شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
العالم الجديد
صورة المؤلف
بقلم خيرالله خيرالله - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 06:32
صورة للأخبار
(تصوير أحمد الربيعي/وكالة فرانس برس)
في الذكرى السنوية الثالثة لـ“طوفان الأقصى” ومأساة غزّة التي تسببت بها “حماس”، يبدو مشروعًا التساؤل: أين العرب؟ بل أين إيران؟ وإسرائيل إلى أين؟ بات هذا السؤال، إلى إشعار آخر، من النوع الذي تستحيل الإجابة عنه. يعود ذلك إلى أنّ المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، أو على الأصح العوالم العربيّة، لا تبدو قابلة للحلّ في المدى المنظور، لا لشيء سوى لأنّ مفتاح الحلّ موجود في معظم الأحيان في طهران، وليس في هذه العاصمة العربيّة أو تلك أو لدى جامعة الدول العربيّة، طبعًا. تعاني جامعة الدول العربيّة من أزمة بنيوية. تعكس هذه الأزمة حال الترهّل العربي. أظنّ أنّ كلمة “ترهّل” كلمة لطيفة. يكفي، من أجل التأكّد من استحالة إعطاء جواب عن سؤال العرب: إلى أين العرب؟ التفكير في ما آل إليه العراق الذي تحكمه إيران عبر ميليشياتها المذهبيّة. المفارقة أنّ العراق، الذي نجحت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في نقل تجربة “الحرس الثوري” إليه، بات في وضع محيّر. كيف يمكن لنظام حرّرته الدبابة الأميركيّة من نظام صدّام حسين الاحتفال بخروج آخر جندي أميركي من العراق، وأن يتحدّث رئيس الوزراء علي الزيدي عن استعادة البلد لسيادته؟ المفارقة أنّ من يحتفل هذه الأيّام باستعادة العراق لسيادته يرفض الاعتراف بأنّ الأميركي رحل فيما الإيراني بقي. الإيراني حاضر في العراق أكثر من أيّ وقت… من دون أن يمنع ذلك السؤال: أين إيران وإيران إلى أين؟ الأخطر من ذلك كلّه أنّ سقوط العراق في العام 2003، عندما سلّمت إدارة جورج بوش الابن البلد إلى إيران، أدّى إلى خلل على صعيد التوازن الإقليمي لا تزال المنطقة تعاني منه إلى يومنا هذا. يأتي التركيز على العراق نظرًا إلى أنّ سقوطه في يد إيران كان سقوطًا للنظام الإقليمي كلّه. هذا النظام الذي قام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. قد يكون مفيدًا التذكير بأنّ سايكس–بيكو كان في 1916 ووعد بلفور في 1917. لم يستوعب العرب يومًا ما سايكس–بيكو، ولم يفهموا معنى وعد بلفور والمترتّب عليه. لم يكن الاجتياح الأميركي لبلد عضو في جامعة الدول العربية، فيه قوميات عدّة، مجرّد سقوط لنظام عراقي متخلّف، لا يمكن التأسّف على سقوطه. لا مجال لأيّ أسف في ضوء ما ارتكبه صدّام حسين من أخطاء قاتلة، إن في حقّ العراقيين أو حقّ دول المنطقة، في مقدّمها الكويت. على الرغم من ذلك كلّه، كان سقوط النظام العراقي سقوطًا لبلد ولحدود فاصلة بين العرب والفرس. تعاني المنطقة كلّها من هذا الخلل الذي جعل طهران تسيطر على بغداد بدلًا من أن يكون العراق بكلّ مدنه درعًا في وجه المشروع التوسّعي الإيراني… وهو مشروع استطاع أن تكون له انطلاقة جديدة، في الإقليم كلّه، انطلاقًا من العراق. ليس “أين العرب؟” مجرّد سؤال، بمقدار ما أنّه سؤال يجرّ إلى أسئلة لا أجوبة عنها. على سبيل المثال، وليس الحصر، من يُخرج إيران من العراق على غرار إخراجها من سوريا؟ هل يمكن إعادة الحياة إلى بلد مثل اليمن، بلد تشظّى كليًا بعدما استطاعت إيران، بفضل الحوثيين، السيطرة على جزء منه وتحويله إلى مصدر خطر على السعودية وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي على قناة السويس؟ ما مصير لبنان حيث سلاح “حزب الله” الذي لا يزال يتحكّم بالبلد؟ هذا السلاح المذهبي، سلاح إيراني، لم يكن من هدف له في يوم من الأيّام غير إخضاع اللبنانيين، وفي مرحلة معيّنة السوريين. كان اللبنانيون وما زالوا هدفًا لإيران و“حزب الله”. لم تكن إسرائيل سوى ذريعة للاحتفاظ بهذا السلاح. ما لم يكشفه الاحتلال الإيراني للعراق كشفه “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات. أدّى يحيى السنوار، الذي لعب دورًا محوريًا في شنّ “طوفان الأقصى”، بصفته قياديًا في “حماس”، دورًا في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. انتقل الصراع إلى داخل إيران نفسها. غيّر “طوفان الأقصى” طبيعة إسرائيل التي لم تعد تؤمن سوى بالرغبة في التوسّع من أجل المحافظة على أمنها. على الرغم من أنّ إسرائيل أظهرت أنّها تمتلك قدرات عسكريّة واستخباراتيّة غير طبيعيّة، يبقى في النهاية سؤال من نوع آخر لا إجابة عنه على غرار السؤال المتعلّق بالعرب. هذا السؤال هو: إسرائيل إلى أين؟… وأيّ مستقبل لها من دون مشروع سياسي قابل للحياة بصفة كونها جزءًا من المنطقة ودولة من دولها عليها العيش بسلام وأمان مع محيطها ومع الفلسطينيين، كشعب موجود على أرض فلسطين… أي موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة؟
قراءة تحليلية
صورة المؤلف
بقلم تيلدا أبو رزق - نُشر أكتوبر 8, 2026 - 22:37
صورة للأخبار
تتجه الأضواء إلى الملفات الاجتماعية والاقتصادية والمالية في لبنان، حيث أعلن مصرف لبنان، الخميس، فتح حساب خاص لتجميع الأموال الناتجة عن «اختلاسات أو معاملات غير قانونية» والتي قد تُسترد نتيجة «قرارات قضائية أو تسويات ودية أو أي إجراءات أخرى تُتخذ في الخارج». ووفقاً للمصرف، تهدف هذه الخطوة إلى إعادة الأموال المستحقة قانوناً للمودعين. في الوقت نفسه، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، في رسالة وجّهها إلى اللبنانيين، عن سلسلة مشاريع قيد التنفيذ أو قيد الدرس في قطاعات تمس حياتهم اليومية مباشرة، وهي الكهرباء والنقل والإسكان وإصلاح المالية العامة، من خلال أمور عدة بينها تحصيل المتأخرات المستحقة للدولة. ويهدف هذا الخطاب أساساً إلى الطمأنة، وكذلك إلى الدفاع عن مشروع موازنة 2027 الذي تعرّض لانتقادات حادة من حزب القوات اللبنانية. ويُفسَّر توقيت هذه الإطلالة بتطورين طبعا المشهد اللبناني أخيراً: تصاعد الاستياء الشعبي في الأسابيع الأخيرة إزاء الارتفاع الهائل في فواتير المولدات الخاصة، وقرار وزير الطاقة جو صدي تعليق مشاركته في اجتماعات مجلس الوزراء، متهماً إياه بعدم الاستجابة لطلباته الرامية إلى تحسين توزيع التيار الكهربائي من دون زيادة الأعباء الملقاة على عاتق