شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حسن الرفاعي، الحكيم المتمرّد
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.

إسرائيل تعلن السيطرة على تلة علي الطاهر

أعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، أنه «أتمّ تطهير منشأتين تحت الأرض تابعتين لحزب الله على تلة علي الطاهر» في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أن «قواته تعمل حاليًا على تحييدهما». ونقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن الجيش الإسرائيلي، وكذلك عبر حسابه على منصة «إكس»، قوله إن «قوات الفرقة 36 عملت في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، وتمكنت من فرض سيطرة عملياتية على التلة، فوق الأرض وتحتها. وخلال العملية، جرى تطهير المنطقة من مقاتلي حزب الله الذين كانوا متمركزين فيها، فقُتل بعضهم فيما فرّ آخرون». وأفادت المصادر، من جهة أخرى، بعدم وجود عناصر إيرانيين داخل الأنفاق، في حين كان خبراء قد أكدوا أن ما لا يقل عن اثني عشر عنصرًا من الحرس الثوري الإيراني كانوا متحصنين فيها إلى جانب مقاتلين من حزب الله. وذكرت جيروزاليم بوست أن هذه المنشآت، بحسب الجيش الإسرائيلي، شُيّدت على مدى نحو عشرين عامًا، بتخطيط وتمويل إيرانيين. رسم توضيحي مُولَّد انطلاقاً من تضاريس منطقة علي الطاهر. وفي سياق متصل، كشفت وكالة رويترز أن الإيرانيين كانوا قد حذروا الولايات المتحدة من أي هجوم إسرائيلي على موقع علي الطاهر. ويظهر ذلك مدى استمرار انخراط طهران في الجبهة التي فتحها حليفها حزب الله ضد إسرائيل منذ 2 آذار. إسرائيل تفرج عن خمسة لبنانيين وتحتجز ثلاثة آخرين بدأ نهار الخميس بعملية إسرائيلية غير مألوفة، نُفذت بعيدًا نسبيًا عن المنطقة المحتلة، في بلدة حولا، في قضاء حاصبيا، جنوب البلاد. وتسللت القوات الإسرائيلية إلى البلدة واحتجزت ثلاثة من سكانها، بعدما حاصرت عددًا من المنازل ومنعت قاطنيها من إخلائها، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. وأفاد شهود نقلت عنهم الوكالة بأن المعتقلين نُقلوا إلى داخل الأراضي الإسرائيلية. ولم تحجب هذه الخرق الإسرائيلي الجديد، الذي أضيف إلى سلسلة تفجيرات نفذها الجيش الإسرائيلي الخميس في نقاط مختلفة من الجنوب، مفاجأة أخرى تمثلت بإعلان إسرائيل الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين من سجونها، جميعهم اعتُقلوا خلال هذا النزاع، منذ 2 آذار، أو خلال النزاع السابق في 2023-2024. وقد أُفرج بالفعل عن شاب لبناني الخميس، وسُلّم إلى الجيش اللبناني عبر الحدود في الناقورة. وبحسب موقع المدن ، أُرجئ الإفراج عن أربعة لبنانيين آخرين إلى يوم الجمعة. «لن أسمّي ما يجري حربًا» في ما يتعلق بالنزاع مع إيران، اعتبر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الخميس، أن المواجهات، التي تثير استياء شريحة من الناخبين الأميركيين مع اقتراب انتخابات تشريعية مهمة، لا ترقى إلى مستوى «الحرب»، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الملاحة عبر مضيق هرمز عادت «تقريبًا» إلى طبيعتها. وفيما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن الرئيس دونالد ترامب يدرس احتمال إعلان انتهاء النزاع بشكل صريح، سعى نائب الرئيس إلى التقليل من حدة المواجهات خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض. وقال: «لن أسمّي