شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عرض عسكري حوثي في 21 سبتمبر 2022 بصنعاء (أ ف ب)
دراسة
صورة المؤلف
بقلم سعود المولى
نُشر أكتوبر 8, 2026 - 03:52
III. من صعدة إلى صنعاء: التحالف المفارق والاستيلاء على السلطة تآكل نظام صالح حكم علي عبد الله صالح أكثر من ثلاثة عقود من خلال منظومة من الزبائنية القبلية. واستند في ذلك إلى حلف عُقد سنة 1978 مع الشيخ عبد الله الأحمر، زعيم اتحاد حاشد القبلي، واللواء علي محسن الأحمر، قائد الفرقة الأولى مدرع. أما سنحان، جماعته القبلية المنضوية في حاشد، فكانت تمسك بالمواقع القيادية في المؤسستين العسكرية والأمنية. وقد قامت هذه المنظومة على الريع النفطي الذي كان يشكّل، سنة 2002، ما يصل إلى 75 في المئة من موارد الدولة. ومع تراجع الإنتاج، بنحو 40 في المئة بعد بلوغه ذروته، تقلّصت الموارد المتاحة لإعادة التوزيع. فانخفضت المخصصات التي كان يتلقاها صغار المشايخ، أو انقطعت تماماً. وفي الوقت نفسه، كان الحوثيون يمتلكون موارد خاصة بهم وشرعية مستقلة عن البنى القبلية التقليدية. وأتاح لهم ذلك استقطاب قبائل تشعر بالتهميش، ولا سيما داخل اتحاد بكيل القبلي الذي طالما طالب بالمساواة مع حاشد. 2011: من الثورة إلى التحالف مع العدو السابق أتاحت انتفاضة 2011، في البداية، فرصة للاندماج في النظام السياسي. فشارك الحوثيون في التظاهرات، ثم في مؤتمر الحوار الوطني. لكنهم، في الوقت نفسه، بسطوا سيطرتهم ابتداءً من مارس 2011 على صعدة، ثم على مديريات في عمران وحجة والجوف. وبعد خروج صالح من السلطة بموجب المبادرة الخليجية، غيّروا موقعهم وتحالفاتهم. وكان تحالفهم مع خصمهم السابق مفارقاً بكل المقاييس. فبين عامي 2012 و2014، فتح صالح أمامهم مخازن الجيش وشبكات حزبه، المؤتمر الشعبي العام. وكان للطرفين عدو مشترك: حزب الإصلاح المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، واللواء علي محسن الذي انضم إلى الثورة. أراد صالح من هذا التحالف أن يكون أداة للانتقام من خصومه. لكنه أفاد الحوثيين في الواقع، إلى حد أن كثيراً من اليمنيين أخذوا يصفونهم بـ“وحش فرانكنشتاين”. 21 سبتمبر 2014 والحرب السعودية في 21 سبتمبر 2014، دخل الحوثيون صنعاء. وسيطروا، بصورة منهجية، على الإذاعة والتلفزيون والوزارات والثكنات العسكرية. ونص “اتفاق السلم والشراكة الوطنية” على انسحابهم مقابل تشكيل حكومة تكنوقراط. شُكّلت الحكومة، لكن المقاتلين لم ينسحبوا. وفي يناير 2015، قدّم الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس حكومته خالد بحاح استقالتيهما. ووُضع هادي قيد الإقامة الجبرية، قبل أن يفر إلى عدن ويدعو المملكة العربية السعودية إلى التدخل. وفي 26 مارس 2015، أطلقت الرياض عملية “عاصفة الحزم” على رأس تحالف عربي. غير أن الهدف المعلن، أي إعادة الحكومة المعترف بها إلى السلطة، لم يتحقق قط. وفي ديسمبر 2017، حاول صالح الانقلاب على حلفائه فقُتل. وخرج الحوثيون من هذه الأزمة منفردين بالسيطرة على صنعاء. ثم جاء اتفاق ستوكهولم سنة 2018، تحت ضغط الأزمة الإنسانية، ليوقف الهجوم على الحديدة ويرسّخ وجود الحركة على ساحل البحر الأحمر. واعتباراً من أبريل 2022، وضعت هدنة برعاية الأمم المتحدة حداً للغارات الجوية السعودية. وكانت الرياض تسعى إلى الخروج من الملف اليمني، فيما بدأت مفاوضات مباشرة عبر مسقط. ورفع الحوثيون ثمن السلام، مطالبين، خصوصاً، بأن يتولى التحالف دفع متأخرات رواتب موظفي الدولة. واستمرت هذه الهدنة أربع سنوات، بصعوبة وتعثّر، حتى يوليو 2026. IV. الدولة الحوثية: فعالية سلطوية وهشاشة بنيوية القيام مقام الدولة لا تصمد أمام التدقيق صورة مقاتلين تقليديين هبطوا من الجبال ليستولوا على بلد. ففي غرب اليمن، حيث يسيطر الحوثيون على ما بين ربع البلاد وثلثها، ويعيش أكثر من نصف السكان، نجحت الحركة في الحؤول دون انهيار الخدمات والاقتصاد والأمن. وظل الريال أكثر استقراراً هناك منه في المناطق الخاضعة للحكومة، كما بقيت الهجمات الجهادية نادرة. ولتحقيق ذلك، اعتمد الحوثيون في البداية على شبكات الموظفين التي ورثوها عن نظام صالح، قبل أن يضعوا رجالهم في مواقع الدولة، ولا سيما بعد عام 2017. نظام المشرفين يقع في قلب السلطة الفعلية جهاز موازٍ للمؤسسات الرسمية، هو جهاز “المشرفين”. ظهر هذا النظام في صعدة سنة 2011، ثم عُمّم على الوزارات كلها بعد السيطرة على صنعاء، تحت عنوان مكافحة الفساد. وغالباً ما يتحول الوزراء التكنوقراط إلى واجهة، فيما تكون السلطة الحقيقية في يد المشرف، وهو في العادة أحد الموالين للحركة، وقد لا يمتلك أي اختصاص في المجال الذي يشرف عليه. وحتى مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، تتداخل صلاحياته عملياً مع النفوذ الواسع لمدير مكتبه أحمد حامد، الملقب بـ“رئيس الرئيس”. وفي كل محافظة مشرف عام يعيّنه عبد الملك الحوثي ويرتبط باللجنة الثورية. وتحت سلطته مئات المشرفين الموزعين على خمسة قطاعات: الأمن، والمال، والشؤون الاجتماعية، والأيديولوجيا، والتعليم. وتشمل الأجهزة الأمنية جهاز الأمن الوقائي الذي يراقب المقاتلين، وجهاز الأمن والمخابرات، و“الزينبيات”، وهي قوة نسائية تتولى مراقبة النساء واعتقالهن. وقد غيّرت هذه الشبكة بنية المجتمع التقليدية. فالمشايخ القبليون، الذين كانت جماعاتهم تختارهم في السابق، باتوا إما يُستوعبون في المنظومة، أو يُهمّشون، أو يُجرَّدون من نفوذهم، وأحياناً تُهدم منازلهم. أما “العاقل”، أي مسؤول الحي الذي كان يؤدي دور الوسيط، فتحول إلى مخبر يبلّغ عن الشبان القابلين للتعبئة ويوزع المساعدات الإنسانية بالأولوية على الأسر الموالية. آلة مالية في خدمة الحرب تفتقر المناطق الخاضعة للحوثيين إلى الموارد الطبيعية. ومع ذلك، تشير تقديرات تعود إلى سنة 2022 إلى أن الجبايات فيها قد تبلغ 1.8 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل تقريباً إجمالي الإيرادات الضريبية لليمن بأكمله في نهاية عهد صالح. وتُجبر المؤسسات التجارية على دفع متأخرات تعود إلى تاريخ تأسيسها. كما تحولت الزكاة إلى ضريبة إلزامية تُجبى في شهر رمضان. ويضاف إلى ذلك ما يُفرض من مساهمات لتمويل المناسبات والاحتفالات، مثل المولد النبوي وعاشوراء ويوم القدس، فضلاً عن جباية شبيهة بـ“الخُمس” تعود بالنفع على الهاشميين. ويذهب هذا المال إلى تمويل المجهود الحربي أكثر مما يذهب إلى دفع الرواتب. فكثير من الموظفين لا يتقاضون سوى نصف رواتبهم، وعلى فترات غير منتظمة. وفي المقابل، ارتفعت أسعار العقارات في صنعاء ارتفاعاً حاداً، مدفوعة بظهور طبقة جديدة من المنتفعين من اقتصاد الحرب والمرتبطة بالحركة. كما خضع جزء من المساعدات الإنسانية الدولية لسيطرة الحركة، فيما تعرضت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، في 2024 ثم مجدداً في 2025، لموجات من الاعتقالات. الأيديولوجيا والقمع والغضب الصامت تتغلغل أيديولوجيا عبد الملك الحوثي في الجيش والمدارس والمساجد. ويفرض جهاز للرقابة الأخلاقية والاجتماعية قيوداً على حقوق النساء، فيما يقارن معارضون النظام بحكم طالبان. كذلك، تحيط بالنظام مسكوتات تتعلق بمكانة الهاشميين وبالتوارث العائلي للسلطة، وهو ما