إسطنبول، أعادت أول جلسة للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية تسمية المنظومة “تحالف مكة للدفاع”، وفتحت خريطة طريق لانضمامات مستقبلية. وأعلنت إسلام آباد أن أكثر من ست دول مرشحة، لكن أياً منها لن يُقبل قبل أن يصبح الاتفاق جاهزاً للعمل بصورة كاملة. ولا يزال البرلمانان التركي والباكستاني مطالبين بالموافقة على التصديق عليه.
سبتمبر: الهجوم الأشد والاستيلاء على الساحل
في 3 سبتمبر، شن الحوثيون هجوماً واسعاً في محافظة تعز لقطع طريق تعز-المخا؛ وسُجل أكثر من 120 قتيلاً خلال يومين. وشنّت القوات الحكومية هجمات مضادة في الجوف والبيضاء، وأعلنت أن هدفها صنعاء. واتهم الحوثيون الرياض بقصف سجن في الحزم؛ وارتفعت الحصيلة من 11 قتيلاً في البداية إلى 23. وفي ليلة 7 إلى 8 سبتمبر، ردوا بعشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة على خميس مشيط وأبها وجازان ونجران، بما في ذلك مطار أبها وقاعدة الملك خالد ومواقع لأرامكو. وأُصيب 73 شخصاً، واندلعت حرائق في منشآت نفطية، وقفز سعر البرميل إلى نحو 100 دولار.
ثم فاجأت التطورات الجميع. ففي 9 و10 سبتمبر، استولى الحوثيون على حيس والخوخة ثم ميناء المخا؛ وفي 11 سبتمبر، دخلوا ذباب وسيطروا على جزيرة ميون (بريم) في وسط المضيق؛ وفي 14 سبتمبر، احتلوا جزر حنيش. وفي المحصلة، انتقلت السيطرة على ست مديريات ونحو 5400 كيلومتر مربع بعد انسحاب القوات الموالية للحكومة. وفي أواخر سبتمبر، تحدث مجلس الأمن عن نزوح ما لا يقل عن 125 ألف شخص منذ بداية الشهر. واستمرت المعارك في جبال كهبوب، التي تفتح الطريق نحو لحج وعدن.
ويدين هذا التقدم بالكثير لإيران. فبحسب رويترز، تولى الحرس الثوري تسليحه وتقديم المشورة له، فيما قاده على ساحل تهامة ضابط من فيلق القدس هو عبد الرضا شهلائي. ويُقال إن وحدات حرب إلكترونية اخترقت اتصالات الخصوم وأصدرت أوامر بالانسحاب متظاهرة بأنها قيادات جنوبية. ومن ثم، فإن الاستيلاء تحقق بالحيلة بقدر ما تحقق بموازين القوى، وهو ما يساعد على تفسير هشاشة المكاسب في أكتوبر.
حرب الرموز: من مكة إلى المدينة
في منتصف سبتمبر، أعلنت الرياض أنها اعترضت طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المقيد للمدينة. وقال التحالف إنها المحاولة الثانية ضد مكة منذ 2017. وأدانت منظمة التعاون الإسلامي والحكومة اليمنية ومصر وباكستان الحادث. ونفى الحوثيون وإيران ذلك ونددوا بـ“ذريعة زائفة”.
وفي 1 أكتوبر، اتهم التحالف الحوثيين بأنهم استهدفوا بطائرة مسيّرة، في 29 سبتمبر، محطة طيبة الكهربائية في المدينة المنورة، التي تغذي المسجد النبوي. وخرج محول كهربائي عن الخدمة من دون انقطاع الشبكة. ووصف الحوثيون ذلك بأنه “كذب”. وبعيداً عن الوقائع التي ما زالت موضع خلاف، فإن الرهان واضح: استحضار المدينتين المقدستين يتيح للرياض تعبئة العالم الإسلامي وإضفاء صدى ديني على ميثاق مكة. ومنذ 9 سبتمبر، كان وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف قد حذر من أن الهجمات الحوثية قد تؤدي إلى تفعيل الميثاق.
فك الارتباط الأميركي: تفاهم مسقط
لعل التطور الأهم كان دبلوماسياً. ففي 10 سبتمبر، اتصل محمد بن سلمان مرتين بالرئيس ترامب طالباً ضربات، لكنه قوبل بالرفض. واكتفت واشنطن بالدعم: أكثر من مئة مستشار عسكري يوفرون للرياض معلومات استخباراتية ومساعدة في تحديد الأهداف. وفي منتصف سبتمبر، التقى ممثلون أميركيون وحوثيون في مسقط بوساطة عُمانية. وفي 18 سبتمبر، أكد الرئيس ترامب أن الطرفين “يتحدثان” سعياً إلى التوصل إلى اتفاق.
وبحسب التقارير، تعهد الحوثيون بعدم استهداف السفن الأميركية أو الإسرائيلية وباحترام تفاهم وقف إطلاق النار المبرم في مايو 2025. ويشبه ذلك اتفاقاً ضمنياً: تبقى الملاحة الدولية بمنأى عن الاستهداف، لكن السفن وناقلات النفط السعودية تظل أهدافاً. ولم يخلُ فك الارتباط هذا من التردد. ففي 20 سبتمبر، وبعد اتصال جديد من ولي العهد، أمر الرئيس ترامب بالتحضير لضربات ثم ألغاها بعد ساعات قليلة، بحسب نيويورك تايمز.
