Logo Levant Time

سياسة

وصية حسن الرفاعي
Par
LevantTime .
Publié
سبتمبر 3, 2026 - 09:39

تلقّت “Levant Time” من عائلة الوزير والنائب السابق الراحل حسن الرفاعي، الذي توفي في 3 أيلول 2025، البيان الآتي، وتنشره كاملاً: في الذكرى الأولى لرحيل حسن الرفاعي، الذي أمضى جلّ حياته مدافعاً عن لبنان الكبير، وفي وقت يكثر فيه الحديث عن ضرورة تعديل النظام السياسي اللبناني، يبدو من المهم استعادة بعض أقوال الرجل ومواقفه من اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي انبثقت عنه. 1. الطائف اتفاق سوري أميركي تحت خيمة عربية، وبكلام أكثره لبناني. (1989) 2. إن “إصلاحات” الطائف، إن طُبّقت، فهي مصيبة؛ وإن لم تُطبّق، فهي كارثة. (1989) 3. نقل اتفاق الطائف الحكم في لبنان من صراع حكم الرأسين إلى حرب رؤوس متعددة تشلّ الحكم وتلغي ممارسته، في ظل غموض في الصلاحيات وتشابك فيما بينها. لذلك دعا حسن الرفاعي، قبل إقرار اتفاق الطائف، إلى إعادة النظر فيه، لئلا نورّث الأجيال أسوأ الأنظمة. (1989-1990) 4. وقع اتفاق الطائف سنة 1989 تحت ضغط حروب الداخل والقصف السوري. وأي تعديل جديد للدستور لا يجوز أن يتم في ظروف مماثلة، تحت ضغط نزاعات الداخل أو حرب الخارج. 5. إن مندرجات وثيقة الوفاق الوطني (“الطائف”) التي لم تتجسد رسمياً في مواد دستورية لا قيمة قانونية أو دستورية ملزمة لها، بل تبقى مجرد توصيات. 6. غير صحيح أن السلطة الإجرائية كانت في يد رئيس الجمهورية وأن اتفاق الطائف انتزعها منه. فقد قامت ممارسات رئيس الجمهورية، منذ سنة 1943، على تجاوز أعراف النظام الديمقراطي البرلماني. 7. “حيث تكون المسؤولية تكون السلطة” (ليون دوغي). وبما أن رئيس الجمهورية ليس مسؤولاً سياسياً (المادة 60 من الدستور)، فإن المسؤولية تقع على الحكومة، رئيساً ووزراء، الذين يسقطون إذا فقدوا ثقة مجلس النواب أو تحت ضغط الشارع. 8. استرضى رؤساء الحكومات قبل الطائف رؤساء الجمهورية الذين مارسوا صلاحيات ليست لهم. لم يربح رؤساء الجمهورية بذلك، بل خسر لبنان. ومن تنازل عن صلاحياته خسر أيضاً، وخسر لبنان معه. (1988) 9. لا تعريف قانوني لعبارة “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، التي نصت عليها الفقرة “ي” من مقدمة الدستور، والتي أصبحت اليوم ذريعة لبدعة “ميثاقية” زائفة ومختلقة من أساسها. 10. إن حصرية السلاح في يد الدولة هي أساس قيام أي دولة، ولا حاجة إلى العودة إلى مندرجات اتفاق الطائف لتبرير هذه الحصرية. 