شعار Levant Time

سياسة

بحثاً عن لبنان: من بيروت إلى الفاتيكان
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
أكتوبر 1, 2026 - 00:04

بعض الرحلات تنتهي عند العودة إلى المطار، وبعضها يبدأ فعلياً بعد العودة. مرّت أسابيع على زيارتنا إلى روما، لكن تفاصيل كثيرة بقيت معي. كانت زيارة قصيرة، لكنها جعلتني أنظر إلى لبنان من مسافة مختلفة. من فتح لنا أبواب روما؟ وراء هذه الزيارة جهد يجب أن يُذكر. فقد لعب برنار سلوان خوري وجيسي كرم دوراً أساسياً في تنظيم اللقاءات وفتح الأبواب أمامنا في روما، من خلال برنامج لم يكن مجرد سلسلة مواعيد بروتوكولية، بل محاولة لإيصال صوت لبناني مختلف إلى دوائر أكاديمية وسياسية وفاتيكانية. ومن خلال COSMO Monitor، بدأت المحطة الأساسية في الثامن من أيلول في جامعة LUISS، في ندوة بعنوان “لبنان في مرحلة انتقالية: رؤى حول مستقبل البلاد”، برعاية Med-Or Italian Foundation، ثم توالت اللقاءات السياسية في روما ومجلس النواب الإيطالي، وصولاً إلى الفاتيكان. وأهمية ما قام به برنار وجيسي لم تكن فقط في ترتيب المواعيد، بل في إتاحة المجال أمامنا لنقول مباشرة، ومن دون وسطاء، ما نعتقد أنه يجب أن يسمعه الخارج عن لبنان. ذهبنا وفي حقائبنا الكثير منه. حملنا الجنوب وحروبه، والدولة التي نحلم بها ولا ننجح حتى الآن في استكمال بنائها، والسلاح الذي أصبح حاضراً في كل نقاش حول مستقبل البلد، والخوف من أن يتحول الشيعة اللبنانيون في نظر الخارج إلى صورة واحدة، كأن ملايين الناس لهم رأي واحد وخيار سياسي واحد. وحملنا قبل كل شيء رغبة في القول إن هناك لبناناً آخر لا يظهر دائماً في نشرات الأخبار. في LUISS: كيف يرانا الآخرون؟ في الندوة كنت أراقب الحضور بقدر ما كنت أستمع إلى المداخلات. ماذا يعرف هؤلاء عن لبنان؟ ماذا يرون عندما يسمعون اسمه؟ الحرب؟ حزب الله؟ إسرائيل؟ إيران؟ الانهيار؟ أم لا يزالون يرون وطناً يمكن إنقاذه؟ هناك اكتشفت مجدداً شيئاً ننساه ونحن غارقون في سجالات بيروت اليومية: العالم لا يعيش التفاصيل التي نعيشها نحن. من الخارج، الصورة أكثر اختصاراً وقسوة. هناك دولة يُفترض أن تقرر، وجيش يُفترض أن يحمي، ومؤسسات يُفترض أن تحكم، وفي المقابل هناك سلاح وقرار عسكري خارج هذه المؤسسات. ومن هنا يأتي السؤال البسيط: من يقرر في لبنان؟ لم نذهب إلى روما لنقول إن الشيعة ضد حزب الله. فهذا ليس صحيحاً. ولم نذهب لندّعي أننا نمثل الطائفة الشيعية. فلا أحد يملك حق احتكار طائفة كاملة، لا نحن ولا غيرنا. ذهبنا لنقول إن الشيعة اللبنانيين ليسوا كتلة واحدة، وإن بينهم من يريد دولة كاملة لا نصف دولة، ومن يعتقد أن حماية الشيعة لا تكون بعزلهم عن وطنهم، بل بإعادتهم إلى قلب المشروع الوطني. ومن هنا جاءت العبارة التي رافقتنا: “نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة.” في مجلس النواب الإيطالي خلال لقاءاتنا السياسية، وخصوصاً في مجلس النواب الإيطالي، كان واضحاً أن لبنان لا يزال موضع اهتمام رغم كل الأزمات والحروب التي تشغل العالم. واللافت كان توحد الموالين لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني والمعارضين لها عند ذكر لبنان، بالرغم من خلافاتهم الكبيرة والعميقة. لكن هذا الاهتمام لم يكن عاطفياً. لم يقل لنا أحد إن العالم سيأتي لينقذ لبنان. وهذا جيد. فقد آن لنا أن نتوقف عن انتظار الآخرين كي يبنوا الدولة التي لم نبنها نحن. ما بدا واضحاً من النقاشات أن لبنان يُقرأ اليوم ضمن صورة إقليمية ودولية أكبر: إيران، إسرائيل، المتوسط، أوروبا، الأمن، الهجرة، السلام، والتحولات التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط. وهنا تكمن الخطورة. العالم يتحرك بسرعة، وإذا لم يجد لبنان مكانه في هذه التحولات، فلن يتوقف الآخرون بانتظارنا حتى ننتهي من خلافاتنا. “طوبى لصانعي السلام” من اليمين: جاد أخوي، السيد علي الأمين، الكاردينال بيترو بارولين، الشيخ محمد علي الحاج العاملي، الدكتور وجيه قانصوه. ثم جاء الفاتيكان. وهناك كان الشعور مختلفاً. دخلنا للقاء الكاردينال بييترو بارولين ضمن وفد ضم الشيخ محمد علي الحاج العاملي، والدكتور وجيه قانصوه، والسيد علي الأمين وأنا. وفد من شخصيات شيعية لبنانية يدخل إلى قلب الفاتيكان ليتحدث لا عن حقوق الشيعة، بل عن لبنان. عند الدخول قلت للكاردينال بارولين إننا هنا لكي نحاول تطبيق الرسالة التي حملها البابا إلى لبنان واللبنانيين: “طوبى لصانعي السلام.” ثم أضفت أننا نريد أيضاً أن نشكر الفاتيكان على تطويب البطريرك الياس الحويك. وقلت له إن الحويك بالنسبة إلينا ليس مجرد بطريرك ماروني أو شخصية في تاريخ الكنيسة، بل هو أحد الآباء المؤسسين لفكرة لبنان الكبير، والرجل الذي حمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس ودافع عن قيامه. هنا لفتني رد فعل الكاردينال. توقف عند الكلام واهتم به. وبدا أن الربط بين وفد شيعي لبناني، والبطريرك الحويك، ولبنان الكبير، ورسالة البابا لصانعي السلام، حمل بالنسبة إليه معنى خاصاً. ومنذ تلك اللحظة، خرج اللقاء من الإطار البروتوكولي وتحول إلى نقاش أكثر دفئاً وعمقاً، حتى إن الكاردينال طلب منا الجلوس والبقاء لفترة أطول من الوقت الذي كان مخصصاً للقاء. ربما كانت هذه بالنسبة إليّ الصورة الأجمل في الرحلة كلها. أربعة لبنانيين شيعة يجلسون في الفاتيكان ويتحدثون عن بطريرك ماروني باعتباره واحداً من آباء وطنهم. أليست هذه، في النهاية، فكرة لبنان؟ الحويك ليس للمسيحيين وحدهم بقي حديث الحويك في ذهني بعد خروجنا من الفاتيكان. قبل أكثر من قرن كان السؤال: كيف يولد لبنان الكبير؟ أما اليوم، فالسؤال أصبح: كيف نحافظ عليه؟ الحدود رُسمت، والدولة أُعلنت، والدستور وُضع، لكن فكرة لبنان نفسها لا تزال تحتاج في كل جيل إلى من يدافع عنها. وبالنسبة إليّ، كلبناني شيعي، لا أجد أي تناقض في اعتبار البطريرك الحويك جزءاً من تاريخي. إذا كان من الآباء المؤسسين للبنان، فهو ليس ملكاً لطائفة. هو جزء من التاريخ الوطني لكل لبناني. وهنا تحديداً يصبح قولنا “نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة” أكثر من شعار سياسي. يصبح طريقة في قراءة تاريخنا أيضاً. ماذا رأيت في الفاتيكان؟ شعرت أن الفاتيكان ينظر إلى لبنان من مسافة مختلفة عن المسافة التي ننظر منها نحن إلى أنفسنا. نحن نرى الحكومة والسلاح والحدود والكهرباء والاقتصاد والحرب المقبلة والتسوية المقبلة. أما هناك، فهناك أيضاً فكرة أخرى عن لبنان. بلد صغير، شديد التعقيد، لكنه استطاع رغم الحروب والانقسامات أن يبقى مكاناً يلتقي فيه المسلم والمسيحي من دون أن يكون وجود أحدهما مشروطاً بإلغاء الآخر. وهذه ليست صورة رومانسية عن لبنان. إنها واحدة من أهم أسباب وجوده. لذلك كان مهماً بالنسبة إلينا أن يسمع الفاتيكان هذا الكلام من لبنانيين شيعة. الدفاع عن صيغة لبنان ليس مهمة المسيحيين وحدهم. والدفاع عن العيش المشترك ليس تنازلاً يقدمه المسلم للمسيحي أو المسيحي للمسلم. إنه دفاع عن وطننا جميعاً. الكاردينال بيترو بارولين وجاد أخوي. ومن روما… كنت أفكر بالجنوب خلال الرحلة كنت أفكر كثيراً بالجنوب. المسافة تفعل شيئاً غريباً. تجعلك ترى أحياناً ما لا تستطيع رؤيته وأنت في قلب الحدث. تفكر بالقرى والبيوت والأرض، وبالناس الذين دفعوا ويدفعون أثماناً هائلة، وبالسؤال الذي يجب ألا نهرب منه: إلى متى سيدفع أهل الجنوب ثمن قرارات أكبر منهم؟ بالنسبة إليّ، الدولة ليست فكرة نظرية. والسيادة ليست كلمة تصلح للخطب. أنا ابن هذه البيئة، وأعرف ماذا يعني أن تتحول القرية إلى ساحة حرب، وأن يصبح البيت جزءاً من خبر عسكري، وأن تدخل الجغرافيا والذكريات والعائلة كلها في حسابات الصراع. لهذا أرفض أن نعود بعد كل ما حدث إلى المعادلة نفسها، ثم ننتظر نتيجة مختلفة. الجنوب يحتاج إلى دولة. دولة موجودة فعلياً على الأرض. يحتاج إلى جيش يحميه، ومؤسسات تعيد بناءه، ودبلوماسية تدافع عن أرضه، وقرار حرب وسلم لا يملكه إلا لبنان. وماذا عدنا به؟ يسألني البعض: ماذا حققت الزيارة؟ لم نعد باتفاقات. ولم نحصل على وعود سحرية. ولم نذهب أصلاً بحثاً عنها. ولا أحب تضخيم الزيارات السياسية وتحويل كل لقاء إلى “حدث تاريخي”، كما نفعل كثيراً في لبنان. لكن شيئاً تحقق. قلنا مباشرة لمن التقيناهم إن هناك لبنانيين، وبينهم شيعة، لا يقبلون أن يكون الخيار بين حزب الله وبين العداء للطائفة الشيعية. هذه معادلة نرفضها. هناك خيار آخر، وهو في الحقيقة الخيار الطبيعي: الدولة. دولة لا تنتقم من أحد، ولا تستبدل سلاحاً بسلاح، ولا وصاية بوصاية. دولة يستطيع فيها الشيعي والمسيحي والسني والدرزي أن يشعر بأن الجيش جيشه، والدستور دستوره، والمؤسسات مؤسساته، وأن القانون لا يسأله عن طائفته قبل أن يمنحه حقوقه ويحمله مسؤولياته. العودة إلى بيروت لكن ربما كان أهم انطباع في الرحلة هو ذلك الذي شعرت به عند العودة. عندما تهبط الطائرة في بيروت بعد أيام أمضيتها تتحدث عن لبنان في الخارج، تنظر من النافذة بطريقة مختلفة. هذه القطعة الصغيرة من الأرض التي نتقاتل عليها منذ أجيال تبدو أصغر من أن تحتمل كل مشاريعنا الكبرى. وأغلى من أن نضيّعها. من روما والفاتيكان عدت أكثر اقتناعاً بأن العالم يستطيع أن يساعد لبنان، لكنه لن يبنيه مكاننا. يمكن لإيطاليا أن تساعد. ويمكن للفاتيكان أن يدعم. ويمكن للعرب والأوروبيين والأميركيين أن يقفوا إلى جانب الدولة والجيش والاقتصاد. لكن أحداً في العالم لا يستطيع أن يتخذ نيابة عنا القرار الأهم: أن نريد نحن أن نصبح دولة. ولهذا بقيت معي من الرحلة عبارتان. الأولى قلتها عند دخولنا إلى لقاء الكاردينال بارولين: “طوبى لصانعي السلام.” والثانية حملناها معنا من بيروت إلى روما وأعدناها معنا من روما إلى بيروت: “نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة.” وبين العبارتين، ربما توجد كل القضية. أن نصنع السلام لا أن ننتظر الحرب المقبلة. وأن نبني وطناً قبل أن نبني متاريس الطوائف. لأن السؤال بعد روما لم يعد ماذا يستطيع العالم أن يفعل من أجل لبنان. السؤال أصبح أكثر صعوبة: ماذا نحن مستعدون أن نفعل من أجل لبنان؟