وهكذا واصل الحوثيون هجومهم على المملكة. ففي 19 سبتمبر، ضربوا الرياض، حيث أُصيب مستودع وقود في مطار الملك خالد. وفي 24 سبتمبر، تبنوا ضربات على “هدف حساس” في الرياض وعلى منشآت أرامكو في ينبع، وهي محطة خط أنابيب الشرق-الغرب الذي يتيح التصدير عبر البحر الأحمر متجاوزاً هرمز؛ وقال التحالف إنه اعترض ستة صواريخ بالستية، وأغلق خام برنت فوق 106 دولارات. وفي 26 سبتمبر، استهدف هجومان جديدان الرياض ومدينة كبرى في جنوب غرب المملكة. وبعد ضربة 27 سبتمبر على سوق في ماوية بتعز، التي أوقعت ما لا يقل عن سبعة قتلى ونحو أربعين جريحاً، هدد الحوثيون باستهداف جسور داخل الأراضي السعودية.
التدويل في نهاية سبتمبر
تبلورت الاستجابة على طبقات متتالية، من دون إعلان حرب. ففي 18 و25 سبتمبر، أدان مجلس الأمن بالإجماع الهجمات الحوثية واعترف للمملكة العربية السعودية بحقها في الدفاع المشروع عن النفس. وفي 22 سبتمبر، دعت مجموعة السبع الحوثيين إلى وقف ضرباتهم؛ ونشرت المملكة المتحدة طائرة تزويد بالوقود من طراز Voyager دعماً للدفاع الجوي السعودي. وفي 24 سبتمبر، أعلنت فرنسا إرسال جنود ورادارات ومنظومات دفاع لحماية ينبع.
وفي 25 سبتمبر، اجتمع رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان في الرياض لترجمة الميثاق إلى تعاون عسكري. وفي 28 سبتمبر، أعلن رشاد العليمي عمليات لاستعادة المناطق، وأقر البرلمان اليمني التعبئة العامة. وسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز عملية أسبيدس: فأرسلت هولندا فرقاطة، فيما درست بلجيكا وإيطاليا القيام بالمثل. وأبحرت حاملة الطائرات USS Theodore Roosevelt باتجاه المنطقة. وبحلول نهاية سبتمبر، لم يكن قد أُعلن بعد عن أي قوات تركية أو باكستانية، ولم تكن أي حملة هجومية دولية قد تقررت. ولم يحتج الأمر إلى أكثر من أسبوع حتى يتجاوز الواقع هذا التقدير.
“فجر اليمن”: المضيق يعود جبهةً
في 4 أكتوبر، أطلق رشاد العليمي عملية “فجر اليمن”، التي يتمثل هدفها المعلن في استعادة مؤسسات الدولة، واستعادة صنعاء، وإنهاء سلطة الحوثيين. وفي 5 أكتوبر، أعلنت القوات الحكومية، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، السيطرة على مطار ذباب وقطع طريق ذباب-المخا والسيطرة على منطقة باب المندب واستعادة ميناء المخا. وقالت إنها تحاصر مئات المقاتلين الحوثيين في ذباب وعلى جزيرة ميون. كما أعلن المتحدث باسم الجيش “هجوماً استراتيجياً” على صنعاء.
وارتفع مستوى الدعم السعودي. فقد دفع التحالف بنحو مئة طائرة مقاتلة، وقال إنه دمر 324 هدفاً عالي القيمة منذ اليوم الأول، ثم مستودعاً يضم عشرين صاروخاً بالستياً في صعدة. وضربت قواته البحرية في محافظة الحديدة مستودعات لزوارق مفخخة وألغام بحرية، وقالت إنها أحبطت هجوماً على الممرات البحرية في جنوب البحر الأحمر.
لكن هذه المكاسب ما زالت موضع نزاع. فالحوثيون ينفون أي تقدم لخصومهم وينفون سقوط المخا. أما رويترز فتصف قوات حكومية وصلت إلى مشارف المدينة بينما يتراجع المقاتلون الحوثيون نحو المرتفعات. ولم تُتحقق الأرقام التي يعلنها الجيش اليمني، ومنها “تحييد” أكثر من 1800 حوثي خلال أيام قليلة. ومن جانب الحوثيين، يجري الحديث عن 59 ضربة سعودية خلال أربع وعشرين ساعة في 8 أكتوبر وعن سقوط ضحايا مدنيين.
الرد الحوثي: حرب المطارات
ومع تعرضهم للتهديد على الساحل، نقل الحوثيون التصعيد إلى العمق السعودي. ففي 3 أكتوبر، اشتعلت النيران في موقع لأرامكو قرب الرياض، وهو ما أكدته وكالة فرانس برس وصور أقمار صناعية، فيما وصف التحالف تبني الهجوم بأنه “مضلل”. وفي 5 أكتوبر، أُصيب مطارا جازان ونجران، وسُجل ثلاثة جرحى بحسب الطيران المدني السعودي؛ كما تبنى الحوثيون ضربات على مطار الرياض وعلى مصفاة لأرامكو في البحر الأحمر. وظل خام برنت فوق 100 دولار، مقابل نحو 73 دولاراً قبل الحرب.