11. لا مجال، اليوم ولا في المدى القريب، للبحث في إلغاء الطائفية السياسية. 12. أُضيف مجلس الشيوخ في اتفاق الطائف إرضاءً للطائفة الدرزية، غير أن إنشاءه من شأنه أن يعرقل عملية التشريع ولا فائدة منه. (1989) 13. لا يمكن البحث في اللامركزية الإدارية قبل قيام دولة مركزية قوية، وإلا تفتت الوطن إلى كانتونات متناحرة. (1981) 14. يحتاج نظامنا الجمهوري الديمقراطي البرلماني، كي يستقيم، إلى قانون انتخاب يشبه الشعب اللبناني: دوائر صغرى ونظام أكثري، بسبب غياب الأحزاب السياسية الحقيقية. 15. سمحت ولاية الأربع سنوات الثابتة لرئاسة مجلس النواب بخروج رئيس المجلس عن حياده، كما سمحت بدعة «الميثاقية» بتدخله في عمل السلطة التنفيذية. 16. لم تأتِ التعديلات الدستورية على ذكر اللامركزية، في حين نصت الفقرة “ز” من مقدمة الدستور على أن “الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام”. وهذا يعني أن التخلف عن إنماء المناطق يهدد استقرار الوطن. (1968-1981) 17. لم يفرض الطائف حكومات وحدة وطنية تجمع كل الأطراف، كما لم يفرض ديمقراطية توافقية تتطلب إجماع الأضداد وتضرب الحياة الديمقراطية الصحيحة. 18. إن أبوة “الثلث المعطل” في دستور الطائف تعود إلى فريق لبناني أراد تعطيل قرارات مجلس الوزراء التي لا ترضي رئيس الجمهورية. 19. نصت المادة 95 من دستور الطائف على أن إلغاء طائفية الوظيفة في الفئات الوظيفية ما دون الأولى يجب أن يراعي “مقتضيات الوفاق الوطني”، وهي عبارة مبهمة سمحت بتعطيل “المرحلة الانتقالية” التي نصت عليها المادة نفسها. 20. يقوم “الثلث المعطل” على أربعة مرتكزات: نصاب جلسات مجلس الوزراء، الذي يتطلب حضور ثلثي الوزراء؛ القرارات الأساسية، التي تحتاج إلى موافقة ثلثي الوزراء؛ اعتبار الحكومة مستقيلة باستقالة ثلث الوزراء زائد واحد؛ إقالة الوزير، التي يقررها ثلثا الوزراء، لا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللذان عيّناه. 21. منذ ما قبل سنة 1943، كانت غالبية السياسيين تابعة لدول أجنبية وتأتمر بسفاراتها، ما استجلب تدخل الخارج في كل شؤوننا الوطنية. ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم. 22. استخلص حسن الرفاعي، بعد خمسة وسبعين عاماً من الحياة العامة، أن العلة في رجال السياسة، وأن الحل برجال الدولة الذين يفتقدهم الوطن اليوم. (2018)

