شعار Levant Time

مجتمع

«عائلة» الناصرة الكبيرة تتضامن في مواجهة مشروع الاقفال

توافدوا بأعداد كبيرة، من معلمين وأهالٍ وخريجين وطلاب في كلية سيدة الناصرة (NDN)، ليعبّروا بأعلى صوت عن تمسّكهم بهوية هذه المؤسسة التعليمية وخصوصيتها وتاريخها وتراثها ونظامها التربوي، القائم أساسًا على اللغة الفرنسية. وهي مؤسسة قائمة منذ أكثر من قرن ونصف، أي منذ 153 عامًا، على مرتفعات حي الأشرفية الذي صمد، شأنه شأن الكلية، طوال عقود في وجه المحن والأزمات الوجودية كافة. وتجمّعوا بأعداد غفيرة في أجواء ودّية في «باحة العذراء» الرمزية، التي غصّت بهم من أولها إلى آخرها، وردّدوا شعارات ورفعوا لافتات تؤكد أن «NDN هي حمضنا النووي»، وأن «تاريخنا ليس للبيع»، و«الناصرة إرث يجب الحفاظ عليه»، و«للناصرة روح، فلنحافظ عليها»... Levant Time كان أول وسيلة إعلامية تنقل، استنادًا إلى مصادر موثوقة، معلومات عن مشروع للتنازل عن كلية الأشرفية، وربما أيضًا عن كلية كفرزينا في زغرتا، ودير فيطرون في كسروان، ودار الراحة في عين علق بالمتن الشمالي، لمصلحة رهبنة لبنانية. وتشير معلومات غير مؤكدة إلى أن الرهبان الأنطونيين هم المشترون المحتملون. وقد أعربت الرئيسة العامة لجمعية راهبات الناصرة الدولية، ومقرها روما، عن هذه الرغبة في التنازل، ما أثار موجة استنكار واسعة في أوساط المعلمين والأهالي والخريجين وحتى الطلاب. ولا يعكس موقفهم في هذا الشأن موقفًا سلبيًا من الجهات المحتمل أن تتولى المؤسسة، بل إرادةً واضحة، عبّروا عنها خلال تجمع السبت في باحة العذراء، لصون التراث التاريخي والهوية والقيم التي دافعت عنها الكلية طوال قرن ونصف. إذ لا بد من الإقرار بأن لكل رهبنة ولكل مؤسسة تعليمية خصوصيتها وهويتها وتاريخها وتقاليدها التربوية. كما أن رسالة لبنان التعددية ومبرر وجوده يفرضان الحفاظ على هذا التنوع والتكامل بوصفهما مصدر غنى، ولا سيما على صعيد التعليم الخاص. وفي هذا الإطار، شكّلت كلية الناصرة على مر السنين، وعلى مدى 153 عامًا، منارةً للفرنكوفونية ومركزًا للتنشئة القائمة على الفضائل المسيحية. وهذه الضرورة المتمثلة في صون تلك الخصوصية هي التي عبّرت عنها، في جوهرها، الكلمات التي ألقتها خلال تجمع السبت ممثلات خريجات الناصرة ندى شاوول ورين رياشي وباولا ربيز، إلى جانب ممثلين عن الأهالي والطلاب الذين يواصلون دراستهم في الكلية. وشدّد البيان الصادر في ختام الاعتصام، من دون مواربة، على أنه «أيًا يكن الشكل القانوني» الذي قد يتخذه مشروع التنازل، وأيًا تكن «الطريقة التي سيُعرض بها هذا التغيير أو التسمية التي ستُطلق عليه»، فإن المعلمين والأهالي والخريجين والطلاب المجتمعين في باحة العذراء أكدوا تصميمهم على مواجهة «تشويه» المؤسسة التي ارتبط تاريخها، على مر السنين وتحت وطأة المحن والحروب المتعاقبة، بتاريخ حي الأشرفية العريق.

3m 30s
مدرسة الناصرة مهددة بالزوال
بقلم
ميشال توما
نُشر
سبتمبر 18, 2026 - 03:20

ما فتئت الأزمة العميقة التي يعانيها التعليم الخاص في لبنان تتفاقم منذ سنوات بوتيرة متسارعة، وقد ازدادت حدّتها بفعل الانهيار الاقتصادي والمالي الذي وقع عام 2019 ولم تُعالَج تداعياته حتى اليوم. تهزّ هذه الأزمة بصورة خطيرة أصحاب المؤسسات التعليمية والمعلّمين على حدّ سواء، وتطال تداعياتها الأهالي أيضًا. غير أن المدارس الكاثوليكية، ولا سيما التابعة منها لرهبانيات أجنبية، تواجه مشكلة كبرى أخرى مختلفة تمامًا، تتمثل في التراجع المتزايد في الدعوات الرهبانية الجديدة داخل مختلف الرهبانيات، لا في لبنان فحسب، بل خصوصًا في الدول الغربية، الأمر الذي ينعكس بصورة مقلقة على المؤسسات الموجودة في لبنان منذ أكثر من قرن أحيانًا. وفي هذا السياق، برز قبل أيام تطور مفجع ينبغي اعتباره جرس إنذار جديًا، وقد أثار الخوف والذهول في أوساط التعليم الكاثوليكي. فقد علمت «Levant Time» من مصادر موثوقة ومتعددة ومتطابقة أن مدرسة سيدة الناصرة العريقة في الأشرفية مهددة بالزوال، بكل ما تمثله، أو على الأقل بـ«تشويه» هويتها، بسبب مشروع لنقل ملكيتها إلى رهبانية لبنانية. وبحسب المعلومات التي جمعتها «Levant Time»، اتخذت الإدارة الدولية العليا لراهبات الناصرة، ومقرها روما، قرار بيع مدرسة الأشرفية. أما الذريعة المطروحة فهي أن رهبانية الناصرة في العالم باتت تضم اليوم أقل من 25 راهبة، وأن العرف يقضي بأن تنضم أي رهبانية يقل عدد رهبانها أو راهباتها عالميًا عن 25 إلى رهبانية أخرى. ومن هنا، تشير معلومات لم تتأكد بعد إلى احتمال كبير لشراء الرهبان الأنطونيين المدرسة. وتندد راهبات الناصرة المقيمات في لبنان، وعددهن ست، بمشروع نقل الملكية هذا. وسرعان ما صدرت أشد ردود الفعل عن المعلّمين والأهالي والخرّيجين، الذين دعوا إلى تجمّع احتجاجي حاشد يوم السبت 19 سبتمبر، الساعة الحادية عشرة، في مدرسة الأشرفية. وقبيل هذا التجمّع، وجّهت لجان المعلّمين والأهالي والخرّيجين رسالة مشتركة إلى الرئيسة العامة للرهبانية الدولية، التي تتنقل في إقامتها بين باريس وروما، شددوا فيها على تمسكهم الراسخ بالمدرسة واستمراريتها وهويتها وتاريخها وقيمها التربوية. الرهبانية حاضرة في لبنان منذ عام 1868 إن المعارضة الشديدة لبيع مدرسة الأشرفية ليست موجهة بأي شكل من الأشكال ضد المشترين المحتملين، بل تعبّر عن التمسك بمؤسسة عريقة تمتلك تاريخًا وتقاليد وإرثًا ومستوى تعليميًا يعود إلى ما لا يقل عن 153 عامًا. وقد استقرت راهبات الناصرة في لبنان عام 1868، فيما تأسست الرهبانية الدولية في فرنسا عام 1822. في بيروت، استضافت عائلة فريج الراهبات فور وصولهن إلى لبنان عام 1868. وبدأت مدرسة الأشرفية عامها الدراسي الأول سنة 1873. وهذه المؤسسة، الناطقة أساسًا بالفرنسية، معتمدة من وزارة التربية الفرنسية، وتقدم منذ 153 عامًا تعليمًا رفيع المستوى أكاديميًا، قائمًا على قيم مسيحية وإنسانية أرست سمعة المدرسة المرموقة وتركت بصمتها في شباب البلاد على مدى أكثر من قرن ونصف. وهذا التاريخ وهذه التقاليد والقيم، وهذا التعليم المميز، وتلك الرسالة التربوية الاستثنائية، هي ما بات اليوم على المحك. ما موقف الفاتيكان والدولة؟ وبالتوازي مع هذا التمسك بالمكانة الرمزية والتاريخية لكلية الناصرة في الأشرفية، تبرز على أكثر من صعيد أسئلة مصيرية عدة لا تزال حتى اليوم بلا إجابات. فما المصير الذي ينتظر كلية كفرزينا في منطقة زغرتا، التابعة بدورها لراهبات الناصرة؟ وماذا عن دير فيطرون ودار الراحة في عين علق، وهما تابعان للرهبنة؟ وهل تشمل عملية تنازل واسعة هذه المؤسسات، في حال إتمامها نهائيًا؟ والأهم في الوقت الراهن هو موقف الفاتيكان والدولة اللبنانية. فهل يقبل الكرسي الرسولي باختفاء مؤسسة تعليمية كاثوليكية لها تاريخ يمتد 153 عامًا في المجالين التربوي والتعليمي، في وقت يواجه فيه الوجود المسيحي في لبنان تحديات عديدة وعلى مستويات مختلفة؟ وماذا، خصوصًا، عن موقف الدولة اللبنانية؟ وإلى متى ستواصل اتباع سياسة النعامة حيال الأزمة العميقة التي يواجهها التعليم الخاص في لبنان منذ سنوات طويلة؟ إن المحنة القاسية التي تواجهها اليوم رهبنة راهبات الناصرة في لبنان ينبغي أن تشكّل جرس إنذار جديًا لكل من الفاتيكان والدولة اللبنانية. فالمسألة تتعلق، إلى حد بعيد، بالخصوصية والتعددية اللتين تميزان لبنان في هذا الجزء من العالم…