دافعي الضرائب. ومن أبرز مطالبه تسديد المبالغ المستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان من الوزارات والمؤسسات العامة، والتي تُقدَّر بنحو 300 مليون دولار. فمن شأن الإفراج عن هذا المبلغ أن يتيح للمؤسسة تمويل شراء الوقود وزيادة ساعات التغذية بالكهرباء، ما سينعكس حتماً على فواتير المولدات الخاصة. غير أن فتح الحساب الخاص في مصرف لبنان لإعادة الودائع يندرج ضمن السياسة التي ينفذها الحاكم الجديد كريم سعيد منذ تعيينه على رأس المؤسسة، فإن عرض نواف سلام يواجه صعوبة في الإقناع في غياب خطة إنعاش اقتصادي مفصلة تتيح للبنانيين متابعة مراحل تنفيذها. لا أحد يشكك في رغبة الحكومة في معالجة المشكلات القابلة للحل ضمن الإرث الثقيل الذي خلّفه أسلافها، ولا سيما في قطاع الكهرباء الذي يتحمل وحده عجزاً يقارب 40 مليار دولار. وبقدر ما تسمح به إمكاناتها، أطلق فريق نواف سلام عدداً من ورش الإصلاح وحاول معالجة الأكثر إلحاحاً، في ظروف بالغة الصعوبة طبعتها حرب فُرضت على البلاد. ومع ذلك، يبقى خطاب السيد سلام أقرب إلى إعلان نيات ومشاريع مستقبلية، شأنه شأن البيان الوزاري الذي نال على أساسه ثقة البرلمان. وكان من الواضح أنه أراد تبديد الشائعات التي تحدثت عن توترات داخل الحكومة. وحرصاً منه على تماسك فريقه، سعى رئيس الحكومة عبر هذه الإطلالة إلى توجيه ثلاث رسائل: إلى الوزير صدي، أكد أن الحكومة «تعمل على حل مستدام لمشكلة الكهرباء»، من دون تقديم تفاصيل أو التعهد بتلبية مطالبه. أما لدافعي الضرائب، فأبلغهم أن فريقه يدرك الأعباء التي تخنقهم وأنه مصمم على استرداد الأموال المستحقة للدولة. وللجهات الدولية المانحة، بدا وكأنه يريد طمأنتها إلى أن الدولة لن تقدم على نفقات جديدة من دون توافر الموارد اللازمة لتمويلها. كيف؟ هنا يكمن كل الغموض. فالملف الاقتصادي لا يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة، والدولة أخفقت حتى الآن في الوفاء بالتزاماتها. ويجب التذكير بأن المجتمع الدولي، ولا سيما الجهات المانحة، كان واضحًا جدًا في نقطة واحدة: لن يحصل لبنان على مساعدة كبيرة لدعم جهود التعافي إلا إذا استعادت السلطات زمام إدارة البلاد بجدية، من خلال نزع سلاح حزب الله الذي أصبح دولة داخل الدولة، والشروع في إصلاحات جوهرية. في هذين المجالين، اتخذت السلطة خطوات أولى، لكنها توقفت في منتصف الطريق. فنزع سلاح حزب الله، رغم أنه كان موضع قرار حكومي ووعدًا ورد في خطاب تنصيب الرئيس، بقي مجرد أمنية بعيدة المنال. أما الإصلاحات، فقد نُفذت إجراءات مهمة استنادًا إلى أجندة اتسعت منذ عام 2025، ولا سيما عبر إنشاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء. لكن حجم العمل لا يزال هائلًا، ويبقى جزئيًا رهن قرار سياسي. بعبارة أخرى، صحيح أن لكل وزارة أجندة تندرج ضمن استكمال الالتزامات التي تم التعهد بها في إطار البيان الوزاري، لكن الحكومة لم تقدم بعد للبنانيين خطة وطنية حقيقية للتعافي الاقتصادي، قائمة على أرقام ومرفقة بجدول زمني دقيق. وينطبق ذلك خصوصًا على قطاع الكهرباء، حيث يسود انطباع عام بأن الحكومة لا تزال تتقدم من دون رؤية واضحة.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
7 أكتوبر: السؤال الذي يستحيل الإجابة عنه
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

في الذكرى السنوية الثالثة لـ“طوفان الأقصى” ومأساة غزّة التي تسببت بها “حماس”، يبدو مشروعًا التساؤل: أين العرب؟ بل أين إيران؟ وإسرائيل إلى أين؟ بات هذا السؤال، إلى إشعار آخر، من النوع الذي تستحيل الإجابة عنه. يعود ذلك إلى أنّ المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، أو على الأصح العوالم العربيّة، لا تبدو قابلة للحلّ في المدى المنظور، لا لشيء سوى لأنّ مفتاح الحلّ موجود في معظم الأحيان في طهران، وليس في هذه العاصمة العربيّة أو تلك أو لدى جامعة الدول العربيّة، طبعًا. تعاني جامعة الدول العربيّة من أزمة بنيوية. تعكس هذه الأزمة حال الترهّل العربي. أظنّ أنّ كلمة “ترهّل” كلمة لطيفة. يكفي، من أجل التأكّد من استحالة إعطاء جواب عن سؤال العرب: إلى أين العرب؟ التفكير في ما آل إليه العراق الذي تحكمه إيران عبر ميليشياتها المذهبيّة. المفارقة أنّ العراق، الذي نجحت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في نقل تجربة “الحرس الثوري” إليه، بات في وضع محيّر. كيف يمكن لنظام حرّرته الدبابة الأميركيّة من نظام صدّام حسين الاحتفال بخروج آخر جندي أميركي من العراق، وأن يتحدّث رئيس الوزراء علي الزيدي عن استعادة البلد لسيادته؟ المفارقة أنّ من يحتفل هذه الأيّام باستعادة العراق لسيادته يرفض الاعتراف بأنّ الأميركي رحل فيما الإيراني بقي. الإيراني حاضر في العراق أكثر من أيّ وقت… من دون أن يمنع ذلك السؤال: أين إيران وإيران إلى أين؟ الأخطر من ذلك كلّه أنّ سقوط العراق في العام 2003، عندما سلّمت إدارة جورج بوش الابن البلد إلى إيران، أدّى إلى خلل على صعيد التوازن الإقليمي لا تزال المنطقة تعاني منه إلى يومنا هذا. يأتي التركيز على العراق نظرًا إلى أنّ سقوطه في يد إيران كان سقوطًا للنظام الإقليمي كلّه. هذا النظام الذي قام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. قد يكون مفيدًا التذكير بأنّ سايكس–بيكو كان في 1916 ووعد بلفور في 1917. لم يستوعب العرب يومًا ما سايكس–بيكو، ولم يفهموا معنى وعد بلفور والمترتّب عليه. لم يكن الاجتياح الأميركي لبلد عضو في جامعة الدول العربية، فيه قوميات عدّة، مجرّد سقوط لنظام عراقي متخلّف، لا يمكن التأسّف على سقوطه. لا مجال لأيّ أسف في ضوء ما ارتكبه صدّام حسين من أخطاء قاتلة، إن في حقّ العراقيين أو حقّ دول المنطقة، في مقدّمها الكويت. على الرغم من ذلك كلّه، كان سقوط النظام العراقي سقوطًا لبلد ولحدود فاصلة بين العرب والفرس. تعاني المنطقة كلّها من هذا الخلل الذي جعل طهران تسيطر على بغداد بدلًا من أن يكون العراق بكلّ مدنه درعًا في وجه المشروع التوسّعي الإيراني… وهو مشروع استطاع أن تكون له انطلاقة جديدة، في الإقليم كلّه، انطلاقًا من العراق. ليس “أين العرب؟” مجرّد سؤال، بمقدار ما أنّه سؤال يجرّ إلى أسئلة لا أجوبة عنها. على سبيل المثال، وليس الحصر، من يُخرج إيران من العراق على غرار إخراجها من سوريا؟ هل يمكن إعادة الحياة إلى بلد مثل اليمن، بلد تشظّى كليًا بعدما استطاعت إيران، بفضل الحوثيين، السيطرة على جزء منه وتحويله إلى مصدر خطر على السعودية وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي على قناة السويس؟ ما مصير لبنان حيث سلاح “حزب الله” الذي لا يزال يتحكّم بالبلد؟ هذا السلاح المذهبي، سلاح إيراني، لم يكن من هدف له في يوم من الأيّام غير إخضاع اللبنانيين، وفي مرحلة معيّنة السوريين. كان اللبنانيون وما زالوا هدفًا لإيران و“حزب الله”. لم تكن إسرائيل سوى ذريعة للاحتفاظ بهذا السلاح. ما لم يكشفه الاحتلال الإيراني للعراق كشفه “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات. أدّى يحيى السنوار، الذي لعب دورًا محوريًا في شنّ “طوفان الأقصى”، بصفته قياديًا في “حماس”، دورًا في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. انتقل الصراع إلى داخل إيران نفسها. غيّر “طوفان الأقصى” طبيعة إسرائيل التي لم تعد تؤمن سوى بالرغبة في التوسّع من أجل المحافظة على أمنها. على الرغم من أنّ إسرائيل أظهرت أنّها تمتلك قدرات عسكريّة واستخباراتيّة غير طبيعيّة، يبقى في النهاية سؤال من نوع آخر لا إجابة عنه على غرار السؤال المتعلّق بالعرب. هذا السؤال هو: إسرائيل إلى أين؟… وأيّ مستقبل لها من دون مشروع سياسي قابل للحياة بصفة كونها جزءًا من المنطقة ودولة من دولها عليها العيش بسلام وأمان مع محيطها ومع الفلسطينيين، كشعب موجود على أرض فلسطين… أي موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة؟

سلام يدافع عن سياسته، لكن من دون خطة واضحة

تتجه الأضواء إلى الملفات الاجتماعية والاقتصادية والمالية في لبنان، حيث أعلن مصرف لبنان، الخميس، فتح حساب خاص لتجميع الأموال الناتجة عن «اختلاسات أو معاملات غير قانونية» والتي قد تُسترد نتيجة «قرارات قضائية أو تسويات ودية أو أي إجراءات أخرى تُتخذ في الخارج». ووفقاً للمصرف، تهدف هذه الخطوة إلى إعادة الأموال المستحقة قانوناً للمودعين. في الوقت نفسه، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، في رسالة وجّهها إلى اللبنانيين، عن سلسلة مشاريع قيد التنفيذ أو قيد الدرس في قطاعات تمس حياتهم اليومية مباشرة، وهي الكهرباء والنقل والإسكان وإصلاح المالية العامة، من خلال أمور عدة بينها تحصيل المتأخرات المستحقة للدولة. ويهدف هذا الخطاب أساساً إلى الطمأنة، وكذلك إلى الدفاع عن مشروع موازنة 2027 الذي تعرّض لانتقادات حادة من حزب القوات اللبنانية. ويُفسَّر توقيت هذه الإطلالة بتطورين طبعا المشهد اللبناني أخيراً: تصاعد الاستياء الشعبي في الأسابيع الأخيرة إزاء الارتفاع الهائل في فواتير المولدات الخاصة، وقرار وزير الطاقة جو صدي تعليق مشاركته في اجتماعات مجلس الوزراء، متهماً إياه بعدم الاستجابة لطلباته الرامية إلى تحسين توزيع التيار الكهربائي من دون زيادة الأعباء الملقاة على عاتق دافعي الضرائب. ومن أبرز مطالبه تسديد المبالغ المستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان من الوزارات والمؤسسات العامة، والتي تُقدَّر بنحو 300 مليون دولار. فمن شأن الإفراج عن هذا المبلغ أن يتيح للمؤسسة تمويل شراء الوقود وزيادة ساعات التغذية بالكهرباء، ما سينعكس حتماً على فواتير المولدات الخاصة. غير أن فتح الحساب الخاص في مصرف لبنان لإعادة الودائع يندرج ضمن السياسة التي ينفذها الحاكم الجديد كريم سعيد منذ تعيينه على رأس المؤسسة، فإن عرض نواف سلام يواجه صعوبة في الإقناع في غياب خطة إنعاش اقتصادي مفصلة تتيح للبنانيين متابعة مراحل تنفيذها. لا أحد يشكك في رغبة الحكومة في معالجة المشكلات القابلة للحل ضمن الإرث الثقيل الذي خلّفه أسلافها، ولا سيما في قطاع الكهرباء الذي يتحمل وحده عجزاً يقارب 40 مليار دولار. وبقدر ما تسمح به إمكاناتها، أطلق فريق نواف سلام عدداً من ورش الإصلاح وحاول معالجة الأكثر إلحاحاً، في ظروف بالغة الصعوبة طبعتها حرب فُرضت على البلاد. ومع ذلك، يبقى خطاب السيد سلام أقرب إلى إعلان نيات ومشاريع مستقبلية، شأنه شأن البيان الوزاري الذي نال على أساسه ثقة البرلمان. وكان من الواضح أنه أراد تبديد الشائعات التي تحدثت عن توترات داخل الحكومة. وحرصاً منه على تماسك فريقه، سعى رئيس الحكومة عبر هذه الإطلالة إلى توجيه ثلاث رسائل: إلى الوزير صدي، أكد أن الحكومة «تعمل على حل مستدام لمشكلة الكهرباء»، من دون تقديم تفاصيل أو التعهد بتلبية مطالبه. أما لدافعي الضرائب، فأبلغهم أن فريقه يدرك الأعباء التي تخنقهم وأنه مصمم على استرداد الأموال المستحقة للدولة. وللجهات الدولية المانحة، بدا وكأنه يريد طمأنتها إلى أن الدولة لن تقدم على نفقات جديدة من دون توافر الموارد اللازمة لتمويلها. كيف؟ هنا يكمن كل الغموض. فالملف الاقتصادي لا يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة، والدولة أخفقت حتى الآن في الوفاء بالتزاماتها. ويجب التذكير بأن المجتمع الدولي، ولا سيما الجهات المانحة، كان واضحًا جدًا في نقطة واحدة: لن يحصل لبنان على مساعدة كبيرة لدعم جهود التعافي إلا إذا استعادت السلطات زمام إدارة البلاد بجدية، من خلال نزع سلاح حزب الله الذي أصبح دولة داخل الدولة، والشروع في إصلاحات جوهرية. في هذين المجالين، اتخذت السلطة خطوات أولى، لكنها توقفت في منتصف الطريق. فنزع سلاح حزب الله، رغم أنه كان موضع قرار حكومي ووعدًا ورد في خطاب تنصيب الرئيس، بقي مجرد أمنية بعيدة المنال. أما الإصلاحات، فقد نُفذت إجراءات مهمة استنادًا إلى أجندة اتسعت منذ عام 2025، ولا سيما عبر إنشاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء. لكن حجم العمل لا يزال هائلًا، ويبقى جزئيًا رهن قرار سياسي. بعبارة أخرى، صحيح أن لكل وزارة أجندة تندرج ضمن استكمال الالتزامات التي تم التعهد بها في إطار البيان الوزاري، لكن الحكومة لم تقدم بعد للبنانيين خطة وطنية حقيقية للتعافي الاقتصادي، قائمة على أرقام ومرفقة بجدول زمني دقيق. وينطبق ذلك خصوصًا على قطاع الكهرباء، حيث يسود انطباع عام بأن الحكومة لا تزال تتقدم من دون رؤية واضحة.