الأمم المتحدة: باريس تريد استبدال اليونيفيل بـ«نوع آخر» من الوجود الدولي

سيلفيان زحيل – من نيويورك في الوقت الذي تتولى فيه فرنسا رئاسة مجلس الأمن خلال شهر أيلول، يلتئم "الأسبوع الرفيع المستوى" للجمعية العامة وسط مناخ محتدم تطغى عليه أزمات وجودية وتساؤلات عميقة حول جدوى التعددية الدولية. ومن هذا المنطلق، تسعى باريس إلى الدفاع عن نظام دولي "يستند إلى القانون لا إلى قانون الأقوى". ويتصدر الملف اللبناني قائمة الملفات الحساسة، محفوفاً بسؤال ملحّ: ما مصير قوة "اليونيفيل"، والأهم من ذلك، كيف يمكن تفادي وقوع "فراغ أمني" في حال تعذر التمديد لولاية هذه القوات بشكل مستدام؟ وفي هذا السياق، يعقد القادة اللبنانيون الحاضرون في نيويورك لقاءات حاسمة لبحث هذه المسألة، في وقت أجرى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام محادثات بهذا الشأن مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وتأتي الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة متزامنة مع تولي فرنسا رئاسة مجلس الأمن منذ مطلع أيلول، فضلاً عن رئاستها لمجموعة السبع هذا العام. وعلى طاولة المسؤولين الفرنسيين في نيويورك حزمة من الأزمات المفتوحة تشمل أوكرانيا وفلسطين وإيران والسودان ولبنان وصولاً إلى البحر الأحمر واليمن، إلى جانب ملفات عالمية أخرى تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى القانون الدولي الإنساني، فضلاً عن ملف خلافة أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي يُبحث حالياً في الكواليس. وتتمحور المقاربة السياسية التي تطبع التحرك الفرنسي هذا الأسبوع حول الدفاع عن التعددية. وفي هذا السياق، نقل دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى، خلال إحاطة إعلامية مغلقة خصصت لعرض الأولويات الفرنسية، قوله: "في ظل الانتقادات الموجهة للتعددية، نؤكد التزامنا الراسخ بالتعددية عموماً وبمنظمة الأمم المتحدة خصوصاً". ويترافق ذلك مع مبدأ أساسي تعتزم باريس إعادة تأكيده في نيويورك: "نحن نؤمن بقوة نظام دولي يرتكز إلى القانون بدلاً من قانون الأقوى". وفي هذا السياق العام يبرز الملف اللبناني، بينما تطرح قضية مستقبل "اليونيفيل" نفسها مباشرة أمام مجلس الأمن. إبقاء "اليونيفيل" أم التحضير لقوة أخرى؟ رداً على سؤال حول رغبة لبنان في إبقاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان لفترة أطول، على الرغم من المعارضة التي يواجهها هذا الخيار، أكد الدبلوماسي الفرنسي أولاً طلب بيروت، بالقول: "لقد طلب لبنان بالفعل أن تظل القوة حاضرة لفترة أطول". وتلعب فرنسا دوراً خاصاً في هذا الملف بصفتها حاملة القلم (penholder) في مجلس الأمن. وقال في هذا السياق: "فرنسا هي حاملة القلم في هذه المسألة، مما يعني أننا نحن من يحرر النص الخاص باليونيفيل ويتفاوض عليه". وكانت باريس قد نجحت، خلال المفاوضات السابقة، في تمديد ولاية "اليونيفيل" لمدة عام ونصف العام. غير أن الدبلوماسي أشار إلى حدوث تغير في المواقف داخل المجلس، موضحاً: "هناك شعور داخل المجلس بأنه بات ينبغي النظر في حضور جديد للأمم المتحدة بدلاً من تمديد ولاية اليونيفيل". في المقابل، تطالب بيروت بإبقاء "اليونيفيل". وتؤكد فرنسا استعدادها لدعم هذا الخيار إذا ظل قابلاً للتحقق سياسياً. وإذ أعادت باريس التعبير عن هذا الموقف، أوضح الدبلوماسي: "إذا كانت هناك إمكانية لتمديد الولاية، فيمكننا دعم مثل هذا التمديد". وتكمن المشكلة، بحسب الدبلوماسي الفرنسي، في ميزان القوى داخل مجلس الأمن حالياً. وقال: "أخشى ألا يكون هناك دعم كافٍ لتمديد طويل الأجل وللحفاظ على ولاية كاملة". ويمهد هذا التقدير الطريق أمام فرضية أخرى تتمثل في تمديد أقصر يسمح ببقاء القوة لفترة إضافية من دون استباق الترتيبات التي قد تخلفها. وأضاف: "إذا كانت هناك إمكانية لتمديد ولاية اليونيفيل لفترة قصيرة وبولاية واسعة بما يكفي، فسوف نقوم بذلك". لكن الإحاطة تكشف خصوصاً أن النقاش لم يعد يقتصر على المفاضلة الوحيدة بين بقاء "اليونيفيل" وزوالها. وأشار بالقول: "أعتقد أن التفكير يتجه الآن نحو مسار أوسع: وجود للأمم المتحدة، ولكن أيضاً نوع آخر من الوجود، ربما وجود دولي خاص". مع ذلك، أعاد الدبلوماسي الفرنسي هذه الخيارات المختلفة إلى الهدف المنشود وليس إلى آلياتها. وتساءل: "ما هو هدفنا هنا؟ ربما كان يجدر بي أن أبدأ بذلك بدلاً من الآليات". وتتلخص الإجابة في بضع كلمات: "هدفنا هو ضمان عدم وقوع أي فراغ أمني في لبنان، وذلك لضمان سيادة لبنان وسلامة أراضيه..." وبالتالي، يظل القاسم المشترك الذي تطرحه فرنسا، في هذه المرحلة، هو ما لخصه الدبلوماسي بنفسه: الحيلولة دون ظهور "فراغ أمني في (لبنان)..." رئاسة فرنسية في مواجهة جبهات متعددة يأتي الملف اللبناني في سياق أجندة أوسع بكثير. فعلى جبهة إيران، تترقب الأوساط اجتماعات رفيعة المستوى بصيغ مختلف، بحضور الرئيس الإيراني ووزير خارجيته. وقد وضع الدبلوماسي الفرنسي هذا الملف ضمن بيئة إقليمية تشمل التوترات في مضيق هرمز، والأحداث في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلاً عن وضع الحوثيين في اليمن. ومن المرجح أن يُخصص مجلس الأمن اجتماعاً آخر بشأن أوكرانيا، "نظراً للوضع وتفاقمه"، لا سيما في أعقاب الضربات الأخيرة التي أشار إليها الدبلوماسي الفرنسي بالقرب من الحدود البولندية. كما سيكون السودان على جدول أعمال الاجتماعات في نيويورك. فلسطين: حل الدولتين في صدارة الأولويات الفرنسية ستتصدر فلسطين "أولويات المسؤولين الفرنسيين". وتدرج باريس هذا التحرك في استمرارية "إعلان نيويورك" والقرار الذي اعتمدته الجمعية العامة بأغلبية 142 صوتاً تأييداً لنص يكرس هذا الإعلان المخصص لحل الدولتين. وترى فرنسا أن التطورات على الأرض تجعل هذه المسألة ملحة. ويشير الدبلوماسي الرفيع إلى أنه "بالنظر إلى التحديات التي يواجهها حل الدولتين ميدانياً، تمثل هذه القضية إحدى أبرز هواجس المسؤولين الفرنسيين". الذكاء الاصطناعي.. ملف مهم آخر على جدول أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة وإلى جانب الأزمات، يتصدر الذكاء الاصطناعي جدول الأعمال الفرنسي، وسط انشغالين رئيسيين متباينين. يتعلق الأول بتداعيات الذكاء الاصطناعي، وعموم التكنولوجيا الرقمية، على الأطفال. ويوضح الدبلوماسي بالقول: "ليس واردًا إنكار فوائد الذكاء الاصطناعي، لكننا نشهد مخاوف عميقة بشأن تأثيره على الأطفال". أما المحور الثاني فيكتسي طابعاً أمنياً مباشراً. وترغب باريس في فتح النقاش حول المخاطر المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي، لا سيما "التهديد الوجودي الذي قد يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية جمعاء". وفي هذا السياق، يلفت الدبلوماسي الرفيع الانتباه إلى المخاوف التي أبداها عدد من رؤساء شركات التكنولوجيا المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، حيال هذا التهديد المحتمل ومخاطر الأمن السيبراني على حد سواء. القانون الدولي الإنساني في مواجهة تفاقم النزاعات يشكل القانون الدولي وحقوق الإنسان محوراً آخر من الاهتمامات الفرنسية. فباريس تشارك، إلى جانب الأردن وجنوب إفريقيا والبرازيل والصين وكازاخستان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في مبادرة تهدف إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني. وتنطلق المبادرة من واقعة مقلقة للغاية: "لا نشهد فقط تزايد عدد النزاعات الدولية فحسب، بل نشهد أيضاً ارتفاعاً مقلقاً للغاية في عدم احترام القانون الدولي الإنساني". ويذكر الدبلوماسي بأن هذا القانون يمثل "القواعد الأساسية المطبقة في حالات الحرب". ومن المقرر عقد قمة لمناقشة هذه المشكلة في شهر كانون الأول في عمّان. حق النقض (الفيتو) في مواجهة الفظائع الجماعية تعتزم فرنسا الاستفادة أيضاً من اجتماعات الجمعية العامة لإعطاء دفعة جديدة لمبادرتها المشتركة مع المكسيك بشأن التقييد الطوعي لاستخدام حق النقض (الفيتو) من جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن في حالات الفظائع الجماعية. وأُطلقت هذه المبادرة في عام 2013 إثر حالات التعطيل التي طالت المجلس رغم الفظائع المرتكبة على الأرض، والتي كانت "شبه مجمدة في السنوات الأخيرة"، وفق ما قال الدبلوماسي. غير أن حراكاً فرنسياً–مكسيكياً جديداً أدى الى إحياء الديناميكية من جديد. ويدعم المبادرة حالياً نحو 123 دولة عضواً من أصل 193 دولة تُمثَّل في الأمم المتحدة. ويوضح الدبلوماسي قائلاً: "نسعى رمزياً إلى تجاوز عتبة 129 دولة"، أي ما يمثل ثلثي أعضاء الجمعية العامة. ويتمثل الهدف أيضاً في نيل تأييد أعضاء دائمين في المجلس، حتى وإن كان ذلك يظل، بحسب اعترافه، "أمراً بالغ الحساسية بالطبع". خلافة غوتيريش وأخيراً، ثمة موعد حاسم آخر يتصدر على الأرجح المشاورات في نيويورك، ألا وهو تسمية الأمين العام المقبل للأمم المتحدة. فولاية أنطونيو غوتيريش تنتهي في 31 كانون الأول، مما يضع مجلس الأمن في خضم مرحلة من المشاورات وعمليات التصويت الاستطلاعية المخصصة لقياس مدى الدعم والتأييد للمرشحين المختلفين. ومن المفترض أن تحتل مسألة الخلافة هذه صدارة النقاشات على هامش الاجتماعات الرسمية.