فُواق التنّين: قصة الحرب في لبنان من عيون طفل
بقلم
فانيسا كالاس
نُشر
أغسطس 29, 2026 - 14:41

"عندما أسمع دويّ الانفجارات من بعيد، أقول لنفسي إنّها ليست حربًا. إنّه تنّين عملاق يعاني من الفُواق. لا بدّ أنّه ضخم جدًا، مختبئ خلف الجبال، أو في كهف، أو ربّما في السماء." (من كتاب "فُواق التنّين") يحمل اللبنانيون منذ ثلاث سنوات عبء حرب مدمّرة، وحتى عندما يحاولون نسيانها للحظة عابرة، تبقى التذكيرات حاضرة: أصوات طنين في السماء، أحاديث قصيرة مع الجيران، أو حتى سؤال غير متوقّع من طفل. هذا الأخير هو الأصعب على الإطلاق. فالأطفال فضوليون بطبيعتهم. يطرحون أسئلة يخشى الكبار الإجابة عنها، وعندما لا يجدون جوابًا يُرضيهم، يُتركون وحدهم يبحثون عن إجاباتهم الخاصة. لكن كيف يمكن تفسير فعل عنف لطفل بريء؟ أراد نيكولا، البالغ من العمر ٦ سنوات، أن يفهم سبب الدويّ العالي في بيروت، فنقله خياله إلى عالمٍ تعاني فيه التنانين من فُواق صاخب لدرجة أنّه يُسمع في مدينة بأكملها. بدل أن تتجاهل تفسير ابنها الخيالي كما يفعل معظم الكبار، عملت كريستل تيان، المربّية والراوية، على تنمية هذا الخيال لتخفيف وطأة الحرب. فألهمها تفسير ابنها وإبداعه لتأليف كتاب "Le Hoquet du Dragon" ("فُواق التنّين")، وهو كتاب مصوَّر يتناول واقع الحرب من منظور طفل. تقول تيان: "خلال الحرب، تمسّكتُ بكلّ سؤال طرحه عليّ ابني، وبدأتُ أكتب نصًّا. لم أكن أرغب في نشره في البداية، لكن أصدقائي وعائلتي رأوا أنّها قصة تستحق أن تُروى، فقرّرتُ أن أجعلها تجربة جماعية بدل أن تبقى تجربة شخصية." وتشرح تيان الفكرتين الأساسيتين للكتاب: "يحمل هذا الكتاب رسالتين. الأولى هي تعلّقنا ببيروت، وهو أمر أتحدّث عنه كثيرًا مع أطفالي. أمّا الثانية، فهي أهمية أن يُصغي الكبار إلى أطفالهم، لا العكس دائمًا." حين تتحوّل الكلمات إلى موسيقى وكأنّ هذا الكتاب لم يكن كافيًا من حيث الإبداع، أصرّت تيان على مزج السرد بالموسيقى الحيّة والفن لإغراق الجمهور في القصة. ففي "La Cave du Cheikh"، المكان الساحر الواقع في بكفيا، قرأت تيان الكتاب أمام جمهور حاضر. ورافقها المربّي والموسيقي كريم دحداح، الذي غنّى مقاطع من الكتاب، بينما رسم الفنان ديفيد درويغيان على لوحة، مستلهمًا من تفسيرات الحضور للحرب. وتعتقد تيان أنّ هذا الأسلوب قد يساعد الأطفال على استعادة متعة القراءة، وهي عادة أصبحت نادرة: "مع الضغط الذي نعيشه في لبنان وفي العالم، نسينا الرابط الذي يجمعنا بالكتب. من خلال هذا الحدث، أردنا أن نبعث برسالة: لا تنسوا أن تلجأوا إلى خيال كتاب، لأنّه قد ينقذكم." امتزج صوت دحداح ونغماته الهادئة على الغيتار مع أجواء الأمسية، ما خلق تجربة مهدّئة رغم مواضيع الحرب. يقول: "أحبّ مزج الموسيقى بالتعليم. في نهاية الدرس، أشجّع تلاميذي على كتابة أغنية معًا حول الدرس أو حول موضوع معيّن، لنتعلّمه سويًّا من خلال الغناء." وبالنسبة إلى دحداح، فإنّ التفاعل هو الأهمّ بالنسبة للقرّاء الصغار: "يحتاج الأطفال إلى تجربة، لا إلى كتاب فقط. إذا استطعنا ربط فعل القراءة بشيء أكثر تميّزًا وتفاعلية، يصبح الأمر فجأة أكثر إثارة للاهتمام. كما أنّه يمنح الجمهور رأيًا فيه أيضًا." رسم القصة عُرضت أيضًا رسوم متنوّعة من الكتاب في عرض شرائح. وقد رسمها جميعًا ديفيد دريغييان، فنان الوشم المتخصّص في السرياليّة. يُشكّل الرمز عنصرًا محوريًّا في هذا الكتاب، ويتجلّى بشكل أساسي من خلال الألعاب والحيوانات. ففي إحدى الرسوم، يتجوّل التنّين (الذي يرمز إلى الحرب) في السماء. وللاختباء منه، يبني الأطفال ملجأً من الصخور والبطانيات. وفي رسمٍ آخر، يتمنّى حلزون أن يصبح بزّاقة، ليتحرّر من عبء حمل "بيته"، أي همومه. والرسوم، الشبيهة برسوم "الأمير الصغير" لسانت إكزوبيري، بسيطة لكنّها رمزية، ما يمنحها التوازن المناسب ليستمتع بها الكبار والصغار على حدّ سواء. وخلال الحدث، استوحى درويغيان من الموسيقى وشهادات الحضور ليرسم شخصية تحمل لوحة تتوسّطها قلب وأرزة. يقول دريغييان: "يعبّر فنّي عن الأفكار من خلال الرمزية. كلّ شيء في حياتنا يعني شيئًا، ويتجلّى هذا التعبير عبر صور ومرئيات مختلفة. بالنسبة للكتاب، اضطررتُ إلى تعديل طريقتي المعتادة في التعبير عن أفكاري وجعلها أقلّ تفصيلًا وأكثر بساطة، خصوصًا أنّني اقتصرتُ على اللونين الأبيض والأسود." لكنّ إنشاء هذه الرسوم تطلّب منه أوّلًا أن ينسى بعض ما تعلّمه: "رؤية الأحداث من خلال عيون طفل بريء تعني أنّني كنتُ بحاجة إلى العودة إلى زمن طفولتي، وإلى الطريقة التي عشتُ فيها الحرب في لبنان." نشر الكتاب أُقيمت الأمسية في "La Cave du Cheikh"، الذي تديره جوال عياش الجميّل مع زوجها غابرييل، والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بدار النشر "Le Vicomte"، الجهة الناشرة للكتاب. وترى أنّ هذا الشكل من الأحداث هو ردّ على عادة فُقدت: "من الواضح اليوم أنّ الأطفال لم يعودوا يقرأون، تقريبًا لا يقرأون على الإطلاق. تنظيم حدث يجمع المسرح والغناء والموسيقى يمنحك بالتأكيد الرغبة في قراءة الكتاب." وبنهاية الأمسية، انتقل الحضور إلى أزمنة أبسط، حيث يمكن للخيال والإبداع أن يهزما أقوى التنانين. في إحدى صفحات الكتاب، يسأل نيكولا والدته: "ماما، هل ستأخذينني يومًا لرؤية البيوت الفقاعية؟ (...) هذه البيوت تشبه فقاعات الصابون. (...) أتمنّى لو أعيش في فقاعة. لماذا يجب أن تنفجر الفقاعة دائمًا؟" أفكار الأطفال وخيالهم أشبه بفقاعات تحلّق في عقولهم. وتجاهلها يعني أنّنا ننفجرها ببطء. أجيبوا عن أسئلة أطفالكم، ليتمكّنوا من مقاومة فُواق هذا العالم. فنحن جميعًا كنّا أطفالًا بعقول مليئة بالفقاعات، بالأحلام. تختم تيان قائلة: "في الطريق، ننسى أن نحلم، أن نتخيّل. وأجمل درس علّمني إياه طفلي هو ألّا أتوقّف أبدًا عن الحلم. ويبقى هذا هو الحلّ."