وفي اليوم نفسه، حذروا شركات الطيران من أن المجال الجوي السعودي “غير آمن”، مع استثناء صريح لمكة والمدينة. ثم توالت الضربات على أبها وخميس مشيط والرياض. وفي 7 أكتوبر، استهدفت صواريخ بالستية مطار عدن الذي تسيطر عليه الحكومة، وحُولت رحلة آتية من القاهرة. وفي 8 أكتوبر، ضُرب مطار الملك خالد في الرياض: ثلاثة قتلى، بينهم طيار، بحسب السلطات السعودية. واستؤنفت حركة الطيران في اليوم التالي.
ويقوم المنطق على المعاملة بالمثل. فمع خضوع صنعاء لحصار جوي وقصف مطاري صنعاء والحديدة، يسعى الحوثيون إلى فرض حصار على جميع المطارات السعودية. ويعلنون حرباً طويلة. وفي 9 و10 أكتوبر، قال التحالف إنه دمر ثلاث منصات إطلاق واعترض صواريخ وطائرات مسيّرة جديدة.
وضع ميثاق مكة موضع التنفيذ (5 أكتوبر)
في 5 أكتوبر، عقدت اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية اجتماعاً طارئاً في الرياض. وقررت الدول الثلاث البدء “فوراً” في تنفيذ التزاماتها في مجال الدفاع الجماعي وضمان الانتشار السريع، داخل المملكة، للقوات والقدرات المتفق عليها. وهذه هي المرة الأولى التي يُطبق فيها الاتفاق. ولم يسم البيان الحوثيين، لكنه أدان محاولات استهداف مكة والمدينة. وعُيّن الجنرال الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للتحالف لمدة ثلاث سنوات.
لكن النطاق الفعلي ظل محدوداً ودفاعياً. فالانتشار سيتم وفق “الترتيبات المعتمدة” والقوانين الوطنية لكل دولة، في حين لم تحصل المصادقة البرلمانية لا في أنقرة ولا في إسلام آباد. وبحسب خواجه آصف، فإن الأتراك والباكستانيين “موجودون في مسرح العمليات”، لكن القوات السعودية وحدها تقاتل؛ فيما تشارك باكستان في الاستطلاع. ويتوقع المحللون خصوصاً تعزيز الدفاع الجوي والدفاع المضاد للصواريخ. وفي صنعاء، ندد تجمع مسلح منذ 7 أكتوبر بانخراط تركيا وباكستان.
واشنطن متراجعة، وطهران تساوم
استمر فك الارتباط الأميركي رغم سقوط قتلى في الرياض. ففي مطلع أكتوبر، واصل الرئيس ترامب رفض الضربات المباشرة التي تطلبها الرياض، وكرر أن الحوثيين لا يريدون القتال ضد الولايات المتحدة. لكن وزير الخارجية روبيو أوضح أن لا الرياض ولا الحكومة اليمنية تقبلان احتفاظ الحوثيين بالأراضي التي سيطروا عليها. وأدانت فرنسا الهجمات في 7 أكتوبر وأكدت تضامنها مع المملكة.
أما طهران، فأدرجت اليمن في مساومتها بشأن هرمز. فالخطة ذات الأيام السبعة التي نقلتها قطر إلى واشنطن في 22 سبتمبر تتضمن رفع الحصار البحري، واستثناءً من العقوبات النفطية، والإفراج عن أصول بنحو 12 مليار دولار، ووقفاً إقليمياً لإطلاق النار يشمل لبنان واليمن. ويُعاد فتح المضيق في اليوم السادس، وتُستأنف المفاوضات في اليوم السابع. ويُقال إن الرئيس ترامب رفض الخطة؛ وفي 5 أكتوبر، قالت طهران إنها تدرس الملاحظات الأميركية. ويؤكد الرئيس بزشكيان أن عمليات الحوثيين مستقلة عن إيران، ويعرض مساعيه الحميدة بين صنعاء والرياض.
10 أكتوبر: مجزرة مطار الملك خالد، عتبة تم تجاوزها
يوم السبت 10 أكتوبر، استُهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض للمرة الثالثة خلال أسبوع. لكن المقذوف هذه المرة لم يصب مدرجاً ولا مستودعاً للوقود، بل منطقة للركاب: فقد رأى شاهد عيان نقلت عنه رويترز البوابة 401 في صالة الرحلات الداخلية تتلقى إصابة مباشرة. وبحسب الهيئة العامة للطيران المدني، بلغت الحصيلة 12 قتيلاً على الأقل و309 جرحى، بينهم عدد في حالة حرجة. وينتمي القتلى إلى ثماني جنسيات: أربعة سعوديين، وبنغلاديشيان، وأميركي، وأردني، وفلسطيني، وسوري، وسوداني، ومصري. وأشار تقييم أولي إلى صاروخ بالستي، فيما لم يصدر نظام الإنذار السعودي أي تحذير. وبحسب رويترز، فهذا هو الهجوم الأكثر دموية على أراضي المملكة منذ أكثر من عشر سنوات.
وأُغلق المطار من دون تحديد موعد لإعادة فتحه، فيما أُلغيت أو حُوّلت مئات الرحلات. وكانت شركات Air India وflydubai ومجموعة Lufthansa وPIA قد علقت رحلاتها بالفعل، فيما وسعت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي توصياتها المتعلقة بالمجال الجوي السعودي. أما تبني الهجوم فظل ملتبساً: فلم يعلن الحوثيون رسمياً مسؤوليتهم عن هذه الضربة، خلافاً للضربات السابقة، لكن رئيس مكتبهم الإعلامي احتفى بـ“إغلاق مطار الرياض الدولي”. وفي 11 أكتوبر، جددوا تحذيراتهم لشركات الطيران والموظفين والمسافرين، وحمّلوا الرياض مسؤولية “عمليات الاعتراض الفاشلة”، وأعلنوا أنه لن يُسمح إلا للرحلات الإنسانية الحاصلة على تصريح. وهكذا قلبوا على المملكة نظام التصاريح نفسه الذي يفرضه التحالف منذ سنوات على مطار صنعاء.