إلغاء عقوبة الإعدام: مسار طويل قاده إبراهيم نجار وإيلي كيروز

لا يُعتبر إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان وليد مساعٍ بُذلت في العام 2026، بل هو ثمرة مسار سياسي وقانوني طويل، طبعته مبادرات متلاحقة وعراقيل وسنوات من النقاشات. وقد تصدّر هذه المعركة وجهان بارزان: وزير العدل الأسبق إبراهيم نجار، والنائب السابق وعضو هيئة مكتب "القوات اللبنانية" إيلي كيروز. بالنسبة إلى الوزير نجار، بدأ النضال عام 2008 مع تسلمه حقيبة العدل. أما النائب كيروز، فتجسد نضاله أساساً عبر اقتراح قانون تقدم به في العام 2012. ولن يعلن لبنان إلغاء عقوبة الإعدام رسمياً إلا بعد أربعة عشر عاماً. وبين هذين المفصليْن، 2008 و2012، شهدت البلاد تغيرات جذرية، غير أن القناعات الثابتة بقيت على حالها. عندما طُرح اسم نجار لدخول الحكومة عام 2008، طلب تولي وزارة العدل تماشياً مع خلفيته الحقوقية. وفور توليه مهامه، سلمه رئيس القلم ملفاً يضم توقيعات مسؤولين سابقين، طالباً منه توقيع وثيقة تؤكد تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 محكوماً. يستعيد نجار اللحظة بالقول: "كانت ردة فعلي فورية: 'لا تقتل'. قلت له: 'لا، لن أوقع'". ويؤكد أنه كان حاسماً في موقفه. وعلى الأثر، بادر إلى الاتصال بالقاضي شكري صادر، الذي كان يتولى رئاسة هيئة التشريع والاستشارة في الوزارة (وكان من طلابه في السابق)، طالباً منه إعداد مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام. ويضيف: "في اليوم التالي، كان المشروع بين يدي". مع ذلك، لم تكن هذه الخطوة صادرة عن ناشط مخضرم في قضية إلغاء الإعدام. إذ يقرّ نجار بأنه لم يسبق له أن كان ناشطاً في حقوق الإنسان، وكانت مسألة عقوبة الإعدام تبدو له حتى ذلك الحين مجرد مفهوم نظري. بيد أن خلفيته الفلسفية والأدبية والقانونية كانت قد رسخت لديه قيم الفيلسوف إيمانويل مونييه حول الشخصانية وسمو الكرامة الإنسانية. ويعلق بالقول: "لم أكن أتخيل يوماً أن أواجه قراراً بهذا الحجم فور تسلمي مهامي". وكان مشروعه يقضي باستبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة. وحينذاك، لم يكن يعلم حتى العدد الدقيق للمحكومين بالإعدام في السجون اللبنانية، بل جلّ ما عرفه أن 17 حكماً بالإعدام كانت بانتظار التنفيذ. قناعة فلسفية وشخصية سرعان ما تجاوز موقف نجار البعد القانوني البحت. ويشير في هذا السياق بالقول: "كانت المسألة قناعة فلسفية وشخصية، بمعزل حتى عن الدين. وأعتقد أنني ما كنت لأجرؤ يوماً على اتخاذ قرار بإعدام شخص ما. لم أستطع قط تخيل أن يُقدم إنسان على الحكم بالموت على آخر، سواء في لبنان أو في أي مكان آخر. بالنسبة لي، كانت تلك قناعة مطلقة". وقد اصطدمت هذه القناعة بدورها بالمعضلة الأكثر إيلاماً: ماذا يفعل المرء عندما يرتكب المحكوم جريمة بالغة الشراسة؟ يؤكد نجار أنه طالما أمعن التفكير في الفظاعة التي ينطوي عليها إعدام أي شخص. ويقول: "لم أكن أتصور أن أضع أحداً في مواجهة الموت، مهما كانت الدوافع". ولم يكن يعلم بعد أن هذا القرار سيقوده لاحقاً إلى الانضمام إلى الحركة العالمية المناهضة لعقوبة الإعدام. فقد بدأ يكتشف تدريجياً حجم النقاش في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به الدول والمنظمات الدولية في الدفع نحو إلغاء هذه العقوبة. أما في لبنان، فكان الانخراط في هذه القضية أمراً بعيد المنال. يعرض نجار موقفه على حلفائه السياسيين، ولا سيما حزب "القوات اللبنانية"، ليحوز دعم رئيس الحزب سمير جعجع. وبناءً على هذا الدعم، بادر إلى دعوة مختلف الكتل النيابية، فعقد ثلاث اجتماعات في محاولة لاستقطاب النواب إلى مشروعه. وهناك أدرك أن المواقف كانت شديدة التباين. فسلفه في وزارة العدل، بهيج طبارة، كان مؤيداً لعقوبة الإعدام، على غرار رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص، رغم أن الأخير كان قد رفض بنفسه توقيع قرار إعدام، مفوضاً نائب رئيس الحكومة ميشال المر بالقيام بذلك نيابة عنه. ويعلق نجار على ذلك بالقول: "برأيي، حين يعارض المرء عقوبة الإعدام، عليه تحمل هذه المعارضة حتى النهاية". في المقابل، كان يعلم أن الزعيم الدرزي كمال جنبلاط كان مؤيداً لإلغاء عقوبة الإعدام، واكتشف لاحقاً أن شخصيات أخرى دافعت عن هذه القضية في السابق. وكان النقاش يأتي أيضاً في سياق محطة تاريخية أقدم وأكثر إيلاماً: ففي العام 2004، وتحت عهد الرئيس إميل لحود، جرى تنفيذ حكم الإعدام علناً بحق محكومين اثنين في بعبدا. غياب التأييد يعرض السيد نجار مشروعه إذن أمام مختلف الكتل النيابية مطالباً إياها بدعمه. بيد أن ما طبع النقاش، بحسب قوله، لم يكن المواجهة المفتوحة، بل غياب التأييد. ويشير إلى أن "معظم الكتل الإسلامية كانت ترد عليّ بأنها ستدرس المسألة وتستشير المفتي أو المرجعيات الدينية"، مضيفاً: "لذا لم أحظَ بتأييد واسع، في حين أيدت المسعى غالبية الكتل المسيحية، إلى جانب الدروز". إثر ذلك، يكتسي النقاش بعداً عاماً. فبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، وجه السفير الفرنسي آنذاك، الراحل دوني بييتون، دعوة إلى نجار لإلقاء كلمة. وفي المناسبة، يؤكد نجار علناً أنه لن يوقع أبداً على أي حكم إعدام ولن ينفذ عقوبة بحق أي محكوم. ومنذ هذه اللحظة، أدرك أن موقفه سيضعه في تماس مباشر مع الحركات المناهضة للإعدام والمنظمات الدولية وعدد من العواصم. وبعد أيام قليلة، طلب وفد إسباني رفيع المستوى لقاءه. واعتقد نجار في البداية أن هدف اللقاء هو مناقشة المحكمة الخاصة للبنان التي كانت تتصدر الواجهة السياسية يومذاك. غير أن الوفد استفسر منه عن موقفه من إلغاء عقوبة الإعدام، كاشفاً أنه التقى مسبقاً في هذا السياق كلاً من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة. ولاحقاً، علم نجار أن الرئيس سليمان كان قد رفض دعم إلغاء عقوبة الإعدام، متذرعاً خصوصاً بالجرائم التي ارتكبها إرهابيون بحق العسكريين اللبنانيين في طرابلس. أما فؤاد السنيورة، فدعا إلى استحضار موقف الإسلام من هذه العقوبة. وفي ما يتعلق بنبيـه بري، فقد أفاد بأنه سيقبل القانون إذا أقره البرلمان، من دون أن يفصح عن موقفه الشخصي. ويستذكر نجار بالقول: "أدركت حينها مدى صعوبة تمرير مشروعي". التجربة الدولية يساهم سياق المحكمة الخاصة للبنان أيضاً في إثراء تفكيره. يشير نجار إلى أنه علم بأنه عند تأسيس المحكمة، اشترطت كل من فرنسا والأمم المتحدة ألا تُطبق المحكمة عقوبة الإعدام المنصوص عليها في التشريع اللبناني. ويستذكر الوزير الأسبق بالقول: "دفعني ذلك الى التفكير. فمن أجل قضية اغتيال رفيق الحريري، قبل لبنان ألا تطبق المحكمة عقوبة الإعدام التي ينص عليها قوانينه الخاصة". وفي الوقت ذاته، طُرح السؤال عليه بشكل مباشر داخل مجلس الوزراء. استوقفه ممثل حزب الله في الحكومة، محمد فنيش، مستفسراً عن سبب رفضه التوقيع على تنفيذ الحكم: "معالي الوزير، كيف تسمح لنفسك ألا توقع عقوبة الإعدام في حين ينص القانون عليها؟ أنت ملزم بتطبيق القانون". وتأتي ردة فعل نجار حاسمة بلا لبس: "لن أوقع، مهما كانت النتائج والتبعات". وفي النهاية، لم يُقر المشروع. ويتحدث نجار عن "عدم تأييد" وانتقادات أكثر من حديثه عن توترات فعلية. ويؤكد: "كان المشروع ميتاً نوعاً ما، لكنه وُجد وطرح القضية للنقاش". على أن هذه المعركة الأولى لم تنتهِ بمغادرته الوزارة. فبعد أيام قليلة من زيارة الوفد الإسباني، وجه إليه رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك، خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، دعوة للانضمام إلى الهيئة الدولية لمناهضة عقوبة الإعدام، بناءً على طلب من فيديريكو ميور وروبرت بادينتر. لبى الدعوة والتحق بلجنة تضم وجوهاً بارزة مثل بادينتر وميور ومحمد بجاوي. وتدرج شيئاً فشيئاً في تحمل مسؤوليات داخلها وصولاً إلى توليه اليوم منصب نائب رئيسها. وقد أسهمت هذه التجربة الدولية في تغيير نظرته إلى القضية. ويقول: "مع مرور الوقت، أدركت أن عقوبة الإعدام هي مسألة سياسية وقانونية وإنسانية وإنمائية في آن واحد". ويلاحظ في هذا الصدد أن بعض الأنظمة غير الديمقراطية قد تستخدم عقوبة الإعدام أداة للحكم بالترهيب ضد المعارضين أو فئات أخرى. وانكب نجار على دراسة ممارسات عدة دول، من بينها سوريا وإيران ومصر واليابان والصين والولايات المتحدة. كما لاحظ أن بعض الدول الإسلامية قد ترغب في إلغاء العقوبة، لكنها تخشى أن يُفسر هذا القرار على أنه تنكر لتقاليدها. مع ذلك، بدا له المسار الدولي حتمياً ولا رجعة فيه. فأكثر من 145 دولة ألغت عقوبة الإعدام قانوناً أو ممارسة. ويشدد بالقول: "في تقديري، يجب أن يلقى هذا الإلغاء مصير الرق في القرن التاسع عشر: لا بد من إلغائه في كل مكان". وفي هذا السياق، يروي أنه حاول زيارة إيران للدفاع عن هذا الموقف، مضيفاً: "لقد رفضوا دائماً استقبالي، بلطف بالطبع، لكنهم رفضوا". مسعى إيلي كيروز في لبنان، وفي الموازاة، واصل فاعلون آخرون المعركة ذاتها. ومن أبرزهم النائب السابق وعضو هيئة مكتب "القوات اللبنانية" إيلي كيروز، الذي تقدّم باقتراح قانون يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام باسمه وباسم تكتل "القوات اللبنانية" النيابي. وكان قد وجّه أيضاً إلى وسائل الإعلام، في الرابع من آذار 2009، مذكرة خطية تؤكد ضرورة إلغاء هذه العقوبة، قبل أن يعود ويتقدم باقتراح قانون جديد في السادس من آذار 2012. بالنسبة إلى كيروز، لم يرتبط هذا المسعى بأي ظروف سياسية أو اجتماعية أو قانونية استثنائية، بل استند إلى مبدأ جوهري مفاده أن عقوبة الإعدام تنتهك الحق في الحياة، الذي يعتبره "حقاً مطلقاً وثابتاً". كما استند إلى الدستور اللبناني، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تطور القانون الدولي، وفلسفة العقاب برمتها. وإلى جانب ذلك، وتَبين له أن ثمة حجة أخرى لا تقل أهمية: استحالة تصحيح الخطأ القضائي بعد تنفيذ الحكم بالمحكوم. يؤكد كيروز في هذا السياق: "إن إلغاء عقوبة الإعدام يظل ركيزة أساسية للعدالة، فنحن لسنا مع عدالة تعذب وتقتل". وتتغذى رؤيته أيضاً من رؤيته المسيحية للإنسان. ويوضح بالقول: "انطلقت من موقف الكنيسة من عقوبة الإعدام، المستمد أصلاً من نظرتها إلى الكيان البشري"، معتبراً أن للإنسان كرامة لا يمكن اختزالها في الجريمة التي ارتكبها. ولدى كيروز قناعة بأن إلغاء هذه العقوبة كان يجب أن يسهم حكماً في تحديث المنظومة القانونية اللبنانية ومواكبتها للتطورات الدولية. غير أن أربعة عشر عاماً انقضت قبل أن يُكتب لهذا المسعى النجاح. يقول كيروز بمرارة: "لقد راكمنا 14 عاماً من التأخير، ونحن متأخرون في شتى قضايانا". ويذكر أن اقتراح القانون ظل حبيس أدراج لجنة الإدارة والعدل البرلمانية لسنوات، في انتظار إدراجه على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي. وفي هذا السياق، يستحضر كيروز النموذج الفرنسي، حيث استمر العمل بعقوبة الإعدام قرنين كاملين قبل إلغائها عام 2008 في عهد الرئيس فرانسوا ميتران وبمبادرة من وزير العدل آنذاك روبرت بادينتر. وكان بادينتر قد سأل النواب الفرنسيين مستهجناً :"لماذا كل هذا التأخير؟". وهذا السؤال نفسه يتردد صداه اليوم مع التجربة اللبنانيّة. ففي عام 2026، بلغ المسار خاتمته المرجوة. مروحة من التأثيرات يرى نجار أن إلغاء عقوبة الإعدام هي "شبه معجزة". ويشير في هذا السياق إلى أن العفو العام الذي أُقر في لبنان لم يكن كافياً بمفرده. ويوضح قائلاً: "كان لابد أن يترافق مع إلغاء عقوبة الإعدام، لأنه عندما يصدر حكم الإعدام، لا يمكن الاكتفاء بالعفو عنه بشكل عام". وهو يرى في تتويج الإصلاح "مروحة من التأثيرات": الحكومة، ووزير العدل، والجمعيات، ومختلف الجهات التي عملت طوال سنوات على هذا الملف. ويشكل دور لجنة الإدارة والعدل البرلمانية بالنسبة إليه إحدى أبرز محطات هذه المرحلة الأخيرة. فقد كلفه نقيب المحامين في بيروت بتمثيل النقابة في البرلمان. وحضر نجار اجتماع اللجنة ليتفاجأ بإجماع بدا له أشبه بالمستحيل آنذاك. ويقول نجار: "لاحظت بذهول أن المعجزة كانت تتحقق: فالنواب والشخصيات البالغ عددهم نحو أربعين، ممن كانوا حاضرين، أجمَعوا على تأييد إلغاء عقوبة الاعدام، ولا يمكنني وصف حجم سعادتي وفرحتي...". وفي الأول من حزيران/يونيو، وبينما كان في مدريد لحضور اجتماع اللجنة الدولية لمناهضة عقوبة الإعدام، أعلن لزملائه أن إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان بات وشيكاً. لتصدر القانون في النهاية في الجريدة الرسمية. كما يُثني نجار على طلبه بأن تتبنى المادة الأولى من القانون الصيغة التي اختارها روبير بادينتر في فرنسا عام 1981: "إلغاء عقوبة الإعدام". ويرى أن خطوة أخرى لا تزال تنتظر الإنجاز: تكريس هذا الإلغاء في صلب الدستور. لقاء البابا فرنسيس لا يُسدل هذا الانتصار التشريعي الستار تماماً على مسار نضاله؛ إذ يتوقف الوزير نجار عند العقوبة البديلة لعقوبة الإعدام، منتقداً بشدة إقرار عقوبة السجن المؤبد غير القابل للإفراج المشروط. تعيد هذه المسألة إلى الأذهان محطة دولية بارزة أخرى في مسيرته: لقاؤه بالبابا فرنسيس في الفاتيكان، في كانون الأول/ديسمبر 2019، بحضور وفد ضمّ رؤساء حكومات ورؤساء جمهورية سابقين، إلى جانب وزراء عدل سابقين. يستخلص نجار عنصرين أساسيين من هذا اللقاء الذي امتد خمسين دقيقة: أولاً، دعم الكنيسة الكاثوليكية لإلغاء عقوبة الإعدام وقرار البابا القاضي بإعطاء توجيهاته لإدراج هذا الإلغاء في التعليم المسيحي؛ وثانياً، النقاش حول السجن المؤبد غير القابل للإفراج المشروط. ويوضح إبراهيم نجار أن البابا فرنسيس يعتبر أنه عندما يواجه الإنسان حكماً أبدياً يقفل دونه أفق الخروج نهائياً، تتلاشى كلياً إمكانية توبته وخلاصه. وحينئذ، قد تتحول العقوبة، بطريقة أو بأخرى، إلى شكل من أشكال الموت المدني. من هذا المنطلق، يطالب نجار اليوم بإلغاء عقوبة السجن المؤبد غير القابل للإفراج المشروط في التشريع اللبناني. وهو يرى، في هذا السياق، أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني البتة غياب العقاب، بل يكرّس مفهوماً آخر للعدالة: معاقبة الجريمة من دون إزهاق الحياة نهائياً ومن دون قطع الطريق أمام أي فرصة لإعادة التأهيل. يشاطر النائب كيروز هذه الرؤية التي تقارب الإلغاء باعتباره محطة حضارية مفصلية، معتبراً أن على لبنان اليوم أن يبرهن للدول العربية الأخرى أن بإمكان أي دولة إلغاء عقوبة الإعدام من دون التفريط بالعدالة. أما نجار، فيرى أن معركته التي انطلقت عام 2008 قد بلغت خاتمتها المنشودة، دون أن يمحو ذلك سنوات من الانتقادات والاعتراضات. ويؤكد قائلاً: "لم أتراجع يوماً ولم أتردد. فبالنسبة لي، إلغاء عقوبة الإعدام إنجاز حضاري عظيم، وينبغي الآن على الدول العربية أن تحتذي بتجربتنا". ويشير في هذا السياق إلى دعوة تلقاها مؤخراً لزيارة ماليزيا ولقاء رئيس وزرائها لعرض التجربة اللبنانية. لكن الوزير السابق نجار يحرص أيضاً على التذكير بأن من حملوا هذه القضية عبر السنين ليسوا الذين يقفون اليوم عند خط النهاية. ويقول: "لقد تحقق الخير وأنا فخور وسعيد جداً بذلك"، ليختم مؤكداً: "سيأتي يوم يعرف فيه التاريخ من ينبغي أن يُخلّد ذكره". وأخيراً، يتوقف عند الانتقادات التي واجهها طيلة سنوات، لافتاً خصوصاً إلى تعرضه لحملات من المقربين من ريمون إده، الذين كان لهم موقف مغاير من عقوبة الإعدام. غير أن العقليات، برأيه، شهدت تحولاً جذرياً؛ إذ يوضح قائلاً: "على مدى 75 عاماً، تغيرت الأمور كثيراً. لقد أدركنا أن عقوبة الإعدام قد تُستعمل أداة للحكم ووسيلة للتغطية على عورات الحكام". ويختصر، في هذا الإطار وبكلمات معدودات، جوهر نضاله المستمر منذ ذلك اليوم من عام 2008 حين رفض التوقيع على إعدام 17 محكوماً: "يجب ألا نخلط بين الحكم والقتل. فعلى المرء أن يتحلى بشجاعة الحكم الرشيد، وشجاعة ألا يقتل".