وقف إطلاق النار... حسناً، وماذا بعد ذلك؟
Par
تيلدا أبو رزق
Publié
يونيو 1, 2026 - 14:35

إن مشهد الأعلام الإسرائيلية التي ترفرف فوق قلعة الشقيف (بوفور) مؤلم إلى حدٍّ بالغ، تماماً كما هي صور القرى المدمَّرة كلياً أو جزئياً، والعائلات التي أُبيدت. وهو لا يقل عنفاً عن مقاطع الفيديو التي تُظهر أبناء الجنوب المصدومين وهم يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل موجات جديدة من الصواريخ القاسية، أو وهم يخاطرون بحياتهم لإطعام قطعان الماشية والحيوانات الأليفة التي تركها أصحابها، أو وهم يصرخون غضباً وإحباطاً ويأساً في وجه حرب لم يكن هناك ما يبررها. لقد كان رفع الرايات فوق الشقيف، وما تبعه من احتفال إسرائيلي مستفز بالسيطرة على هذا الموقع الأثري الاستراتيجي، بمثابة لكمة قوية. لأنه أعاد إلى الأذهان دوامة الحروب العبثية التي علق فيها لبنان منذ عقود، وكأنه أسير حلقة زمنية مفرغة لفيلم سيئ لا ينتهي. كثير من اللاعبين ما زالوا أنفسهم. وإذا تبدلت وجوه بعضهم أو انضم إليهم آخرون، فإن السيناريو نفسه بقي على حاله ويتكرر إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة الجهنمية، التي بدأت بشكل خاص مع اتفاق القاهرة المشؤوم، خدمت دائماً مصالح أطراف إقليمية، من الفلسطينيين إلى الإيرانيين مروراً بنظام الأسد البائس في سوريا. لقد أعادت الأعلام التي رُفعت الأحد فوق الشقيف إلى الأذهان بصورة مؤلمة مشهد حزيران/يونيو 1982، حين اضطر اللبنانيون إلى مشاهدة المنظر نفسه: الألوان الإسرائيلية ترفرف فوق هذا الموقع الشامخ، كنتيجة مباشرة لحروب الآخرين على أرضهم. وكانت بمثابة تذكير مزعج بأن لبنان، خلال أربعة وأربعين عاماً، أضاع كل الفرص التي كان يمكن أن تمكّنه من التحرر من النفوذ الخارجي وبناء دولة حقيقية. وحتى اليوم، ورغم الوعود والتصريحات الحسنة النوايا، تواصل الدولة سياسة التردد نفسها، فيما يتوق اللبنانيون بشدة إلى رؤية السلطة تضرب بيد من حديد، وتقول «كفى»، وتعتمد مجموعة من الإجراءات السياسية والإدارية والقضائية الملموسة التي تسمح لها باستعادة قرارها واحتكارها للعنف المشروع. بعد ثلاث سنوات على فتح حزب الله جبهة الإسناد الأولى للمحور الذي ينتمي إليه، ما زلنا نراوح مكاننا. ثلاث سنوات ضائعة في البحث عن صيغة افتراضية لفرض احتكار السلاح. وفي نهاية المطاف، لا يزيد هذا المشهد الكئيب إلا من حدة المشاعر المتناقضة التي ولّدتها المأساة اليومية منذ أن قرر الحزب الثأر لمقتل الإيراني علي خامنئي، رغم إدراكه التام لطبيعة الرد الإسرائيلي الذي كان ينتظره. فهو كان يعلم جيداً، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أن إسرائيل ستحوّل الجنوب إلى أرض محروقة في حال وقوع أي هجوم جديد على أراضيها، وأنها ستعيد لبنان إلى «العصر الحجري». كما أن الدولة اللبنانية لم تكن تجهل شيئاً من هذه النوايا. حتى الصحافيون جرى إطلاعهم على هذا الأمر لنقل التحذيرات المتكررة الصادرة من تل أبيب، والتي وصلت عبر القنوات الدبلوماسية إلى السلطات اللبنانية وإلى قادة هذا التنظيم. لذلك يجد اللبنانيون أنفسهم ممزقين بين شعورين متناقضين: فقلوبهم تنزف أمام بلدات لم تعد موجودة إلا في ذاكرة من بنوا فيها حياتهم. لكنهم في الوقت نفسه يخشون أن تنتهي الحرب