

تتوالى التنبيهات حول المخاطر المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي وتتقدم على أي تهديد آخر في أخبار الحرب أو القلق البيئي والمناخي، أو الانهيار المالي وعلى نحو أكثر إلحاحاً. فالتقدم في هذا المجال يحدث بوتائر سريعة لا عودة فيها إلى الوراء ، إذ تخرج كل يوم من المختبرات آلات قادرة على التحرك، والعمل ضمن فرق، واتخاذ قرارات معقدة. هذه الثورة التكنولولجية صارت تهدد العالم، بأن تشكل ايديولوجيا خاصىة بها/ توتاليتارية تكنولوجية، تحمل وعوداً وأخطاراً هائلة، لا يمكن تجاهلها. وكان آخرها رؤية الروبوتات في الشوارع ، تفلت من السيطرة وتستولي على سلطة مطوريها، ما يقرع جرس الإنذار في أكثر من مكان. فكيف يمكن لروبوت تدرب في مختبر أن يهرب لقتل البشر؟ أليس من الخطير الاستمرار في تصنيع روبوتات مجهزة بمدافع أكثر قوة، مثل "ثاندر-ماكس " (ThunderMax 9000) الذي سيجهز "ديث-ماشين-8" المستقبلية، والتي هي حالياً في مرحلة الاختبار؟ وبالمثل، المختبرات، هل يجب حقاً أن تستمر في تصميم أنظمة دفاعية عالية الأداء، ومستقلة للغاية، ومسلحة بشكل مفرط ، وهل ينبغي للمصالح المالية أن تتفوق أبداً على أخلاقية البشرية؟
وتتزايد التحذيرات ومعها المخاوف التي طرحها البابا لاوون الرابع عشر، وسط تساؤلات عديدة حول مستقبل هذه الثورة الصناعية الخامسة، وبعد الزوبعة التي اثارتها تصريحات مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس عن مخاطر صارت قوية لتمكين أحداث قد تؤدي إلى" وفاة مليار شخص" من قبل جهات فاعلة غير حكومية تصنع أسلحة بيولوجية، أو القراصنة، أو خطر هروب وكلاء الذكاء الاصطناعي وشن هجمات إلكترونية على شركات أو بنية تحتية أجنبية. وهناك ما هو أخطر مما يجري على الأرض. سباق فضائي جديد يجري حالياً، لكن هذه المرة لا يتعلق السباق باستكشافات فضائية، بل بتسليحها.
لقد، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بنشر أسلحة للتحكم في الفضاء للدفاع ضد الخصوم. لم تحدد الولايات المتحدة ماهية هذه الأسلحة، لكن الخبراء العسكريين تكهنوا بأنها قد تشمل ليزرات أو أنظمة ميكروويف عالية الطاقة مصممة لتعطيل إلكترونيات الأقمار الصناعية، أو حتى أقماراً صناعية هجومية تستخدم أذرعاً آلية للقبض على مركبات العدو الفضائية أو إخراجها من مدارها.
وسارعت الصين إلى إدانة هذه الخطوة الأمريكية، قائلة إنها تعارض أي "سباق تسلح في الفضاء". كما أكدت روسيا أن الفضاء يجب أن يظل خالياً من أي أسلحة.
إن عسكرة الفضاء هذه هي مثال آخر محبط على تآكل شبكة الحوكمة الدولية في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي تم التفاوض عليها في ذروة الحرب الباردة، وشكلت إنجازاً رائعاً. واليوم، تحظى المعاهدة بدعم 118دولة. وهي تكرس مبادئ مفادها، أن الفضاء يجب أن يظل مجالاً مشتركاً للبشرية جمعاء، وتحظر نشر أي أسلحة دمار شامل في المدار، حيث تتنافس العديد من الدول والشركات على المزايا الاستراتيجية والتجارية، إذ تدير أكثر من 80 دولة الآن أقماراً صناعية، بإجمالي 18000 قمرا صناعي يدور حالياً حول الأرض. وتستحوذ خدمة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك على أكثر من نصف هذا العدد.
ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو ما إذا بدأت أي دولة في تفجير أقمار خصومها. والسيناريو الكابوسي هو أن الحطام الفضائي المتساقط قد يجعل من المستحيل تشغيل أي أقمار صناعية في مدار الأرض المنخفض لأجيال، وهي ظاهرة تُعرف بـ "متلازمة كيسلر". هذا، عدا استخدام تلك الأسلحة، وقد بدأ فعلياً في الحرب الأوكرانية / وفي الشرق الأوسط في خيانة مزدوجة للبشرية، وفي تجاوز مفهوم الردع عندما يعرف جميع الأطراف قدرات بعضهم البعض ويفهمون العواقب المحتملة لأفعالهم.
لقد، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انفتاحاً نسبياً،عندما وجد وقتاً لإجراء محادثات صريحة حول هذا الموضوع مع نظيره الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن . لذلك كانت ضرورة الاتفاق على معايير أساسية للتحكم، واختبار النماذج، وإنشاء آليات احتواء لتقليل المخاطر، وهناك حاجة مماثلة لقواعد اشتباك واضحة بشأن الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة النووية والفضائية. علاوة على ذلك، فإن التحدي الكبير، قد يأتي من المنافسين الذين يطورون نماذج قوية لا تفهم بالكامل، ولا يمكنها السيطرة عليها، خارج الامتثال للوائح السلامة.