يؤدي عملياً إلى تهميش الأغلبية السنية الشافعية في البلاد. والتشخيص واضح: قبضة الحركة قوية، لكنها هشة. فالحرب توفر مبرراً للفقر والفساد والقمع، كما تغذي رد فعل وطنياً في مواجهة “العدوان” السعودي، طالما ساعد على حجب قرب الحركة من طهران. لكن انتهاء الحرب يعني زوال هذا المبرر. ومن هنا تبرز فرضية أساسية لما سيأتي: للحركة مصلحة بنيوية في الإبقاء على حالة تعبئة دائمة. V. البحر الأحمر كسلاح: من التضامن مع غزة إلى الردع غير المتكافئ (2023–2025) فاعل إقليمي منذ نوفمبر 2023، فتح الحوثيون جبهة بحرية باسم التضامن مع غزة. وخلال عشرة أشهر، نفذوا أكثر من 120 هجوماً على سفن تجارية، ازدادت تعقيداً مع الوقت، كما أطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل على مسافة تتجاوز ألفي كيلومتر. وفي مارس 2024، غرقت سفينة الشحن Rubymar المحملة بالأسمدة، فيما كادت ناقلة النفط Sounion ، التي أُصيبت في أغسطس، تتسبب في كارثة نفطية تاريخية. وخسرت مصر سنة 2024 أكثر من نصف إيرادات قناة السويس. ولم تنجح الضربات الأميركية والبريطانية، التي بدأت في يناير 2024، ثم القصف الإسرائيلي للحديدة في 20 يوليو 2024، في الحد من قدرة الحركة على إسقاط القوة خارج مجالها المباشر. وفي سبتمبر 2024، انفجر صاروخ من طراز جديد على مسافة بضعة كيلومترات من مطار بن غوريون. أما سياسياً، فقد حققت الحملة نجاحاً واضحاً. فقد تلقى الحوثيون شكراً علنياً من حركة حماس، واكتسبوا شعبية إقليمية غير مسبوقة. والأهم أنها وضعت المملكة العربية السعودية في موقف حرج، إذ لم يكن في وسعها العودة إلى القتال إلى جانب واشنطن وإسرائيل ضد حركة تتحرك باسم فلسطين. عقيدة الردع غير المتكافئ تجسّد هذه المرحلة ما تصفه نظريات الحرب غير المتكافئة: طرف أضعف يستخدم وسائل منخفضة الكلفة، من صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق غير مأهولة، لإحداث أثر استراتيجي يفوق بكثير حجم الوسائل المستخدمة. ويوفر مضيق باب المندب، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، أداة الضغط الأساسية. فمن خلاله يمر ما بين 10 و12 في المئة من التجارة البحرية العالمية، وما بين 25 و30 في المئة من حركة الحاويات. وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. كلفة عام 2025 شكّل عام 2025 نقطة تحوّل. فالحملة الجوية الأميركية، الممتدة من مارس إلى مايو، ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للحركة، وانتهت بوقف لإطلاق النار توسطت فيه عُمان، تعهّد الحوثيون بموجبه بعدم استهداف السفن الأميركية. لكن الضربات الإسرائيلية على صنعاء والحديدة تواصلت بعد ذلك، وكشفت ثغرات خطرة في المنظومة الاستخباراتية: فقُتل عدد من كبار المسؤولين، من بينهم رئيس حكومة صنعاء في أغسطس، ورئيس هيئة الأركان في الخريف. وأدى وقف إطلاق النار في غزة، في أكتوبر، إلى تعليق هجمات الحوثيين على إسرائيل. بحر أحمر يعاد تشكيله كانت الخريطة المحيطة بالمضيق تتغير بدورها. ففي 26 ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بصوماليلاند. وفي يناير 2026، زار وزير خارجيتها هرجيسا، وترددت معلومات عن مناقشات تتعلق بوجود محتمل قرب ميناء بربرة. ورداً على ذلك، نجحت مقديشو في استصدار إدانة من 21 دولة، من بينها المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وقطر وإيران، كما أنهت اتفاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة. ونشرت مصر قوات في الصومال، وعززت محور القاهرة–أسمرة–مقديشو، في حين تولت تركيا حماية المياه الإقليمية الصومالية. وهكذا، تحولت الضفة الأفريقية المطلة على باب المندب إلى ساحة تنافسات إقليمية تتقاطع مباشرة مع الملف الحوثي. المقال المقبل: الحرب ضد إيران (فبراير-يونيو 2026): “التدخل المحدود”
تحليل
صورة المؤلف
بقلم ربيع دندشلي - نُشر أكتوبر 8, 2026 - 03:14
صورة للأخبار
في لبنان، يُستدعى الاعتدال كلّما اقترب البلد من الانفجار، ثم يتراجع حضوره حين يبدأ توزيع السلطة. يُطلب من المعتدلين تهدئة النفوس، وتدوير الزوايا، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة، فيما تُترك للقوى الأكثر قدرة على التعطيل مهمّة تحديد شروط التسوية. وبهذا المعنى، يُمنح الاعتدال دورًا في احتواء الأزمات، من دون أن تتوافر له بالضرورة القدرة على تغيير الشروط التي تنتجها. تكمن هنا أزمته الأساسية، فالاعتدال الذي يكتفي بمنع الأسوأ يبقى محكومًا بجدول أعمال الآخرين. ينتظر التصعيد كي يدعو إلى التهدئة، والتعطيل كي يبحث عن مخرج، والانقسام كي يقترح مساحة مشتركة. وقد تكون هذه الأدوار ضرورية في لحظات الخطر، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل. يحتاج لبنان إلى اعتدال يملك تصوّرًا للحكم، ويستطيع أن يبادر ويواجه وينظّم، وأن يشرح للناس ما الذي سيتغيّر في حياتهم إذا منحوه ثقتهم. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، لا بدّ من تحرير الاعتدال من الخلط بينه وبين الوقوف في منتصف الطريق. ففي الخلاف على أولويات الإنفاق، أو السياسات الاقتصادية، أو إدارة المرافق، تتعدّد الخيارات المشروعة وتصبح التسوية جزءًا من العمل الديمقراطي. أمّا حين يتعلّق الأمر بمرجعية الدولة، وخضوع الجميع للقانون، وحقّ المواطنين في اختيار ممثّليهم بلا ترهيب، فإنّ التسوية ينبغي أن تتناول سبل تطبيق هذه القواعد، لا أصل الالتزام بها. الاعتدال هنا واضح في غايته، متدرّج في أدواته، ومسؤول عن نتائج خطواته. وهذا التمييز أساسي في ملف سلاح «حزب الله». فحصرية القوة العسكرية وقرار الحرب والسلم بيد الدولة تشكّل قاعدة قيام سلطة وطنية مسؤولة أمام مواطنيها. التمسّك بها لا يقتضي العداء لبيئة الحزب، ولا يبرّر تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو المخاوف التي يعيشها أبناء الجنوب. بل يفرض تقديم إجابة جدّية عن كيفية حمايتهم، وتعزيز الجيش، وتأمين شروط الاستقرار والعودة والإعمار. الحزم في المبدأ يجب أن يرافقه عمل سياسي وأمني واجتماعي يجعل الانتقال إلى الدولة ممكنًا وموثوقًا. لكنّ الاعتدال يفقد صدقيته إذا كان حازمًا تجاه السلاح ومتسامحًا تجاه الاستيلاء على المؤسسات. فلا تستقيم الدعوة إلى سلطة واحدة فيما تُعامل الإدارة حصصًا، والقضاء أداة حماية، والمال العام مورد نفوذ. الدولة التي يُطلب من اللبنانيين الوثوق بها ينبغي أن تتغيّر هي أيضًا. وقد جمع خطاب القسم للرئيس جوزاف عون بين احتكار حمل السلاح وإصلاح الإدارة؛ وتكمن المهمة السياسية في تحويل هذا الترابط إلى برنامج عمل، حتى يشعر المواطن بأنّ استعادة سلطة الدولة تعني استعادة حقوقه داخلها. هنا تظهر المسألة الأعمق، المواطن قد يرغب في الدولة، لكنه يبقى مرتبطًا بالزعيم أو الحزب الذي يؤمّن له حاجة عاجلة. حين يتوقّف العلاج أو العمل أو إنجاز المعاملة على وساطة، تصبح العلاقة السياسية جزءًا من تدبير الحياة اليومية. ولا يكفي أن ندعو الناس إلى التحرّر من الزبائنية من دون أن نوفّر لهم بديلًا يمكن الاعتماد عليه. فمن يملك ترف الاستغناء عن الوسيط يستطيع إدانة التبعية بسهولة؛ أمّا من يحتاج إليه لدخول مستشفى، فيدفع ثمن استقلاله من أمنه الشخصي والعائلي. لذلك، فإنّ بناء