وصية حسن الرفاعي
بقلم
LevantTime .
نُشر
سبتمبر 3, 2026 - 09:39

تلقّت “Levant Time” من عائلة الوزير والنائب السابق الراحل حسن الرفاعي، الذي توفي في 3 أيلول 2025، البيان الآتي، وتنشره كاملاً: في الذكرى الأولى لرحيل حسن الرفاعي، الذي أمضى جلّ حياته مدافعاً عن لبنان الكبير، وفي وقت يكثر فيه الحديث عن ضرورة تعديل النظام السياسي اللبناني، يبدو من المهم استعادة بعض أقوال الرجل ومواقفه من اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي انبثقت عنه. 1. الطائف اتفاق سوري أميركي تحت خيمة عربية، وبكلام أكثره لبناني. (1989) 2. إن “إصلاحات” الطائف، إن طُبّقت، فهي مصيبة؛ وإن لم تُطبّق، فهي كارثة. (1989) 3. نقل اتفاق الطائف الحكم في لبنان من صراع حكم الرأسين إلى حرب رؤوس متعددة تشلّ الحكم وتلغي ممارسته، في ظل غموض في الصلاحيات وتشابك فيما بينها. لذلك دعا حسن الرفاعي، قبل إقرار اتفاق الطائف، إلى إعادة النظر فيه، لئلا نورّث الأجيال أسوأ الأنظمة. (1989-1990) 4. وقع اتفاق الطائف سنة 1989 تحت ضغط حروب الداخل والقصف السوري. وأي تعديل جديد للدستور لا يجوز أن يتم في ظروف مماثلة، تحت ضغط نزاعات الداخل أو حرب الخارج. 5. إن مندرجات وثيقة الوفاق الوطني (“الطائف”) التي لم تتجسد رسمياً في مواد دستورية لا قيمة قانونية أو دستورية ملزمة لها، بل تبقى مجرد توصيات. 6. غير صحيح أن السلطة الإجرائية كانت في يد رئيس الجمهورية وأن اتفاق الطائف انتزعها منه. فقد قامت ممارسات رئيس الجمهورية، منذ سنة 1943، على تجاوز أعراف النظام الديمقراطي البرلماني. 7. “حيث تكون المسؤولية تكون السلطة” (ليون دوغي). وبما أن رئيس الجمهورية ليس مسؤولاً سياسياً (المادة 60 من الدستور)، فإن المسؤولية تقع على الحكومة، رئيساً ووزراء، الذين يسقطون إذا فقدوا ثقة مجلس النواب أو تحت ضغط الشارع. 8. استرضى رؤساء الحكومات قبل الطائف رؤساء الجمهورية الذين مارسوا صلاحيات ليست لهم. لم يربح رؤساء الجمهورية بذلك، بل خسر لبنان. ومن تنازل عن صلاحياته خسر أيضاً، وخسر لبنان معه. (1988) 9. لا تعريف قانوني لعبارة “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، التي نصت عليها الفقرة “ي” من مقدمة الدستور، والتي أصبحت اليوم ذريعة لبدعة “ميثاقية” زائفة ومختلقة من أساسها. 10. إن حصرية السلاح في يد الدولة هي أساس قيام أي دولة، ولا حاجة إلى العودة إلى مندرجات اتفاق الطائف لتبرير هذه الحصرية. 11. لا مجال، اليوم ولا في المدى القريب، للبحث في إلغاء الطائفية السياسية. 12. أُضيف مجلس الشيوخ في اتفاق الطائف إرضاءً للطائفة الدرزية، غير أن إنشاءه من شأنه أن يعرقل عملية التشريع ولا فائدة منه. (1989) 13. لا يمكن البحث في اللامركزية الإدارية قبل قيام دولة مركزية قوية، وإلا تفتت الوطن إلى كانتونات متناحرة. (1981) 14. يحتاج نظامنا الجمهوري الديمقراطي البرلماني، كي يستقيم، إلى قانون انتخاب يشبه الشعب اللبناني: دوائر صغرى ونظام أكثري، بسبب غياب الأحزاب السياسية الحقيقية. 15. سمحت ولاية الأربع سنوات الثابتة لرئاسة مجلس النواب بخروج رئيس المجلس عن حياده، كما سمحت بدعة «الميثاقية» بتدخله في عمل السلطة التنفيذية. 16. لم تأتِ التعديلات الدستورية على ذكر اللامركزية، في حين نصت الفقرة “ز” من مقدمة الدستور على أن “الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام”. وهذا يعني أن التخلف عن إنماء المناطق يهدد استقرار الوطن. (1968-1981) 17. لم يفرض الطائف حكومات وحدة وطنية تجمع كل الأطراف، كما لم يفرض ديمقراطية توافقية تتطلب إجماع الأضداد وتضرب الحياة الديمقراطية الصحيحة. 18. إن أبوة “الثلث المعطل” في دستور الطائف تعود إلى فريق لبناني أراد تعطيل قرارات مجلس الوزراء التي لا ترضي رئيس الجمهورية. 19. نصت المادة 95 من دستور الطائف على أن إلغاء طائفية الوظيفة في الفئات الوظيفية ما دون الأولى يجب أن يراعي “مقتضيات الوفاق الوطني”، وهي عبارة مبهمة سمحت بتعطيل “المرحلة الانتقالية” التي نصت عليها المادة نفسها. 20. يقوم “الثلث المعطل” على أربعة مرتكزات: نصاب جلسات مجلس الوزراء، الذي يتطلب حضور ثلثي الوزراء؛ القرارات الأساسية، التي تحتاج إلى موافقة ثلثي الوزراء؛ اعتبار الحكومة مستقيلة باستقالة ثلث الوزراء زائد واحد؛ إقالة الوزير، التي يقررها ثلثا الوزراء، لا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللذان عيّناه. 21. منذ ما قبل سنة 1943، كانت غالبية السياسيين تابعة لدول أجنبية وتأتمر بسفاراتها، ما استجلب تدخل الخارج في كل شؤوننا الوطنية. ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم. 22. استخلص حسن الرفاعي، بعد خمسة وسبعين عاماً من الحياة العامة، أن العلة في رجال السياسة، وأن الحل برجال الدولة الذين يفتقدهم الوطن اليوم. (2018)

وقف إطلاق النار... حسناً، وماذا بعد ذلك؟
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر
يونيو 1, 2026 - 14:35

إن مشهد الأعلام الإسرائيلية التي ترفرف فوق قلعة الشقيف (بوفور) مؤلم إلى حدٍّ بالغ، تماماً كما هي صور القرى المدمَّرة كلياً أو جزئياً، والعائلات التي أُبيدت. وهو لا يقل عنفاً عن مقاطع الفيديو التي تُظهر أبناء الجنوب المصدومين وهم يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل موجات جديدة من الصواريخ القاسية، أو وهم يخاطرون بحياتهم لإطعام قطعان الماشية والحيوانات الأليفة التي تركها أصحابها، أو وهم يصرخون غضباً وإحباطاً ويأساً في وجه حرب لم يكن هناك ما يبررها. لقد كان رفع الرايات فوق الشقيف، وما تبعه من احتفال إسرائيلي مستفز بالسيطرة على هذا الموقع الأثري الاستراتيجي، بمثابة لكمة قوية. لأنه أعاد إلى الأذهان دوامة الحروب العبثية التي علق فيها لبنان منذ عقود، وكأنه أسير حلقة زمنية مفرغة لفيلم سيئ لا ينتهي. كثير من اللاعبين ما زالوا أنفسهم. وإذا تبدلت وجوه بعضهم أو انضم إليهم آخرون، فإن السيناريو نفسه بقي على حاله ويتكرر إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة الجهنمية، التي بدأت بشكل خاص مع اتفاق القاهرة المشؤوم، خدمت دائماً مصالح أطراف إقليمية، من الفلسطينيين إلى الإيرانيين مروراً بنظام الأسد البائس في سوريا. لقد أعادت الأعلام التي رُفعت الأحد فوق الشقيف إلى الأذهان بصورة مؤلمة مشهد حزيران/يونيو 1982، حين اضطر اللبنانيون إلى مشاهدة المنظر نفسه: الألوان الإسرائيلية ترفرف فوق هذا الموقع الشامخ، كنتيجة مباشرة لحروب الآخرين على أرضهم. وكانت بمثابة تذكير مزعج بأن لبنان، خلال أربعة وأربعين عاماً، أضاع كل الفرص التي كان يمكن أن تمكّنه من التحرر من النفوذ الخارجي وبناء دولة حقيقية. وحتى اليوم، ورغم الوعود والتصريحات الحسنة النوايا، تواصل الدولة سياسة التردد نفسها، فيما يتوق اللبنانيون بشدة إلى رؤية السلطة تضرب بيد من حديد، وتقول «كفى»، وتعتمد مجموعة من الإجراءات السياسية والإدارية والقضائية الملموسة التي تسمح لها باستعادة قرارها واحتكارها للعنف المشروع. بعد ثلاث سنوات على فتح حزب الله جبهة الإسناد الأولى للمحور الذي ينتمي إليه، ما زلنا نراوح مكاننا. ثلاث سنوات ضائعة في البحث عن صيغة افتراضية لفرض احتكار السلاح. وفي نهاية المطاف، لا يزيد هذا المشهد الكئيب إلا من حدة المشاعر المتناقضة التي ولّدتها المأساة اليومية منذ أن قرر الحزب الثأر لمقتل الإيراني علي خامنئي، رغم إدراكه التام لطبيعة الرد الإسرائيلي الذي كان ينتظره. فهو كان يعلم جيداً، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أن إسرائيل ستحوّل الجنوب إلى أرض محروقة في حال وقوع أي هجوم جديد على أراضيها، وأنها ستعيد لبنان إلى «العصر الحجري». كما أن الدولة اللبنانية لم تكن تجهل شيئاً من هذه النوايا. حتى الصحافيون جرى إطلاعهم على هذا الأمر لنقل التحذيرات المتكررة الصادرة من تل أبيب، والتي وصلت عبر القنوات الدبلوماسية إلى السلطات اللبنانية وإلى قادة هذا التنظيم. لذلك يجد اللبنانيون أنفسهم ممزقين بين شعورين متناقضين: فقلوبهم تنزف أمام بلدات لم تعد موجودة إلا في ذاكرة من بنوا فيها حياتهم. لكنهم في الوقت نفسه يخشون أن تنتهي الحرب الجارية من دون حسم. أن يؤدي وقف إطلاق نار جديد إلى إعادة لبنان إلى حالة دائمة من الحرب المؤجلة، وإلى وضع قاتل من الجمود، وإلى وقوعه مجدداً تحت هيمنة حزب الله... وأن يُبرم اتفاق إقليمي على حساب البلاد... وأن ينجو نظام الملالي، ذلك الوحش متعدد الرؤوس، من التسوية التي يجري إعدادها... وبعيداً عن التحليلات الجيوسياسية المتعلقة بالصراع الإقليمي الدائر، يركز اللبنانيون على مستقبلهم هم، في بلد بات اليوم أشبه بالأنقاض. وذلك فقط من أجل كسر هذه الحلقة الزمنية المفرغة. ومن هنا ينبع ذلك المأزق المؤلم، والمصحوب أحياناً بشعور بالذنب، الذي يواجهونه: فالرغبة في رؤية هذه المأساة تنتهي في أسرع وقت ممكن تصطدم بالرغبة في رؤية حزب الله مُحيَّداً بالكامل، مهما كان الثمن. منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع فتح الجبهة الجنوبية دعماً لحركة حماس في حربها ضد إسرائيل، سقطت الأقنعة. وقد أظهرت الأحداث اللاحقة أن المعادلة الوحيدة القابلة للحياة لبقاء لبنان هي أن يتوقف حزب الله عن الوجود بصيغته الحالية. فالمساعي المتواصلة التي يبذلها الحزب لنسب نيات عدوانية وتوسعية إلى تل أبيب، بهدف تبرير الجحيم الذي أدخل لبنان فيه مرتين خلال ثلاث سنوات، لم تعد قادرة على إخفاء حقيقته بوصفه ذراعاً تنفيذية تابعة للحرس الثوري الإيراني، ولا على إخفاء استخفافه بمصالح البلاد. أما سياسة الترهيب التي يمارسها ضد منتقديه، عبر التهديدات واتهامات الخيانة، فلا تؤدي إلا إلى زيادة النقمة الشعبية عليه، فيما تواصل السلطات اعتماد سياسة النعامة، رغم أن نتائج هذه السياسة تغذي بالذات ما تزعم أنها تسعى إلى تجنبه عندما تتحدث عن احتمال اندلاع اضطرابات داخلية. فهذا التراجع الرسمي لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي، وتوسيع الهوة بين أقلية لبنانية تريد إبقاء لبنان في الفلك الإيراني، وأكثرية تسعى إلى التحرر من ذلك، تحت قيادة سلطة مركزية أسيرة مخاوفها للأسف. كما أن تهديدات حزب الله غير المقبولة للسلطات، التي ترى في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل المخرج الوحيد لإنقاذ البلاد، تزيد من عزلة الحزب على الساحة المحلية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه مدى الحاجة الملحة إلى أن تضطلع الدولة بدورها كاملاً بوصفها الجهة المنظمة للنظام العام وصاحبة القرار الحصري. وقد فرضت هذه الحاجة نفسها نتيجة سياسة المماطلة والتراجع التي انتهجتها السلطة طوال عام كامل. وكانت هذه السلطة قد تعهدت أمام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي باستعادة احتكار العنف المشروع لتجنيب البلاد مغامرات مدمرة جديدة، وذلك منذ انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ثم مجدداً مع تشكيل حكومة نواف سلام، ومرة ثالثة مع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. لقد أصبحت هذه الحاجة ملحة لأنه من دون ذلك سيبقى اللبنانيون، رغماً عنهم، ممثلين في فيلم سيئ لا يستطيعون تغيير مسار أحداثه، بسبب سلطة تُظهر يومياً أنها لا تملك الوسائل الكافية، والأهم من ذلك، أنها تفتقر إلى الشجاعة اللازمة لتنفيذ قراراتها. فلا شيء مما قد يحدث لاحقاً يمكن أن يكون أسوأ من المأساة التي تعيشها اليوم آلاف العائلات اللبنانية.