الحوثيون في اليمن: من صعدة إلى باب المندب (3)

III. من صعدة إلى صنعاء: التحالف المفارق والاستيلاء على السلطة تآكل نظام صالح حكم علي عبد الله صالح أكثر من ثلاثة عقود من خلال منظومة من الزبائنية القبلية. واستند في ذلك إلى حلف عُقد سنة 1978 مع الشيخ عبد الله الأحمر، زعيم اتحاد حاشد القبلي، واللواء علي محسن الأحمر، قائد الفرقة الأولى مدرع. أما سنحان، جماعته القبلية المنضوية في حاشد، فكانت تمسك بالمواقع القيادية في المؤسستين العسكرية والأمنية. وقد قامت هذه المنظومة على الريع النفطي الذي كان يشكّل، سنة 2002، ما يصل إلى 75 في المئة من موارد الدولة. ومع تراجع الإنتاج، بنحو 40 في المئة بعد بلوغه ذروته، تقلّصت الموارد المتاحة لإعادة التوزيع. فانخفضت المخصصات التي كان يتلقاها صغار المشايخ، أو انقطعت تماماً. وفي الوقت نفسه، كان الحوثيون يمتلكون موارد خاصة بهم وشرعية مستقلة عن البنى القبلية التقليدية. وأتاح لهم ذلك استقطاب قبائل تشعر بالتهميش، ولا سيما داخل اتحاد بكيل القبلي الذي طالما طالب بالمساواة مع حاشد. 2011: من الثورة إلى التحالف مع العدو السابق أتاحت انتفاضة 2011، في البداية، فرصة للاندماج في النظام السياسي. فشارك الحوثيون في التظاهرات، ثم في مؤتمر الحوار الوطني. لكنهم، في الوقت نفسه، بسطوا سيطرتهم ابتداءً من مارس 2011 على صعدة، ثم على مديريات في عمران وحجة والجوف. وبعد خروج صالح من السلطة بموجب المبادرة الخليجية، غيّروا موقعهم وتحالفاتهم. وكان تحالفهم مع خصمهم السابق مفارقاً بكل المقاييس. فبين عامي 2012 و2014، فتح صالح أمامهم مخازن الجيش وشبكات حزبه، المؤتمر الشعبي العام. وكان للطرفين عدو مشترك: حزب الإصلاح المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، واللواء علي محسن الذي انضم إلى الثورة. أراد صالح من هذا التحالف أن يكون أداة للانتقام من خصومه. لكنه أفاد الحوثيين في الواقع، إلى حد أن كثيراً من اليمنيين أخذوا يصفونهم بـ“وحش فرانكنشتاين”. 21 سبتمبر 2014 والحرب السعودية في 21 سبتمبر 2014، دخل الحوثيون صنعاء. وسيطروا، بصورة منهجية، على الإذاعة والتلفزيون والوزارات والثكنات العسكرية. ونص “اتفاق السلم والشراكة الوطنية” على انسحابهم مقابل تشكيل حكومة تكنوقراط. شُكّلت الحكومة، لكن المقاتلين لم ينسحبوا. وفي يناير 2015، قدّم الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس حكومته خالد بحاح استقالتيهما. ووُضع هادي قيد الإقامة الجبرية، قبل أن يفر إلى عدن ويدعو المملكة العربية السعودية إلى التدخل. وفي 26 مارس 2015، أطلقت الرياض عملية “عاصفة الحزم” على رأس تحالف عربي. غير أن الهدف المعلن، أي إعادة الحكومة المعترف بها إلى السلطة، لم يتحقق قط. وفي ديسمبر 2017، حاول صالح الانقلاب على حلفائه فقُتل. وخرج الحوثيون من هذه الأزمة منفردين بالسيطرة على صنعاء. ثم جاء اتفاق ستوكهولم سنة 2018، تحت ضغط الأزمة الإنسانية، ليوقف الهجوم على الحديدة ويرسّخ وجود الحركة على ساحل البحر الأحمر. واعتباراً من أبريل 2022، وضعت هدنة برعاية الأمم المتحدة حداً للغارات الجوية السعودية. وكانت الرياض تسعى إلى الخروج من الملف اليمني، فيما بدأت مفاوضات مباشرة عبر مسقط. ورفع الحوثيون ثمن السلام، مطالبين، خصوصاً، بأن يتولى التحالف دفع متأخرات رواتب موظفي الدولة. واستمرت هذه الهدنة أربع سنوات، بصعوبة وتعثّر، حتى يوليو 2026. IV. الدولة الحوثية: فعالية سلطوية وهشاشة بنيوية القيام مقام الدولة لا تصمد أمام التدقيق صورة مقاتلين تقليديين هبطوا من الجبال ليستولوا على بلد. ففي غرب اليمن، حيث يسيطر الحوثيون على ما بين ربع البلاد وثلثها، ويعيش أكثر من نصف السكان، نجحت الحركة في الحؤول دون انهيار الخدمات والاقتصاد والأمن. وظل الريال أكثر استقراراً هناك منه في المناطق الخاضعة للحكومة، كما بقيت الهجمات الجهادية نادرة. ولتحقيق ذلك، اعتمد الحوثيون في البداية على شبكات الموظفين التي ورثوها عن نظام صالح، قبل أن يضعوا رجالهم في مواقع الدولة، ولا سيما بعد عام 2017. نظام المشرفين يقع في قلب السلطة الفعلية جهاز موازٍ للمؤسسات الرسمية، هو جهاز “المشرفين”. ظهر هذا النظام في صعدة سنة 2011، ثم عُمّم على الوزارات كلها بعد السيطرة على صنعاء، تحت عنوان مكافحة الفساد. وغالباً ما يتحول الوزراء التكنوقراط إلى واجهة، فيما تكون السلطة الحقيقية في يد المشرف، وهو في العادة أحد الموالين للحركة، وقد لا يمتلك أي اختصاص في المجال الذي يشرف عليه. وحتى مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، تتداخل صلاحياته عملياً مع النفوذ الواسع لمدير مكتبه أحمد حامد، الملقب بـ“رئيس الرئيس”. وفي كل محافظة مشرف عام يعيّنه عبد الملك الحوثي ويرتبط باللجنة الثورية. وتحت سلطته مئات المشرفين الموزعين على خمسة قطاعات: الأمن، والمال، والشؤون الاجتماعية، والأيديولوجيا، والتعليم. وتشمل الأجهزة الأمنية جهاز الأمن الوقائي الذي يراقب المقاتلين، وجهاز الأمن والمخابرات، و“الزينبيات”، وهي قوة نسائية تتولى مراقبة النساء واعتقالهن. وقد غيّرت هذه الشبكة بنية المجتمع التقليدية. فالمشايخ القبليون، الذين كانت جماعاتهم تختارهم في السابق، باتوا إما يُستوعبون في المنظومة، أو يُهمّشون، أو يُجرَّدون من نفوذهم، وأحياناً تُهدم منازلهم. أما “العاقل”، أي مسؤول الحي الذي كان يؤدي دور