2m 52s
الذكاء الاصطناعي: سلاح تحرش وتنمّر على نساء الشأن العام
بقلم
فانيسا كلاس
نُشر
أغسطس 17, 2026 - 00:59

صور مفبركة، ومحتوى ذو طابع جنسي، وحملات تشهير، واتهامات بالعمالة: في لبنان، يوفّر الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة للتحرّش بالنساء الناشطات في الشأن العام. وتُظهر حالة وزيرة وشهادتا صحفيتين ظاهرة عالمية تتفاقم بوتيرة أسرع من تطوّر الوسائل القانونية والتقنية الكفيلة بالحدّ منها. شيطان أحمر بقرنين يحمل رمحاً ثلاثي الشعب، لكن بوجهٍ مألوف: نظارات طبية، شعر قصير مبيَضّ، وأقراط دائرية. لم يكن رسماً كاريكاتورياً عابراً، بل واحدة من عشرات الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي التي اجتاحت المنصات مستهدفةً وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، بعدما أثار تمسّكها المعلن بإجراء الامتحانات الرسمية في ظل الأجواء الأمنية المتوترة التي رافقت الحرب، موجة غضب واسعة. لم يناقش الغاضبون القرار التربوي بحجج تربوية. بدلاً من ذلك، ظهرت حسابات تحمل اسماً محرّفاً ساخراً، إضافة إلى صفحات كراهية أُنشئت خصيصاً ضد الوزيرة، وانهالت صور تُظهر الوزيرة شيطانةً وساحرةً و"شريرة"، من بينها صورة تركّب وجهها على جسد شخصية "شرشبيل"، الشرير الشهير في مسلسل "السنافر" الكرتوني. وحين خضعت الصورتان لأداة الكشف "Hive Moderation"، قدّرت الأداة احتمال أن تكون كل منهما مولّدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%، فيما رجّحت بنسبة أدنى بوضوح (75.7%) أن يكون النموذج المستخدَم هو "Gemini 3". الصورة الثانية المتداولة: تحليل Hive Moderation قدّر احتمال توليدها بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%. وتجدر الإشارة إلى أن كواشف المحتوى المولَّد أدوات احتمالية قد تخطئ في الاتجاهين، إثباتاً ونفياً. النمط نفسه تكرّر مع نساء أقلّ حمايةً من الوزيرة. مايا* صحفية لبنانية شابة نشرت خلال الحرب فيديو ميدانياً حصد انتشاراً واسعاً. وبحسب شهادتها لمعدّة التحقيق، لم تكن مكافأتها سوى حساب مجهول بدأ ينشر صوراً جنسية مفبركة لها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مرفقة بعبارات من قبيل "إسرائيل تحب مايا"، في محاولة مزدوجة لتشويه جسدها وولائها معاً، وهي واقعة لم يتيسّر حتى الآن توثيقها من مصدر مستقل. أما الصحفية لين*، فوجدت صورتها من التغطية الميدانية وقد عُدّلت لتظهر بين جنديين إسرائيليين يصوّبان نحوها، على حساب أجنبي يتابعه عشرات الآلاف. وبعد تعرّضها لاعتداء جسدي أثناء التصوير في بيروت، انهال على منشورٍ وثّق الاعتداء 148 تعليقاً أحصتها بنفسها: انتقادات لشكلها، إيحاءات جنسية، واتهامات بالعمالة. تقول: "التعليقات كانت أشدّ إيذاءً من الاعتداء نفسه. الشخص الذي اعتدى عليّ تشاجرت معه وانتهى الأمر، أما هذا الكلام الذي كنت أقرؤه من أشخاص متخفّين خلف حسابات وهمية فكان أقسى بكثير". رواية الوزارة: حملة منظّمة لا نقاش تربوي يؤكد مصدر مقرّب من وزيرة التربية أن الوزيرة والوزارة كانتا على علمِ بالحملة منذ بدايتها، وأنها تدرّجت من نشر معلومات مغلوطة إلى هجوم شخصي ثم إلى "ترند" على منصات التواصل. ويقول المصدر إن الوزارة حاولت في المقابل أن تشرح موقفها وتنشر الدراسات والأرقام عن أعداد الطلاب والنازحين وخطة المناهج، "لكن هذه الرسائل لم تكن تصل، أو كانت تصل أضعف بكثير من الحملة التي تُشنّ عليها". ويصف المصدر حجم الحملة بأنها كانت "عنيفة استُخدمت فيها كل الوسائل" من تجريح وشتيمة، وأن هاتف الوزيرة كان يصله في بعض الأيام ما بين 700 وألف رسالة في فترات زمنية متقاربة، عبر ما يصفه بـ"ذباب إلكتروني منظّم" من أرقام وهمية وأحياناً حقيقية، بعضها من طلاب. وتحوّلت الحملة، بحسب المصدر، إلى فرصة للظهور: "أخذ كل من أراد أن يَظهر أو يتعاطف أو يَبرز ينشر عن الوزيرة، حتى توقّف النقاش حول الامتحانات والتربية وتحوّلت المواجهة إلى شخصها: تارةً على شعرها، وتارةً على إكسسواراتها، وتارةً على لون تنورتها." وعلى الرغم من ذلك، لم تتقدّم الوزيرة بأي شكوى قانونية، وهو ما يضعه المصدر في "إطار الترفّع عن شخصنة الموضوع": "كانت تتحدث بالعلم وبالأرقام، فلم تذهب لترفع دعوى شخصية على أحد". أما على مستوى الحلول، فيشير المصدر إلى خطة "التماسك الاجتماعي" التي تعمل عليها الوزارة ضمن المناهج بالتنسيق مع وزارات الثقافة والإعلام والشباب والرياضة، فيما يبقى ضبط التعاطي على منصات التواصل عبر إطار قانوني مطروحاً لدى وزارة الإعلام. أبعد من التحرش: تنمّر رقمي ممنهج ما يجمع الوزيرة والصحفيتين ليس "تحرشاً رقمياً" بالمعنى الضيق فحسب، بل تنمّر إلكتروني ممنهج يستهدف النساء في الشأن العام تحديداً: تشويه الصورة، الشيطنة، التسخيف، والتجريد من الكفاءة، من دون مناقشة قرار واحد أو فكرة واحدة. الأرقام الدولية تؤكد أن ما يحدث في لبنان نمط عالمي يتفاقم. فبحسب مسح "Tipping Point" الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025 عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة والمفوضية الأوروبية بالتعاون مع اليونسكو وICFJ وبمشاركة بحثية من جامعة City St George's في لندن، وشمل 119 دولة، تعرّضت 70% من النساء العاملات في الشأن العام للعنف الرقمي في إطار عملهن، وأفادت 41% منهن بأذى واقعي مرتبط به، فيما ترتفع النسبة بين الصحفيات إلى 75%. وفي لبنان، تشير أحدث إحصاءات قوى الأمن الداخلي، كما أوردتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن 80% من ضحايا العنف الرقمي المبلَّغ عنه هم من النساء. أما حين يدخل الذكاء الاصطناعي على الخط، فتصبح الأرقام أكثر إنذاراً: 98% من فيديوهات "الديب فايك" على الإنترنت محتوى إباحي، و99% من ضحاياه نساء، وفق دراسة "State of Deepfakes" الصادرة عام 2023، والتي رصدت ارتفاع عددها 550% بين 2019 وذلك العام، وهي أحدث رصد شامل متاح لهذه الظاهرة. وكشف الجزء الثاني من "Tipping Point" الصادر في نيسان/أبريل 2026 أن 6% من النساء في الشأن العام وقعن فعلاً ضحايا ديب فايك، و12% تعرّضن لنشر صور حميمة من دون موافقتهن، وشُخّصت واحدة من كل أربع بقلق أو اكتئاب مرتبط بالعنف الرقمي، فيما تمارس 41% رقابة ذاتية على منشوراتهن تجنّباً للإساءة. كيف يُصنع المحتوى، وكيف يُكشف؟ لم يعد إنتاج هذا المحتوى يتطلب خبرة تقنية: تكفي صورة واحدة متاحة علناً لتوليد عشرات النسخ المشوِّهة خلال دقائق عبر نماذج توليد الصور، وتكفي، كما تقول لين، "عشر ثوانٍ من صوتك لتُركَّب لك محادثة كاملة لم تقلها". وفي المقابل، تتيح أدوات كشف مثل "Hive" تقدير احتمال أن يكون المحتوى مولّداً وتحديد النموذج المستخدَم، وهي الأداة التي استُخدمت في هذا التحقيق لفحص الصور والفيديو المستهدِفة للوزيرة كرامي. لكن يبقى الكشف أبطأ من الانتشار: فبحلول صدور نتيجة التحليل، تكون الصورة قد وصلت إلى آلاف الشاشات، ولأن المحتوى "يُصنَع بطريقة محترفة"، كما تقول الصحفية، "فإن الناس ستصدّقه، لأنه لم يعد أحد قادراً على التمييز". المشكلة في المجتمع قبل الأداة "مع تطوّر الذكاء الاصطناعي، تغيّر التحرش الرقمي في طبيعته لا في حدّته فقط؛ أصبحنا نرى أخباراً مزيّفة تُصنَع بالصور والفيديوهات، وهي دائماً أشدّ خطراً على النساء منها على الرجال"، يقول عبد قطايا، مدير المحتوى الرقمي في منظمة "SMEX" المعنية بالحقوق الرقمية. ويلاحظ قطايا أن الحملات تتصاعد عند اللحظات السياسية: ترشّح امرأة، أو اتخاذها قراراً مثيراً للجدل، كما في حالة الوزيرة كرامي: "غالباً ما تُستعمل الإهانة بحق النساء العاملات في الشأن العام، وتكون الإهانة شخصية؛ لا يحاولون حتى النقاش في السياسة أو الوقائع". ويضيف: "الخطر لا ينطلق من أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة فحسب، بل من طريقة تفكير المجتمع ونظرته إلى النساء". قانونياً، يبدو لبنان متأخراً عن سرعة التهديد. يشرح قطايا: "نحن في لبنان لا نملك قوانين مباشرة خاصة بالمجال الإلكتروني؛ الموجود هو قانون العقوبات، وقانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي لعام 2018، وقانون تجريم التحرش لعام 2020"، من دون أي نص خاص بالمحتوى المفبرك أو العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي: "ليس لدينا خطة وطنية، ولا حتى لجنة وطنية لهذا الموضوع". وتوافق لين من موقع التجربة: "أول ما نحتاجه هو قوانين حقيقية تحاسب فعلاً. ضد من أقدّم دعوى؟ ضد مجهول؟". وتلفت إلى أن السلطات نفسها لا تأخذ العنف الرقمي على محمل الجد: "يشعرون أنه ليس عنفاً حقيقياً؛ العنف الحقيقي بالنسبة إليهم هو أن يأتي شخص ويضربك". من التشريع إلى المنصات: أربعة مستويات للمواجهة الوقائع الثلاث في هذا التحقيق، وزيرة شُيطنت لقرار تربوي، وصحفية فُبركت لها صور جنسية، وثالثة وُضعت رقمياً بين بندقيتين إسرائيليتين، تفرض تحركاً على أربعة مستويات لا يحتمل التأجيل. على المشرّعين إقرار إطار قانوني يجرّم صراحةً إنتاج ونشر المحتوى المفبرك المسيء، مع تشديد العقوبات على الابتزاز الجنسي والمالي، وإنشاء اللجنة الوطنية التي يطالب بها الحقوقيون. وعلى المؤسسات الإعلامية والرسمية اعتماد بروتوكولات حماية واضحة، من إدارة التعليقات المسيئة إلى الدعم القانوني والنفسي، بدل ترك المستهدَفات وحيدات أمام مئات التعليقات. وعلى المنصات الرقمية تسريع الاستجابة للبلاغات ووسم المحتوى المولَّد. أما النساء العاملات في الشأن العام وفرقهن، فينصحهن قطايا بالاستثمار في مهارات السلامة الرقمية، التقنية والنفسية معاً. وحتى يتحقق ذلك، تبقى القاعدة الأولى بيد الجمهور نفسه: قبل أن تشارك صورة "فاضحة" أو "صادمة" لامرأة في الشأن العام، اسأل أولاً: مَن صنعها؟ ولماذا؟ * "مايا" و"لين" اسمان مستعاران، استُخدما لحماية هوية الصحفيتين بناءً على طلبهما. "تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية". استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Claude من Anthropic وChatGPT من OpenAI) في البحث عن المصادر وإعادة هيكلته في إعداد هذا العمل، فيما استُخدمت أداة Hive حصراً للتحقق من المحتوى المشتبه بتوليده لا لإنتاج أي محتوى. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.