الولايات المتحدة وإيران: أسبوعان لانتزاع اتفاق سلام

بعد أكثر من خمسة أسابيع من الحرب، اتفقت واشنطن وطهران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وذلك قبل أكثر بقليل من ساعة واحدة من انتهاء مهلة دونالد ترامب التي كانت تهدد بتدمير الجمهورية الإسلامية. أشارت طهران فجر الأربعاء إلى أن محادثات ستجري اعتبارًا من الجمعة مع واشنطن. ستُعقد هذه المناقشات في باكستان، الوسيط الرئيسي في حرب الشرق الأوسط. قبلت إسرائيل وقف إطلاق النار مع إيران، وفقًا لمسؤول في البيت الأبيض طلب عدم الكشف عن اسمه. "بعد محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير، طلبا مني خلالها تعليق التدخل العسكري المخطط له هذه الليلة ضد إيران، وبشرط أن توافق الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفتح الكلي والفوري والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق القصف والهجمات ضد إيران لمدة أسبوعين"، كتب الرئيس الأمريكي على منصته "تروث سوشيال". الإنذار الأخير ضمن سلسلة من الإنذارات التي أطلقها دونالد ترامب على إيران وتم تأجيلها عدة مرات، أعطى طهران مهلة حتى الساعة 8:00 مساءً بتوقيت واشنطن (منتصف الليل بتوقيت جرينتش) لإعادة فتح الممر البحري الاستراتيجي، الذي كان يمر عبره 20% من النفط الخام العالمي قبل الحرب. "سيكون هذا وقف إطلاق نار متبادلاً!"، أضاف السيد ترامب قائلاً، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة "قد حققت وتجاوزت بالفعل جميع أهدافنا العسكرية" منذ إطلاق الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير. كما أشار إلى محادثات "متقدمة للغاية" تهدف إلى اتفاق سلام "طويل الأمد" مع إيران. وقد قدمت طهران "مقترحًا من 10 نقاط" "يشكل أساسًا صالحًا للتفاوض". وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تدرس "محادثات شخصية" مع إيران، «لكن لا شيء نهائي حتى يعلنه الرئيس أو البيت الأبيض»، أضافت كارولين ليفيت. الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر من جانبهم، أكد القادة الإيرانيون أنهم يوافقون على إعادة فتح مضيق هرمز "لمدة أسبوعين" "إذا توقفت الهجمات ضد إيران"، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة X. "لقد تقرر على أعلى المستويات أن إيران ستجري، لمدة أسبوعين (...)، مفاوضات مع الجانب الأمريكي في إسلام آباد"، أضاف المجلس الأعلى للأمن القومي في بيان. وأضاف: "يُشار إلى أن هذا لا يعني نهاية الحرب، وأن إيران لن تقبل بوقف الأعمال العدائية إلا بعد أن" تنجح المفاوضات، مؤكداً أن هذين الأسبوعين يمكن تمديدهما "بالاتفاق بين الطرفين". وفقًا لوسائل الإعلام الإيرانية، فإن الخطة المكونة من عشر نقاط المقدمة للولايات المتحدة تنص على أن توافق واشنطن على استمرار برنامج طهران لتخصيب اليورانيوم ورفع جميع العقوبات. وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ووكالة مهر إن الخطة، التي نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي، تشمل "مبدأ عدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وقبول التخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية، ورفع جميع العقوبات الثانوية". كما تطالب إيران بوقف القرارات ضد الجمهورية الإسلامية التي صوت عليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، وانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من المنطقة، ووقف القتال على جميع الجبهات بما في ذلك جنوب لبنان، حيث جرّ حزب الله البلاد إلى الحرب ضد إسرائيل. وقف إطلاق النار يسري على لبنان أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن سروره بالنتائج التي تحققت بفضل وساطة بلاده، التي تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف: "يسرني أن أعلن أن جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، وكذلك حلفاءهما، قد وافقوا على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، بِأَثَرٍ فَوري"، كتب السيد شريف على منصة X مستخدمًا أحرفًا كبيرة في نهاية رسالته. وأضاف أن العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، ستستضيف يوم الجمعة وفوداً من البلدين لإجراء مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى "اتفاق نهائي". فرضت باكستان نفسها في الأسابيع الأخيرة كوسيط بين طهران وواشنطن، سعيًا لمنع تصعيد جديد للصراع في الشرق الأوسط. السيد شريف هو، على وجه الخصوص، أحد أعضاء "مجلس السلام" الذي أسسه دونالد ترامب قبل بضعة أشهر. قبل قليل من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، أسفرت غارة إسرائيلية عن ثمانية قتلى و22 جريحاً في مقهى على الواجهة البحرية لمدينة صيدا. (محمود زيات/وكالة فرانس برس) قبل قليل من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، أسفرت غارة إسرائيلية عن ثمانية قتلى و22 جريحاً في مدينة صيدا اللبنانية، حسبما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية الأربعاء. من جانبها، أفادت الجيش الإسرائيلي عن ثلاث دفعات من الصواريخ أطلقتها إيران باتجاه أراضيها، بعد لحظات قليلة من إعلان الرئيس ترامب. النفط يتراجع، والبورصات ترتفع لقي إعلان الاتفاق ترحيباً كبيراً في الأسواق: فقد انخفضت أسعار النفط بسرعة بأكثر من 15%، متجاوزة مستوى 100 دولار للبرميل، بل واقتربت من 90 دولاراً، وارتفعت بورصتا طوكيو وسيول بنسبة 4% و6% على التوالي عند الافتتاح.

هل أصبح ملف تشكيل "الناتو السنّي" موضوعياً؟
بقلم
المركز اللبناني للبحوث والدراسات
نُشر
أبريل 3, 2026 - 09:09

يعود هذا الموضوع الى العام 1998 وبالتحديد 30 ايار 98، تاريخ آخر تجربة نووية نفّذتها باكستان في صحراء خاران الرملية في بلوشستان. ويعود تمويل القنبلة والمسار النووي الباكستاني إلى المملكة العربية السعودية بموافقة أميركية واسرائيلية. وقد سمحت واشنطن وتل أبيب لباكستان أن تصبح دولة نووية لإيجاد توازن استراتيجي في المثلث (الهند الصين وباكستان)، بعد أن اصبحت كل من الصين والهند دولتان تمتلكا القنبلة النووية. بعدها كثر الكلام عن توجّه ايران لتطوير برنامج نووي عسكري تحت غطاء مدني، وهو ما اعتبرته تل ابيب وواشنطن أمراً غير مقبول. فالقنبلة النووية الباكستانية (السنيّة) كانت لفرض توازن في منطقة الشرق الأقصى، أما قنبلة ايران النووية (الشيعية) فهي ستخلق ميزاناً جديداً في الشرق الأوسط، حيث تعتبر اسرائيل نفسها اللاعب الاستراتيجي الاول في المنطقة. ورُفع شعار لا لامتلاك ايران لقنبلة نووية، فيما أصرّت طهران على ان برنامجها النووي سلمي وليس لديها طموح عسكري في هذا المجال. اليوم يكثر الكلام عن قيام "ناتو سنّي"، ويأتي هذا الكلام بعد قمة "شرم الشيخ للسلام"، حيث اجتمع حوالي مليار وثلاث مئة مليون مسلم ليعلنوا نهاية الصراع العسكري مع اسرائيل مقابل قيام دولة فلسطين. وقد اتى ذلك ضمن مبادرة الرئيس الاميركي دونالد ترامب بعد حرب غزّة، على أن تكون المبادرة من عدة مراحل، اولها إنهاء الحرب في غزّة وبعدها تشكيل حكومة مدنية فيها، لكن المبادرة توقفت عند المرحلة الاولى. وقد وُلد شعور لدى المملكة السعودية بالتحديد ولدى السنّة بالعموم، أن الرئيس ترامب مع اليمين الاسرائيلي لا يريدان قيام دولة فلسطين، وأن اليمين الاسرائيلي أقنع ترامب بأن لا يتمادى مع الدول الاسلامية في المنطقة كي لا يفرضوا شروطهم في المستقبل، وبانه من الضروري ضرب ايران. يمكن ملاحظة بعض الخلاف داخل إدارة "الجمهوريين" في الولايات المتحدة حول موضوع اعتبار ان دول الخليج لا يمكن ان يكون لها دوراً مقرّراً في المنطقة. فقد وضع ترامب وبعض من فريقه ملاحظات على اداء الامير محمد بن سلمان حين اتفق مع الحوثيين في "ينبُع"، وكيف انه اتفق معهم بدون علم الاميركيين، ومن ثم حين سافر الى الصين (في عهد الرئيس بايدن) وتم وضع الاتفاق مع ايران برعاية صينية. اليوم، الامير بن سلمان و"هؤلاء السنة" في المنطقة، وبنتيجة ما يحصل فيها، مضافاً اليهم مصر وتركيا، يريدون وقف الحرب ولديهم بالجهة المقابلة نائب الرئيس الاميركي ج. د. فانس ومَن وراءَه من الجمهوريين، حليف يدعم وقف هذه الحرب. الكلام عن الناتو السني بمحله، حيث قد يقضي الى نوع من التوازن في المنطقة بعد انتهاء الحرب. فإذا كان السنّة بخير في المنطقة تكون المنطقة بخير بالطبع. وإذا رجعنا بالتاريخ إلى ما قبل عائلة الاسد في سوريا، لا يمكن تجاهل أن الطبقة البرجوازية السنية في سوريا عيّنت فارس الخوري رئيساً للحكومة السورية، وهو لبناني من الكفَير، بالاضافة إلى شوكت شقير والد ايمن شقير الدرزي من قرصون في جبل لبنان، الذي عُيّن قائد أركان الجيش السوري. وبالطبع أضف إلى السنة، اذا كان المسيحيون ومعهم شيعة "محمد حسين شمس الدين" بخير تكون المنطقة ولبنان بخير ايضًا.