الجارية من دون حسم. أن يؤدي وقف إطلاق نار جديد إلى إعادة لبنان إلى حالة دائمة من الحرب المؤجلة، وإلى وضع قاتل من الجمود، وإلى وقوعه مجدداً تحت هيمنة حزب الله... وأن يُبرم اتفاق إقليمي على حساب البلاد... وأن ينجو نظام الملالي، ذلك الوحش متعدد الرؤوس، من التسوية التي يجري إعدادها... وبعيداً عن التحليلات الجيوسياسية المتعلقة بالصراع الإقليمي الدائر، يركز اللبنانيون على مستقبلهم هم، في بلد بات اليوم أشبه بالأنقاض. وذلك فقط من أجل كسر هذه الحلقة الزمنية المفرغة. ومن هنا ينبع ذلك المأزق المؤلم، والمصحوب أحياناً بشعور بالذنب، الذي يواجهونه: فالرغبة في رؤية هذه المأساة تنتهي في أسرع وقت ممكن تصطدم بالرغبة في رؤية حزب الله مُحيَّداً بالكامل، مهما كان الثمن. منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع فتح الجبهة الجنوبية دعماً لحركة حماس في حربها ضد إسرائيل، سقطت الأقنعة. وقد أظهرت الأحداث اللاحقة أن المعادلة الوحيدة القابلة للحياة لبقاء لبنان هي أن يتوقف حزب الله عن الوجود بصيغته الحالية. فالمساعي المتواصلة التي يبذلها الحزب لنسب نيات عدوانية وتوسعية إلى تل أبيب، بهدف تبرير الجحيم الذي أدخل لبنان فيه مرتين خلال ثلاث سنوات، لم تعد قادرة على إخفاء حقيقته بوصفه ذراعاً تنفيذية تابعة للحرس الثوري الإيراني، ولا على إخفاء استخفافه بمصالح البلاد. أما سياسة الترهيب التي يمارسها ضد منتقديه، عبر التهديدات واتهامات الخيانة، فلا تؤدي إلا إلى زيادة النقمة الشعبية عليه، فيما تواصل السلطات اعتماد سياسة النعامة، رغم أن نتائج هذه السياسة تغذي بالذات ما تزعم أنها تسعى إلى تجنبه عندما تتحدث عن احتمال اندلاع اضطرابات داخلية. فهذا التراجع الرسمي لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي، وتوسيع الهوة بين أقلية لبنانية تريد إبقاء لبنان في الفلك الإيراني، وأكثرية تسعى إلى التحرر من ذلك، تحت قيادة سلطة مركزية أسيرة مخاوفها للأسف. كما أن تهديدات حزب الله غير المقبولة للسلطات، التي ترى في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل المخرج الوحيد لإنقاذ البلاد، تزيد من عزلة الحزب على الساحة المحلية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه مدى الحاجة الملحة إلى أن تضطلع الدولة بدورها كاملاً بوصفها الجهة المنظمة للنظام العام وصاحبة القرار الحصري. وقد فرضت هذه الحاجة نفسها نتيجة سياسة المماطلة والتراجع التي انتهجتها السلطة طوال عام كامل. وكانت هذه السلطة قد تعهدت أمام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي باستعادة احتكار العنف المشروع لتجنيب البلاد مغامرات مدمرة جديدة، وذلك منذ انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ثم مجدداً مع تشكيل حكومة نواف سلام، ومرة ثالثة مع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. لقد أصبحت هذه الحاجة ملحة لأنه من دون ذلك سيبقى اللبنانيون، رغماً عنهم، ممثلين في فيلم سيئ لا يستطيعون تغيير مسار أحداثه، بسبب سلطة تُظهر يومياً أنها لا تملك الوسائل الكافية، والأهم من ذلك، أنها تفتقر إلى الشجاعة اللازمة لتنفيذ قراراتها. فلا شيء مما قد يحدث لاحقاً يمكن أن يكون أسوأ من المأساة التي تعيشها اليوم آلاف العائلات اللبنانية.