الاعتدال يمرّ عبر تقليص كلفة استقلال المواطن. كلّ خدمة عامة تُقدَّم وفق حقّ واضح، وكلّ وظيفة تُتاح على أساس الكفاءة، وكلّ معاملة تُنجَز بلا تدخّل، توسّع المساحة التي يستطيع فيها اللبناني أن يختار سياسيًا بحرية. بهذا المعنى، تصبح كفاءة المؤسسات جزءًا من تغيير موازين القوى. فالولاء السياسي يكتسب معنى مختلفًا حين لا يعود شرطًا للحصول على أبسط الحقوق. ومن هنا أيضًا، يحتاج الاعتدال إلى مضمون اقتصادي واجتماعي محدّد. فكلمة «الإصلاح» لا تكفي ما لم يُشرح من يتحمّل الأعباء، ومن يحصل على الحماية، وكيف تُوزَّع الفرص. وفي الأزمة المالية، مثلًا، يشكّل التقدّم نحو اتفاق مع صندوق النقد مسارًا له متطلبات تشريعية ومالية واضحة. لكنّ المشروع السياسي يُقاس كذلك بموقفه من توزيع الخسائر، وحماية صغار المودعين، والمساءلة، واستعادة تمويل النشاط المنتج. وأي تسوية تُخفي هذه الخيارات وراء لغة تقنية تترك الناس خارج القرار الذي يحدّد مستقبلهم. لقد ارتبط الاعتدال أحيانًا في ذهن الكثير بالقدرة على التفاهم مع الجميع. غير أنّ أي إصلاح جدّي سيصطدم بمصالح فئات مستفيدة من الوضع القائم، وأي إلغاء امتياز، أو فتح باب المنافسة، أو إخضاع التعيينات لمعايير معلنة، سيخلق معارضة. لذلك، يحتاج المعتدل إلى قبول كلفة موقفه. فمن يجعل رضا جميع القوى شرطًا للتحرّك يمنح كلّ صاحب مصلحة قدرة على منعه. ويمكن خوض هذه المواجهة ضمن القانون، وبحجج واضحة وتحالفات معلنة، من دون استنفار طائفي أو تخوين. وهذا يقود إلى الحلقة التي تبقى غالبًا ناقصة الا وهي "التنظيم"، فلا يكفي وجود شخصيات تحظى بالاحترام، أو خبراء يمتلكون حلولًا، أو جمهور يتعب من الصراعات. القدرة السياسية للتيار المعتدل تتطلّب مؤسسات تجمع هؤلاء حول أولويات مشتركة، وتوزّع المسؤوليات، وتختار ممثّليها، وتتابعهم بعد وصولهم إلى السلطة. وتتطلّب حضورًا مستمرًا في البلديات والنقابات والجامعات والأحياء، حيث تتكوّن الثقة من العمل المتراكم. ولا ينبغي لهذا الحضور أن يعيد إنتاج شبكات الولاء تحت عنوان جديد. فإذا قدّم المعتدل خدماته مقابل التأييد، يكون قد تبنّى الآلية نفسها التي ينتقدها. دوره أن يساعد الناس على الوصول إلى حقوقهم، وأن يكشف أسباب تعطّلها، وأن يعمل لتصبح متاحة للجميع. كما يحتاج إلى تمويل شفاف، وقواعد داخلية للمحاسبة وتداول القيادة. فالمشروع الذي يطالب بدولة مؤسسات ينبغي أن يُظهر في بنيته قدرة على تجاوز الشخص الواحد. ومن الخطأ افتراض أنّ أكثرية معتدلة جاهزة تنتظر من يتحدّث باسمها. فالخوف من الحرب لا يعني الاتفاق على السياسة الدفاعية، ورفض الفساد لا ينتج تلقائيًا اتفاقًا على الإصلاح الاقتصادي. هذه القاعدة تُبنى بالحوار حول المصالح والخيارات، وباختبار التعاون في قضايا محدّدة. وقد تجمع أشخاصًا يختلفون في مسائل كثيرة، لكنهم يتوافقون على مرجعية الدولة وقواعد المنافسة والمحاسبة. وهذا الاتفاق يسمح لهم بإدارة اختلافهم من دون تحويله إلى تهديد متبادل. كذلك، لا يمكن حصر الاعتدال في طائفة أو تحميل جماعة واحدة واجب التنازل الدائم. فهو يحتاج إلى شركاء داخل مختلف البيئات، يعترفون بمخاوفها من دون أن يحوّلوها إلى مبرّر لامتيازات دائمة. ويحتاج إلى خطاب يصون حقّ الناس في انتماءاتهم، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ حقوقهم السياسية والمدنية لا تمرّ حصرًا عبر زعماء تلك الانتماءات. بهذا المعنى، يصبح الاعتدال مشروعًا لتغيير طريقة ممارسة السلطة، من تفاوض على الحصص إلى تنافس على البرامج، ومن حماية يمنحها النافذ إلى حقّ تضمنه المؤسسة، ومن تسويات تؤجّل النزاع إلى قواعد تسمح بحلّه. وهو مشروع يحتاج إلى صبر، لكنّه يحتاج أيضًا إلى مواعيد وأهداف معلنة، حتى لا يتحوّل التدرّج إلى ذريعة جديدة للتأجيل. الاختبار الحقيقي للاعتدال اللبناني يبدأ من قدرته على إنتاج هذه القوة المنظمة، وعلى تقديم التزامات يستطيع المواطن محاسبته عليها. عندها يصبح هدوء الخطاب تعبيرًا عن الثقة والقدرة، ويصبح الحوار وسيلة لتحقيق غاية واضحة. أمّا الاعتدال الذي لا يملك سوى الدعوة إلى الاعتدال، فسيبقى مطلوبًا عند اقتراب الانفجار، ومهمّشًا عند تقرير ما يأتي بعده.
تحليل
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي - نُشر أكتوبر 8, 2026 - 02:58
صورة للأخبار
تتوالى التنبيهات حول المخاطر المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي وتتقدم على أي تهديد آخر في أخبار الحرب أو القلق البيئي والمناخي، أو الانهيار المالي وعلى نحو أكثر إلحاحاً. فالتقدم في هذا المجال يحدث بوتائر سريعة لا عودة فيها إلى الوراء ، إذ تخرج كل يوم من المختبرات آلات قادرة على التحرك، والعمل ضمن فرق، واتخاذ قرارات معقدة. هذه الثورة التكنولولجية صارت تهدد العالم، بأن تشكل ايديولوجيا خاصىة بها/ توتاليتارية تكنولوجية، تحمل وعوداً وأخطاراً هائلة، لا يمكن تجاهلها. وكان آخرها رؤية الروبوتات في الشوارع ، تفلت من السيطرة وتستولي على سلطة مطوريها، ما يقرع جرس الإنذار في أكثر من مكان. فكيف يمكن لروبوت تدرب في مختبر أن يهرب لقتل البشر؟ أليس من الخطير الاستمرار في تصنيع روبوتات مجهزة بمدافع أكثر قوة، مثل "ثاندر-ماكس " (ThunderMax 9000) الذي سيجهز "ديث-ماشين-8" المستقبلية، والتي هي حالياً في مرحلة الاختبار؟ وبالمثل، المختبرات، هل يجب حقاً أن تستمر في تصميم أنظمة دفاعية عالية الأداء، ومستقلة للغاية، ومسلحة بشكل مفرط ، وهل ينبغي للمصالح المالية أن تتفوق أبداً على أخلاقية البشرية؟ وتتزايد التحذيرات ومعها المخاوف التي طرحها البابا لاوون الرابع عشر، وسط تساؤلات عديدة حول مستقبل هذه الثورة الصناعية الخامسة، وبعد الزوبعة التي اثارتها تصريحات مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس عن مخاطر صارت قوية لتمكين أحداث قد تؤدي إلى" وفاة مليار شخص" من قبل جهات فاعلة غير حكومية تصنع أسلحة بيولوجية، أو القراصنة، أو خطر هروب وكلاء الذكاء الاصطناعي وشن هجمات إلكترونية على شركات أو بنية تحتية أجنبية. وهناك ما هو أخطر مما يجري على الأرض. سباق فضائي جديد يجري حالياً، لكن هذه المرة لا يتعلق السباق باستكشافات فضائية، بل بتسليحها. لقد، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بنشر أسلحة للتحكم في الفضاء للدفاع ضد الخصوم. لم تحدد الولايات المتحدة ماهية هذه الأسلحة، لكن الخبراء العسكريين تكهنوا بأنها قد تشمل ليزرات أو أنظمة ميكروويف عالية الطاقة مصممة لتعطيل إلكترونيات الأقمار الصناعية، أو حتى أقماراً صناعية هجومية تستخدم أذرعاً آلية للقبض على مركبات العدو الفضائية أو إخراجها من مدارها. وسارعت الصين إلى إدانة هذه الخطوة الأمريكية، قائلة إنها تعارض أي "سباق تسلح في الفضاء". كما أكدت روسيا أن الفضاء يجب أن يظل خالياً من أي أسلحة. إن عسكرة الفضاء هذه هي مثال آخر محبط على تآكل شبكة الحوكمة الدولية في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي تم التفاوض عليها في ذروة الحرب الباردة، وشكلت إنجازاً رائعاً. واليوم، تحظى المعاهدة بدعم 118دولة. وهي تكرس مبادئ مفادها، أن الفضاء يجب أن يظل مجالاً مشتركاً للبشرية جمعاء، وتحظر نشر أي أسلحة دمار شامل في المدار، حيث تتنافس العديد من الدول والشركات على المزايا الاستراتيجية والتجارية، إذ تدير أكثر من 80 دولة الآن أقماراً صناعية، بإجمالي 18000 قمرا صناعي يدور حالياً حول الأرض. وتستحوذ خدمة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك على أكثر من نصف هذا العدد. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو ما إذا بدأت أي دولة في تفجير أقمار خصومها. والسيناريو الكابوسي هو أن الحطام الفضائي المتساقط قد يجعل من المستحيل تشغيل أي أقمار صناعية في مدار الأرض المنخفض لأجيال، وهي ظاهرة تُعرف بـ "متلازمة كيسلر". هذا، عدا استخدام تلك الأسلحة، وقد بدأ فعلياً في الحرب الأوكرانية / وفي الشرق الأوسط في خيانة مزدوجة للبشرية، وفي تجاوز مفهوم الردع عندما يعرف جميع الأطراف قدرات بعضهم البعض ويفهمون العواقب المحتملة لأفعالهم. لقد، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انفتاحاً نسبياً،عندما وجد وقتاً لإجراء محادثات صريحة حول هذا الموضوع مع نظيره الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن . لذلك كانت ضرورة الاتفاق على معايير أساسية للتحكم، واختبار النماذج، وإنشاء آليات احتواء لتقليل المخاطر، وهناك حاجة مماثلة لقواعد اشتباك واضحة بشأن الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة النووية والفضائية. علاوة على ذلك، فإن التحدي الكبير، قد يأتي من المنافسين الذين يطورون نماذج قوية لا تفهم بالكامل، ولا يمكنها السيطرة عليها، خارج الامتثال للوائح السلامة. المسؤولون الصينيون واضحون في رؤيتهم لأمريكا باعتبارها المصدر الرئيسي لتهديدات سلامة الذكاء الاصطناعي باستخدام محتوى مولد بالذكاء لإنتاج أسلحة سيبرانية بشكل مكثف. وتتطلع الصين إلى توسيع نطاق الأدوات التقنية لتقييم المخاطر، وتعميق التعاون الدولي، خاصة مع دول الجنوب العالمي، إلى تعزيز المفاوضات الثنائية مع أمريكا في المجالات التي ترى فيها أنها متأخرة. والتحدي الآن هو تحويل مثل هذه المخاوف إلى أساس للمحادثات المقبلة في قمة العشرين (G20) في ميامي يومي 14 و15 كانون الأول ( جرت دعوة الرئيس الروسي بوتين لحضورها ). قد تكون الصين مستعدة لإنشاء "مجموعة قيادية" بشأن الذكاء الاصطناعي، وتريد رأياً متساوياً فيما يعتبر آمناً جماعياً. ونقطة البداية على الأرجح اتفاقية شاملة بشأن الذكاء الاصطناعي تبدد المخاوف المشتركة بشأن النماذج والوكلاء المارقين، وتتطلب مشاركة من دول الاتحاد الأوروبي التي ما تزال متأخرة عن اللجاق بالسباق العالمي. في وقت تحذر رسائل القمة من أن التهديد الذي تشكله نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (Frontier AI) على الأمن السيبراني ، ومخاطر"سيناريوهات أكثر خطورة تنطوي على اضطرابات سوق مالية متزامنة عبر شركات متعددة أو اعتماد متبادل على التكنولوجيا". ، داعية وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية إلى فرض ضوابط على هذه التكنولوجيا. وتؤكد الرسالة الصادرة عن بنك إنجلترا، الذي يرأس محافظه أيضاً مجلس الاستقرار المالي، مدى قلق حراس النظام المالي العالمي من مخاطر الهجمات السيبرانية التي يدعمها الذكاء الاصطناعي باختراق مؤسسات خارجية وإنشاء هويات مزيفة لخداع الأشخاص الذين كانوا يجرون الاختبارات، ما يكشف أكثر نقاط الضعف القائمة، بما في ذلك الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة نفوذ المستثمرين، وتضخم تقييمات الأسهم. وستجري محاولات إقناع الولايات المتحدة بإعادة النظر في نهجها المتساهل تجاه تنظيم هذه التكنولوجيا التي تهدد النظام المالي وما وراءه ، ويمكن يطيح الابتكار المالي بهيمنة الدولار في التمويل العالمي. فارتفاع الدين العام، والمخاوف بشأن تآكل استقلالية البنوك المركزية، واستخدام الدولار كسلاح من خلال العقوبات المالية، كلها عوامل تشجع على التنويع بعيداً عن هذه العملة. ويتحدث صناع السياسات في جميع أنحاء العالم بلا انقطاع عن التخلي عن الدولار، في حين ارتفعت حصة الذهب في الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية بشكل حاد. وتبلغ حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي الآن57 في المائة، مقارنة بـ 71 في المائة في عام 2000. كما تلاشت تقريباً "امتيازات الدولار"، التي سمحت لوزارة الخزانة الأمريكية بإصدار ديون بأسعار فائدة مواتية نسبياً. وهذا بالتأكيد يمهد الطريق لتعدد الأقطاب. وقد زاد الدولار الأسترالي والدولار الكندي والفرنك السويسري من حصصهم الجماعية في المدفوعات والاحتياطيات عبر الحدود. لكن يبقى الحجم الأكبر لأسواق رأس المال الأمريكية مقارنة بالدول الأخرى، إلى جانب ميزة السبق التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تمكين ابتكارات القطاع الخاص في تقنيات التسوية لتعزيز هيمنة الدولار . في المقابل، البلدان التي تحاول عزل نفسها عن هذه التقنيات الجديدة، ستكون الأكثر عرضة للخطر. فهي بحاجة إلى تطوير أسواق مالية واسعة ومنظمة بشكل جيد، والحفاظ على سياسات نقدية ومالية منضبطة، وتعزيز سيادة القانون، لمواجهة السياسات الأمريكية المتهورة في لحظة تتداخل فيها التجارة بالتكنولوجيا والأمن والجغرافيا بالسياسية. وربما تكون الأكثر إثارة للقلق مع عدم وجود عملة ترسي ثقة المستثمرين العالميين جراء اضطرابات لا يمكن وقفها وستؤدي إلى كارثةفي الشرق الأوسط، وحيث الكل في خطبه يتحدث عن السلام والأمن والنمو، لكن لا يفعل الكثير لوقف الحرب ولتأمين الاستقرار.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الاعتدال اللبناني يحتاج إلى مشروع
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر

في لبنان، يُستدعى الاعتدال كلّما اقترب البلد من الانفجار، ثم يتراجع حضوره حين يبدأ توزيع السلطة. يُطلب من المعتدلين تهدئة النفوس، وتدوير الزوايا، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة، فيما تُترك للقوى الأكثر قدرة على التعطيل مهمّة تحديد شروط التسوية. وبهذا المعنى، يُمنح الاعتدال دورًا في احتواء الأزمات، من دون أن تتوافر له بالضرورة القدرة على تغيير الشروط التي تنتجها. تكمن هنا أزمته الأساسية، فالاعتدال الذي يكتفي بمنع الأسوأ يبقى محكومًا بجدول أعمال الآخرين. ينتظر التصعيد كي يدعو إلى التهدئة، والتعطيل كي يبحث عن مخرج، والانقسام كي يقترح مساحة مشتركة. وقد تكون هذه الأدوار ضرورية في لحظات الخطر، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل. يحتاج لبنان إلى اعتدال يملك تصوّرًا للحكم، ويستطيع أن يبادر ويواجه وينظّم، وأن يشرح للناس ما الذي سيتغيّر في حياتهم إذا منحوه ثقتهم. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، لا بدّ من تحرير الاعتدال من الخلط بينه وبين الوقوف في منتصف الطريق. ففي الخلاف على أولويات الإنفاق، أو السياسات الاقتصادية، أو إدارة المرافق، تتعدّد الخيارات المشروعة وتصبح التسوية جزءًا من العمل الديمقراطي. أمّا حين يتعلّق الأمر بمرجعية الدولة، وخضوع الجميع للقانون، وحقّ المواطنين في اختيار ممثّليهم بلا ترهيب، فإنّ التسوية ينبغي أن تتناول سبل تطبيق هذه القواعد، لا أصل الالتزام بها. الاعتدال هنا واضح في غايته، متدرّج في أدواته، ومسؤول عن نتائج خطواته. وهذا التمييز أساسي في ملف سلاح «حزب الله». فحصرية القوة العسكرية وقرار الحرب والسلم بيد الدولة تشكّل قاعدة قيام سلطة وطنية مسؤولة أمام مواطنيها. التمسّك بها لا يقتضي العداء لبيئة الحزب، ولا يبرّر تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو المخاوف التي يعيشها أبناء الجنوب. بل يفرض تقديم إجابة جدّية عن كيفية حمايتهم، وتعزيز الجيش، وتأمين شروط الاستقرار والعودة والإعمار. الحزم في المبدأ يجب أن يرافقه عمل سياسي وأمني واجتماعي يجعل الانتقال إلى الدولة ممكنًا وموثوقًا. لكنّ الاعتدال يفقد صدقيته إذا كان حازمًا تجاه السلاح ومتسامحًا تجاه الاستيلاء على المؤسسات. فلا تستقيم الدعوة إلى سلطة واحدة فيما تُعامل الإدارة حصصًا، والقضاء أداة حماية، والمال العام مورد نفوذ. الدولة التي يُطلب من اللبنانيين الوثوق بها ينبغي أن تتغيّر هي أيضًا. وقد جمع خطاب القسم للرئيس جوزاف عون بين احتكار حمل السلاح وإصلاح الإدارة؛ وتكمن المهمة السياسية في تحويل هذا الترابط إلى برنامج عمل، حتى يشعر المواطن بأنّ استعادة سلطة الدولة تعني استعادة حقوقه داخلها. هنا تظهر المسألة الأعمق، المواطن قد يرغب في الدولة، لكنه يبقى مرتبطًا بالزعيم أو الحزب الذي يؤمّن له حاجة عاجلة. حين يتوقّف العلاج أو العمل أو إنجاز المعاملة على وساطة، تصبح العلاقة السياسية جزءًا من تدبير الحياة اليومية. ولا يكفي أن ندعو الناس إلى التحرّر من الزبائنية من دون أن نوفّر لهم بديلًا يمكن الاعتماد عليه. فمن يملك ترف الاستغناء عن الوسيط يستطيع إدانة التبعية بسهولة؛ أمّا من يحتاج إليه لدخول مستشفى، فيدفع ثمن استقلاله من أمنه الشخصي والعائلي. لذلك، فإنّ بناء الاعتدال يمرّ عبر تقليص كلفة استقلال المواطن. كلّ خدمة عامة تُقدَّم وفق حقّ واضح، وكلّ وظيفة تُتاح على أساس الكفاءة، وكلّ معاملة تُنجَز بلا تدخّل، توسّع المساحة التي يستطيع فيها اللبناني أن يختار سياسيًا بحرية. بهذا المعنى، تصبح كفاءة المؤسسات جزءًا من تغيير موازين القوى. فالولاء السياسي يكتسب معنى مختلفًا حين لا يعود شرطًا للحصول على أبسط الحقوق. ومن هنا أيضًا، يحتاج الاعتدال إلى مضمون اقتصادي واجتماعي محدّد. فكلمة «الإصلاح» لا تكفي ما لم يُشرح من يتحمّل الأعباء، ومن يحصل على الحماية، وكيف تُوزَّع الفرص. وفي الأزمة المالية، مثلًا، يشكّل التقدّم نحو اتفاق مع صندوق النقد مسارًا له متطلبات تشريعية ومالية واضحة. لكنّ المشروع السياسي يُقاس كذلك بموقفه من توزيع الخسائر، وحماية صغار المودعين، والمساءلة، واستعادة تمويل النشاط المنتج. وأي تسوية تُخفي هذه الخيارات وراء لغة تقنية تترك الناس خارج القرار الذي يحدّد مستقبلهم. لقد ارتبط الاعتدال أحيانًا في ذهن الكثير بالقدرة على التفاهم مع الجميع. غير أنّ أي إصلاح جدّي سيصطدم بمصالح فئات مستفيدة من الوضع القائم، وأي إلغاء امتياز، أو فتح باب المنافسة، أو إخضاع التعيينات لمعايير معلنة، سيخلق معارضة. لذلك، يحتاج المعتدل إلى قبول كلفة موقفه. فمن يجعل رضا جميع القوى شرطًا للتحرّك يمنح كلّ صاحب مصلحة قدرة على منعه. ويمكن خوض هذه المواجهة ضمن القانون، وبحجج واضحة وتحالفات معلنة، من دون استنفار طائفي أو تخوين. وهذا يقود إلى الحلقة التي تبقى غالبًا ناقصة الا وهي "التنظيم"، فلا يكفي وجود شخصيات تحظى بالاحترام، أو خبراء يمتلكون حلولًا، أو جمهور يتعب من الصراعات. القدرة السياسية للتيار المعتدل تتطلّب مؤسسات تجمع هؤلاء حول أولويات مشتركة، وتوزّع المسؤوليات، وتختار ممثّليها، وتتابعهم بعد وصولهم إلى السلطة. وتتطلّب حضورًا مستمرًا في البلديات والنقابات والجامعات والأحياء، حيث تتكوّن الثقة من العمل المتراكم. ولا ينبغي لهذا الحضور أن يعيد إنتاج شبكات الولاء تحت عنوان جديد. فإذا قدّم المعتدل خدماته مقابل التأييد، يكون قد تبنّى الآلية نفسها التي ينتقدها. دوره أن يساعد الناس على الوصول إلى حقوقهم، وأن يكشف أسباب تعطّلها، وأن يعمل لتصبح متاحة للجميع. كما يحتاج إلى تمويل شفاف، وقواعد داخلية للمحاسبة وتداول القيادة. فالمشروع الذي يطالب بدولة مؤسسات ينبغي أن يُظهر في بنيته قدرة على تجاوز الشخص الواحد. ومن الخطأ افتراض أنّ أكثرية معتدلة جاهزة تنتظر من يتحدّث باسمها. فالخوف من الحرب لا يعني الاتفاق على السياسة الدفاعية، ورفض الفساد لا ينتج تلقائيًا اتفاقًا على الإصلاح الاقتصادي. هذه القاعدة تُبنى بالحوار حول المصالح والخيارات، وباختبار التعاون في قضايا محدّدة. وقد تجمع أشخاصًا يختلفون في مسائل كثيرة، لكنهم يتوافقون على مرجعية الدولة وقواعد المنافسة والمحاسبة. وهذا الاتفاق يسمح لهم بإدارة اختلافهم من دون تحويله إلى تهديد متبادل. كذلك، لا يمكن حصر الاعتدال في طائفة أو تحميل جماعة واحدة واجب التنازل الدائم. فهو يحتاج إلى شركاء داخل مختلف البيئات، يعترفون بمخاوفها من دون أن يحوّلوها إلى مبرّر لامتيازات دائمة. ويحتاج إلى خطاب يصون حقّ الناس في انتماءاتهم، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ حقوقهم السياسية والمدنية لا تمرّ حصرًا عبر زعماء تلك الانتماءات. بهذا المعنى، يصبح الاعتدال مشروعًا لتغيير طريقة ممارسة السلطة، من تفاوض على الحصص إلى تنافس على البرامج، ومن حماية يمنحها النافذ إلى حقّ تضمنه المؤسسة، ومن تسويات تؤجّل النزاع إلى قواعد تسمح بحلّه. وهو مشروع يحتاج إلى صبر، لكنّه يحتاج أيضًا إلى مواعيد وأهداف معلنة، حتى لا يتحوّل التدرّج إلى ذريعة جديدة للتأجيل. الاختبار الحقيقي للاعتدال اللبناني يبدأ من قدرته على إنتاج هذه القوة المنظمة، وعلى تقديم التزامات يستطيع المواطن محاسبته عليها. عندها يصبح هدوء الخطاب تعبيرًا عن الثقة والقدرة، ويصبح الحوار وسيلة لتحقيق غاية واضحة. أمّا الاعتدال الذي لا يملك سوى الدعوة إلى الاعتدال، فسيبقى مطلوبًا عند اقتراب الانفجار، ومهمّشًا عند تقرير ما يأتي بعده.

أجراس الانذار تقرع حول الذكاء الاصطناعي

تتوالى التنبيهات حول المخاطر المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي وتتقدم على أي تهديد آخر في أخبار الحرب أو القلق البيئي والمناخي، أو الانهيار المالي وعلى نحو أكثر إلحاحاً. فالتقدم في هذا المجال يحدث بوتائر سريعة لا عودة فيها إلى الوراء ، إذ تخرج كل يوم من المختبرات آلات قادرة على التحرك، والعمل ضمن فرق، واتخاذ قرارات معقدة. هذه الثورة التكنولولجية صارت تهدد العالم، بأن تشكل ايديولوجيا خاصىة بها/ توتاليتارية تكنولوجية، تحمل وعوداً وأخطاراً هائلة، لا يمكن تجاهلها. وكان آخرها رؤية الروبوتات في الشوارع ، تفلت من السيطرة وتستولي على سلطة مطوريها، ما يقرع جرس الإنذار في أكثر من مكان. فكيف يمكن لروبوت تدرب في مختبر أن يهرب لقتل البشر؟ أليس من الخطير الاستمرار في تصنيع روبوتات مجهزة بمدافع أكثر قوة، مثل "ثاندر-ماكس " (ThunderMax 9000) الذي سيجهز "ديث-ماشين-8" المستقبلية، والتي هي حالياً في مرحلة الاختبار؟ وبالمثل، المختبرات، هل يجب حقاً أن تستمر في تصميم أنظمة دفاعية عالية الأداء، ومستقلة للغاية، ومسلحة بشكل مفرط ، وهل ينبغي للمصالح المالية أن تتفوق أبداً على أخلاقية البشرية؟ وتتزايد التحذيرات ومعها المخاوف التي طرحها البابا لاوون الرابع عشر، وسط تساؤلات عديدة حول مستقبل هذه الثورة الصناعية الخامسة، وبعد الزوبعة التي اثارتها تصريحات مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس عن مخاطر صارت قوية لتمكين أحداث قد تؤدي إلى" وفاة مليار شخص" من قبل جهات فاعلة غير حكومية تصنع أسلحة بيولوجية، أو القراصنة، أو خطر هروب وكلاء الذكاء الاصطناعي وشن هجمات إلكترونية على شركات أو بنية تحتية أجنبية. وهناك ما هو أخطر مما يجري على الأرض. سباق فضائي جديد يجري حالياً، لكن هذه المرة لا يتعلق السباق باستكشافات فضائية، بل بتسليحها. لقد، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بنشر أسلحة للتحكم في الفضاء للدفاع ضد الخصوم. لم تحدد الولايات المتحدة ماهية هذه الأسلحة، لكن الخبراء العسكريين تكهنوا بأنها قد تشمل ليزرات أو أنظمة ميكروويف عالية الطاقة مصممة لتعطيل إلكترونيات الأقمار الصناعية، أو حتى أقماراً صناعية هجومية تستخدم أذرعاً آلية للقبض على مركبات العدو الفضائية أو إخراجها من مدارها. وسارعت الصين إلى إدانة هذه الخطوة الأمريكية، قائلة إنها تعارض أي "سباق تسلح في الفضاء". كما أكدت روسيا أن الفضاء يجب أن يظل خالياً من أي أسلحة. إن عسكرة الفضاء هذه هي مثال آخر محبط على تآكل شبكة الحوكمة الدولية في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي تم التفاوض عليها في ذروة الحرب الباردة، وشكلت إنجازاً رائعاً. واليوم، تحظى المعاهدة بدعم 118دولة. وهي تكرس مبادئ مفادها، أن الفضاء يجب أن يظل مجالاً مشتركاً للبشرية جمعاء، وتحظر نشر أي أسلحة دمار شامل في المدار، حيث تتنافس العديد من الدول والشركات على المزايا الاستراتيجية والتجارية، إذ تدير أكثر من 80 دولة الآن أقماراً صناعية، بإجمالي 18000 قمرا صناعي يدور حالياً حول الأرض. وتستحوذ خدمة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك على أكثر من نصف هذا العدد. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو ما إذا بدأت أي دولة في تفجير أقمار خصومها. والسيناريو الكابوسي هو أن الحطام الفضائي المتساقط قد يجعل من المستحيل تشغيل أي أقمار صناعية في مدار الأرض المنخفض لأجيال، وهي ظاهرة تُعرف بـ "متلازمة كيسلر". هذا، عدا استخدام تلك الأسلحة، وقد بدأ فعلياً في الحرب الأوكرانية / وفي الشرق الأوسط في خيانة مزدوجة للبشرية، وفي تجاوز مفهوم الردع عندما يعرف جميع الأطراف قدرات بعضهم البعض ويفهمون العواقب المحتملة لأفعالهم. لقد، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انفتاحاً نسبياً،عندما وجد وقتاً لإجراء محادثات صريحة حول هذا الموضوع مع نظيره الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن . لذلك كانت ضرورة الاتفاق على معايير أساسية للتحكم، واختبار النماذج، وإنشاء آليات احتواء لتقليل المخاطر، وهناك حاجة مماثلة لقواعد اشتباك واضحة بشأن الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة النووية والفضائية. علاوة على ذلك، فإن التحدي الكبير، قد يأتي من المنافسين الذين يطورون نماذج قوية لا تفهم بالكامل، ولا يمكنها السيطرة عليها، خارج الامتثال للوائح السلامة. المسؤولون الصينيون واضحون في رؤيتهم لأمريكا باعتبارها المصدر الرئيسي لتهديدات سلامة الذكاء الاصطناعي باستخدام محتوى مولد بالذكاء لإنتاج أسلحة سيبرانية بشكل مكثف. وتتطلع الصين إلى توسيع نطاق الأدوات التقنية لتقييم المخاطر، وتعميق التعاون الدولي، خاصة مع دول الجنوب العالمي، إلى تعزيز المفاوضات الثنائية مع أمريكا في المجالات التي ترى فيها أنها متأخرة. والتحدي الآن هو تحويل مثل هذه المخاوف إلى أساس للمحادثات المقبلة في قمة العشرين (G20) في ميامي يومي 14 و15 كانون الأول ( جرت دعوة الرئيس الروسي بوتين لحضورها ). قد تكون الصين مستعدة لإنشاء "مجموعة قيادية" بشأن الذكاء الاصطناعي، وتريد رأياً متساوياً فيما يعتبر آمناً جماعياً. ونقطة البداية على الأرجح اتفاقية شاملة بشأن الذكاء الاصطناعي تبدد المخاوف المشتركة بشأن النماذج والوكلاء المارقين، وتتطلب مشاركة من دول الاتحاد الأوروبي التي ما تزال متأخرة عن اللجاق بالسباق العالمي. في وقت تحذر رسائل القمة من أن التهديد الذي تشكله نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (Frontier AI) على الأمن السيبراني ، ومخاطر"سيناريوهات أكثر خطورة تنطوي على اضطرابات سوق مالية متزامنة عبر شركات متعددة أو اعتماد متبادل على التكنولوجيا". ، داعية وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية إلى فرض ضوابط على هذه التكنولوجيا. وتؤكد الرسالة الصادرة عن بنك إنجلترا، الذي يرأس محافظه أيضاً مجلس الاستقرار المالي، مدى قلق حراس النظام المالي العالمي من مخاطر الهجمات السيبرانية التي يدعمها الذكاء الاصطناعي باختراق مؤسسات خارجية وإنشاء هويات مزيفة لخداع الأشخاص الذين كانوا يجرون الاختبارات، ما يكشف أكثر نقاط الضعف القائمة، بما في ذلك الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة نفوذ المستثمرين، وتضخم تقييمات الأسهم. وستجري محاولات إقناع الولايات المتحدة بإعادة النظر في نهجها المتساهل تجاه تنظيم هذه التكنولوجيا التي تهدد النظام المالي وما وراءه ، ويمكن يطيح الابتكار المالي بهيمنة الدولار في التمويل العالمي. فارتفاع الدين العام، والمخاوف بشأن تآكل استقلالية البنوك المركزية، واستخدام الدولار كسلاح من خلال العقوبات المالية، كلها عوامل تشجع على التنويع بعيداً عن هذه العملة. ويتحدث صناع السياسات في جميع أنحاء العالم بلا انقطاع عن التخلي عن الدولار، في حين ارتفعت حصة الذهب في الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية بشكل حاد. وتبلغ حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي الآن57 في المائة، مقارنة بـ 71 في المائة في عام 2000. كما تلاشت تقريباً "امتيازات الدولار"، التي سمحت لوزارة الخزانة الأمريكية بإصدار ديون بأسعار فائدة مواتية نسبياً. وهذا بالتأكيد يمهد الطريق لتعدد الأقطاب. وقد زاد الدولار الأسترالي والدولار الكندي والفرنك السويسري من حصصهم الجماعية في المدفوعات والاحتياطيات عبر الحدود. لكن يبقى الحجم الأكبر لأسواق رأس المال الأمريكية مقارنة بالدول الأخرى، إلى جانب ميزة السبق التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تمكين ابتكارات القطاع الخاص في تقنيات التسوية لتعزيز هيمنة الدولار . في المقابل، البلدان التي تحاول عزل نفسها عن هذه التقنيات الجديدة، ستكون الأكثر عرضة للخطر. فهي بحاجة إلى تطوير أسواق مالية واسعة ومنظمة بشكل جيد، والحفاظ على سياسات نقدية ومالية منضبطة، وتعزيز سيادة القانون، لمواجهة السياسات الأمريكية المتهورة في لحظة تتداخل فيها التجارة بالتكنولوجيا والأمن والجغرافيا بالسياسية. وربما تكون الأكثر إثارة للقلق مع عدم وجود عملة ترسي ثقة المستثمرين العالميين جراء اضطرابات لا يمكن وقفها وستؤدي إلى كارثةفي الشرق الأوسط، وحيث الكل في خطبه يتحدث عن السلام والأمن والنمو، لكن لا يفعل الكثير لوقف الحرب ولتأمين الاستقرار.

بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، أي نظام إقليمي جديد؟

من غزة إلى اليمن، مرورًا بلبنان وسوريا والعراق، ستبقى في الذاكرة الجماعية العملية الدامية التي شنّتها حماس الفلسطينية ضد إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، باعتبارها نقطة انطلاق تحولات عسكرية وسياسية تصبّ جميعها في اتجاه إرساء نظام إقليمي جديد. في إسرائيل، حيث أُقيمت الأربعاء عدة مراسم إحياء لذكرى هذا الهجوم الذي أودى بحياة أكثر من 1200 مدني، تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ«إتمام المهمة» التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في إشارة إلى الحرب الشرسة التي تشنها تل أبيب على حماس. وتحدث عن «تصفية حسابات لم تنتهِ بعد»، من دون أن يوضح ما إذا كانت هذه «المهمة» تقتصر على حماس أم تشمل ممولها، إيران، التي تُحمّل مسؤولية هذه العملية واسعة النطاق. وكما هو معلوم، خلّف هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول أثرًا متسلسلًا، إذ أطلق بسرعة لافتة سلسلة من الأحداث كان من الصعب تصور عواقبها في زمن السلم. من كان ليتخيل أن نظام بشار الأسد في سوريا قد يسقط، وأن حزب الله وحماس وإيران سيتلقون ضربات تقطع رؤوسهم وتضعفهم، أو أن لبنان نفسه قد يشهد، برعاية واشنطن بالتأكيد، محادثات مباشرة مع تل أبيب لمحاولة كبح الجنون الدموي الذي ظهر على أرضه منذ أن قرر حزب الله نجدة حماس في اليوم التالي للهجوم؟ مخرج بعيد المنال بعد ثلاث سنوات، لم يعد الشرق الأوسط بالتأكيد كما كان، لكن مخرج الطريق الذي دُفع إليه بقوة لا يزال بعيدًا عن الأنظار. وتؤكد الحرب المستعرة في اليمن بين الحوثيين المدعومين من إيران والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، والتي يشكل التحكم في معبر استراتيجي في البحر الأحمر أحد رهاناتها، حالة الانسداد التي تعيشها المنطقة. ويرى البعض أنها نتيجة طبيعية للتوقف الذي تلتزمه إسرائيل، وخصوصًا واشنطن، على الجبهة الإقليمية، إذ ينصب تركيزهما على استحقاقاتهما الانتخابية المقبلة: 27 أكتوبر/تشرين الأول في إسرائيل و3 نوفمبر/تشرين الثاني في الولايات المتحدة. لكن مجموعة من المعطيات تثير، على المدى الطويل، مخاوف من نشوء نوع من الحرب الباردة في المنطقة، قد تكون شديدة الضرر بدول مثل لبنان والعراق، المفترض أن تتحرر من القبضة الإيرانية. وتنبع هذه المخاوف من حصيلة الأحداث التي فجّرها 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا سيما من الصعوبة التي واجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما الحربية. وعلى الرغم من تلقيها ضربات قاصمة، لا تزال إيران تحتفظ بقدرة كبيرة على الإيذاء، حتى وإن فقدت جزءًا من مواقعها في المنطقة، كما أن أذرعها لا تزال قادرة على لعب دور مثيري الاضطرابات. والحرب في اليمن مثال واضح على ذلك، إذ إن الحوثيين الذين دخلوا على الخط بعد إضعاف حزب الله، الذراع العسكرية الرئيسية لإيران في المنطقة، أظهروا قدرتهم على تهديد السعودية وطرق الملاحة، بل والمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة في آن واحد. والأكثر من ذلك أن فتحهم جبهة باب المندب بينما كانت إسرائيل تستعد لإحياء ذكرى 7 أكتوبر/تشرين الأول لا يمكن أن يكون أمرًا عابرًا. فمن خلال هذه الجماعة، تسعى طهران مجددًا إلى إظهار أن دينامية الصراع لا تزال على حالها، وأنها ما زالت تملك أوراقًا تمكّنها من فرض نفسها لاعبًا إقليميًا لا غنى عنه، رغم الضغوط الهائلة الممارسة عليها. وتصب التهديدات الإيرانية التي أطلقها الأربعاء مسؤول في الحرس الثوري الإسلامي، معلنًا قرب إغلاق «طرق الملاحة غير القانونية» في مضيق هرمز، في هذا الاتجاه. في لبنان، لم يُحَيَّد حزب الله بعد، لا سيما لأسباب مرتبطة بالسياسة اللبنانية، التي تظل أسيرة حسابات وتردد القائمين عليها، بل إنه، بحسب رويترز، لا يزال يتلقى دعماً لوجستياً من الجمهورية الإسلامية. وأفادت وكالة الأنباء الأربعاء بأن حزب الله تلقى الشهر الماضي 200 مليون دولار من طهران لمساعدة أنصاره الذين نزحوا بسبب الحرب مع إسرائيل، نقلاً عن «شخصين مطلعين مباشرة على هذا التحويل». وإذا تأكدت هذه المعلومة، فيمكن التساؤل عن مدى فعالية الإجراءات المتخذة لخنق إيران وتجفيف مصادر تمويل أذرعها. في غزة، كل ما نجحت حماس في تحقيقه، مقابل خسائر مروعة، هو إعادة القضية الفلسطينية إلى صلب النقاش الدولي وتأخير انضمام الرياض إلى اتفاقات أبراهام.

اليمن: حلف مكة ينتقل من النظرية إلى العمل العسكري

تحالف يُفعَّل للمرة الأولى يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولاً عميقاً، فيما ينتقل الملف اليمني ضمن حلف مكة رسمياً من كونه اتفاقاً أمنياً نظرياً إلى خطة عمليات عسكرية فاعلة. في أعقاب ضربة كبيرة نفذها الحوثيون قرب المدينة المقدسة، المدينة المنورة، والتقدم الهجومي الذي أحرزوه على طول ساحل البحر الأحمر الاستراتيجي قبل أن يُدحر في الأيام الأخيرة، عقدت السعودية وتركيا وباكستان اجتماعاً طارئاً في الرياض يوم 5 أكتوبر 2026. وأسفر هذا الاجتماع الحاسم عن أول تفعيل تاريخي لمعاهدة الدفاع المشترك للتحالف منذ توقيعها الأول في أغسطس 2026، إيذاناً ببدء تنسيق عسكري ملموس وسلسلة من الانتشارات العسكرية: فالقوات الباكستانية منتشرة منذ فترة طويلة على الأراضي السعودية وتعتزم تعزيز انتشارها، فيما تستعد تركيا، التي كان حضورها مقتصراً على مستشارين عسكريين، لإرسال قوات. بعد بداية مترددة، التزام ملموس يمثل هذا التفعيل الفوري نقطة تحول حاسمة، إذ كانت تركيا وباكستان مترددتين بشكل خاص في البداية. فعند توقيعه في 7 أغسطس 2026، قدّم النص الأولي تفاصيل قليلة جداً بشأن الالتزامات العسكرية الفعلية لكل موقّع، ما غذّى في البداية شكوك المراقبين الدوليين. ومع أولى رشقات الصواريخ الحوثية في سبتمبر، أبدت أنقرة وإسلام آباد تردداً في التدخل العسكري أو الاستجابة لطلبات المساعدة، مفضلتين عدم المساس بدوريهما المحتملين كوسيطين في الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. منشآت تابعة لعملاق النفط السعودي أرامكو تشتعل فيها النيران عقب ضربات حوثية قرب الرياض. (أ ف ب) وكان كثير من الخبراء يشددون آنذاك على أن باكستان تفضّل الوساطة على التدخل، في حين اختارت تركيا استعراض قدراتها التكنولوجية من دون الانخراط رسمياً في نزاع مفتوح. وفوق ذلك، فإن غياب قيادة عسكرية موحّدة والحاجة إلى وقت لتطوير قابلية التشغيل البيني، على غرار المسارات التاريخية لحلف الناتو، ألقيا بظلال من الشك على مصداقية هذه البنية الأمنية على المدى القصير. باكستان، الركيزة البشرية للتحالف لكن خطورة الهجمات المباشرة الأخيرة على سلامة الأراضي السعودية أجبرت الدولتين على تجاوز تحفظاتهما الأولية. وبفضل وجود دائم يضم أكثر من 15,000 عسكري مكلّفين بمهام التدريب والدعم العملياتي في السعودية، تستعد باكستان لإرسال تعزيزات كبيرة قد تصل إلى 20,000 إلى 25,000 جندي إضافي، مدعومين بأنظمة دفاع جوي وتقنيات متقدمة للطائرات المسيّرة. واستجابةً لتفعيل تحالف مكة، تنتشر هذه القوات الاستراتيجية في عدة مناطق حيوية بالمملكة: إذ تتمركز قوة رئيسية في القواعد الجوية وبالقرب من منشآت الحدود السعودية اليمنية، فيما يؤمّن جهاز أمني معزّز مرافق الطاقة ومدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة ضد خطر الضربات الحوثية. وبالتوازي، وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي لإسلام آباد يفضّل حصراً تحصين الأراضي السعودية لتجنب صراع مباشر مع إيران، ترد أيضاً، بصورة أكثر تكتمًا، تقارير عن وجود أفراد ومستشارين باكستانيين بعقود تشغيلية في جنوب اليمن، ولا سيما في عدن، ما يبرز تزايد تشابك باكستان في البنية الأمنية لشبه الجزيرة. تركيا، الدرع التكنولوجي للبنى التحتية للطاقة من جانبها، تستعد تركيا، التي تحتفظ منذ عام 2025 بقوة تضم أكثر من 200 مستشار عسكري وخبير في الحرب الإلكترونية على الأراضي السعودية، لتعزيز عديدها بصورة كبيرة. ورغم أن الحجم الدقيق لهذه القوة العسكرية الجديدة لم يُحدَّد بعد، ومن المقرر عرضه على البرلمان التركي للموافقة عليه خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإن ترتيبات نشرها تنص على احتمال إنشاء قاعدة عسكرية تركية دائمة في السعودية. وستكون المهمة الرئيسية للقوات المسلحة التركية ذات طابع استراتيجي ودفاعي بوضوح، إذ ستتولى حماية وتأمين أربع من أهم منشآت الطاقة في المملكة، بما فيها مرافق رئيسية لإنتاج الغاز والكهرباء. ولهذا الغرض، ستنشر أنقرة منظوماتها الخاصة للدفاع الجوي القصير والمتوسط المدى، إلى جانب أحدث تقنيات الحرب الإلكترونية لديها، بهدف إنشاء مظلة ردع في مواجهة تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية التي تستهدف