ما يجري حربًا. في الوقت الراهن، لا يوجد تبادل لإطلاق النار»، وذلك رغم أن الولايات المتحدة استهدفت أهدافًا إيرانية مرتين خلال الأيام الأخيرة. وأدت إحدى هذه الضربات، التي توعدت إيران بالرد عليها، إلى مقتل أربعة أشخاص خلال حفل زفاف. وقال فانس ردًا على سؤال بشأن هذه الضربة: «وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية لم تنقل، في الواقع، بصورة موثوقة ما جرى في هذا النزاع حتى الآن، ولذلك فأنا متشكك للغاية حيال هذه الرواية»، مضيفًا أن الولايات المتحدة تجري، رغم ذلك، «تحقيقًا معمقًا». من جهته، قال دونالد ترامب، في مقابلة مع القناة البريطانية المحافظة GB News بُثت الخميس: «لدينا سيطرة كبيرة على مضيق هرمز. نحن نُمرّر ما بين 30 و40 سفينة كل ليلة». وأخيرًا، في مؤشر إضافي إلى أن الحرب في الشرق الأوسط لا تزال بعيدة عن نهايتها، أفادت وول ستريت جورنال بأن وزارة الدفاع الأميركية مددت بهدوء بقاء 50 ألف جندي منتشرين في المنطقة. ضربات إيرانية على الكويت والإمارات ميدانيًا، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ ضربات، ليل الأربعاء ـ الخميس، ضد «أهداف أميركية» في الكويت والإمارات العربية المتحدة. وقال الحرس الثوري، في بيان، إنه استهدف «بواسطة صواريخ وطائرات مسيّرة أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ومستودعات المعدات، وحظائر الطائرات المقاتلة التابعة للجيش الأميركي في قاعدة أحمد الجابر الجوية في الكويت». أما في الإمارات العربية المتحدة، فقد استهدفت الضربات، بحسب الحرس الثوري، أنظمة الرادار الأميركية في قاعدة المنهاد الجوية.

"حزب الله" المفلس... يبحث عن تغطية!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يعطي بحث "حزب الله" عن غطاء مسيحي لسلاحه ونهجه الرافض للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل فكرة عن عمق المأزق الذي يعاني منه حزب ليس سوى ميليشيا مذهبيّة في خدمة "الحرس الثوري" الإيراني. انتهى "حزب الله" الذي عرفناه بكل جبروته وسلاحه وقدراته الماليّة. في الواقع، أفلس "الحزب" الذي كان يعتبر نفسه قادرا على لعب أدوار تتجاوز لبنان، في سوريا واليمن، وفي مرحلة معيّنة في البحرين، على سبيل المثال وليس الحصر. ليس ما يؤكّد حال الإفلاس أكثر من فتح دفاتر قديمة من نوع دفتر العلاقة مع "التيار العوني"، نسبة إلى ميشال عون الذي لم يكن لديه من هدف غير الوصول إلى موقع رئيس الجمهوريّة بأي ثمن كان. لا يبحث في دفاتره القديمة غير التاجر المفلس الذي يعتقد أنّ لديه ديونا لا يزال في استطاعته تحصيلها. لا يدرك "حزب الله" أنّ "التيّار العوني" الذي على رأسه حاليا النائب جبران باسيل يتساوى معه في درجة الإفلاس. لا يملك باسيل وآخرون على شاكلته، غير محاولة تعويم الذات عن طريق رفض سلاح "حزب الله"، إرضاء لما بقي لديه من قاعدة مسيحيّة من جهة، والتركيز على أن الجيش اللبناني هو الطرف الوحيد الذي يمتلك حصرية السلاح من جهة أخرى. منذ متى هذا الحرص من "التيار العوني" على الجيش اللبناني؟! خضع ميشال عون طوال عشر سنوات، أي منذ توقيعه وثيقة مار مخايل مع حسن نصرالله في شباط – فبراير 2006 لإمتحانات استمرت عشر سنوات. نجح في كلّ تلك الإمتحانات التي أجراها له "الحزب"، بما في ذلك تبرير اغتيال عنصر من "حزب الله" للضابط الطيار سامر حنا لمجرد ذهابه في طائرة هليكوبتر إلى منطقة