مركز المطران فيليب شبيعا للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة: منارةٌ فوق الوادي المقدس

مشروعٌ جبليّ بامتياز، غير أن إرساء حجر الأساس يوم السبت في 8 آب/أغسطس لمركز يُعنى بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في بشرّي (التي يبلغ عدد سكانها 24 ألف نسمة)، لا يقلّ أهمية عن كونه "مشروعاً كبيراً" في نظر القيّمين عليه. مشروعٌ أبصر النور بإمكانات ضئيلة، لكن بإدراكٍ عميق لضرورته الملحة. المركزُ هو الإنجازُ الأبرز لـ "مؤسسة المطران فيليب شبيعا"، المسمّاة على اسم كاهنٍ أدار المدرسة الرسمية في بشرّي على مدى أربعين عاماً، قبل أن يُرسم مطراناً في مرحلة متأخرة من حياته. كاهنٌ على رأس مدرسة رسمية... حالةٌ فريدة في لبنان، فرضتها العزلة الجغرافية لبشرّي عن بيروت، ورسّخها زهدُ الأب فيليب الذي رفض قاطعاً تقاضي أي أجرٍ لقاء عمله كمدير. وفي أحلك سنين الحرب والاحتلال السوري، حوّل المدرسة إلى ما يشبه ديره الخاص، فكان ينام ويأكل في أروقتها. وليس مستغرباً، والحال هذه، أن ترفعه أجيالٌ من أبناء البلدة إلى مرتبة القديسين، وهم الذين يدينون له بتعليمهم وتقدمهم الاجتماعي. فالبلدة بأسرها لا تزال تنبض بذكرى هذا الرجل الذي عرف كيف يكون حازماً، لكن طيبته وابتسامته كانتا كفيلتين بمسح أثر تجهّم الوجه الذي يضطر مدير المدرسة لإبدائه أحياناً. صِغَرُ حجم المشروع لا يقلل من سخائه؛ فالمسيح نفسه يعلّمنا ذلك في قصّة "فَلْسِ الأرملة". وكان البابا لاون الرابع عشر قد أشاد بكل ما يجمع النيات الطيبة ويسهم في وحدة المجتمع، حتى ولو كان صغيراً. كما تحدث الأب هينري دي لوباك عن "قديسين مجهولين" لن تكرمهم الكنيسة، لكن وجودهم "يسهم في منع عالمنا من أن يكون جهنماً". و"لبنان الكبير" نفسه، الذي استُحضرت ولادته مؤخراً لمناسبة إعلان تطويب البطريرك الحويك، هو أحد أصغر بلدان العالم. يُغني هذا المشروع "معقلاً مارونياً" يقع في قلب الجزء الشمالي من جبل لبنان. بلدةٌ صغيرة معروفة بغابة أرزها القديمة، وبكونها مسقط رأس الشاعر جبران خليل جبران؛ بلدةٌ اختارتها أيضاً راهبات الأم تيريزا ليزرعن فيها بعض بذور القداسة. يُموَّل المشروع من الحكومة الألمانية ومؤسسة "Kindermissionswerk"، ولم يتردد البطريرك الماروني بشارة الراعي، رغم تقدمه في السن، في الحضور ليرشّ بالماء المقدس أرض المركز وجدرانه قيد الإنشاء، ويدفن في إحدى قاعاته ذخيرةً ثمينة للقديس شربل، الذي تُطلّ النوافذ على مسقط رأسه بقاعكفرا، إضافة إلى أجزاء التعليم المسيحي الأربعة التي كتبها الأب فيليب لتلاميذه، وهي الثروة الوحيدة التي تركها. "هذه الأرض مقدسة". وأنا أسير في طريق ترابية تعبر بستان أشجار مثمرة، أبطأتُ خطاي لأمشي إلى جانب السيدة التي قالت هذه العبارة. كنا نتوجه في صف واحد نحو مساحة عشبية مفتوحة رُتّبت فيها الكراسي بعناية لإلقاء الكلمات. وتضيف السيدة: "وهذه النسمة هي أيضاً نسمة الأب فيليب". وفي كلمته، تحدث البطريرك الراعي عن الأب فيليب، الذي جمعته به صداقة، بروحية القديس. وقد تناول سيرته بأسلوب يُعيد إلى الأذهان حقبةً سبقت إنشاء مجمع دعاوى القديسين، يوم كان "حسّ المؤمنين" وحده كافياً لإعلان قداسة متوفّى. كما تحدث البطريرك بحنان عن الأطفال المصابين بمتلازمة داون، واصفاً إياهم بـ "كلمات الله" الصغار، الذين يحملون في أجسادهم، طوال حياتهم، آلام الفادي الخلاصية. وسيتمكن المركز من استقبال نحو خمسين طفلاً. ويسعى جوزف شبيعا، ابن شقيق الأب فيليب ورئيس المؤسسة، إلى إنجازه بفضل التبرعات التي يجمعها من هنا وهناك. وتأمل مؤسسة فيليب شبيعا أن يشكّل المركز منارةً لجميع قرى المحيط المطلة على وادي قاديشا المقدس الساحر. ومع غياب الشمس، تتشح قمم الجبال المحيطة ببشرّي بألوان الأرجواني والبنفسجي والوردي. وفي كلمتها، أعربت القائمة بأعمال السفارة الألمانية، ياسمين رايا، بلطف عن أملها في العودة إلى المكان فور بدء المبنى باستقبال الأطفال الذين أُنشئ من أجلهم. وكانت تلك طريقة أنيقة لتأكيد استمرار دعم بلادها للمؤسسين حتى إتمام الأعمال وما بعد ذلك.

كأس العالم: المشاعر الجماعية وتجليات الهوية في لبنان
بقلم
نايلة عساف
نُشر
يوليو 12, 2026 - 19:14