وتصاعدت ردود الفعل. فوصف التحالف الهجوم بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان”، وتوعد برد “حازم”. ورأت قطر فيه “تهديداً مباشراً لأمن المنطقة”، فيما أعلنت مصر والأردن وعُمان تضامنها مع الرياض. وأدان وزير الخارجية الأميركي روبيو “الإرهابيين الحوثيين”، مذكراً بأن مواطناً أميركياً كان بين القتلى. والأهم أن الرئيس ترامب، الذي كان يرفض حتى ذلك الحين توجيه أي ضربة، قال: “ربما نفعل، سنرى”، وأعلن أنه سيتصل بولي العهد. وعندما سُئل عن التزامه عدم مهاجمة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، أجاب بالعبارة نفسها.
ثلاثة عناصر تجعل من هذه الضربة تصعيداً من نوع مختلف. أولها الهدف. فحتى الآن كانت حرب المطارات ترمي إلى شل حركة الطيران وفرض كلفة اقتصادية؛ أما ضرب صالة مكتظة بالمسافرين فيعني الانتقال من الشلل إلى المجزرة. وبضربة واحدة، تجاوز عدد الضحايا حصيلة الصيف كله. والعنصر الثاني هو تدويل الضحايا. فمع سقوط قتلى من ثماني دول، بينها دول عربية وإسلامية عدة، يصبح من الصعب على الحوثيين مواصلة خطاب الرد على “العدوان السعودي” وحده، وتحصل الرياض على حجة قوية لتعبئة شركائها في ميثاق مكة. أما العنصر الثالث فهو مقتل أميركي. وهذا لا يتجاوز الخط الأحمر المشار إليه أعلاه، والمتعلق بسفينة أميركية أو ناقلة نفط غير سعودية، لكنه يقترب منه بما يكفي لإعادة فتح مسألة الضربات الأميركية، للمرة الأولى منذ 20 سبتمبر.
ويمكن قراءة التداعيات المحتملة على ثلاثة مستويات. عسكرياً، يوحي الرد “الحازم” المعلن بتكثيف الضربات على صنعاء وصعدة، وربما على قادة الحركة أنفسهم، في دوامة يستدعي فيها كل مطار يُضرب ضربة مضادة. وعلى المستوى الأميركي، تتردد واشنطن بين ثلاثة خيارات: الإبقاء على فك الارتباط والضغط على الحوثيين عبر قناة مسقط، أو تنفيذ ضربات عقابية محدودة، أو الانضمام الكامل إلى الحملة السعودية. والخياران الأخيران سيقوضان المكسب المركزي للحوثيين، أي امتناع واشنطن عن شن ضربات، ويقرّبان سيناريو القطيعة الذي لا تعود فيه لدى الحركة أسباب لإعفاء الملاحة الدولية أو باب المندب من الاستهداف. أما دبلوماسياً، فقد رفعت الضربة كلفة خطة الأيام السبعة الإيرانية: فقد تدفع واشنطن إلى مطالبة طهران بوقف عمليات الإطلاق، أو على العكس، تعيد فتح النقاش حول استئناف الضربات على إيران. وفي جميع الحالات، بقتل مدنيين في قلب العاصمة، حوّل الحوثيون التصعيد التعويضي إلى رهان على ضبط النفس في واشنطن، وهو رهان لم يعودوا يملكون التحكم بنتيجته.
28 فبراير: بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران؛ إغلاق جزئي لهرمز؛
28 مارس: أولى عمليات إطلاق الصواريخ الحوثية باتجاه إسرائيل.
يونيو: مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران.
3 يوليو: أول رحلة إيرانية إلى صنعاء منذ قرابة عشر سنوات.
13-14 يوليو: ضربة على مدرج صنعاء، وتحويل الطائرة إلى الحديدة؛ نهاية هدنة 2022؛ عودة الحصار البحري الأميركي على إيران.
20-25 يوليو: حصار حوثي على المملكة العربية السعودية؛ إصابة ناقلات نفط سعودية؛ ضربات على جازان وينبع.
7 أغسطس: توقيع اتفاق الدفاع المشترك لمكة (المملكة العربية السعودية، تركيا، باكستان).
31 أغسطس: أول اجتماع للجنة الميثاق في إسطنبول؛ “تحالف مكة للدفاع”.
3 سبتمبر: هجوم حوثي في محافظة تعز.
8 سبتمبر: الهجوم الأشد: أبها، خميس مشيط، جازان، نجران؛ 73 جريحاً.
9-14 سبتمبر: الاستيلاء على حيس والخوخة والمخا وذباب وجزيرة ميون ثم جزر حنيش.
10 سبتمبر: الرئيس ترامب يرفض الضربات التي طلبها محمد بن سلمان.
منتصف سبتمبر: اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة بحسب الرياض؛ اتصالات أميركية-حوثية في مسقط.
19-20 سبتمبر: ضربة على الرياض؛ إصدار أوامر بضربات أميركية ثم إلغاؤها.