الحرب في إيران: تموضع القوى الفاعلة
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
مارس 24, 2026 - 13:53

في الثامن والعشرين من شباط، دوّى صدى الرعد في أصقاع العالم أجمع. هو الرعد – ذلك التحرّك المفاجئ والعنيف. عنيفٌ بكل تأكيد. أما كونه مفاجئاً؟ فليس تماماً. كان هذا الحدث منتظراً، غير أن أحداً لم يكن يعلم توقيته، ولا حجمه، ولا الأهداف المتوخاة منه. اليوم، بات التاريخ معلوماً، فيما يظل الحجم لغزاً يكتنفه الغموض. أما الأهداف، فما هي بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة؟ بالنظر إلى السياسة المعلنة لـ«إيران الملالي» تجاه إسرائيل، وأسس القوة التي ترعاها طهران بتكاليف باهظة من أجل إبادة هذه الدولة (وشلّ حركة لبنان)، فإن إسرائيل ترهن وجودها في هذه المعركة. وكذلك يفعل السيد نتنياهو. وبناءً على ذلك، يبدو الهدف الجوهري واضحاً: الإبادة. أما الولايات المتحدة، فتملك أجندة مغايرة تماماً. كانت المفاوضات مع إيران تراوح مكانها – وهي استراتيجية إيرانية معهودة. وبحكم اعتياد الرئيس ترامب على المفاوضات السريعة، وأمام مماطلة محاوريه، لم تكن لديه سوى رغبة واحدة: تقويض سلطة «رجال الدين» التي استحال معها إبرام أي اتفاق فعلي يخدم مصلحة الطرفين، بدءاً بالولايات المتحدة... وفي غضون ذلك، أراد ترامب الانتقام لواقعة احتجاز الرهائن عام 1979، ذلك الجرح الذي لا يزال نازفاً. أما الهدف النهائي المتوخى، فهو التحرر بأسرع وقت ممكن من ملف الشرق الأوسط، ليتفرغ تماماً لمنطقة «الإندوباسيفيك». ومن هنا، قد يبدو الافتراض بأن السيد نتنياهو قد «فرض إرادته» على الرئيس ترامب فرضيةً واردة. فبالنسبة إلى سيد البيت الأبيض، يتمثل الهدف في تحقيق نصر سريع دون زجّ قوات برية في الميدان؛ أما الإسرائيليون، فيراهنون على عامل الزمن. وهنا مكمن الخلاف – أو حجر العثرة – بين الطرفين. أما روسيا: فصامتة. هدفها في مكان آخر. فمواقعها في إفريقيا، بما في ذلك ليبيا، باتت مؤمّنة، وموطئ قدمها في سوريا (طرطوس وحميميم) وفي السودان (بورتسودان) قد ثبُتت دعائمه. النصر في أوكرانيا هو الوحيد الذي يقع في «مرمى نيرانها»، وهو نصر لن يتحقق بصفة نهائية إلا حين تضمن لها المفاوضات مع الولايات المتحدة الاعتراف بإدارتها وحيازتها – كأراضٍ روسية – لكل من القرم وأقاليم دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا، وهي مناطق لم تكتمل السيطرة عليها بعد. تضاف إلى هذه المطالب اشتراطات أخرى تتعلق بمستقبل أوكرانيا. ومن شأن موقف الرئيس بوتين هذا ألا يؤدي إلا إلى استدراج السيد ترامب للانخراط في مفاوضات من هذا القبيل. أما الصين: فصامتة. لا يزال هاجسها الأكبر يتمثل في تأمين إمداداتها من المحروقات، الضرورية للحفاظ على قوتها الصناعية. إن النجاحات العسكرية التي حققتها القوات الأمريكية في فنزويلا، والجيشان الأمريكي والإسرائيلي في إيران – علماً أن كلاً من فنزويلا وإيران تمتلكان أنظمة رصد ومعدات دفاع جوي صينية – لا تحفّز الصين على استعراض القوة أو إطلاق التهديدات الجوفاء؛ بل تدفعها – شأنها شأن الروس – إلى الاكتفاء بالمطالبة بالعودة إلى قرارات المؤسسات الدولية، وهي قرارات ضربت بها عرض الحائط كل من إيران وفنزويلا على حد سواء. أما الدول التي طلبت الحماية من الروس أو الصينيين بعدما أقصت دولاً أخرى – قد لا تكون مثالية، ولكنها كانت وفية – فستجد نفسها في حال من التخبط والارتباك إذا ما غدت مستقبلاً عرضة للتهديدات؛ وذلك بالنظر إلى غياب أي رد فعل – روسي أو صيني – على الهجوم الذي استهدف إيران. الإمارات في مسار التحديث، وأوروبا غائبة ما هو مستقبل مجموعة «بريكس بلس»؟ وحدَه الزمن كفيلٌ بالإجابة. ولكن حين يدّعي طرفٌ ما أنه «حامٍ»، فلا يليق به أن يكتفي بدور «المفترس». فبعد تحررها من الوصاية السعودية التي طال أمدُ وطأتها، وغرقت في ركودٍ تقليدي واقتصادي، انطلقت الإمارات العربية المتحدة في مسار التحديث، ممهدةً الطريق أمام عولمةٍ واعدة ومزدهرة. لقد اكتسبت الإمارات، وبكل ثقة، استقلاليةً استراتيجية تتجلى تبايناتها مع الجيوسياسية السعودية على المستويات كافة تقريباً: فبينما تُعدّ السعودية شريكاً استراتيجياً لباكستان وتدعم الحكومة الفيدرالية في الصومال، تميل الإمارات نحو الهند وتربطها علاقة متميزة بـ «أرض الصومال» (صوماليلاند) غير المعترف بها؛ وفي السودان، تدعم السعودية الجيش النظامي، بينما تساند الإمارات «قوات الدعم السريع»؛ أما في اليمن، فتدعم السعودية الحكومة المعترف بها، في حين تدعم الإمارات الانفصاليين في الجنوب؛ وعلى الصعيد البحري، في البحر الأحمر والمحيط الهندي، تطور السعودية استراتيجية أمن قومي، بينما طورت الإمارات في المحيط الهندي سلسلةً من الموانئ والخدمات اللوجستية. أخيراً، وفيما يخص إسرائيل، لا تزال السعودية تمتنع عن الاعتراف رسمياً بـ «الدولة العبرية»، بخلاف الإمارات التي وقّعت على «اتفاقات أبراهام» عام 2020. فالمملكة التي تطرح نفسها كقوة برية وسياسية، تسعى إلى إرساء منظومة أمن جماعي؛ أما الإمارات، فتبحث عن شركاء بحريين وتجاريين. نحن أمام رؤيتين مختلفتين للسياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، وموقفين عالميين متباينين من حيث النفوذ وآليات التحرك. أما أوروبا؟ فغائبة، أو على الأقل غير مسموعة. وكان بوسعها أن تحجز لنفسها مكاناً، وأن تغتنم كل الفرص المتاحة للعب دورٍ فاعل، لامتلاكها كل الإمكانات اللازمة لذلك. ولكن كيف لها أن تفعل ذلك وجزءٌ منها غارقٌ في التركيز على الشرق، «مسحورٌ كأرنبٍ شلّت حركتَه أضواءُ سيارةٍ داهمته»، بينما يتطلع جزءٌ آخر – وهو الأقل عدداً – نحو البحر والمتوسط والشرق (الأدنى والأوسط)؟ أما الجزء الثالث من أوروبا، فمشلول عن الفعل، كونه مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالولايات المتحدة، ومهما كان الثمن. وأين إيران من كل هذا؟ من الذي يمسك بزمام القيادة؟ ومن الذي يدير الأمور؟ ومن يملك الاستراتيجية؟ ففي الوقت الراهن، تهاجم إيران الجميع. وفي الختام، تسعى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق أهداف متباينة وبإيقاعات مختلفة؛ فقد حدث نوعٌ من تقاطع المصالح الآنية، غير أن هذه المصالح تبدو متباعدة جداً على المديين المتوسط والبعيد. فإسرائيل لا تملك أي نية للتفاوض. فماذا سيكون مصير إيران إذن؟ هل ستكون مجزأة، أم مفتتة، أم «متغربة»؟ وفي جميع هذه السيناريوهات، لن تكون النتيجة في مصلحة روسيا ولا الصين. أما الولايات المتحدة، المهووسة برغبتها في زوال هذه السلطة الدينية «المبغوضة»، فقد عجزت عن التفاوض وفقاً لمعاييرها الخاصة. واليوم، مع من ستتفاوض؟