تتجاوز بطولة كأس العالم لكرة القدم حدود الرياضة بكثير. فهذا الحدث العالمي يوقف، ولو مؤقتاً، إيقاع الحياة اليومية، ويجمع ملايين الأشخاص حول رواية جماعية واحدة. وفي لبنان، تكتسب هذه البطولة بُعداً خاصاً. ففي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، والهجرة، والانقسامات الاجتماعية، تصبح لحظات الاحتفال التي ترافق كأس العالم ذات قيمة ثمينة، تكاد تكون نادرة. وترى الأخصائية في علم النفس السريري، ساندرا خوّام ، أن تشجيع منتخبات معينة يرتبط أولاً بتاريخ عائلي، غالباً ما طبعته الهجرة. وتوضح: «يلعب العامل العائلي دوراً مهماً. فبسبب الحروب والأزمات وموجات الهجرة المتعاقبة، تفرقت عائلات لبنانية كثيرة في أنحاء العالم». وقد أفرز هذا التشتت خريطة وجدانية خاصة. فقد استقرت جاليات لبنانية في البرازيل، والأرجنتين، وألمانيا، وفرنسا، وغيرها من البلدان، لكنها حافظت على روابط قوية مع الوطن الأم، ليس فقط على المستوى الجغرافي أو الإداري، بل أيضاً على المستوى العاطفي. وتظهر هذه الروابط في الروايات العائلية، والذكريات، والعادات، وأحياناً في الولاءات الرمزية. وخلال كأس العالم، قد تؤثر هذه الروابط في أشكال الانتماء الرياضي. فدعم منتخب أجنبي قد يعني، بصورة غير مباشرة، دعم جزء من التاريخ العائلي أو الذاكرة أو مسار الهجرة. كرة القدم كحاجة إنسانية إلى الانتماء إلى جانب الحالة اللبنانية، تؤكد السيدة خوّام وجود آلية أوسع وأكثر شمولاً. فبحسب رأيها، تلبي كرة القدم حاجة الإنسان إلى التماهي مع مرجعيات يُنظر إليها على أنها مستقرة ومرئية وذات قيمة. وتقول: «عندما يجسد منتخب ما الاستقرار والنجاح والأداء المتميز، ويضم شخصيات بارزة، فإنه يصبح بطبيعة الحال موضوعاً للتماهي». فالمشجعون لا يتابعون مجرد نتائج رياضية، بل يواكبون سردية كاملة، يترقبون فيها مسار الفريق، واحتمالات الفوز، وتجاوز الذات. ويعمل هذا التماهي كمرآة رمزية يُسقط فيها كل فرد تطلعاته الشخصية أو الجماعية. وفي السياق اللبناني، تكتسب هذه الدينامية طابعاً خاصاً. إذ تشير السيدة خوّام إلى أن المجتمع اللبناني تحكمه انقسامات هوياتية وطائفية تنعكس أيضاً على أشكال الانتماء. وقد تتحول كرة القدم إلى مساحة لإسقاط هذه الانقسامات. فدعم منتخب معين لا يرتبط دائماً باعتبارات رياضية، بل قد يعكس في بعض الأحيان انتماءً رمزياً أو هوياتياً. وتوضح: «يتماهى الأفراد مع المنتخبات بطرق مختلفة، فيشجعون منتخباً دون آخر». وهكذا يصبح ملعب كرة القدم مساحة تُنقل إليها الانتماءات، حيث يمكن للتوترات الاجتماعية الكامنة أن تعود للظهور في إطار رمزي ومنظم. فسحة عاطفية وتشدد الأخصائية النفسية على بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كون البطولة متنفساً جماعياً. ففي بلد يعاني أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية كلبنان، تتحول كأس العالم إلى فسحة يتوقف خلالها ثقل الحياة اليومية، ولو طوال مدة المباراة. وتقول: «يجتمع الناس ويتشاركون شعوراً بالوحدة والفرح والفخر والحماسة الجماعية». وتكتسب هذه الفسحة أهميتها لأنها تتيح مجالاً للتعبير عن المشاعر، وهو أمر نادراً ما يتاح في الحياة اليومية. وهكذا تتيح كرة القدم تحويل واقع مثقل بالضغوط إلى تجربة جماعية خفيفة، يصبح فيها انتصار منتخب ما انتصاراً مشتركاً، يكاد يكون رمزياً. وتفسَّر هذه الكثافة العاطفية أيضاً بآليات الجماعة. ففي التجمعات، لا تبقى المشاعر مجرد تعبيرات فردية، بل تتعزز وتتضاعف بفعل الدينامية الجماعية. وتصف السيدة خوّام هذه الظاهرة بأنها «تأثير الحشد»، حيث تتضخم مشاعر الفرح والحماسة، وأحياناً الإحباط، بفعل التفاعل الجماعي. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن أعمال الشغب تبقى محدودة ولا تمثل القاعدة، بل هي استثناء يلفت الأنظار. ومع ذلك، قد يؤدي تأثير الجماعة إلى تغيير سلوك الأفراد. فالشعور النسبي بعدم الكشف عن الهوية، وقوة المجموعة، وشدة الانفعال، قد تدفع بعض الأشخاص إلى التصرف بطريقة تختلف عن سلوكهم المعتاد، وقد يصل الأمر أحياناً إلى ارتكاب أعمال عنف أو تجاوزات. وقد شهدت بلدة وادي جيلو في قضاء صور (جنوب لبنان) حادثة من هذا النوع، حين تطور خلاف بين مشجعين خلال مباراة بين البرازيل واليابان إلى شجار، ثم إلى تبادل لإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة ستة أشخاص بجروح. وفي هذا الإطار، يمكن لكرة القدم أن تتحول إلى صندوق رنين للتوترات الاجتماعية والسياسية، فتظهر بعض الصراعات من خلال المنافسات الرياضية. وتصبح المنتخبات رموزاً تُسقط عليها الانتماءات والخصومات والإحباطات العميقة. غير أن السيدة خوّام تشدد على ضرورة عدم اختزال الظاهرة في هذا الجانب وحده، لأن هذه الإسقاطات تتعايش مع البعد الاحتفالي والجامع الذي يشكل بدوره عنصراً أساسياً في البطولة. الشغف بين الألفة والانفلات ويجسد سيرجيو (22 عاماً)، وهو من مدينة جبيل، هذه الازدواجية على المستوى الشخصي. يقول: «أشجع المنتخب الألماني، أولاً لأن لبنان لا يشارك في كأس العالم، وثانياً لأنني أحب أسلوب لعب هذا المنتخب الذي ارتبطت به منذ طفولتي». وغالباً ما يشاهد المباريات مع أصدقائه، من دون أن يخلو الأمر من بعض التوتر. ويضيف: «نبدأ بالمزاح، ثم قد تحتد النقاشات، وأحياناً نتدافع، لكننا في النهاية نهدأ دائماً». وهكذا تعود كرة القدم، رغم بعض تجاوزاتها، إلى وظيفتها الأساسية، وهي كونها مساحة للتلاقي والود. أما جاد (28 عاماً)، وهو من بيروت ويشجع المنتخب الفرنسي، فيجسد الجانب الاحتفالي للبطولة. ويقول: «فرنسا جزء من قصتي منذ أيام المدرسة، خصوصاً مع مبابي اليوم. كنت أتابع هذا المنتخب مع شقيقي، وتحول الأمر إلى تقليد عائلي». وخلال مونديال 2026، تتحول الانتصارات إلى مناسبات للاحتفال. ويضيف: «لساعات قليلة، ننسى هموم الحياة اليومية». وفي جونية، تتحدث مايا (32 عاماً)، وهي من مشجعي المنتخب الأرجنتيني، عن تعلق ورثته عن والدها. وتقول: «إنها شغف نقله إليّ والدي منذ أيام مارادونا، واستمر مع ميسي». ورغم أنها لا تشارك في تجمعات المشجعين، فإنها تعيش أجواء البطولة داخل الأسرة. وتضيف: «تعيش شقيقتي في بوينس آيرس، وخلال المباريات نتبادل مقاطع الفيديو وكأننا نجلس في الغرفة نفسها». أما كريم (24 عاماً)، وهو من طرابلس ويشجع المنتخب البرازيلي، فيصف تجربة أكثر تبايناً. يقول: «اللعب، والسامبا، واللون الأصفر... كلها أسباب تجعل شغفي بالبرازيل كبيراً». لكنه يقر أيضاً بتصاعد التوتر عند الخسارة: «الهزيمة تؤجج المشاعر أحياناً. النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، والمنافسات... كل شيء يشتد». ويروي أنه شاهد مواقف متوترة: «كنت شاهداً على تبادل للشتائم وقلب للطاولات في بعض المطاعم، ففضلت المغادرة». في المحصلة، تبدو كأس العالم ظاهرة شديدة الازدواجية. وفي لبنان، تتجلى هذه الازدواجية بصورة خاصة. ففي بلد لا يزال يبحث عن ذاته منذ عقود، قد يكون من الأسهل أحياناً أن يخفق القلب لألوان منتخب أجنبي، أكثر من خفقانه لألوان الوطن نفسه.

التدريب والتطوير الرقمي والذكاء الاصطناعي: الفرنكوفونية في طليعة العمل في الشرق الأوسط