تقع تحت سيطرة "الحزب" في جنوب لبنان. برّر ميشال عون قتل ضابط طيار لبناني حلق فوق أرض لبنانيّة بقوله: "ما الذي جاء يفعله (سامر حنا) هناك"! بات مطلوبا من طرف مفلس تغطية طرف مفلس آخر. لا يفيد ذهاب وفد من "حزب الله" للقاء وفد "عوني" في شيء. لن تفيد في شيء أيضا جولة يقوم بها وفد من "الحزب" على قوى سياسيّة أخرى وذلك من أجل تبرير احتفاظ "الحزب" بسلاحه الذي ليس سوى سلاح في خدمة إيران ومشروعها التوسّعي في المنطقة. إنّه مشروع سقط في سوريا قبل أن يسقط في إيران نفسها التي باتت في حرب تدافع فيها عن مستقبل نظامها، نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة". لم تعد للنظام الإيراني أي علاقة بما يدور في العالم وفي المنطقة منذ السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 يوم شنت "حماس" هجوم "طوفان الأقصى" مستهدفة مستوطنات إسرائيلية في منطقة غلاف غزّة. بعد "طوفان الأقصى" تغيّرت إسرائيل وتغيرت المنطقة أيضا، فيما رفضت إيران أن تتغيّر! المستغرب أنّ "حزب الله" يبحث عن غطاء لسلاحه في وقت يشهد جنوب لبنان مأساة حقيقيّة. يمثل تلك المأساة، التي تعني عودة الاحتلال الذي رحل في العام 2000، تدمير إسرائيل نحو سبعين قرية وتهجير ما يزيد على مليون مواطن. مثل هذا الواقع لا يعني شيئا لدى "الحزب". يبحث "الحزب" فقط عن إيجاد مبرّر داخلي للإحتفاظ بسلاحه. هناك حزب، تابع لإيران، يعتقد أنّ الإحتفاظ بالسلاح أهمّ من السعي إلى التخلّص من الاحتلال. إنّه حزب يعرف أنّ وجوده مرتبط بهذا السلاح الذي لم يكن في يوم من الأيام سوى سلاح يستهدف إخضاع المواطن اللبناني والدولة اللبنانيّة وجعلهما تحت الوصاية الإيرانيّة. من في لبنان مستعدّ لتغطية السلاح الميليشيوي والمذهبي الذي يعني أوّل ما يعنيه بقاء الاحتلال الإسرائيلي؟ الواضح أنّ "التيار العوني" صار العنوان الخطأ، لا لشيء سوى لأنّه حقق المطلوب تحقيقه من خلال "حزب الله" وسلاحه، أي وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا. لم تبق لدى "حزب الله" سوى ورقة الرئيس نبيه برّي الذي كان مفترضا به تذكّر تغييب الإمام موسى الصدر بطريقة أفضل وليس بخطاب خارج عن السياق السياسي في لبنان والمنطقة. كان خطاب برّي خارج الموضوع المطروح كونه تحدّث عن الوضع اللبناني كما لو أن البلد لا يزال في ثمانينات القرن الماضي. وقتذاك، في العام 1983، لعب النظام السوري الذي كان على رأسه حافظ الأسد دورا أساسيا في اسقاط إتفاق 17 أيار الذي لن يستطيع لبنان الحصول على أفضل منه في ضوء موازين القوى القائم. على الرغم من ذلك كلّّه، لا يمكن الإستهانة بموقف نبيه برّي الذي يبدو أن لديه أسبابا تدعوه إلى التعامي عن حقيقة الوضع اللبناني وتجاهل ما يدور فعلا على أرض الجنوب... ومراعاة إيران إلى أبعد حدود. هل يعي رئيس حركة "أمل" الذي يوفّر غطاء جدّيا لـ"حزب الله" أبعاد ما يقوم به في حين كان في استطاعته التعاطي مع الواقع اللبناني وواقع الجنوب بدل الهرب منهما؟ بين "التيار العوني" الذي لا يمثل أكثر من غطاء مترهل ونبيه برّي الذي يحاول إظهار وجود طائفة شيعيّة متماسكة، وأنّ لا فارق بين "أمل" و "حزب الله"، يظلّ السؤال الأساسي من يزيل الاحتلال الإسرائيلي وما ثمن إزالته. الأكيد أنّ سلاح "حزب الله" مرشح لإزالة الجنوب وربّما لبنان بغض النظر عن كل ما يمكن أن يحصل عليه من تغطيات مصدرها جهات تحتاج إلى من يغطيها...