الوسيط، فتحول إلى مخبر يبلّغ عن الشبان القابلين للتعبئة ويوزع المساعدات الإنسانية بالأولوية على الأسر الموالية. آلة مالية في خدمة الحرب تفتقر المناطق الخاضعة للحوثيين إلى الموارد الطبيعية. ومع ذلك، تشير تقديرات تعود إلى سنة 2022 إلى أن الجبايات فيها قد تبلغ 1.8 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل تقريباً إجمالي الإيرادات الضريبية لليمن بأكمله في نهاية عهد صالح. وتُجبر المؤسسات التجارية على دفع متأخرات تعود إلى تاريخ تأسيسها. كما تحولت الزكاة إلى ضريبة إلزامية تُجبى في شهر رمضان. ويضاف إلى ذلك ما يُفرض من مساهمات لتمويل المناسبات والاحتفالات، مثل المولد النبوي وعاشوراء ويوم القدس، فضلاً عن جباية شبيهة بـ“الخُمس” تعود بالنفع على الهاشميين. ويذهب هذا المال إلى تمويل المجهود الحربي أكثر مما يذهب إلى دفع الرواتب. فكثير من الموظفين لا يتقاضون سوى نصف رواتبهم، وعلى فترات غير منتظمة. وفي المقابل، ارتفعت أسعار العقارات في صنعاء ارتفاعاً حاداً، مدفوعة بظهور طبقة جديدة من المنتفعين من اقتصاد الحرب والمرتبطة بالحركة. كما خضع جزء من المساعدات الإنسانية الدولية لسيطرة الحركة، فيما تعرضت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، في 2024 ثم مجدداً في 2025، لموجات من الاعتقالات. الأيديولوجيا والقمع والغضب الصامت تتغلغل أيديولوجيا عبد الملك الحوثي في الجيش والمدارس والمساجد. ويفرض جهاز للرقابة الأخلاقية والاجتماعية قيوداً على حقوق النساء، فيما يقارن معارضون النظام بحكم طالبان. كذلك، تحيط بالنظام مسكوتات تتعلق بمكانة الهاشميين وبالتوارث العائلي للسلطة، وهو ما يؤدي عملياً إلى تهميش الأغلبية السنية الشافعية في البلاد. والتشخيص واضح: قبضة الحركة قوية، لكنها هشة. فالحرب توفر مبرراً للفقر والفساد والقمع، كما تغذي رد فعل وطنياً في مواجهة “العدوان” السعودي، طالما ساعد على حجب قرب الحركة من طهران. لكن انتهاء الحرب يعني زوال هذا المبرر. ومن هنا تبرز فرضية أساسية لما سيأتي: للحركة مصلحة بنيوية في الإبقاء على حالة تعبئة دائمة. V. البحر الأحمر كسلاح: من التضامن مع غزة إلى الردع غير المتكافئ (2023–2025) فاعل إقليمي منذ نوفمبر 2023، فتح الحوثيون جبهة بحرية باسم التضامن مع غزة. وخلال عشرة أشهر، نفذوا أكثر من 120 هجوماً على سفن تجارية، ازدادت تعقيداً مع الوقت، كما أطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل على مسافة تتجاوز ألفي كيلومتر. وفي مارس 2024، غرقت سفينة الشحن Rubymar المحملة بالأسمدة، فيما كادت ناقلة النفط Sounion ، التي أُصيبت في أغسطس، تتسبب في كارثة نفطية تاريخية. وخسرت مصر سنة 2024 أكثر من نصف إيرادات قناة السويس. ولم تنجح الضربات الأميركية والبريطانية، التي بدأت في يناير 2024، ثم القصف الإسرائيلي للحديدة في 20 يوليو 2024، في الحد من قدرة الحركة على إسقاط القوة خارج مجالها المباشر. وفي سبتمبر 2024، انفجر صاروخ من طراز جديد على مسافة بضعة كيلومترات من مطار بن غوريون. أما سياسياً، فقد حققت الحملة نجاحاً واضحاً. فقد تلقى الحوثيون شكراً علنياً من حركة حماس، واكتسبوا شعبية إقليمية غير مسبوقة. والأهم أنها وضعت المملكة العربية السعودية في موقف حرج، إذ لم يكن في وسعها العودة إلى القتال إلى جانب واشنطن وإسرائيل ضد حركة تتحرك باسم فلسطين. عقيدة الردع غير المتكافئ تجسّد هذه المرحلة ما تصفه نظريات الحرب غير المتكافئة: طرف أضعف يستخدم وسائل منخفضة الكلفة، من صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق غير مأهولة، لإحداث أثر استراتيجي يفوق بكثير حجم الوسائل المستخدمة. ويوفر مضيق باب المندب، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، أداة الضغط الأساسية. فمن خلاله يمر ما بين 10 و12 في المئة من التجارة البحرية العالمية، وما بين 25 و30 في المئة من حركة الحاويات. وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. كلفة عام 2025 شكّل عام 2025 نقطة تحوّل. فالحملة الجوية الأميركية، الممتدة من مارس إلى مايو، ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للحركة، وانتهت بوقف لإطلاق النار توسطت فيه عُمان، تعهّد الحوثيون بموجبه بعدم استهداف السفن الأميركية. لكن الضربات الإسرائيلية على صنعاء والحديدة تواصلت بعد ذلك، وكشفت ثغرات خطرة في المنظومة الاستخباراتية: فقُتل عدد من كبار المسؤولين، من بينهم رئيس حكومة صنعاء في أغسطس، ورئيس هيئة الأركان في الخريف. وأدى وقف إطلاق النار في غزة، في أكتوبر، إلى تعليق هجمات الحوثيين على إسرائيل. بحر أحمر يعاد تشكيله كانت الخريطة المحيطة بالمضيق تتغير بدورها. ففي 26 ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بصوماليلاند. وفي يناير 2026، زار وزير خارجيتها هرجيسا، وترددت معلومات عن مناقشات تتعلق بوجود محتمل قرب ميناء بربرة. ورداً على ذلك، نجحت مقديشو في استصدار إدانة من 21 دولة، من بينها المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وقطر وإيران، كما أنهت اتفاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة. ونشرت مصر قوات في الصومال، وعززت محور القاهرة–أسمرة–مقديشو، في حين تولت تركيا حماية المياه الإقليمية الصومالية. وهكذا، تحولت الضفة الأفريقية المطلة على باب المندب إلى ساحة تنافسات إقليمية تتقاطع مباشرة مع الملف الحوثي. المقال المقبل: الحرب ضد إيران (فبراير-يونيو 2026): “التدخل المحدود”