22-25 سبتمبر: دعوة مجموعة السبع؛ انتشار بريطاني وفرنسي؛ ضربات متبناة على ينبع؛ خطة إيرانية من سبعة أيام؛ اجتماع رؤساء أركان دول الميثاق في الرياض.
28-29 سبتمبر: تعبئة عامة في اليمن؛ طائرة مسيّرة على محطة كهرباء في المدينة بحسب التحالف.
3 أكتوبر: حريق في موقع لأرامكو قرب الرياض.
4-5 أكتوبر: عملية “فجر اليمن”؛ إعلان استعادة المخا وذباب، وهو ما نفاه الحوثيون.
5 أكتوبر: تفعيل ميثاق مكة؛ قرار بنشر قوات تركية وباكستانية؛ إصابة مطاري جازان ونجران.
7 أكتوبر: صواريخ حوثية على مطار عدن.
8 أكتوبر: ضربة على مطار الملك خالد في الرياض: ثلاثة قتلى.
9-10 أكتوبر: اعتراضات جديدة؛ تدمير منصات إطلاق من قبل التحالف.
10 أكتوبر: ضربة على صالة ركاب في مطار الملك خالد: 12 قتيلاً على الأقل و309 جرحى، في الهجوم الأكثر دموية داخل المملكة منذ أكثر من عشر سنوات؛ إغلاق المطار؛ الرئيس ترامب يدرس الانضمام إلى الضربات.
بدا صيف 2026 مناقضاً لصورة الفاعل الحذر التي رُسمت في الربيع. لكنه، في الواقع، أكد هذه الصورة مع نقلها إلى مستوى آخر. فالقاعدة بقيت هي نفسها: اللجوء إلى التصعيد عندما تتجاوز المكاسب السياسية المخاطر التي تهدد البقاء. غير أن أكتوبر يفرض الذهاب أبعد من ذلك. فالقاعدة لم تتغير، لكن حدها الثاني تبدل: للمرة الأولى منذ 2022، أصبح بقاء الحركة نفسه مستهدفاً بصورة صريحة.
ما الذي تغيّر في الصيف
تغيرت ثلاثة عناصر في الحساب. فقد ضعف التهديد الرادع: ومع انشغال الإدارة الأميركية بالحرب مع إيران، فضلت التفاوض مع الحوثيين على فتح جبهة جديدة، كما يظهر تفاهم مسقط. وتمزقت شبكة الأمان السعودية مع انتهاء الهدنة في يوليو؛ فلم يعد ضرب المملكة مكلفاً كما كان. وأخيراً، جعل إغلاق هرمز من البحر الأحمر وخط أنابيب الشرق-الغرب رئة الصادرات السعودية. فمن يمسك بباب المندب ويهدد ينبع يمسك بالرياض من خناقها، ويقدم في الوقت نفسه خدمة استراتيجية حاسمة لطهران.
لم يتخل الحوثيون، إذاً، عن معايرة التصعيد: بل أعادوا توجيهها. فلعبوا ورقة المضيق من دون إغلاقه، وضربوا المملكة العربية السعودية مع إبقاء السفن الأميركية والإسرائيلية بمنأى عن الاستهداف، واستولوا على موقع جغرافي يحول تهديداً مؤجلاً إلى قدرة دائمة. وتوقف المضيق عن كونه أداة ردع احتياطية ليصبح ريع موقع يمكن توظيفه في المساومة مع واشنطن والرياض وطهران.
ما الذي يضعه أكتوبر موضع تساؤل
الدرس الأول: كان ريع الموقع أكثر هشاشة مما بدا. فالتهديد البعيد لا يمكن مهاجمته؛ أما الساحل المحتل فيمكن ذلك. وبتمركزهم في المخا وذباب وميون، منح الحوثيون خصومهم ما حرموهم منه لسنوات: أهدافاً ثابتة، وخطوطاً ممدودة، وهدفاً واضحاً لاستعادة المناطق. وقد اعتمد اختراق سبتمبر كثيراً على الحيلة والدعم الإيراني؛ لكنه لم يخلق ميزان قوى قادراً على الصمود أمام نحو مئة طائرة مقاتلة. وسواء سقطت المخا أم لم تسقط، عاد المضيق جبهة متنازعاً عليها، ولم يعد مكسباً ثابتاً.
الدرس الثاني: تحقق اثنان من المخاطر الثلاثة التي حُددت في نهاية سبتمبر خلال أقل من خمسة عشر يوماً. فقد فُعّل ميثاق مكة في 5 أكتوبر، وتعزز التدويل مع إجماع مجلس الأمن والدعم الغربي للدفاع عن المملكة. لكن أياً منهما لم يأخذ الشكل الذي كان يُخشى منه. فالانخراط التركي والباكستاني لا يزال دفاعياً، وغير مكتمل قانونياً، ومحصوراً بحماية الأراضي السعودية. ولا يوجد أي تحالف هجومي دولي. فالحرب تتخذ طابعاً إقليمياً من دون أن تصبح حرباً أميركية.