عن أهمية الحلم والكلام لدى شعب الواييو (2/2)
بقلم
ماكسيم بلوفينيه
نُشر

يشكّل شعب الوايو أمة أصلية عابرة للحدود، تعيش في المنطقة الممتدة بين شبه جزيرة لا غواخيرا، في أقصى شمال كولومبيا، وجزء من الساحل الكاريبي لفنزويلا. ويفتخر الوايو بلقب «الشعب الذي لم يُقهر قط». هذه وقائع رحلة عبر الصحراء خاضها الكاتب برفقتهم خلال فترة عيد الفصح عام 2026، وكانت مناسبة لاكتشاف بعض جوانب فلسفتهم في السفر. في الجزء الثاني من هذه السلسلة عن شعب الوايو، تتيح لنا جوانب أخرى من الرحلة التعرّف إلى بعض السمات الأساسية في معتقداتهم، من خلال ملاحظات تتناول، من جهة، الأهمية التي يولونها للحلم، ومن جهة أخرى، المكانة التي تحتلها الكلمة. تقرير من لا غواخيرا الكولومبية. بعد الأرض المادية، التي يجسّدها الانتماء إلى العشيرة وترتبط بالمقبرة، ثمة فضاء آخر يكملها ولا يقل عنها أهمية في تجسيد روح الوايو: عالم الأحلام. الحلم بالنسبة إلى الفرد من الوايو رؤية كاشفة؛ وعي آخر ينبئ بالأحداث المقبلة، ويدلّ على الطريق الذي ينبغي سلوكه، وينقل رسالة، ويفسّر واقع اليقظة. ولهذا فإن أي شخص من الوايو ملمّ إلى حد ما بلغته وثقافته يسأل، بصورة طبيعية، عند استيقاظه أول من يلتقيه بعد النهوض من فراشه: Jamaya pulapüin? أي: «ماذا حلمت؟». (Wikimedia Commons) عند أقصى الطرف الشمالي من لا غواخيرا، في المزار المعروف باسم Talüwayüüpana، أمضيت ليلة نائماً في suy أو chinchorro، أي الأرجوحة التقليدية، برفقة باولا ونحو خمسة عشر شخصاً آخر كانوا قد دعوني إلى حضور طقس شعائري. ومع شروق الشمس، حين استيقظ الجميع بصورة طبيعية مع أولى الأشعة، أخذوا يروون أحلامهم بعضهم لبعض، قبل أن يتوجهوا إلى الـmayor، الشيخ العارف بالأمور، الذي كان ضمن مجموعتنا، ليقوم بتفسير حلم كل واحد منهم على حدة. «آها... رأيت فتاة صغيرة في حلمي»، قال أحد المشاركين في الطقس للـsabedor، أي الحكيم العارف. «كانت الفتاة تقف أمامي، في ذلك الاتجاه، نحو البحر، نحو المكان الذي غربت فيه الشمس. استدارت وبدأت تركض. تبعتها وحاولت اللحاق بها. هذا هو حلمي». وبعد لحظة من التفكير، أجابه الشيخ: «ربما كانت تدلّك على نقطة ماء. توجد في هذه المنطقة ينابيع كثيرة منسية يمكن أن يستفيد منها قطيعك». فسأله الرجل: «وماذا عن الفتاة؟». فأجاب: «هناك أرواح كثيرة في هذه المنطقة». ما يبرز في هذا الحلم هو الدور الذي أدّته الفتاة الصغيرة. فالحلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الأرواح. وحضور أرواح الموتى أو أرواح الطبيعة هو المحرّك لمعظم الأحلام المهمة، إلى جانب بعض العلامات التي تتركها هذه الأرواح. فالحلم هو، بامتياز، فضاء التواصل مع هذه العناصر الأخرى من الواقع. التضحية بالجِداء يمكن اعتبار الطقس الذي أتيحت لي فرصة حضوره بمثابة النسخة اليقظة من الحلم، إذ يتيح التواصل مع الأرواح بطريقة أخرى، بما فيها الطبيعة ــ وهي فئة لا توجد بالنسبة إلينا إلا بسبب مقابلتها بالثقافة، في حين أن هذا الفصل يبقى أكثر ضبابية لدى الوايو. جمعتنا امرأة sabedora ورجل sabedor، أي عارفان بالتقاليد، أولاً لحضور التضحية بعدد من الجِداء. وبينما كان رجل يمسك الحيوان من