تقود المنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF)، التي تضم 93 دولة وحكومة، جهوداً ملموسة في لبنان والمنطقة من خلال برامج قائمة على تعزيز اللغة الفرنسية، والتعليم، والمساواة بين الجنسين، والتنمية. ويتولى تنسيق هذه الدينامية من بيروت ليفون أميرجانيان، ممثل المنظمة في الشرق الأوسط، ورئيس المكتب الإقليمي الذي تم تدشينه في أواخر عام 2022. ويغطي هذا المكتب أربع دول: لبنان ومصر، بصفتيهما عضوين أصيلين، بالإضافة إلى قطر والإمارات العربية المتحدة، بصفتيهما عضوين مشاركين، فيما يشكل لبنان المركز العملياتي للأنشطة الإقليمية. ويبقى لبنان دولة محورية في الفضاء الفرنكوفوني؛ فالبلد الذي انضمّ إلى المنظمة الدولية للفرنكوفونية عام 1973، احتفل في عام 2023 بالذكرى الخمسين لانتسابه، مؤكداً بذلك جذوره التاريخية العميقة. واستكمالاً لهذا الدور، ساهم لبنان أيضاً في دعم الفرنكوفونية المؤسساتية من خلال استضافته للألعاب الفرنكوفونية عام 2009، في حين يتخذ المكتب الإقليمي للوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF) من لبنان مقراً له منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ومنذ عام 2022، جرى رصد أكثر من 4 ملايين يورو لصالح لبنان في إطار برامج التعاون والدعم. غَيرَ أنَّ هذا الحضور التاريخي لا يقتصر على بُعدِهِ الرمزي، بل تترجم عبر برامج ملموسة على أرض الواقع. ووفقاً للسيد أميرجانيان، فإن "عمل المنظمة الدولية للفرنكوفونية في لبنان يستند إلى خطة تم توقيعها عام 2021، وتتمحور حول اللغة الفرنسية، والتعليم، والتدريب، بالإضافة إلى تمكين المرأة". وفي مواجهة الأزمات المتتالية، جرى أيضاً وضع خطة طوارئ بقيمة مليون يورو في عام 2024. وفي القطاع التربوي، تدعم المنظمة وزارة التربية والتعليم العالي من خلال إنتاج الموارد التعليمية الرقمية، وتطوير التعليم عن بُعد، وتدريب المعلمين. أما فيما يتعلق بتمكين المرأة، فقد ساهم صندوق "الفرنكوفونية معهنّ" (La Francophonie avec elles)، الذي تأسس عام 2020، في رصد نحو 1.5 مليون يورو في لبنان لتمويل 24 مشروعاً، وهو مستوى يتجاوز المعدل الإقليمي. كما تدعم المنظمة الدولية للفرنكوفونية الشباب والمبادرات المحلية. وإلى جانب أنشطتها في مجالي التعليم وتمكين المرأة، تتدخل المنظمة أيضاً في قطاع الإعلام؛ إذ يوضح السيد أميرجانيان أن "المنظمة تقود، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظمة اليونسكو، مبادرات لمكافحة الأخبار المضللة، وتقدم دعماً تقنياً ومادياً للوزارة، فضلاً عن إطلاق حملة توعية وطنية ترافقها محتويات سمعية وبصرية". بموازاة ذلك، تسعى المنظمة إلى تعزيز الفرص الاقتصادية داخل الفضاء الفرنكوفوني. ووفقاً للسيد أميرجانيان، فإن "المنظمة الدولية للفرنكوفونية تدعم القطاع الخاص من خلال بعثات اقتصادية؛ حيث جمعت بعثة عام 2023 ما بين 60 و70 شركة من 25 دولة فرنكوفونية، في حين أثمرت متابعة هذه الجهود عبر بعثة عام 2025، عن توقيع 18 مذكرة تفاهم". الإعلام والثقافة والاشعاع الفرنكوفوني واستكمالاً لهذه الأنشطة المؤسساتية والاقتصادية، تولِي المنظمة الدولية للفرنكوفونية اهتماماً خاصاً بالمجال الإعلامي. وفي هذا السياق، يوضح السيد أميرجانيان أن "المنظمة تدعم وسائل الإعلام الفرنكوفونية في لبنان، ولا سيما من خلال مساهمتها في إعادة إطلاق النشرة الإخبارية باللغة الفرنسية عبر تلفزيون لبنان عام 2025، والتي تبث يومياً وتُعد أداة أساسية للحفاظ على اللغة الفرنسية في الإعلام المرئي والمسموع الرسمي". وتتجلى هذه المقاربة أيضاً في دعم المرافق الثقافية الحيوية في المناطق. وفي هذا الإطار، يستند العمل الثقافي للمنظمة إلى اثني عشر مركزاً للمطالعة والتنشيط الثقافي(CLAC) المنتشرة في لبنان، والتي يصفها السيد أميرجانيان بأنها "جواهر حقيقية" للفرنكوفونية، نظراً إلى دورها في تسهيل الوصول إلى الثقافة والمعرفة والمعلومات، بما في ذلك المناطق المحرومة منالبنى التحتية الثقافية الرئيسية. فهذه المراكز تتجاوز كونها مجرد مكتبات عادية، لتشكل مساحات حيوية للحياة الثقافية والمجتمعية، تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، والحوار، والعيش المشترك. واليوم، تخضع هذه المراكز، المندمجة في شبكة تضم أكثر من 300 مركز عبر الفضاء الفرنكوفوني والمتواجدة في لبنان منذ عام 2001، لعملية تحديث وتطوير. ويشير السيد أميرجانيان إلى أن "بعثة تقييمية قامت مؤخراً بالاستماع إلى رواد هذه المراكز والمسؤولين المحليين، لتحديد التغييرات المطلوبة تماشيًا مع التحول الرقمي والاحتياجات الثقافية الجديدة، مع الحفاظ على دورها المجتمعي". دينامية إقليمية متنامية إذا كان لبنان يمثل نقطة الارتكاز الرئيسية للمنظمة في المنطقة، فإن نشاطها يمتد إلى ما وراء حدوده. وعلى الصعيد الإقليمي، يسلط السيد أميرجانيان الضوء على عمل المنظمة الذي يشمل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة، من خلال برامج تتلاءم مع خصوصيات كل بلد. ففي مصر، يشمل التعاون مشاريع مع مؤسسات فرنكوفونية كبرى، وفي مقدمها جامعة سنجور في الإسكندرية، التي تؤدي دوراً محورياً في تدريب الكوادر المعنية بالتنمية في إفريقيا، وتستقطب طلاباً ومهنيين من دول فرنكوفونية عديدة. وفي مصر أيضاً، تنفّذ المنظمة الدولية للفرنكوفونية برامج تدريبية للدبلوماسيين والمعلمين، لا سيما في مجالات التطوير الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز مهارات الإدارات العامة. وفي سياق آخر، تعمل المنظمة أيضاً على تطوير شراكات نوعية في دول الخليج. ففي قطر والإمارات العربية المتحدة، يتركز عمل المنظمة على تعزيز تعليم اللغة الفرنسية وإدماجها في المناهج التعليمية، بالتنسيق مع السلطات المحلية. وتترافق هذه الدينامية مع اهتمام متزايد باللغة الفرنسية وإقبال ملحوظ على الفرنكوفونية في هذين البلدين، مدفوعاً بالأنظمة التعليمية ومشاريع التعاون الثقافي. ووفقاً للسيد أميرجانيان، فإن هذه المقاربة تتيح "ملاءمة البرامج مع أولويات كل دولة، مع الحفاظ في الوقت عينه على التناغم الإقليمي، في محيط يشهد إقبالاً متنامياً وحضوراً فاعلاً للفرنكوفونية". فرنكوفونية تتطلع إلى المستقبل وبعيداً من المشاريع القائمة، تستعد المنظمة حالياً للمراحل المقبلة من عملها الإقليمي؛ إذ يشدد السيد أميرجانيان على الأولويات المستقبلية للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، والمتمثلة في: الشباب، والمساواة بين الجنسين، والتطوير الرقمي، والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، انطلقت بالفعل دورات تدريبية باللغة الفرنسية المهنية مخصصة للموظفين الحكوميين والدبلوماسيين اللبنانيين، وسيتواصل العمل بها بهدف تعزيز المهارات وتحديث الإدارة العامة. وفي المحصلة، وسواء تعلق الأمر بالتربية، أو الثقافة، أو الإعلام، أو المساواة، أو التعاون الاقتصادي، يبقى الطموح واحداً: جعل الفرنكوفونية مساحة للتبادل والفرص المواكبة للتحديات الراهنة. ففي لبنان، كما في سائر دول المنطقة، تحافظ الفرنكوفونية على حيويتها، مدفوعة باهتمام دائم باللغة الفرنسية وبأنظمة تعليمية متعددة اللغات. وختاماً، يرى السيد أميرجانيان أن هذا الواقع يؤكد أن الفرنكوفونية تتجاوز البُعد اللغوي البحت، لتشكل مساحة للتعاون والتدريب، وأرضية للفرص الاقتصادية والاجتماعية المتطلعة نحو المستقبل.

الدراسة في وضع متدهور: عندما يصبح عدم الاستقرار نظاماً
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر
مايو 12, 2026 - 11:15