الولايات المتحدة وإيران: أسبوعان لانتزاع اتفاق سلام

بعد أكثر من خمسة أسابيع من الحرب، اتفقت واشنطن وطهران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وذلك قبل أكثر بقليل من ساعة واحدة من انتهاء مهلة دونالد ترامب التي كانت تهدد بتدمير الجمهورية الإسلامية. أشارت طهران فجر الأربعاء إلى أن محادثات ستجري اعتبارًا من الجمعة مع واشنطن. ستُعقد هذه المناقشات في باكستان، الوسيط الرئيسي في حرب الشرق الأوسط. قبلت إسرائيل وقف إطلاق النار مع إيران، وفقًا لمسؤول في البيت الأبيض طلب عدم الكشف عن اسمه. "بعد محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير، طلبا مني خلالها تعليق التدخل العسكري المخطط له هذه الليلة ضد إيران، وبشرط أن توافق الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفتح الكلي والفوري والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق القصف والهجمات ضد إيران لمدة أسبوعين"، كتب الرئيس الأمريكي على منصته "تروث سوشيال". الإنذار الأخير ضمن سلسلة من الإنذارات التي أطلقها دونالد ترامب على إيران وتم تأجيلها عدة مرات، أعطى طهران مهلة حتى الساعة 8:00 مساءً بتوقيت واشنطن (منتصف الليل بتوقيت جرينتش) لإعادة فتح الممر البحري الاستراتيجي، الذي كان يمر عبره 20% من النفط الخام العالمي قبل الحرب. "سيكون هذا وقف إطلاق نار متبادلاً!"، أضاف السيد ترامب قائلاً، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة "قد حققت وتجاوزت بالفعل جميع أهدافنا العسكرية" منذ إطلاق الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير. كما أشار إلى محادثات "متقدمة للغاية" تهدف إلى اتفاق سلام "طويل الأمد" مع إيران. وقد قدمت طهران "مقترحًا من 10 نقاط" "يشكل أساسًا صالحًا للتفاوض". وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تدرس "محادثات شخصية" مع إيران، «لكن لا شيء نهائي حتى يعلنه الرئيس أو البيت الأبيض»، أضافت كارولين ليفيت. الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر من جانبهم، أكد القادة الإيرانيون أنهم يوافقون على إعادة فتح مضيق هرمز "لمدة أسبوعين" "إذا توقفت الهجمات ضد إيران"، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة X. "لقد تقرر على أعلى المستويات أن إيران ستجري، لمدة أسبوعين (...)، مفاوضات مع الجانب الأمريكي في إسلام آباد"، أضاف المجلس الأعلى للأمن القومي في بيان. وأضاف: "يُشار إلى أن هذا لا يعني نهاية الحرب، وأن إيران لن تقبل بوقف الأعمال العدائية إلا بعد أن" تنجح المفاوضات، مؤكداً أن هذين الأسبوعين يمكن تمديدهما "بالاتفاق بين الطرفين". وفقًا لوسائل الإعلام الإيرانية، فإن الخطة المكونة من عشر نقاط المقدمة للولايات المتحدة تنص على أن توافق واشنطن على استمرار برنامج طهران لتخصيب اليورانيوم ورفع جميع العقوبات. وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ووكالة مهر إن الخطة، التي نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي، تشمل "مبدأ عدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وقبول التخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية، ورفع جميع العقوبات الثانوية". كما تطالب إيران بوقف القرارات ضد الجمهورية الإسلامية التي صوت عليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، وانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من المنطقة، ووقف القتال على جميع الجبهات بما في ذلك جنوب لبنان، حيث جرّ حزب الله البلاد إلى الحرب ضد إسرائيل. وقف إطلاق النار يسري على لبنان أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن سروره بالنتائج التي تحققت بفضل وساطة بلاده، التي تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف: "يسرني أن أعلن أن جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، وكذلك حلفاءهما، قد وافقوا على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، بِأَثَرٍ فَوري"، كتب السيد شريف على منصة X مستخدمًا أحرفًا كبيرة في نهاية رسالته. وأضاف أن العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، ستستضيف يوم الجمعة وفوداً من البلدين لإجراء مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى "اتفاق نهائي". فرضت باكستان نفسها في الأسابيع الأخيرة كوسيط بين طهران وواشنطن، سعيًا لمنع تصعيد جديد للصراع في الشرق الأوسط. السيد شريف هو، على وجه الخصوص، أحد أعضاء "مجلس السلام" الذي أسسه دونالد ترامب قبل بضعة أشهر. قبل قليل من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، أسفرت غارة إسرائيلية عن ثمانية قتلى و22 جريحاً في مقهى على الواجهة البحرية لمدينة صيدا. (محمود زيات/وكالة فرانس برس) قبل قليل من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، أسفرت غارة إسرائيلية عن ثمانية قتلى و22 جريحاً في مدينة صيدا اللبنانية، حسبما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية الأربعاء. من جانبها، أفادت الجيش الإسرائيلي عن ثلاث دفعات من الصواريخ أطلقتها إيران باتجاه أراضيها، بعد لحظات قليلة من إعلان الرئيس ترامب. النفط يتراجع، والبورصات ترتفع لقي إعلان الاتفاق ترحيباً كبيراً في الأسواق: فقد انخفضت أسعار النفط بسرعة بأكثر من 15%، متجاوزة مستوى 100 دولار للبرميل، بل واقتربت من 90 دولاراً، وارتفعت بورصتا طوكيو وسيول بنسبة 4% و6% على التوالي عند الافتتاح.

هل أصبح ملف تشكيل "الناتو السنّي" موضوعياً؟
Par
المركز اللبناني للبحوث والدراسات
Publié
أبريل 3, 2026 - 09:09