الاقتصاد السعودي. نموذج مستوحى من الناتو وقيادة موحدة في الرياض في إطار هذا الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ، ويعمل وفق نموذج للردع الجماعي يشبه نموذج الناتو، وينص على أن أي هجوم على أحد الأعضاء يُعد هجوماً على الجميع، تنفذ تركيا وباكستان هذا الانتشار للقوات مباشرة على الأراضي السعودية. ولإدارة تدفق القوات وقيادة التنسيق الاستراتيجي والسياسي المعقد الذي تفرضه الأزمة، أضفى التحالف طابعاً رسمياً على هيكله القيادي بتعيين الجنرال السابق في الجيش الباكستاني، الفريق نعمان محمود، أميناً عاماً، ليتولى إدارة العمليات مباشرة من مقر التحالف في الرياض. الهدف: تحطيم القدرة الحربية للحوثيين الهدف العملياتي الفوري لتحالف مكة هو إضعاف قدرة الحوثيين على خوض الحرب والقضاء عليها بصورة منهجية، وهو مسعى أشعل بالفعل تصعيداً جوياً وتقنياً واسعاً في أنحاء المنطقة. كثفت قوات التحالف بقيادة السعودية دعمها الجوي لقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بشكل كبير، وحشدت أسطولاً يضم أكثر من مئة طائرة مقاتلة حديثة تستوفي أحدث المعايير الأمريكية، لتنفيذ هجمات واسعة النطاق قالت القوات الحكومية إنها أسفرت بالفعل عن تدمير مئات الأهداف العسكرية الحوثية. إن الدخول الرسمي لتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش دائم في الناتو، إلى جانب باكستان، يُدخل إلى مسرح العمليات قوة كاسحة تتألف من قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية، وتكنولوجيا طائرات مسيّرة متطورة، وقوة دفاعية هائلة، بما يغير موازين القوى جذرياً. حدود الالتزام: لا قوات برية في اليمن رغم هذا الاستعراض للقوة الكاسحة، لا يزال التحالف يواجه نقاط احتكاك بنيوية عميقة وتعقيدات طويلة الأمد في الملف اليمني. وعلى الرغم من أن التفعيل الحالي يقوم على نشر قوات دفاعية داخل الحدود السعودية وعلى دعم جوي مكثف فوق اليمن تتولاه القوات الجوية الملكية السعودية، فإن تدخلاً جوياً أو برياً مباشراً للمشاة التركية أو الباكستانية في جبال اليمن يظل مستبعداً للغاية. فذلك ينطوي على مخاطر سياسية داخلية جسيمة لأنقرة وإسلام آباد، فضلاً عن احتمال التسبب في اتساع الصراع إقليمياً مع إيران. البحر الأحمر، الجبهة المقبلة في المقابل، يُتوقع أن تتحول الجبهة البحرية الممتدة على طول البحر الأحمر إلى مسرح عمليات بالغ النشاط؛ إذ تمارس القوات الحوثية ضغطًا هجوميًا باتجاه تعز بهدف تطويقها، كما يبقى احتمال عودتها إلى محيط مضيق باب المندب قائمًا إذا نجحت في شن هجوم مضاد. وبناءً على ذلك، يُرجَّح بدرجة كبيرة بذل جهد بحري منسق تشارك فيه دول التحالف لتأمين هذه الممرات البحرية العالمية الحيوية، لا سيما وأن البحريتين التركية والسعودية تنشطان في البحر الأحمر وقبالة القرن الأفريقي. دبلوماسية الظل: الملف الإيراني الحساس بالتوازي مع ذلك، يُرجَّح أن تركز الاستراتيجية الدبلوماسية للتحالف على زيادة عزلة الحوثيين وخنق إمداداتهم اللوجستية. وسيتطلب ذلك إدارة دقيقة، إذ يتعين على باكستان وتركيا الحفاظ بحذر على توازن علاقاتهما الدبلوماسية وحدودهما المشتركة مع إيران. وهذا يعني أن التحالف سيعتمد بدرجة كبيرة على ضغوط دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس على طهران كي تسحب أو تقلص دعمها لتقدم الحوثيين، إلا أن طهران ستطالب بالتأكيد بثمن، مما يجعل مسار القنوات الخلفية معقدًا. نحو جمود عسكري مضبوط تشير التطورات الأخيرة إلى أن الملف اليمني سيتجسد في حملة جوية ودفاع جوي واسعة النطاق، تهدف إلى تقييد تحركات الحوثيين وحماية السعودية من الردود الانتقامية، بما يفرض حالة جمود ميداني من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

اليمن: نزاع عسكري مجهول المآل

وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم الثلاثاء، إلى الرياض، حيث كان في استقباله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وعقدا جلسة مباحثات تركزت على التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية. وتُعدّ هذه الزيارة الثالثة للشرع إلى السعودية؛ إذ كانت المحطة الأولى في جولته الخارجية التي قام بها في شباط/فبراير 2025، إثر الإطاحة ببشار الأسد، قبل أن يعود إليها مجدداً في نيسان/أبريل من العام نفسه، ضمن جولة خليجية استهدفت إعادة دمج سوريا في محيطها العربي الطبيعي، وشملت، إلى جانب الرياض، كلاً من قطر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، إضافة إلى تركيا، والأردن، ومصر. وتتزامن زيارته الثلاثاء إلى الرياض مع انخراط المملكة العربية السعودية في حرب مفتوحة ضد الحوثيين في اليمن؛ وعلى الرغم من أن انتقال الشرع إلى العاصمة السعودية ليس مرتبطاً حصراً بهذا النزاع، فإنه لا يمكن بأي حال فصله عنه تماماً. ومما يسترعي الانتباه أن هذه الزيارة تجري وسط تحولات جيوستراتيجية إقليمية وإعادة تمركز في موازين القوى تحاول إيران التصدي لها. فمن خلال الحوثيين، تخوض الجمهورية الإسلامية معركة مصيرية دفاعاً عن موقعها كقوة إقليمية تراجع نفوذها بشكل ملحوظ، بعدما نجحت طويلاً - ضمن محيط يغلب عليه الطابع السني - في بناء شبكة من الأذرع الحليفة التي غذّت هذه القوة. من هنا، تلعب إيران في اليمن ورقتها الأخيرة. ميدانياً، تؤكد القوات الحكومية اليمنية - المدعومة من الرياض التي سخرت مئات الطائرات لهذا الغرض - أنها تحقق تقدماً على الأرض. فقد أعلنت، يوم الثلاثاء، استعادة مواقع استراتيجية مشرفة على باب المندب، المضيق الحيوي عند البحر الأحمر، والذي كان الحوثيون قد نجحوا في السيطرة عليه أواخر أيلول/سبتمبر. غير أن التقارير الميدانية تظل متضاربة؛ فقد سارع الطرف الحوثي الموالي لإيران إلى نفي هذه المزاعم، وأعلن متحدث باسمه صد "عدة محاولات تقدم سعودية باتجاه باب المندب". كما هجوماً استهدف مطار الرياض بطائرات مسيّرة وصواريخ بالستية وجوّالة، بعدما كان الحوثيون قد استهدفوا، ليل الاثنين - الثلاثاء، ثلاث مطارات أخرى في جنوب المملكة. وفي حين التزمت الهيئة العامة للطيران المدني الصمت حيال الهجوم الذي استهدف مطار الرياض، فقد أكدت وقوع الضربات على المطارات الثلاثة الأخرى، مسجلة ثلاث إصابات طفيفة وأضراراً مادية. وفي سياق تصعيدي، وجّه الحوثيون تحذيراً إلى شركات الطيران مفاده أن الأجواء السعودية باتت "غير آمنة". هل نحن أمام تحالف سني موسّع؟ على الرغم من قدرتهما على إلحاق خسائر جسيمة بالجماعة الموالية لإيران، تجد القوات الحكومية والرياض صعوبة في فرض سيطرة عسكرية في ظل غياب مساعدة دولية طُلبت ولم يُستجب لها. فالرئيس دونالد ترامب، الذي جدد يوم الثلاثاء دعمه للسعودية في حربها ضد حلفاء إيران، يرفض التورط في نزاع قد تنزلق الأمور فيه نحو الأسوأ. في المقابل، اتفقت تركيا وباكستان والسعودية على الانتقال "فوراً إلى تنفيذ اتفاق الدفاع المشترك" المبرم في آب/أغسطس في مكة المكرمة. وكانت أنقرة وإسلام آباد قد أعلنتا، يوم الاثنين، عزمهما تزويد الرياض "بالقوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، ونشرها سريعاً في المملكة". إلا أن هذا الإعلان يوحي في المقام الأول بأن الخطوة تقتصر على "طابع دفاعي" يهدف إلى اعتراض الصواريخ والمسيرات الحوثية، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس عن هاميش كينير، الباحث في مؤسسة "فيريسك ميبلبروفت". ويرى الخبير أن أنقرة وإسلام آباد "عازفتين عن التورط في مواجهة مباشرة مع إيران، وحريصتين على الحفاظ على دورهما كوسيطين بين واشنطن وطهران". ويمكن اعتبار فتور حليفي الرياض بمثابة طوق نجاة لإيران، التي تبدو عازمة على الحفاظ على قبضتها على اليمن –المتاخم لحدود السعودية – وعلى إبقاء ضغوطها متواصلة على كل من الرياض والملاحة البحرية في البحر الأحمر، من دون الانخراط المباشر في القتال. ويبقى التساؤل مطروحاً حول ما إذا كانت الاستراتيجية الإيرانية قابلة للاستمرار في ظل إعادة تمركز موازين القوى في المنطقة. فهي قد تأتي بنتائج عكسية قد تؤدي إلى تسريع المسار الذي أطلقته واشنطن عند شنها حربها ضد الجمهورية الإسلامية، والمتمثل في تحييد القدرة العسكرية لطهران وتقويض نفوذها. وفي الوقت عينه، قد تسهم هذه السياسة في ترسيخ، بل وتوسيع نطاق التحالف السني المتكتل حول السعودية، وهو اتجاه يعززه التقارب الأخير بين الرياض وأبو ظبي إثر مرحلة من التوترات. فالجمهورية الإسلامية لم تعد تملك أي سيطرة على سوريا اليوم، فضلاً عن تراجع نفوذها في لبنان حيث باتت قوة ذراعها العسكرية، "حزب الله"، محصورة في السجالات الكلامية والتهديدات بالرد، على نحو ما تجلى مجدداً في خطاب أمينه العام نعيم قاسم، يوم الثلاثاء. ومثل ذلك يقال عن العراق، حيث مسار نزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران يمضي قدماً، بغض النظر عن التهويل الإعلامي لبعضها.

/