الدرس الثالث: تصمد معايرة الحوثيين على محور وتنهار على آخر. فهي تصمد في مواجهة واشنطن. إذ تبقى السفن الأميركية والإسرائيلية بمنأى عن الاستهداف، ولا تُستهدف الملاحة الدولية، وحتى التحذير الموجه إلى شركات الطيران يستثني مكة والمدينة. لكنها تنهار في مواجهة الرياض. فضرب مطار العاصمة وقتل مدنيين فيه، واستهداف عدن، وإعلان حصار جوي على المملكة: كل ذلك لم يعد تصعيداً انتقائياً، بل أصبح تصعيداً تعويضياً يرد على خسارة الأرض برفع الكلفة المفروضة على العمق السعودي.
وينبع هذا التحول من القاعدة نفسها. فما دام التصعيد لا يهدد البقاء، يبقى ضبط النفس عقلانياً. لكن حين يعلن الخصم أن هدفه استعادة صنعاء وإنهاء سلطة الحوثيين، لا يعود ضبط النفس يحمي شيئاً. ولم تعد الحركة توازن بين المكسب السياسي والمخاطر؛ بل تسعى إلى جعل عملية الاستعادة مكلفة إلى درجة تحول دون استمرارها. ومن هنا إعلان حرب طويلة.
الورقة الحقيقية: الامتناع الأميركي
لم يعد الأصل الاستراتيجي للحوثيين هو المضيق. بل هو رفض الولايات المتحدة توجيه ضربات. فقد صمد أمام اتصالات محمد بن سلمان المتكررة، وأمام أمر بالضربات أُلغي في اللحظة الأخيرة في 20 سبتمبر، وأمام قتلى الرياض في 8 أكتوبر. أما مجزرة 10 أكتوبر، التي قُتل فيها أميركي، فتضع هذا الامتناع أمام أصعب اختبار: فللمرة الأولى منذ 20 سبتمبر، يقول الرئيس ترامب إنه يدرس الانضمام إلى الضربات. وباتت كل معايرة الحوثيين اليوم منظمة حول الحفاظ على هذا الامتناع. والخط الأحمر معروف: يكفي أن تُصاب سفينة أميركية أو ناقلة نفط غير سعودية حتى يتم تجاوزه.
وهذا أيضاً ما يجعل ميثاق مكة مهماً بما يتجاوز قدراته الحالية. فقد ردت الرياض على التراجع الأميركي لا بمزيد من الطلبات من واشنطن، بل ببناء هندسة أمنية بديلة تستند إلى ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وإلى القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. وسيكون الحوثيون، رغم إرادتهم، أول اختبار وأول عامل تسريع لنظام أمني إقليمي ما بعد أميركي.
استقلال يحتاج إلى إعادة تقييم
يفرض الصيف، أخيراً، تعديل قراءة القيد الرابع في الربيع، أي الاستقلال النسبي عن طهران. فقد كان هجوم سبتمبر مسلحاً ومُرشداً وقاده جزئياً الحرس الثوري. والأهم أن إيران أدرجت اليمن في خطتها ذات الأيام السبعة لهرمز: فوقف إطلاق النار الذي تقترحه يشمل صراحة الجبهة اليمنية. والحركة التي ادعت أنها تساوم بموقعها مع ثلاث عواصم تخاطر بأن تصبح هي نفسها ورقة مقايضة. وتنفي طهران توجيه العمليات، لكن طهران هي التي تتفاوض على وقفها.
ثلاثة مسارات
المسار الأول هو المراوحة. يتعثر الهجوم المضاد في المرتفعات، ويحافظ الحوثيون على جزء من الساحل، وتستقر حرب المطارات والنفط. وهذا هو السيناريو الذي يقول الحوثيون إنهم ينتظرونه؛ فهو يستنزف الرياض أسرع من صنعاء، شرط أن يصمد “الملاذ الأميركي”.
المسار الثاني هو القطيعة. فإذا استعاد التحالف المضيق بصورة دائمة وتقدم نحو الحديدة، يخسر الحوثيون ريعهم ولا تبقى لهم سوى ورقة واحدة بالقيمة نفسها: ضرب الملاحة الدولية أو إغلاق باب المندب فعلياً. وستكون تلك “الاستجابة غير القابلة للضبط” التي حاولت استراتيجيتهم كلها تجنبها منذ مارس. ولم يكن خطر الهروب إلى الأمام يوماً أكثر واقعية منه في اللحظة التي يتراجعون فيها.
المسار الثالث هو التجميد التفاوضي. فمن شأن اتفاق بين واشنطن وطهران بشأن هرمز أن يؤدي إلى وقف لإطلاق النار في اليمن. وسيبحث الحوثيون، انسجاماً مع منطقهم، عن حصتهم. لكن الرياض والحكومة اليمنية ترفضان احتفاظهم بالأراضي التي سيطروا عليها، وسيكون خط وقف إطلاق النار جوهر أي تفاوض. وكل كيلومتر يُستعاد على الساحل قبل ذلك يغير شروطه، وهو ما يفسر شدة معارك أكتوبر.
الهشاشات التي تبقى
من الجانب الحوثي، يتفاقم الخطر الداخلي. فالسيطرة تقوم على تعبئة دائمة تبرر الفقر والفساد والقمع. والحرب الخارجية تطيل هذا الهامش، لكنها لا تمحو الغضب الصامت لدى شعب منهك، ولا غياب مشروع سياسي يتجاوز هيمنة سلالة بعينها. وقد اختفت شبكة الأمان الاقتصادية السعودية، وأصبحت الضربات تطال صنعاء وصعدة.