المسؤولون الصينيون واضحون في رؤيتهم لأمريكا باعتبارها المصدر الرئيسي لتهديدات سلامة الذكاء الاصطناعي باستخدام محتوى مولد بالذكاء لإنتاج أسلحة سيبرانية بشكل مكثف. وتتطلع الصين إلى توسيع نطاق الأدوات التقنية لتقييم المخاطر، وتعميق التعاون الدولي، خاصة مع دول الجنوب العالمي، إلى تعزيز المفاوضات الثنائية مع أمريكا في المجالات التي ترى فيها أنها متأخرة. والتحدي الآن هو تحويل مثل هذه المخاوف إلى أساس للمحادثات المقبلة في قمة العشرين (G20) في ميامي يومي 14 و15 كانون الأول ( جرت دعوة الرئيس الروسي بوتين لحضورها ). قد تكون الصين مستعدة لإنشاء "مجموعة قيادية" بشأن الذكاء الاصطناعي، وتريد رأياً متساوياً فيما يعتبر آمناً جماعياً. ونقطة البداية على الأرجح اتفاقية شاملة بشأن الذكاء الاصطناعي تبدد المخاوف المشتركة بشأن النماذج والوكلاء المارقين، وتتطلب مشاركة من دول الاتحاد الأوروبي التي ما تزال متأخرة عن اللجاق بالسباق العالمي. في وقت تحذر رسائل القمة من أن التهديد الذي تشكله نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (Frontier AI) على الأمن السيبراني ، ومخاطر"سيناريوهات أكثر خطورة تنطوي على اضطرابات سوق مالية متزامنة عبر شركات متعددة أو اعتماد متبادل على التكنولوجيا".
، داعية وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية إلى فرض ضوابط على هذه التكنولوجيا. وتؤكد الرسالة الصادرة عن بنك إنجلترا، الذي يرأس محافظه أيضاً مجلس الاستقرار المالي، مدى قلق حراس النظام المالي العالمي من مخاطر الهجمات السيبرانية التي يدعمها الذكاء الاصطناعي باختراق مؤسسات خارجية وإنشاء هويات مزيفة لخداع الأشخاص الذين كانوا يجرون الاختبارات، ما يكشف أكثر نقاط الضعف القائمة، بما في ذلك الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة نفوذ المستثمرين، وتضخم تقييمات الأسهم.
وستجري محاولات إقناع الولايات المتحدة بإعادة النظر في نهجها المتساهل تجاه تنظيم هذه التكنولوجيا التي تهدد النظام المالي وما وراءه ، ويمكن يطيح الابتكار المالي بهيمنة الدولار في التمويل العالمي. فارتفاع الدين العام، والمخاوف بشأن تآكل استقلالية البنوك المركزية، واستخدام الدولار كسلاح من خلال العقوبات المالية، كلها عوامل تشجع على التنويع بعيداً عن هذه العملة. ويتحدث صناع السياسات في جميع أنحاء العالم بلا انقطاع عن التخلي عن الدولار، في حين ارتفعت حصة الذهب في الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية بشكل حاد. وتبلغ حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي الآن57 في المائة، مقارنة بـ 71 في المائة في عام 2000. كما تلاشت تقريباً "امتيازات الدولار"، التي سمحت لوزارة الخزانة الأمريكية بإصدار ديون بأسعار فائدة مواتية نسبياً. وهذا بالتأكيد يمهد الطريق لتعدد الأقطاب. وقد زاد الدولار الأسترالي والدولار الكندي والفرنك السويسري من حصصهم الجماعية في المدفوعات والاحتياطيات عبر الحدود. لكن يبقى الحجم الأكبر لأسواق رأس المال الأمريكية مقارنة بالدول الأخرى، إلى جانب ميزة السبق التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تمكين ابتكارات القطاع الخاص في تقنيات التسوية لتعزيز هيمنة الدولار . في المقابل، البلدان التي تحاول عزل نفسها عن هذه التقنيات الجديدة، ستكون الأكثر عرضة للخطر. فهي بحاجة إلى تطوير أسواق مالية واسعة ومنظمة بشكل جيد، والحفاظ على سياسات نقدية ومالية منضبطة، وتعزيز سيادة القانون، لمواجهة السياسات الأمريكية المتهورة في لحظة تتداخل فيها التجارة بالتكنولوجيا والأمن والجغرافيا بالسياسية. وربما تكون الأكثر إثارة للقلق مع عدم وجود عملة ترسي ثقة المستثمرين العالميين جراء اضطرابات لا يمكن وقفها وستؤدي إلى كارثةفي الشرق الأوسط، وحيث الكل في خطبه يتحدث عن السلام والأمن والنمو، لكن لا يفعل الكثير لوقف الحرب ولتأمين الاستقرار.