من بريست-ليتوفسك إلى لبنان
بقلم
زياد عبد الصمد
نُشر
مارس 17, 2026 - 20:46

بين دروس التاريخ وضغوط الحرب، يعود السؤال نفسه: هل تستطيع دولة منهكة أن تؤجل الخسارة الكبرى عبر تسوية صعبة، أم أن الاتفاق تحت اختلال موازين القوى يتحول إلى عبء طويل الأمد على السيادة والاستقرار؟ حين تدخل الدول لحظة الخطر الوجودي، لا يعود السؤال كيف تنتصر، بل كيف تمنع الانهيار الكامل. في هذا المعنى، يتجاوز النقاش اللبناني الدائر اليوم حول المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزيف عون لفتح مسار مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية حدود السجال السياسي اليومي، ليطرح مسألة أعمق تتعلق بحدود الواقعية الممكنة حين تصبح الدولة نفسها مهددة في تماسكها وقدرتها على البقاء. وقد أثارت هذه المبادرة انقسامًا واضحًا بين من يرى فيها محاولة واقعية لوقف الانهيار ومنع توسع الحرب، وبين من يعتبر أن أي تفاوض يجري تحت ضغط النار واختلال موازين القوى قد يتحول إلى تسوية قاسية تُفرض على لبنان وتترك آثارًا بعيدة المدى على سيادته ومستقبله السياسي. وفي مثل هذه اللحظات، يعود التاريخ ليطرح نماذج سبق أن واجهت فيها دول أو أنظمة سياسية خيارًا بالغ الصعوبة: القبول بتسوية مؤلمة لتفادي الانهيار الكامل. بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917، وجدت القيادة الجديدة في روسيا نفسها أمام واقع قاسٍ: دولة منهكة، جيش متفكك، واقتصاد ينهار بعد سنوات من الحرب العالمية الأولى. في تلك اللحظة، أدرك فلاديمير لينين أن استمرار الحرب مع ألمانيا قد يؤدي إلى سقوط السلطة الجديدة قبل أن تتمكن من تثبيت أركانها، لذلك كلّف ليون تروتسكي بالتفاوض لإنهاء الحرب. لكن القرار لم يكن سهلًا. فقد انقسمت القيادة البلشفية حول طبيعة الموقف الواجب اتخاذه. دعا لينين إلى قبول السلام حتى لو كان قاسيًا ومذلًا، معتبرًا أن الأولوية هي إنقاذ الثورة وكسب الوقت لإعادة بناء الدولة. في المقابل حاول تروتسكي اعتماد صيغة وسط تقوم على وقف القتال من دون توقيع معاهدة مهينة، بينما رفض تيار داخل الحزب بقيادة نيكولاي بوخارين أي تسوية مع ألمانيا ودعا إلى مواصلة ما سمّاه "الحرب الثورية". لكن الوقائع العسكرية حسمت الجدل سريعًا. فقد استأنف الجيش الألماني هجومه وتقدم داخل الأراضي الروسية دون مقاومة تُذكر، ما دفع القيادة البلشفية إلى القبول بتوقيع معاهدة بريست ليتوفسك عام 1918. كانت المعاهدة قاسية، إذ فرضت على روسيا التنازل عن مساحات واسعة من الأراضي وخسائر اقتصادية كبيرة، ولذلك وُصفت آنذاك بأنها سلام مهين. غير أن لينين اعتبرها خطوة اضطرارية ومؤقتة لحماية المشروع السياسي الأكبر: بقاء الثورة نفسها. وبالفعل، بعد أقل من عام انهزمت ألمانيا في الحرب وسقطت المعاهدة عمليًا، فيما تمكنت السلطة البلشفية من تثبيت نفسها وخوض الحرب الأهلية والانتصار فيها. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الحدث مثالًا كلاسيكيًا في التاريخ السياسي على القبول بتسوية قاسية لإنقاذ مشروع أو دولة مهددة بالانهيار. اليوم يُستحضر هذا المثال كثيرًا في النقاشات السياسية في لبنان، خصوصًا في ظل الحرب المفتوحة مع إسرائيل والتداعيات الكارثية التي تضرب البلاد. فلبنان يعيش وضعًا شديد الهشاشة: اقتصاد منهار، بنية اجتماعية متصدعة، وملايين المواطنين مهددون بالنزوح أو الفقر بعد أن تهدمت مدنهم وقراهم وبيوتهم، ما يشكل ضغطًا هائلًا على النسيج الاجتماعي ويهدد وحدة لبنان وتماسكه. في مثل هذا السياق، يطرح البعض فكرة أن الواقعية السياسية قد تفرض أحيانًا قبول تسويات صعبة أو غير متكافئة لوقف الحرب ومنع انهيار الدولة والمجتمع. لكن في المقابل، يرفض كثيرون هذا الطرح ويعتبرون أن أي تسوية غير متوازنة قد تتحول إلى إملاء دائم يكرّس اختلال موازين القوى ويضعف سيادة الدولة على المدى الطويل. وتعزز هذا النقاش قراءة التجارب اللبنانية السابقة مع إسرائيل، إذ تُظهر المحطات التفاوضية والتفاهمية المتعاقبة أن هامش المناورة اللبناني كان يتقلص تدريجيًا كلما ازداد اختلال موازين القوى وتراجعت قدرة الدولة على الإمساك الكامل بعناصر قوتها. فمن اتفاق 17 أيار الذي حمل أبعادًا سياسية وأمنية واسعة لكنه سقط قبل تنفيذه، إلى تفاهم نيسان الذي نظم قواعد الاشتباك دون معالجة أصل النزاع، مرورًا بـ قرار مجلس الأمن 1701، وكل ما أعقبه من تفاهمات وترتيبات أمنية هدفت إلى ضبط الأعمال العدائية، كانت الوقائع الميدانية والسياسية تدفع تدريجيًا نحو شروط أكثر تقييدًا للحركة اللبنانية. ومن هذا المنظور، يرى بعض المراقبين أن السؤال لا يتعلق فقط بطبيعة أي تسوية محتملة اليوم، بل أيضًا بما إذا كانت الظروف الراهنة — على قسوتها — قد تبقى أقل كلفة من شروط قد تُفرض لاحقًا إذا استمر التدهور العسكري والسياسي وتعمق اختلال موازين القوى أكثر. فالمعضلة اللبنانية لا ترتبط فقط بشروط التسوية الممكنة، بل أيضًا بوجود خطاب سياسي ما زال يرفض الإقرار بحدود القوة ويخلط بين الواقعية والاستسلام، في حين أن الاستمرار في هذا المنطق قد يدفع المجتمع والدولة معًا إلى مزيد من الانهيار، ويجعل كلفة أي تسوية لاحقة أشد قسوة على لبنان سياسيًا وسياديًا واقتصاديًا. غير أن الفارق بين زمن بريست-ليتوفسك وزمننا الحاضر يكمن أيضًا في طبيعة النظام الدولي. ففي عام 1918 لم يكن هناك إطار مؤسسي عالمي قادر على رعاية الاتفاقات أو توفير ضمانات لتنفيذها. أما اليوم، ورغم كل ما يعتري النظام الدولي من ثغرات واختلالات، فإن وجود الأمم المتحدة وشبكة من الآليات الدبلوماسية والقانونية يمكن أن يوفر حدًا أدنى من الضمانات. وفي حالة لبنان، قد تشكل الرعاية الدولية، إلى جانب الحضانة العربية، شبكة أمان لأي اتفاق محتمل، بما يساهم في ضمان التزام الأطراف به والحد من احتمالات انهياره أو تحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة. غير أن أي نقاش جدي حول تسوية محتملة في لبنان يصطدم مباشرة بمسألة السلاح خارج إطار الدولة، باعتبارها العقدة الأكثر تأثيرًا في تحديد موقع لبنان التفاوضي وحدود قدرته على الالتزام بأي اتفاق مستقبلي. فوجود حزب الله بوصفه قوة عسكرية تمتلك قرارًا ميدانيًا يتجاوز الإطار المؤسسي للدولة يجعل أي تفاوض مزدوجًا بطبيعته: تفاوضًا بين الدولة اللبنانية وإسرائيل من جهة، ونقاشًا داخليًا غير محسوم حول من يملك القرار النهائي في مسائل الحرب والسلم من جهة أخرى. ومن دون معالجة هذا التعارض، قد تبقى أي تسوية معرضة للاهتزاز، لأن نجاح أي اتفاق لا يرتبط بالنصوص وحدها، بل بوجود سلطة واحدة قادرة على احتكار القرار السيادي وتنفيذ الالتزامات الناتجة عنه. ولهذا، يبقى السؤال المطروح أمام اللبنانيين اليوم ليس فقط ما إذا كانت التسوية ضرورية أو ممكنة، بل كيف يمكن صياغتها ضمن إطار دولي يضمن استدامتها ويحمي لبنان من أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع مفتوح. ففي النهاية، ليست المشكلة في أن تكون التسوية قاسية، بل في أن يصبح رفضها اليوم مدخلًا إلى شروط أشد قسوة غدًا. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل أيضًا بقدرتها على إدراك اللحظة التي يصبح فيها إنقاذ ما يمكن إنقاذه شرطًا لبقاء الدولة نفسها.

لبنان بين شروط التفاوض وتعقيدات القرار
بقلم
زياد عبد الصمد
نُشر
مارس 14, 2026 - 21:48

تشترط إسرائيل سحب سلاح حزب الله قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو شرط تدرك مسبقًا أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تلبيته، إذ إن قرار الحرب والسلم لا يزال إلى حدّ كبير خارج إطار مؤسسات الدولة. ومع ذلك، سجّلت إسرائيل خطوة لافتة بتعيين رون درايمر رئيسًا للوفد الإسرائيلي إلى المفاوضات مع لبنان، وهو مسؤول رفيع المستوى في الحكومة الإسرائيلية ومقرّب من دوائر القرار، ولا سيما من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما يضفي على هذه الخطوة طابعًا سياسيًا جديًا ورسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن إسرائيل مستعدة للدخول في مسار تفاوضي على مستوى عالٍ. في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية تشكيل وفد تفاوضي يعكس التوازنات الطائفية الداخلية التي يقوم عليها النظام السياسي. غير أن هذه المحاولة اصطدمت سريعًا بتعقيدات الواقع اللبناني، بعدما رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري تسمية العضو الشيعي في الوفد، مشترطًا وقفًا كاملًا لإطلاق النار قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه حزب الله رفضه وقف إطلاق النار قبل انتهاء الحرب على إيران، بل صرّح بأنه وضع كل إمكاناته في هذه الحرب وأنه إما سيقاتل حتى النهاية أو حتى تحقيق الانتصار. مثل هذه المواقف تغلق عمليًا الباب أمام إمكانية وقف إطلاق النار في المدى القريب، وتضيّق هامش المناورة أمام أي مبادرة سياسية أو مسار تفاوضي. كما أنها تكشف التباين الواضح بين منطق الدولة اللبنانية الساعية إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، ومنطق القوى المسلحة التي تربط قرارها بسياق إقليمي أوسع يتجاوز حدود لبنان. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو إسرائيل وكأنها نجحت في تسجيل نقطة إضافية في ميزان الرأي العام الدولي؛ إذ ستظهر كطرف أبدى استعدادًا للتفاوض عبر موفد رفيع المستوى، فيما يبدو لبنان دولة عاجزة عن توحيد قرارها الداخلي أو الإيفاء بالمتطلبات التي يفرضها الانتقال إلى حل سياسي. وهذا الانطباع، سواء كان دقيقًا أم مبالغًا فيه، يضعف موقع لبنان التفاوضي ويزيد من صعوبة الدفاع عن مصالحه في المحافل الدولية. في المحصلة، تكشف هذه التطورات مرة أخرى عمق المأزق الذي يعيشه لبنان، حيث تتقاطع دولة محدودة القدرة مع قوة عسكرية وسياسية تتخذ قراراتها خارج مؤسساتها. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي مسار تفاوضي أو حل سياسي رهينة توازنات إقليمية لا يملك لبنان السيطرة عليها. وبينما تسعى الدولة إلى تثبيت موقعها على طاولة التفاوض، يبقى التحدي الحقيقي في استعادة قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية، لأن من دون ذلك سيبقى لبنان ساحةً لتصفية الصراعات الإقليمية بدل أن يكون دولة قادرة على حماية مصالحها الوطنية.

/