الاعتدال اللبناني يحتاج إلى مشروع
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر

في لبنان، يُستدعى الاعتدال كلّما اقترب البلد من الانفجار، ثم يتراجع حضوره حين يبدأ توزيع السلطة. يُطلب من المعتدلين تهدئة النفوس، وتدوير الزوايا، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة، فيما تُترك للقوى الأكثر قدرة على التعطيل مهمّة تحديد شروط التسوية. وبهذا المعنى، يُمنح الاعتدال دورًا في احتواء الأزمات، من دون أن تتوافر له بالضرورة القدرة على تغيير الشروط التي تنتجها. تكمن هنا أزمته الأساسية، فالاعتدال الذي يكتفي بمنع الأسوأ يبقى محكومًا بجدول أعمال الآخرين. ينتظر التصعيد كي يدعو إلى التهدئة، والتعطيل كي يبحث عن مخرج، والانقسام كي يقترح مساحة مشتركة. وقد تكون هذه الأدوار ضرورية في لحظات الخطر، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل. يحتاج لبنان إلى اعتدال يملك تصوّرًا للحكم، ويستطيع أن يبادر ويواجه وينظّم، وأن يشرح للناس ما الذي سيتغيّر في حياتهم إذا منحوه ثقتهم. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، لا بدّ من تحرير الاعتدال من الخلط بينه وبين الوقوف في منتصف الطريق. ففي الخلاف على أولويات الإنفاق، أو السياسات الاقتصادية، أو إدارة المرافق، تتعدّد الخيارات المشروعة وتصبح التسوية جزءًا من العمل الديمقراطي. أمّا حين يتعلّق الأمر بمرجعية الدولة، وخضوع الجميع للقانون، وحقّ المواطنين في اختيار ممثّليهم بلا ترهيب، فإنّ التسوية ينبغي أن تتناول سبل تطبيق هذه القواعد، لا أصل الالتزام بها. الاعتدال هنا واضح في غايته، متدرّج في أدواته، ومسؤول عن نتائج خطواته. وهذا التمييز أساسي في ملف سلاح «حزب الله». فحصرية القوة العسكرية وقرار الحرب والسلم بيد الدولة تشكّل قاعدة قيام سلطة وطنية مسؤولة أمام مواطنيها. التمسّك بها لا يقتضي العداء لبيئة الحزب، ولا يبرّر تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو المخاوف التي يعيشها أبناء الجنوب. بل يفرض تقديم إجابة جدّية عن كيفية حمايتهم، وتعزيز الجيش، وتأمين شروط الاستقرار والعودة والإعمار. الحزم في المبدأ يجب أن يرافقه عمل سياسي وأمني واجتماعي يجعل الانتقال إلى الدولة ممكنًا وموثوقًا. لكنّ الاعتدال يفقد صدقيته إذا كان حازمًا تجاه السلاح ومتسامحًا تجاه الاستيلاء على المؤسسات. فلا تستقيم الدعوة إلى سلطة واحدة فيما تُعامل الإدارة حصصًا، والقضاء أداة حماية، والمال العام مورد نفوذ. الدولة التي يُطلب من اللبنانيين الوثوق بها ينبغي أن تتغيّر هي أيضًا. وقد جمع خطاب القسم للرئيس جوزاف عون بين احتكار حمل السلاح وإصلاح الإدارة؛ وتكمن المهمة السياسية في تحويل هذا الترابط إلى برنامج عمل، حتى يشعر المواطن بأنّ استعادة سلطة الدولة تعني استعادة حقوقه داخلها. هنا تظهر المسألة الأعمق، المواطن قد يرغب في الدولة، لكنه يبقى مرتبطًا بالزعيم أو الحزب الذي يؤمّن له حاجة عاجلة. حين يتوقّف العلاج أو العمل أو إنجاز المعاملة على وساطة، تصبح العلاقة السياسية جزءًا من تدبير الحياة اليومية. ولا يكفي أن ندعو الناس إلى التحرّر من الزبائنية من دون أن نوفّر لهم بديلًا يمكن الاعتماد عليه. فمن يملك ترف الاستغناء عن الوسيط يستطيع إدانة التبعية بسهولة؛ أمّا من يحتاج إليه لدخول مستشفى، فيدفع ثمن استقلاله من أمنه الشخصي والعائلي. لذلك، فإنّ بناء الاعتدال يمرّ عبر تقليص كلفة استقلال المواطن. كلّ خدمة عامة تُقدَّم وفق حقّ واضح، وكلّ وظيفة تُتاح على أساس الكفاءة، وكلّ معاملة تُنجَز بلا تدخّل، توسّع المساحة التي يستطيع فيها اللبناني أن يختار سياسيًا بحرية. بهذا المعنى، تصبح كفاءة المؤسسات جزءًا من تغيير موازين القوى. فالولاء السياسي يكتسب معنى مختلفًا حين لا يعود شرطًا للحصول على أبسط الحقوق. ومن هنا أيضًا، يحتاج الاعتدال إلى مضمون اقتصادي واجتماعي محدّد. فكلمة «الإصلاح» لا تكفي ما لم يُشرح من يتحمّل الأعباء، ومن يحصل على الحماية، وكيف تُوزَّع الفرص. وفي الأزمة المالية، مثلًا، يشكّل التقدّم نحو اتفاق مع صندوق النقد مسارًا له متطلبات تشريعية ومالية واضحة. لكنّ المشروع السياسي يُقاس كذلك بموقفه من توزيع الخسائر، وحماية صغار المودعين، والمساءلة، واستعادة تمويل النشاط المنتج. وأي تسوية تُخفي هذه الخيارات وراء لغة تقنية تترك الناس خارج القرار الذي يحدّد مستقبلهم. لقد ارتبط الاعتدال أحيانًا في ذهن الكثير بالقدرة على التفاهم مع الجميع. غير أنّ أي إصلاح جدّي سيصطدم بمصالح فئات مستفيدة من الوضع القائم، وأي إلغاء امتياز، أو فتح باب المنافسة، أو إخضاع التعيينات لمعايير معلنة، سيخلق معارضة. لذلك، يحتاج المعتدل إلى قبول كلفة موقفه. فمن يجعل رضا جميع القوى شرطًا للتحرّك يمنح كلّ صاحب مصلحة قدرة على منعه. ويمكن خوض هذه المواجهة ضمن القانون، وبحجج واضحة وتحالفات معلنة، من دون استنفار طائفي أو تخوين. وهذا يقود إلى الحلقة التي تبقى غالبًا ناقصة الا وهي "التنظيم"، فلا يكفي وجود شخصيات تحظى بالاحترام، أو خبراء يمتلكون حلولًا، أو جمهور يتعب من الصراعات. القدرة السياسية للتيار المعتدل تتطلّب مؤسسات تجمع هؤلاء حول أولويات مشتركة، وتوزّع المسؤوليات، وتختار ممثّليها، وتتابعهم بعد وصولهم إلى السلطة. وتتطلّب