أما في الجانب المقابل، فلم تختف نقاط الضعف التي سمحت بانهيار سبتمبر. فالمعسكر الحكومي لا يزال مجزأً، وتواصل القوات الجنوبية السعي وراء أجندتها الخاصة، ولا يمكن لميثاق لم يُصدق عليه بعد أن يحل محل استراتيجية للخروج. ويذكّر أكثر من 125 ألف نازح خلال شهر واحد، في النهاية، بمن يدفع ثمن كل مرحلة.
إن الحركة التي نشأت للدفاع عن أقلية زيدية مهمشة سيطرت، لبضعة أسابيع، على إحدى أهم البوابات البحرية في العالم. وكان ذلك مقياس نجاحها، وهو أيضاً، كما يتضح الآن، مقياس هشاشتها: فلم يسبق لها أن تعرضت لتحالف بهذا الاتساع. وتُحسم النتيجة على طاولتين في آن واحد: جبهة البحر الأحمر، والتفاوض بين واشنطن وطهران. وعلى الطاولة الثانية، لم يعد الحوثيون سادة رهانهم بالكامل.
—
أعمال مرجعية
Saoud EL-MAWLA، “Le Mouvement houthite au Yémen: d'une minorité politico-religieuse à une stratégie d'hégémonie”، Maghreb - Machrek، 2018/1، العدد 235، ص. 69-103. DOI: 10.3917/machr.235.0069. متاح على Cairn.info.
Saoud EL-MAWLA، “Houthi Involvement in the Iran War: Reasons for Limited Escalation”، Middle East Council on Global Affairs، 21 أبريل 2026. https://mecouncil.org/blog_posts/houthi-involvement-in-the-iran-war-reasons-for-limited-escalation/
Laurent BONNEFOY، “Yémen. Dix ans de pouvoir houthiste, une emprise encore précaire”، Orient XXI، 23 سبتمبر 2024.
Maysaa SHUJA EL-DEEN، “Yémen. Les houthistes, un pouvoir fragile aux racines familiales”، Orient XXI، 22 أغسطس 2022 (ترجمة عن “Entrenched Power: The Houthi System of Governance”، The Yemen Review، Sana’a Center for Strategic Studies، 11 يوليو 2022).
الصحافة والتطورات الراهنة (يوليو-أكتوبر 2026)
Euronews، “Saudi Arabia strikes back after heaviest Houthi attack in years”، 8 سبتمبر 2026.
Euronews (بالعربية)، “الحوثيون يقتربون من باب المندب والرياض تبحث عن حلفاء: لماذا لا تتدخل واشنطن؟”، 19 سبتمبر 2026.
Yemen Monitor (بالعربية)، “تحركات عسكرية ودبلوماسية متسارعة حول اليمن والبحر الأحمر”، 29 سبتمبر 2026.
Yemen Monitor (بالعربية)، “هل يُلزم ميثاق مكة باكستان بالدخول في حرب اليمن؟”، سبتمبر 2026.
Masr360 (بالعربية)، “الحوثيون وأمن البحر الأحمر: حدود التحالفات السعودية في باب المندب”، 19 سبتمبر 2026.
Times of Egypt (بالعربية، برقية وكالة فرانس برس)، “الحوثيون يستهدفون المملكة العربية السعودية بهجومين جديدين”، 26 سبتمبر 2026.
Al-Dawla 24 (بالعربية)، “الحوثيون يهددون بضرب جسور في المملكة العربية السعودية”، 28 سبتمبر 2026.
CBS News، “Trump says he is considering whether U.S. should join fight against Houthis after Saudi airport strike”، 10-11 أكتوبر 2026. https://www.cbsnews.com/live-updates/iran-war-trump-us-elections-saudi-arabia-yemen-houthis/
ABC News (أستراليا)، “No flights in or out of Riyadh after spate of Houthi attacks on airports”، 11 أكتوبر 2026. https://www.abc.net.au/news/2026-10-11/riyadh-airport-suspends-flights-houthi-attacks-middle-east/107253260
Yemen Monitor، “321 قتيلاً وجريحاً في هجوم حوثي على مطار الرياض”، 11 أكتوبر 2026 (بالعربية). https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/184452
Al Jazeera، “Saudi Arabia says 12 killed, 300 wounded in Houthi attack on Riyadh airport”، 10 أكتوبر 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/10/10/attack-on-airport-in-saudi-capital-riyadh-leaves-several-injured
Al Jazeera، “Houthi attack on Riyadh airport killed three Saudi nationals”، 9 أكتوبر 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/10/9/saudi-arabia-reopens-riyadh-airport-after-houthi-attack-kills-three
CNN، “Attack on Saudi airport kills 3 as Iran-backed Houthis warn of long conflict”، 8-9 أكتوبر 2026. https://www.cnn.com/2026/10/08/middleeast/riyadh-airport-houthis-explosion-intl
Time، “Houthi Attacks on Saudi Airports Kill 3”، 8 أكتوبر 2026. https://time.com/article/2026/10/08/saudi-arabia-yemen-houthi-rebels-airport-attacks-war/
AGBI، “Mokha retaken, but the Houthis are not done yet”، 8 أكتوبر 2026. https://www.agbi.com/defence/2026/10/mokha-retaken-but-the-houthis-are-not-done-yet/
Al Jazeera، “Yemen’s Houthis attack Aden airport”، 7 أكتوبر 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/10/7/yemens-houthis-attack-aden-airport-saudi-forces-down-missile-near-riyadh
Ministère de l’Europe et des Affaires étrangères، “Attaques des Houthis contre l’Arabie saoudite”، 7 أكتوبر 2026. https://www.diplomatie.gouv.fr/fr/presse-et-ressources/decouvrir-et-informer/actualites/arabie-saoudite-attaques-des-houthis-contre-l-arabie-saoudite