هناك الحرب، والرعب الذي تفرضه. وهناك أيضاً حالة ما بين البينين. تلك الحالة من اللاحرب واللاسلم، الأقل إثارة ولكنها الأكثر خبثاً، والتي تفرض توتراً مستمراً وتمنع أي تطلعات مستقبلية. وهنا يبدأ الاستنزاف: تتآكل الدوافع، وتُستنفد الموارد، ويتزعزع المعنى. والتعلم لا ينجو من ذلك. تنسيقات هجينة مفروضة، استمرارية تربوية غير مستقرة، التزام متأرجح: في لبنان الذي تعصف به الاضطرابات، تبدو الجامعة صامدة - ولكن على حساب إضعاف صامت. وما كان يعتبر استثناءً - الانتقال من نسق إلى آخر - فرض نفسه تدريجياً كمعيار. هذا هو التحول الأول: عندما يصبح ما لا يمكن التنبؤ به بنيوياً، فإنه لا يربك الدراسات فحسب، بل يعيد تحديد قواعدها. ومن ثم، تتجزأ الاستمرارية التربوية. وتتأرجح الدروس بين الحضور الفعلي والتعلم عن بُعد، وتُعلق أحياناً، وفي الغالب تُمليها الظروف أكثر من كونها خياراً أكاديمياً. لكن التعلم يفترض حداً أدنى من الاستقرار، وتطوراً يمتد عبر الزمن. وعندما يتفكك هذا الاستقرار، فإن المعرفة لا تتوقف - بل تتلاشى. لم تعد الجامعة تنقل المعرفة فحسب: بل أصبحت تدير عدم الاستقرار. يُضاف إلى ذلك عامل متفاقم: كل موجة من موجات الحرب تزيد من حدة الأزمة الاقتصادية. بالنسبة لبعض الطلاب، هذا يعني الانقطاع عن الدراسة بكل بساطة؛ وبالنسبة لآخرين، يعني التراجع القسري نحو مؤسسات أقل تكلفة، وغالباً أقل تطلباً. وبالتالي يصبح المسار الأكاديمي مجرد تكيف أكثر من كونه خياراً. لكن الأثر الأعمق يكمن في مكان آخر. إنه أثر نفسي. الدراسة في بيئة غير مستقرة تفرض يقظة مشتتة ودائمة. لا يلتزم المرء أبداً بشكل كامل في إطار يعلم أنه يمكن أن ينهار في أي لحظة. يستحوذ عدم الاستقرار هذا على جزء كبير من الموارد المعرفية: إذ يجب التكيف باستمرار - مع الأنساق، والأدوات، والإيقاعات. وبالتالي ينتقل العقل من منطق التعلم إلى منطق الإدارة. يتشتت التركيز، وتصبح المعرفة أمراً ثانوياً. وينتج عن هذا التوتر تآكل تدريجي للدوافع. فالدراسة تفترض الإيمان بالاستمرارية - استمرارية الجهود، والمكتسبات، والمسار المتماسك. وعندما يتم إعادة تشكيلها باستمرار، يفقد الجهد وضوحه. كما أن الانتقال المتكرر من وضع إلى آخر يمنع أي ترسيخ دائم. ويكون فك الارتباط الناتج عن ذلك في كثير من الأحيان استجابة عقلانية لبيئة أصبحت غير واضحة. إن التأثيرات على المستوى الأكاديمي ملموسة. فالنسق الهجين المفروض يُدخل انقطاعات - في الانتباه، وفي التفاعل، وحتى في تلقي المحتوى. يستسلم البعض بسهولة أكبر للتعلم عن بعد، ويجد البعض الآخر صعوبة في التكيف مجدداً مع الحضور الفعلي. يكشف هذا الخلل عن صدع آخر: تفاقم التفاوتات. فليس الجميع لديهم نفس الظروف للتنقل بين هذه الأنساق - كالاتصال بالإنترنت، ومساحة العمل، والاستقلالية. وفي هذه الفجوة تترسخ منطقة أكثر غموضاً. لأنه إذا كانت القيود حقيقية جداً، فإنها يمكن أن تصبح أيضاً ذرائع. غموض النظام يجعل تقييم الالتزام أكثر صعوبة. ويستغل بعض الطلاب هذا لتبرير الغياب أو التقصير. لكن هذا الانحراف ليس مجرد انتهازية: بل يعكس أيضاً انقطاعاً تدريجياً، أصبح ممكناً - أو حتى مسهلاً - بسبب إطار غير مستقر بحد ذاته. من جانبها، تتقدم المؤسسات على خط ضيق. يُقدم التهجين كحل؛ ولكنه يعمل هنا كمسكن. ومن كثرة التكيف، يواجه النظام خطر تآكل متطلباته. ولا يجهل أحد أن التعليم هو أساس كل دولة قومية. سنتحدث عن المرونة. ولكن مع كثرة التذرع بها، ينتهي بها الأمر إلى إخفاء حقيقة أخرى: وهي الانخفاض التدريجي في المعايير. ويصبح السؤال حينها أكثر جذرية: ماذا يتبقى من التعلم عندما لم تعد الظروف تسمح بالانخراط فيه بشكل دائم؟ لذلك لا تقتصر المشكلة على الوصول إلى الدروس فحسب، بل في شكلها، وفي الاهتمام الذي لا تزال تثيره. إن الدراسة في ظل عدم اليقين تعني التنقل الدائم بين أنساق غير مستقرة، والحفاظ على انتباه مشتت، وإعادة بناء إطار لم يعد متماسكاً بحد ذاته باستمرار. وفي طيات ذلك، هناك تساؤل أكثر قسوة: ما الجدوى، عندما تكون الأرواح مهددة بقدر المستقبل الذي ينبغي أن تفتحه؟ في هذا السياق، ربما لا يكون الخطر الأعمق هو الفشل. بل الاستقرار الدائم في وضع متدهور، وفي مستوى منخفض - ليصبح مع الوقت هو المعيار.

إطلاق تعاون إعلامي بين «Levant Time» وموقع «European Security»
بقلم
LevantTime .
نُشر
أبريل 20, 2026 - 20:14

في إطار سعيها الدؤوب لتوسيع آفاقها وتعميق رؤيتها للملفات الجيوسياسية الكبرى المطروحة على الساحة الدولية، أبرمت منصة «Levant Time» اتفاقية تعاون وثيق مع الموقع الإعلامي « European Security »، ترتكز على تبادل المحتوى بين الطرفين. هذه المنصة الأوروبية، التي أسستها مجموعة من الخبراء والأكاديميين المرموقين، هي منصة مستقلة لا تتبع لأي جهة حكومية، وهي متخصصة بالدرجة الأولى في شؤون الدفاع والأمن في أوروبا والولايات المتحدة. وقد وضعت المنصة نصب أعينها هدفاً يتمثل في تزويد صناع القرار، من مدنيين وعسكريين، فضلاً عن الباحثين والصحافيين والصناعيين، بنصوص مرجعية وتحليلات ودراسات معمّقة تركز على التحديات الراهنة في مجالي الدفاع والأمن. كما يهدف هذا الإصدار، الذي يديره السيد جويل فرانسوا دومون، إلى بناء جسور التواصل وتحفيز النقاش مع كافة الجهات المعنية بهذا القطاع. وفي هذا السياق، ترى «Levant Time» أن تعاونها مع «European Security» سيتيح لجمهورها المشرقي، كما لمتابعيها من أبناء الاغتراب اللبناني في دول الشرق الأوسط، فرصة الاستفادة من المحتوى الغني والنوعي الذي يقدمه الموقع الأوروبي؛ الأمر الذي من شأنه أن يقدّم منظوراً جديداً ويشكل رافداً للاهتمامات التي تميز منصتنا. سيرتكز هذا التعاون الثنائي على الأسس التي تحدد الرسالة الإعلامية لموقع «European Security»، الذي يؤكد في هذا الصدد أن نهاية الحرب الباردة «أذكت، منذ نحو عقد من الزمن، وهم العالم الأكثر أماناً في الغرب». ويوضح الموقع الأوروبي أنه «في الواقع، وإذا كانت صبغة التهديد المباشر بمواجهة مسلحة بين الشرق والغرب قد تبددت، فإن الوضع لا يقل خطورة، بل يدعو للقلق في مناطق عدة من العالم (...). تبدو في طور الترسخ تهديدات أخرى لزعزعة الاستقرار، لا يزال الرأي العام يسيء تقديرها. فهي تحمل في أحشائها النواة المدمّرة للديمقراطية الثنائية الحزبية، على النحو الذي نمارسه». ويضيف الموقع في هذا السياق أن «البؤس المتفشي الذي يعصف ببعض الدول يلقي بظلاله على دولنا حيث تسود الديمقراطية». وبناءً على ذلك، «فإن الإحاطة بهذه القضايا تُمثّل ضرورة قصوى لكل من يسعى إلى تقديم استجابة للتحديات المطروحة، عبر رفد صناع القرار والرأي العام بالمعلومات (...). ومن هنا تبرز أهمية إرساء هذا الرابط الجديد بين المؤسسات المتخصصة والأفراد المهتمين بهذه الشؤون، والذين من شأن نتاجهم الفكري أن يوفّر عناصر تحليلية مفيدة». وفي هذا الإطار، خصص موقع «European Security»، منذ بضعة أيام، مقالاً مطولاً حول الوضع الراهن في لبنان، تطرق فيه إلى علاقته الجديدة مع «Levant Time»، واصفاً إياها بأنها «جسر فكري بين الشرق والغرب»، و«جوهرة فريدة في الفضاء الإعلامي الراهن» ، و «نافذة مشرعة على روح لبنان». للاطلاع على المقال وعلى التعريف بمنصة «Levant Time»، يرجى الضغط على الرابط التالي: Le Liban au cœur du monde : Quand Levant Time éclaire l'horizon - European Security