حضورًا مستمرًا في البلديات والنقابات والجامعات والأحياء، حيث تتكوّن الثقة من العمل المتراكم. ولا ينبغي لهذا الحضور أن يعيد إنتاج شبكات الولاء تحت عنوان جديد. فإذا قدّم المعتدل خدماته مقابل التأييد، يكون قد تبنّى الآلية نفسها التي ينتقدها. دوره أن يساعد الناس على الوصول إلى حقوقهم، وأن يكشف أسباب تعطّلها، وأن يعمل لتصبح متاحة للجميع. كما يحتاج إلى تمويل شفاف، وقواعد داخلية للمحاسبة وتداول القيادة. فالمشروع الذي يطالب بدولة مؤسسات ينبغي أن يُظهر في بنيته قدرة على تجاوز الشخص الواحد. ومن الخطأ افتراض أنّ أكثرية معتدلة جاهزة تنتظر من يتحدّث باسمها. فالخوف من الحرب لا يعني الاتفاق على السياسة الدفاعية، ورفض الفساد لا ينتج تلقائيًا اتفاقًا على الإصلاح الاقتصادي. هذه القاعدة تُبنى بالحوار حول المصالح والخيارات، وباختبار التعاون في قضايا محدّدة. وقد تجمع أشخاصًا يختلفون في مسائل كثيرة، لكنهم يتوافقون على مرجعية الدولة وقواعد المنافسة والمحاسبة. وهذا الاتفاق يسمح لهم بإدارة اختلافهم من دون تحويله إلى تهديد متبادل. كذلك، لا يمكن حصر الاعتدال في طائفة أو تحميل جماعة واحدة واجب التنازل الدائم. فهو يحتاج إلى شركاء داخل مختلف البيئات، يعترفون بمخاوفها من دون أن يحوّلوها إلى مبرّر لامتيازات دائمة. ويحتاج إلى خطاب يصون حقّ الناس في انتماءاتهم، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ حقوقهم السياسية والمدنية لا تمرّ حصرًا عبر زعماء تلك الانتماءات. بهذا المعنى، يصبح الاعتدال مشروعًا لتغيير طريقة ممارسة السلطة، من تفاوض على الحصص إلى تنافس على البرامج، ومن حماية يمنحها النافذ إلى حقّ تضمنه المؤسسة، ومن تسويات تؤجّل النزاع إلى قواعد تسمح بحلّه. وهو مشروع يحتاج إلى صبر، لكنّه يحتاج أيضًا إلى مواعيد وأهداف معلنة، حتى لا يتحوّل التدرّج إلى ذريعة جديدة للتأجيل. الاختبار الحقيقي للاعتدال اللبناني يبدأ من قدرته على إنتاج هذه القوة المنظمة، وعلى تقديم التزامات يستطيع المواطن محاسبته عليها. عندها يصبح هدوء الخطاب تعبيرًا عن الثقة والقدرة، ويصبح الحوار وسيلة لتحقيق غاية واضحة. أمّا الاعتدال الذي لا يملك سوى الدعوة إلى الاعتدال، فسيبقى مطلوبًا عند اقتراب الانفجار، ومهمّشًا عند تقرير ما يأتي بعده.

أجراس الانذار تقرع حول الذكاء الاصطناعي

تتوالى التنبيهات حول المخاطر المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي وتتقدم على أي تهديد آخر في أخبار الحرب أو القلق البيئي والمناخي، أو الانهيار المالي وعلى نحو أكثر إلحاحاً. فالتقدم في هذا المجال يحدث بوتائر سريعة لا عودة فيها إلى الوراء ، إذ تخرج كل يوم من المختبرات آلات قادرة على التحرك، والعمل ضمن فرق، واتخاذ قرارات معقدة. هذه الثورة التكنولولجية صارت تهدد العالم، بأن تشكل ايديولوجيا خاصىة بها/ توتاليتارية تكنولوجية، تحمل وعوداً وأخطاراً هائلة، لا يمكن تجاهلها. وكان آخرها رؤية الروبوتات في الشوارع ، تفلت من السيطرة وتستولي على سلطة مطوريها، ما يقرع جرس الإنذار في أكثر من مكان. فكيف يمكن لروبوت تدرب في مختبر أن يهرب لقتل البشر؟ أليس من الخطير الاستمرار في تصنيع روبوتات مجهزة بمدافع أكثر قوة، مثل "ثاندر-ماكس " (ThunderMax 9000) الذي سيجهز "ديث-ماشين-8" المستقبلية، والتي هي حالياً في مرحلة الاختبار؟ وبالمثل، المختبرات، هل يجب حقاً أن تستمر في تصميم أنظمة دفاعية عالية الأداء، ومستقلة للغاية، ومسلحة بشكل مفرط ، وهل ينبغي للمصالح المالية أن تتفوق أبداً على أخلاقية البشرية؟ وتتزايد التحذيرات ومعها المخاوف التي طرحها البابا لاوون الرابع عشر، وسط تساؤلات عديدة حول مستقبل هذه الثورة الصناعية الخامسة، وبعد الزوبعة التي اثارتها تصريحات مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس عن مخاطر صارت قوية لتمكين أحداث قد تؤدي إلى" وفاة مليار شخص" من قبل جهات فاعلة غير حكومية تصنع أسلحة بيولوجية، أو القراصنة، أو خطر هروب وكلاء الذكاء الاصطناعي وشن هجمات إلكترونية على شركات أو بنية تحتية أجنبية. وهناك ما هو أخطر مما يجري على الأرض. سباق فضائي جديد يجري حالياً، لكن هذه المرة لا يتعلق السباق باستكشافات فضائية، بل بتسليحها. لقد، أصبحت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بنشر أسلحة للتحكم في الفضاء للدفاع ضد الخصوم. لم تحدد الولايات المتحدة ماهية هذه الأسلحة، لكن الخبراء العسكريين تكهنوا بأنها قد تشمل ليزرات أو أنظمة ميكروويف عالية الطاقة مصممة لتعطيل إلكترونيات الأقمار الصناعية، أو حتى أقماراً صناعية هجومية تستخدم أذرعاً آلية للقبض على مركبات العدو الفضائية أو إخراجها من مدارها. وسارعت الصين إلى إدانة هذه الخطوة الأمريكية، قائلة إنها تعارض أي "سباق تسلح في الفضاء". كما أكدت روسيا أن الفضاء يجب أن يظل خالياً من أي أسلحة. إن عسكرة الفضاء هذه هي مثال آخر محبط على تآكل شبكة الحوكمة الدولية في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي تم التفاوض عليها في ذروة الحرب الباردة، وشكلت إنجازاً رائعاً. واليوم، تحظى المعاهدة بدعم 118دولة. وهي تكرس مبادئ مفادها، أن الفضاء يجب أن يظل مجالاً مشتركاً للبشرية جمعاء، وتحظر نشر أي أسلحة دمار شامل في المدار، حيث تتنافس العديد من الدول والشركات على المزايا الاستراتيجية والتجارية، إذ تدير أكثر من 80 دولة الآن أقماراً صناعية، بإجمالي 18000 قمرا صناعي يدور حالياً حول الأرض. وتستحوذ خدمة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك على أكثر من نصف هذا العدد. ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو ما إذا بدأت أي دولة في تفجير أقمار خصومها. والسيناريو الكابوسي هو أن الحطام الفضائي المتساقط قد يجعل من المستحيل تشغيل أي أقمار صناعية في مدار الأرض المنخفض لأجيال، وهي ظاهرة تُعرف بـ "متلازمة كيسلر". هذا، عدا استخدام تلك الأسلحة، وقد بدأ فعلياً في الحرب الأوكرانية / وفي الشرق الأوسط في خيانة مزدوجة للبشرية، وفي تجاوز مفهوم الردع عندما يعرف جميع الأطراف قدرات بعضهم البعض ويفهمون العواقب المحتملة لأفعالهم. لقد، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انفتاحاً نسبياً،عندما وجد وقتاً لإجراء محادثات صريحة حول هذا الموضوع مع نظيره الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن . لذلك كانت ضرورة الاتفاق على معايير أساسية للتحكم، واختبار النماذج، وإنشاء آليات احتواء لتقليل المخاطر، وهناك حاجة مماثلة لقواعد اشتباك واضحة بشأن الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة النووية والفضائية. علاوة على ذلك، فإن التحدي الكبير، قد يأتي من المنافسين الذين يطورون نماذج قوية لا تفهم بالكامل، ولا يمكنها السيطرة عليها، خارج الامتثال للوائح السلامة. المسؤولون الصينيون واضحون في رؤيتهم لأمريكا باعتبارها المصدر الرئيسي لتهديدات سلامة الذكاء الاصطناعي باستخدام محتوى مولد بالذكاء لإنتاج أسلحة سيبرانية بشكل مكثف. وتتطلع الصين إلى توسيع نطاق الأدوات التقنية لتقييم المخاطر، وتعميق التعاون الدولي، خاصة مع دول الجنوب العالمي، إلى تعزيز المفاوضات الثنائية مع أمريكا في المجالات التي ترى فيها أنها متأخرة. والتحدي الآن هو تحويل مثل هذه المخاوف إلى أساس للمحادثات المقبلة في قمة العشرين (G20) في ميامي يومي 14 و15 كانون الأول ( جرت دعوة الرئيس الروسي بوتين لحضورها ). قد تكون الصين مستعدة لإنشاء "مجموعة قيادية" بشأن الذكاء الاصطناعي، وتريد رأياً متساوياً فيما يعتبر آمناً جماعياً. ونقطة البداية على الأرجح اتفاقية شاملة بشأن الذكاء الاصطناعي تبدد المخاوف المشتركة بشأن النماذج والوكلاء المارقين، وتتطلب مشاركة من دول الاتحاد الأوروبي التي ما تزال متأخرة عن اللجاق بالسباق العالمي. في وقت تحذر رسائل القمة من أن التهديد الذي تشكله نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة (Frontier AI) على الأمن السيبراني ، ومخاطر"سيناريوهات أكثر خطورة تنطوي على اضطرابات سوق مالية متزامنة عبر شركات متعددة أو اعتماد متبادل على التكنولوجيا". ، داعية وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية إلى فرض ضوابط على هذه التكنولوجيا. وتؤكد الرسالة الصادرة عن بنك إنجلترا، الذي يرأس محافظه أيضاً مجلس الاستقرار المالي، مدى قلق حراس النظام المالي العالمي من مخاطر الهجمات السيبرانية التي يدعمها الذكاء الاصطناعي باختراق مؤسسات خارجية وإنشاء هويات مزيفة لخداع الأشخاص الذين كانوا يجرون الاختبارات، ما يكشف أكثر نقاط الضعف القائمة، بما في ذلك الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة نفوذ المستثمرين، وتضخم تقييمات الأسهم. وستجري محاولات إقناع الولايات المتحدة بإعادة النظر في نهجها المتساهل تجاه تنظيم هذه التكنولوجيا التي تهدد النظام المالي وما وراءه ، ويمكن يطيح الابتكار المالي بهيمنة الدولار في التمويل العالمي. فارتفاع الدين العام، والمخاوف بشأن تآكل استقلالية البنوك المركزية، واستخدام الدولار كسلاح من خلال العقوبات المالية، كلها عوامل تشجع على التنويع بعيداً عن هذه العملة. ويتحدث صناع السياسات في جميع أنحاء العالم بلا انقطاع عن التخلي عن الدولار، في حين ارتفعت حصة الذهب في الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية بشكل حاد. وتبلغ حصة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي الآن57 في المائة، مقارنة بـ 71 في المائة في عام 2000. كما تلاشت تقريباً "امتيازات الدولار"، التي سمحت لوزارة الخزانة الأمريكية بإصدار ديون بأسعار فائدة مواتية نسبياً. وهذا بالتأكيد يمهد الطريق لتعدد الأقطاب. وقد زاد الدولار الأسترالي والدولار الكندي والفرنك السويسري من حصصهم الجماعية في المدفوعات والاحتياطيات عبر الحدود. لكن يبقى الحجم الأكبر لأسواق رأس المال الأمريكية مقارنة بالدول الأخرى، إلى جانب ميزة السبق التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تمكين ابتكارات القطاع الخاص في تقنيات التسوية لتعزيز هيمنة الدولار . في المقابل، البلدان التي تحاول عزل نفسها عن هذه التقنيات الجديدة، ستكون الأكثر عرضة للخطر. فهي بحاجة إلى تطوير أسواق مالية واسعة ومنظمة بشكل جيد، والحفاظ على سياسات نقدية ومالية منضبطة، وتعزيز سيادة القانون، لمواجهة السياسات الأمريكية المتهورة في لحظة تتداخل فيها التجارة بالتكنولوجيا والأمن والجغرافيا بالسياسية. وربما تكون الأكثر إثارة للقلق مع عدم وجود عملة ترسي ثقة المستثمرين العالميين جراء اضطرابات لا يمكن وقفها وستؤدي إلى كارثةفي الشرق الأوسط، وحيث الكل في خطبه يتحدث عن السلام والأمن والنمو، لكن لا يفعل الكثير لوقف الحرب ولتأمين الاستقرار.

/