قرنيه، كان الشيخ يغرس سكينه بسرعة في عنقه ثم يسحبها. ويُترك الحيوان بعد ذلك، فينثر دمه خلال ركضته الأخيرة قبل أن يسقط أرضاً بعد ثوان. كان Juya، الإله الرئيسي للمطر، راضياً عن هذا الانسياب الأحمر. وبعد حلول الليل، وتحت ضوء القمر المكتمل وحده، جمعتنا المرأة العارفة في دائرة وأجرت لنا جميعاً طقس limpieza، أي التطهير، عبر نفثات من مشروب chinrrichi وصلوات تترافق مع الضرب بالنباتات. ثم جاءت رقصة yonna المقدسة التقليدية، حيث تضع المرأة رسوماً على وجهها وترتدي حجاباً أحمر كبيراً بلون طائر الكاردينال القرمزي، رمز لا غواخيرا. وترقص وهي تطارد الرجل الذي يقفز في الاتجاه المعاكس. (Wikimedia Commons) وتحاكي خطواتهما الطبيعة: السحب، والحجل، واليمامة، والحصان. هذه الرقصة، التي تحوّلت اليوم إلى رمز فولكلوري أمام السياح المستعدين لدفع المال، هي في حقيقتها رقصة غزل، لكنها تظل عنصراً أساسياً في كل مناسبة مقدسة تتضمن تواصلاً مع الأرواح والأرض. وفي الحقيقة، نادراً ما تُفسَّر معظم الأحلام على أنها بشائر سعيدة. فالوايو الذي يبحث عن معنى لحلمه يبدو غالباً قلقاً. وكثيراً ما يكون النوم شكلاً من أشكال التحذير: إنذاراً بمرض، أو استعداداً لوضع مناخي صعب، أو وسيلة للحماية من روح شريرة. وثمة ملمح أخير يكشف عن مدى تداخل المقدس والروح والحلم لدى الوايو، ويذكّر أيضاً بموقفهم من الرحيل والسفر. ففي نهاية الطقس، ومع ساعات الصباح الأولى، وحين حان وقت المغادرة على متن دراجتنا المتواضعة ذات الـ150 سنتيمتراً مكعباً لمواجهة طرق الصحراء الرملية والقاحلة، هممت بالالتفات لإلقاء إشارة وداع أخيرة على المجموعة. لكن امرأة كانت تغادر أيضاً، وتسير خلفي مباشرة، خاطبتني بحزم: «لا تلتفت. عندما ترحل، يجب ألا تنظر إلى الوراء». الـ Putchipuü وفنّ الكلمة إن ما يمكن تسميته بالقانون العرفي للوايو، أو بالأحرى مجموع القواعد والأدوار التي تشكّل نظامهم المعياري غير المكتوب، أمر بالغ الإثارة للاهتمام. وهو إلى درجة من الأهمية دفعت اليونسكو عام 2010 إلى إدراجه على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. والشخصية المحورية في هذا النظام هي putchipuü، أو palabrero: «صاحب الكلمة». لا يُعيَّن هذا الشخص بصورة رسمية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل يُعترف بمكانته وهيبته بالإجماع داخل عشيرته والمجتمع. وتتمثل أبرز صفاته في اثنتين: أولاً، معرفته بتاريخ الوايو ومعاني تقاليدهم وعاداتهم؛ وثانياً، تمتعه بطبيعة متروية ومسالمِة، تتيح له الحفاظ على مسافة حكيمة أثناء النزاعات، بما يقتضي هدوءاً كبيراً وقدرة عالية على الاستماع. ولا يُورَّث لقب putchipuü، وإن كانت هناك سلالات عائلية من «رسل الكلمة» هؤلاء. ففي كثير من الأحيان يصبح المرء putchipuü بعدما ينشأ متعلماً من سلفه ومراقباً سلوكه، وقد يكون هذا السلف أحد أقرب أفراد عائلته. هذا هو نيمر، في نحو الثلاثين من عمره، وهو على معرفة واسعة بصورة استثنائية بتقاليد الوايو مقارنة بأفراد جيله. يدرس برنامج ماجستير بعنوان «الأرض الأم»، وهو برنامج دراسات للسكان الأصليين في جامعة أنتيوكيا، ما يمنحه معرفة أعمق بما يسمّى «روح الوايو». كل