لبنان... حارس الرجاء
بقلم
فادي نون
نُشر
أبريل 15, 2026 - 10:00

بين فكيْ دولتين مارقتين، لا يجد لبنان مفراً من استمالة الأقرب إليه جغرافياً، ذاك الرابض عند حدوده. إنه فن السلام تمليه الحكمة والبداهة؛ فلا حاجة لأن يكون المرء "صن تزو" ليدرك ذلك، ولا ليوقن بأن لبنان جزء من العالم العربي لا العالم الإسلامي، وأنه يستند في مساره هذا إلى تضامن عربي لا نجد له نظيراً في "الإسلام الحركي" الإيراني. بالتأكيد، تبقى القضية الفلسطينية مقدسة، ويظل اغتصاب فلسطين وصمة عار في جبين العالم العربي. بيد أن ذلك لا يشكل ذريعة للتضحية بقضية مقدسة أخرى، هي قضية لبنان؛ تلك الجوهرة الجغرافية والثقافية الفذة، وذاك الوعد بالحرية الدينية الذي أهداه التاريخ للكنيسة المارونية، ومن خلالها لجميع الطوائف اللبنانية. إن ضياع هذا اللبنان لن يكون مجرد خسارة، بل تدنيساً للمقدسات، أو على حد تعبير البابا يوحنا بولس الثاني: «أحد مواجع ضمير العالم». «لبنان أكبر من نفسه»، هكذا وصفه إيمانويل ماكرون في آذار الماضي من معهد العالم العربي. وبالفعل، فإن لبنان هو «ضربة عبقرية» من يد التاريخ، صاغه ليكون بوتقة لفن العيش المشترك بين عقيدتين دينيتين كبريين، قد تبدوان متناقضتين في وجوه عدة، إلا أن تلاقيهما – كما تجسد في لبنان – نجح في أن يكون «نموذجاً للحرية والتعددية للشرق والغرب معاً»، دائماً وفق كلمات يوحنا بولس الثاني. جزء من الفضاء الفرانكفوني علاوة على ذلك، فإن الورقة الرابحة التي لا يزال لبنان يمتلكها هي انتماؤه إلى الفضاء الفرانكفوني، ومن خلاله إلى منظومة منفتحة على فرنسا والغرب، مع بقائه في آنٍ معاً متديناً في العمق، مسالماً في العمق، ومتجذراً في أعماق الشرق. وكيف يمكن للأمر، أصلاً، أن يكون خلاف ذلك في بلدٍ بمثل هذه المساحة الضيقة؟ لذا، لا بد من العمل على أن يخرج لبنان الكبير منتصراً من أتون المحن القاسية التي نكابدها، ليتغلب على «اللبنانات» الصغيرة" التي لا تزال تحاول تشكيل نفسها «بالفكر أو بالقول»؛ ولا سيما على اليوتوبيا الخمينية التي تهدف إلى بسط سلطة طهران على لبنان، وتمكين إيران من التمركز على حدود إسرائيل وعلى ضفاف المتوسط، وصولاً إلى تدمير إسرائيل في مغامرة تتقاطع فيها الدوافع الدينية بالرؤى الغيبية الأخروية، أي باللامنطق والمجهول. لم يكن لهذه المطامع إلا أن تثير لدى المكونات اللبنانية الأخرى ردود فعل غريزية للدفاع عن النفس. وإن أحد الأسباب التي ستجعل لبنان عصياً على هذا الاستعمار الأيديولوجي للطائفة الشيعية، هو أنه في مواجهة «عصبيتها»، تبرز «عصبية» أخرى، مارونية هذه المرة، متمسكة بضراوة باستقلاليتها في الفكر والعمل، وبحصتها من هذه الأرض التي آلت إليها بعد قرون من المخاض والمعاناة؛ تلك الأرض التي سددت ثمنها دماً طويلاً على مر القرون التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين، ولا تزال تدفع الثمن حتى اللحظة في القرى الحدودية. عِبرة لبنان الكبير نحن نقول ذلك ونحن على يقين بأن الموارنة قد استوعبوا بذكاء، وبثمن باهظ دفعوه على مدى القرن المنصرم، العبرة الأساسية للبنان الكبير عام 1920: وهي ألا يطمحوا بعد اليوم إلى لبنان يكونون فيه أحراراً ومستقلين فحسب، بل أن يضعوا أنفسهم في خدمته بعد أن تحقق لهم مناله. فبانتقالهم من جنين أمة إلى لبنان الكبير، انتقل الموارنة بالفعل – ولم يكن ذلك بلا آلام وتراجعات وتردد وأخطاء جسيمة – من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضج؛ من طائفة تطمح لأن تكون أمة، إلى أمة تنهض بمسؤولياتها تجاه كافة المكونات التي انضوت تحت لوائها وانخرطت في مشروعها. ولكي تبقى «العصبية» المارونية، التي نشعر بنبضها في هذه اللحظة، وفيةً لنفسها، عليها أن تتذكر دائماً أنها في خدمة الحضارة اللبنانية الكبرى حصراً؛ خدمة العيش المشترك، والحداثة المؤمنة، والعلمانية الإيجابية، والأخوّة الدينية، ورفض أي استغلال للدين في السياسة. عليها أن تتذكر أنها في خدمة الترفع الرؤيوي في الجيوسياسة، وفي خدمة الحرية والتعددية، وأنها تقع على طرفي نقيض من أي شكل من أشكال الانعزال. ودعماً لما سلف، نستذكر هذا المقطع من كلمة ألقاها رئيس المؤسسة المارونية للانتشار، الراحل ميشال إده، في شباط 2011، خلال حفل إزاحة الستار عن تمثال مار مارون في الباحة الخارجية لكاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان: «إن هذا اللبنان (...) كان الموارنةُ أولَ من صاغ منه وطناً، ثم دولةً حديثة. ولم يشاؤوا أن يجعلوا منه أمةً مارونية أو مسيحية، ولا دولةً للموارنة أو المسيحيين، رغم أن ذلك كان في متناول أيديهم في حينه. بل أرادوه وطناً للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، وطناً يرتكز على الاعتراف بالحق في الاختلاف، وعلى احترام الآخر وقبوله في تمايزه. بعبارة أخرى، أرادوه وطناً قائماً على الحرية والديمقراطية». تقاربات ومع ذلك، ودعماً لخيار التفاهم السلمي مع الدولة القائمة عند حدودنا، لا بد من الإدراك بأن ثمة أواصر ثقافية ودينية تجمع لبنان المسيحي بإسرائيل الدينية؛ فالكنيسة والكنس يتلوان صلواتهما ويبتهلان من كتاب المزامير نفسه، وكلاهما يستمدان جوهرهما من الروايات الكبرى ذاتها في الكتاب المقدس. كما تملك الكنيسة المارونية المشرقية من الحكمة ما يجعلها تدرك أنه إذا كانت الكنيسة الجامعة قد أججت مشاعر معاداة السامية إبان استقلالها عن الكنس، فإنها هي (أي المارونية) غير ملزمة بتحمل أوزار خطايا الماضي. لذا، يمكنها الانضواء بحرية، ودون أفكار مسبقة، تحت راية الإعلان المجمعي «في عصرنا» ( Nostra aetate ) الذي يؤكد: «وأن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرّضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، الى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا الى يهود اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألّا ينظر الى اليهود كمن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكتب المقدّسة». وهي (الكنيسة) لا تنسى أيضاً أن تنظر «بعين الاعتبار الى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحيّ القيوم الرحيم الضابط الكلّ خالق السماء والأرض، المكلّم البشر». وفي هذا المجال، يمكنها حتى أن تزايد في انفتاحها، إذ يظل لبنان، وبامتياز، هو المساحة الفضلى لـحوار الحياة الإسلامي-المسيحي. رسالة لبنان ختاماً، وإذا كان الكنس هو شقيقها الأكبر تاريخياً، فلا يسع الكنيسة أن تنسى أن الله قد جعل منها حارسة للرجاء؛ رجاء أن يأتي يوم «يدعو فيه الجميع باسم الرب ليعبدوه بكتف واحدة» (صفنيا 3: 9)، وأن عليها أن تقودهم عبر التاريخ، بـ«وشائج الروح القدس اللطيفة» ، إلى ملء التجلي الذي تلقّته هي نفسها. لا يجوز للبنان، وريث القيم السامية التي نقلتها طوائفه، أن يغفل لحظةً عن عظمة رسالته. لذا، يقع على عاتقه واجب أخلاقي، في الحالة الفلسطينية تحديداً، أن يشهر أسلحة الروح وينبه جاره الجنوبي إلى أنه، ومهما بلغ حجم صدمته من أحداث 7 تشرين الأول 2023 وما رافقها من فظائع، فإنه يخاطر بفقدان روحه عبر ممارسة العنف الإبادي ضد الفلسطينيين كما رأينا. فمن خلال تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وإطفاء أي تعاطف مع هذا الشعب في قلوبهم(أي قلوب الإسرائيليين)، يجرّد الإسرائيليون أنفسهم من إنسانيتهم، بحسب ما يرى مؤرخوهم. فهل ستنقذ الحرب إسرائيل؟ كلا، إن إعطاء الفلسطينيين مستقبلاً هو السبيل الوحيد لتعيش بسلام. ذلك أن أي سلام مفروض لا يستند إلى قواعد العدل، بل إلى القوة، هو سلام مهدد بالانهيار بين عشية وضحاها. السلام الحقيقي هو الذي يرتكز على الحقوق غير القابلة للتصرف لكل فرد وكل جماعة بشرية، كما بلورتها حضارة يهودية-مسيحية دامت ألفي عام؛ وهو السلام الذي يجب أن تطمح إليه كل الأمم التي تنشد العدل أمام الله، وهو ما يدّعيه الخصمان الوطنيان في هذه المأساة التي تدور رحاها فوق الأرض المقدسة. ثمة سبب آخر، قد يكون أكثر ظرفية، يدفع باتجاه القبول بسلام مع إسرائيل؛ وهو ما سيسمح به هذا السلام من فتح للحدود نحو الأماكن المقدسة. فبالتأكيد، يمتلك لبنان في صيدا وصور آثاراً نفيسة لمرور يسوع المسيح فوق أرضه. وبالتأكيد أيضاً، يمتلك فوق قمم جباله وفي أعماق وديانه مزارات مقدسة غالية يشخص إليها بالبصر. بيد أن كل ذلك لا يشكل مبرراً كافياً لنسيان حجارة القدس، أو لصرف النظر عن بيت لحم والناصرة، التي تظل لكل مسيحي شواهد لا تُعوَّض على حياة يسوع. لا للامركزية الانعزال تحذيرٌ أخير قبل الختام: مهما كان الثمن الذي سيتطلبه السلام مع إسرائيل، لا بد من تجنب كافة صيغ اللامركزية التي قد تؤدي إلى عزل المكونات اللبنانية عن بعضها البعض. فلبنان «العميق» ملزمٌ بالبقاء منفتحاً وقريباً من كل الذين بنوه أو يبنونه، وفياً لتقاسم الأتراح والأفراح، والمآتم والأعياد، مع الجميع. وأخيراً، لا يجوز للازدهار الاقتصادي في لبنان أن يتحقق على حساب رسالته الروحية. فقبل أن يكون لبنان كازينو، أو مستشفى، أو محطة للتزلج، أو وجهة سياحية – وتلك ليست سوى سبل لكسب العيش – عليه أن يسعى ليكون المركزالفكري للشرق الأوسط؛ فضاءً للحرية والإبداع والتعددية، ومختبراً لـ«حضارة المحبة» التي نادى بها البابا بولس السادس. ومن أجل ذلك، تضطلع جامعاته ومعاهده العليا بدور محوري؛ إذ يجب أن يُدرج «البحث عن المعنى» ضمن قائمة «الاختصاصات اللبنانية»، جنباً إلى جنب مع «المازة».

/