AFP، “Les Houthis ciblent l’aéroport de Ryad et contestent céder du terrain au Yémen”، 6 أكتوبر 2026. https://lepetitjournal.com/beyrouth/actualites/les-houthis-ciblent-laeroport-de-ryad-et-contestent-ceder-du-terrain-au-yemen-455530
Al Jazeera، “Yemen forces claim key gains near Bab al-Mandeb”، 6 أكتوبر 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/10/6/yemen-war-whats-the-latest-on-the-battlefield
FDD’s Long War Journal، “Yemeni government forces launch Saudi-backed counteroffensive against Houthis”، 6 أكتوبر 2026. https://www.fdd.org/analysis/2026/10/06/yemeni-government-forces-launch-saudi-backed-counteroffensive-against-houthis/
Al Jazeera، “Pakistan, Turkiye and Saudi deterrence against Houthis: What that means”، 6 أكتوبر 2026. https://www.aljazeera.com/amp/news/2026/10/6/pakistan-turkiye-join-saudi-deterrence-against-houthis-what-that-means
Khaleej Times، “Pakistan, Turkey agree to rapid deployment of forces in Saudi Arabia under Makkah pact”، 6 أكتوبر 2026. https://www.khaleejtimes.com/world/gulf/pakistan-turkey-saudi-arabia-deployment-forces-makkah-pact
Bernama، “Pakistan and Turkiye to deploy troops to defend Saudi Arabia”، 6 أكتوبر 2026. https://bernama.com/en/news.php?id=2615972
The National، “Makkah pact countries to meet in Riyadh with Houthi attacks on agenda”، 5 أكتوبر 2026. https://www.thenationalnews.com/news/gulf/2026/10/05/makkah-pact-countries-to-meet-in-riyadh-with-houthi-attacks-on-agenda/
The National، “Yemeni forces claim control of Bab Al Mandeb strait and Mokha”، 5 أكتوبر 2026. https://www.thenationalnews.com/news/gulf/2026/10/05/yemen-government-forces-claim-bab-al-mandeb-gains-as-saudi-coalition-says-100-jets-join-houthi-offensive/
Al Jazeera، “Saudi-led coalition says power station attacked in Medina, blames Houthis”، 1 أكتوبر 2026. https://www.aljazeera.com/amp/news/2026/10/1/saudi-led-coalition-says-power-station-attacked-in-medina-blames-houthis
Al Jazeera، “Hormuz and Yemen: Iran offers de-escalation at a price others will pay”، 29 سبتمبر 2026. https://www.aljazeera.com/opinions/2026/9/29/hormuz-and-yemen-iran-offers-de-escalation-at-a-price-others-will-pay
Al Jazeera، “Iran says it awaits US response on seven-day roadmap to end war”، 25 سبتمبر 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/9/25/iran-says-it-awaits-us-response-on-seven-day-roadmap-to-end-war
Al Jazeera، “Oil prices jump after Yemen’s Houthis claim attacks on Saudi facilities”، 25 سبتمبر 2026. https://aljazeera.com/economy/2026/9/25/oil-prices-jump-after-yemens-houthis-claim-attacks-on-saudi-facilities
QNA، “UN Security Council Condemns Houthi Attacks on Saudi Arabia and Red Sea Shipping”، 25 سبتمبر 2026. https://qna.org.qa/en/News-Area/News/2026-9/25/un-security-council-condemns-houthi-attacks-on-saudi-arabia-and-red-sea-shipping
Yeni Şafak (بحسب The New York Times)، “Trump called off planned US strikes on Houthis at last minute”، 21 سبتمبر 2026. https://en.yenisafak.com/world/trump-called-off-planned-us-strikes-on-houthis-at-last-minute-3723513
Reuters (بحسب Axios)، “Trump declines Saudi crown prince’s call for US strikes on Houthis”، 11 سبتمبر 2026. https://www.internazionale.it/ultime-notizie-reuters/2026/09/11/trump-declines-saudi-crown-prince-s-call-for-us-strikes-on-houthis-axios-reports
Ahram Online، “Turkey, Saudi Arabia, Pakistan name Makkah defense agreement ‘Makkah Defense Alliance’”، 31 أغسطس 2026. https://english.ahram.org.eg/News/575633.aspx
AFP، “Saudi Arabia, Turkey and Pakistan sign defense pact”، أغسطس 2026. https://kuwaittimes.com/article/47765/top-stories/saudi-arabia-turkey-and-pakistan-sign-defense-pact/
Iran Watch (ملخص لبرقية رويترز المؤرخة في 23 يوليو 2026)، “Iran Flew IRGC Commanders, Missile Gear to Yemen’s Houthis”. https://www.iranwatch.org/news-brief/iran-flew-irgc-commanders-missile-gear-yemens-houthis-sources-say
FDD’s Long War Journal، “Saudi Arabia and Houthis trade attacks over restarting direct flights between Yemen and Iran”، يوليو 2026. https://www.longwarjournal.org/archives/2026/07/saudi-arabia-and-houthis-trade-attacks-over-restarting-direct-flights-between-yemen-and-iran.php
