شيء في نيمر يوحي بأنه putchipuü مستقبلي، وليس ذلك من قبيل الصدفة. فمنذ طفولته يسير على خطى والده، وهو palabrero شهير ومحترم في منطقة غواخيرا العليا. وبفضل نيمر تحديداً تمكنت من حضور الطقس الذي أُقيم عند «صخرة المصير». ومع حلول الليل، وبعد الانتهاء من أول عملية تضحية، طلب مني باولا ونيمر الاقتراب. تجمع المشاركون حول المسار الدائري المرسوم في الرمل والمخصص لرقصة Yonna المقدسة. وقدّم الجميع أنفسهم بالتتابع، فذكر كل منهم اسمه وعشيرته وسبب حضوره. ثم بدأ putchipuü خطاباً افتتاحياً طويلاً. وكان هو الشيخ نفسه الذي سيفسّر الأحلام في صباح اليوم التالي. وبفضل الترجمة الفورية التي قدّمتها باولا، استطعت مع ذلك أن ألمح جمال الأشكال البلاغية الخاصة بفصاحة وإيقاع الـjayeechi لدى الوايو. فالـputchipuü، هذا الرسول، هو سيد إحدى القيم المركزية في ثقافة الوايو: الكلمة. خلال هذا اللقاء الرسمي الصغير، الذي كانت تتخلله سحب الدخان المتصاعدة من سجائر التبغ المتبادلة بين المشاركين، تناول خطيبنا موضوعات مختلفة، وكان دائماً يوضحها بحكايات تحمل عبرة: ما معنى أن يكون المرء من الوايو، مع التذكير بقصة خلق العالم وفق تصوّرهم الكوني؛ ثم موضوع الحب، مستعيداً مغامرة عاطفية تعيسة عاشها في شبابه وما تسببت فيه لاحقاً من نزاع بين عشيرتين؛ وأخيراً، أهمية تسوية الخلافات، بوصفها خاتمة لهذه القصة. وأنهى الـputchipuü خطابه بإحدى أكثر تجليات البلاغة لدى الوايو جمالاً ودقة: jayeechi. وهو نشيد ــ قصيدة مرتجلة، وبالتالي عابرة، تؤرخ للحظة خاصة، مثل اجتماع أو سهرة جنائزية أو زفاف. وقد يتحول الـjayeechi أيضاً إلى مبارزة، في صورة مناظرات شعرية لا تخلو من شبه بالزجل اللبناني. ومن خلال هذه الحكاية عن خيبة الحب، وما رافقها من تشديد على النزاع العائلي الذي نتج منها، يمكن فهم الدور الأساسي للـputchipuü الذي أشرنا إليه في بداية هذا الجزء: فهو حارس «القانون العرفي» للوايو، ويتمتع بصفة الوسيط وصانع السلام في النزاعات. في روايته وفي الـjayeechi الذي أنشده، يستعيد الـpalabrero بالطبع ذكرى مؤثرة من تجربته الشخصية، أشبه بمجنون ليلى من شعب الوايو يندب حبيبته التي لا يستطيع الوصول إليها. لكن العبرة التي تتصدر هذه الذاكرة المشتركة هي مأساة رؤية عائلتين، وبالتالي عشيرتين، تتمزقان وتصلان إلى المواجهة. فالمأساة الكبرى لدى الوايو هي تفكك الروابط. أما الحل في أوقات الأزمات، فهو إيجاد أرضية مشتركة من خلال تعويض أو إصلاح تقدمه إحدى الجهات إلى الأخرى. ومن الأدلة على المكانة العليا للكلمة في ثقافة الوايو أن السكان المحليين يقولون عندما يريدون تهديد شخص بإحالته إلى القانون المجتمعي: Cuidao que te voy a mandar la palabra أي: «انتبه، سأرسل إليك الكلمة!». لكن دور الـputchipuü ليس دور القاضي؛ ففي أحد المعاني، لا وجود للقاضي أصلاً لدى الوايو. وظيفته هي وظيفة «السفير»، الذي يعمل على تهدئة التوترات والتوصل إلى تسوية. وعندما تكون لدى عشيرة شكوى ضد أخرى، يتولى putchipuü كل طرف، بصفته ممثلاً رسمياً، الحوار باسم أفراد العشيرة المجتمعين للتداول في القضية. راية الوايوو. (Wikimedia Commons) ولا يتعلق الأمر بنقاش عفوي، إذ توجد قواعد وعقوبات غير مكتوبة. فالسرقة العادية، مثلاً، تستوجب تعويضاً مالياً أو مادياً يعادل أربعة أضعاف قيمة الشيء المسروق، حتى لو تمت إعادته. ومن المهم فهم أن الإدانة لا تتعلق فقط بمدّعٍ أو متهم، ولا تتحول، بعد صدور الحكم، إلى مجرد قضية بين ضحية ومذنب. إن شرف العشيرة بأكملها هو الذي يكون موضع مساءلة. ولذلك يرافق عدد من أفراد العائلة الشخص المتهم، وإذا اعترف بالذنب، فعليه أيضاً إصلاح الضرر الذي لحق بشرف عشيرته. إنها صورة من صور العدالة التعويضية والإصلاحية المعترف بها دولياً. خاتمة: الزمن يمضي والذاكرة تبقى في موسم عيد الفصح، خلال شهر أبريل، تكون الأرض متشققة وجافة. «ينبغي أن تعود في فترة عيد الميلاد، كل شيء يكون أكثر اخضراراً في لا غواخيرا». مرة واحدة كل عام، تهطل الأمطار فتغمر أجزاء واسعة من المنطقة. وللسؤال عن عمر شخص ما بلغة wayuunaiki، يُقال: ¿Jeera puuyase? وهو ما يعني حرفياً: «كم مطراً رأيت؟»، إذ لا تهطل الأمطار بغزارة إلا خلال فترة واحدة من السنة. أدركت أنني لم أرَ لدى الوايو قبراً قديماً واحداً، ولا نصباً قديماً ولا أثراً عائلياً قديماً. فالمطر، مثل السنين، يمحو ذكرياتهم. المطر هو الزمن الذي يمر ويكشف هشاشة كل ما هو عابر: آثار الأقدام في الرمل، ومرور البشر. إنه يغسل الأرض ودماء القرابين، ويغمر الدموع. وبالنسبة إلى الوايو، فهو ينتهي دائماً إلى محو أحلامهم وقبورهم. ولا تبقى سوى الحكايات، الشفوية بطبيعة الحال. وهذه الذاكرة الشفوية مدهشة. حين كنت أزور الجبال الخضراء في متنزه Macuíra الوطني، رافقني أحد أعمام باولا إلى كثبان Aleewolu’u، الواقعة في أحد سفوح السلسلة الجبلية. وهناك روى لي دليلي: «في زمن وصول الإسبان، كان شعب الأرواكو يعيش قرب البحر. كانت أراضيهم على الساحل، لأنهم كانوا صيادين، في حين كانت الجبال والصحراء للوايو. لكن الأرواكو فرّوا بعد أن دمّر الغزاة قراهم. فجاؤوا إلى هنا، إلى ماكويرا، ويقول أجدادنا إن هذه الكثبان بدأت تتشكل في ذلك الوقت. عاش الأرواكو هنا فترة من الزمن، والوايو، رغم أنهم لم يكونوا يحبون كثيراً أن يطأ الغرباء أرضهم، استضافوهم لبعض الوقت. بقي الأرواكو مدة كافية لدفن موتاهم في هذه الأرض. وفي أحد الأيام، رأى حكيمهم في حلم أنه طُلب منه أن يقود شعبه إلى سييرا نيفادا، وقيل له إن أرضهم موجودة هناك. وما زالوا يعيشون هناك حتى اليوم». وهذا المقطع، الذي انتقل شفهياً من جيل إلى جيل، ترك آثاراً ملموسة أيضاً. فقد عثر أفراد الوايو في ماكويرا على قطع من الفخار تعود إلى الأرواكو، بعضها جنائزي، وقد رأيت صوراً لها. أما الأرواكو أنفسهم، فيقومون سنوياً برحلة حج إلى ماكويرا لإقامة طقس على قمة الكثبان، حيث يصلّون من أجل أرواح موتاهم الذين بقوا في هذه الأراضي، ويستذكرون ضيافة الوايو لهم. إنها ذاكرة شفوية عبرت القرون. الشفهية، والكلمة، هما قوة ذاكرة الوايو. أما المكتوب، فمن الأفضل الحذر منه. وفي إحدى الأمسيات، رأتني باولا أدوّن ملاحظات عن الرحلة، فصححت لي بعض الأخطاء في كلمات wayuunaiki التي كتبتها في دفتري. ثم قالت لي بابتسامتها الماكرة المعهودة: «أترى؟ الكلمة أفضل. لا ينبغي أبداً أن تصدّق ما هو مكتوب».

/