يعود هذا الموضوع الى العام 1998 وبالتحديد 30 ايار 98، تاريخ آخر تجربة نووية نفّذتها باكستان في صحراء خاران الرملية في بلوشستان. ويعود تمويل القنبلة والمسار النووي الباكستاني إلى المملكة العربية السعودية بموافقة أميركية واسرائيلية. وقد سمحت واشنطن وتل أبيب لباكستان أن تصبح دولة نووية لإيجاد توازن استراتيجي في المثلث (الهند الصين وباكستان)، بعد أن اصبحت كل من الصين والهند دولتان تمتلكا القنبلة النووية. بعدها كثر الكلام عن توجّه ايران لتطوير برنامج نووي عسكري تحت غطاء مدني، وهو ما اعتبرته تل ابيب وواشنطن أمراً غير مقبول. فالقنبلة النووية الباكستانية (السنيّة) كانت لفرض توازن في منطقة الشرق الأقصى، أما قنبلة ايران النووية (الشيعية) فهي ستخلق ميزاناً جديداً في الشرق الأوسط، حيث تعتبر اسرائيل نفسها اللاعب الاستراتيجي الاول في المنطقة. ورُفع شعار لا لامتلاك ايران لقنبلة نووية، فيما أصرّت طهران على ان برنامجها النووي سلمي وليس لديها طموح عسكري في هذا المجال. اليوم يكثر الكلام عن قيام "ناتو سنّي"، ويأتي هذا الكلام بعد قمة "شرم الشيخ للسلام"، حيث اجتمع حوالي مليار وثلاث مئة مليون مسلم ليعلنوا نهاية الصراع العسكري مع اسرائيل مقابل قيام دولة فلسطين. وقد اتى ذلك ضمن مبادرة الرئيس الاميركي دونالد ترامب بعد حرب غزّة، على أن تكون المبادرة من عدة مراحل، اولها إنهاء الحرب في غزّة وبعدها تشكيل حكومة مدنية فيها، لكن المبادرة توقفت عند المرحلة الاولى. وقد وُلد شعور لدى المملكة السعودية بالتحديد ولدى السنّة بالعموم، أن الرئيس ترامب مع اليمين الاسرائيلي لا يريدان قيام دولة فلسطين، وأن اليمين الاسرائيلي أقنع ترامب بأن لا يتمادى مع الدول الاسلامية في المنطقة كي لا يفرضوا شروطهم في المستقبل، وبانه من الضروري ضرب ايران. يمكن ملاحظة بعض الخلاف داخل إدارة "الجمهوريين" في الولايات المتحدة حول موضوع اعتبار ان دول الخليج لا يمكن ان يكون لها دوراً مقرّراً في المنطقة. فقد وضع ترامب وبعض من فريقه ملاحظات على اداء الامير محمد بن سلمان حين اتفق مع الحوثيين في "ينبُع"، وكيف انه اتفق معهم بدون علم الاميركيين، ومن ثم حين سافر الى الصين (في عهد الرئيس بايدن) وتم وضع الاتفاق مع ايران برعاية صينية. اليوم، الامير بن سلمان و"هؤلاء السنة" في المنطقة، وبنتيجة ما يحصل فيها، مضافاً اليهم مصر وتركيا، يريدون وقف الحرب ولديهم بالجهة المقابلة نائب الرئيس الاميركي ج. د. فانس ومَن وراءَه من الجمهوريين، حليف يدعم وقف هذه الحرب. الكلام عن الناتو السني بمحله، حيث قد يقضي الى نوع من التوازن في المنطقة بعد انتهاء الحرب. فإذا كان السنّة بخير في المنطقة تكون المنطقة بخير بالطبع. وإذا رجعنا بالتاريخ إلى ما قبل عائلة الاسد في سوريا، لا يمكن تجاهل أن الطبقة البرجوازية السنية في سوريا عيّنت فارس الخوري رئيساً للحكومة السورية، وهو لبناني من الكفَير، بالاضافة إلى شوكت شقير والد ايمن شقير الدرزي من قرصون في جبل لبنان، الذي عُيّن قائد أركان الجيش السوري. وبالطبع أضف إلى السنة، اذا كان المسيحيون ومعهم شيعة "محمد حسين شمس الدين" بخير تكون المنطقة ولبنان بخير ايضًا.

الحرب في إيران: تموضع القوى الفاعلة
Par
جان باتريك دايراس
Publié
مارس 24, 2026 - 13:53

في الثامن والعشرين من شباط، دوّى صدى الرعد في أصقاع العالم أجمع. هو الرعد – ذلك التحرّك المفاجئ والعنيف. عنيفٌ بكل تأكيد. أما كونه مفاجئاً؟ فليس تماماً. كان هذا الحدث منتظراً، غير أن أحداً لم يكن يعلم توقيته، ولا حجمه، ولا الأهداف المتوخاة منه. اليوم، بات التاريخ معلوماً، فيما يظل الحجم لغزاً يكتنفه الغموض. أما الأهداف، فما هي بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة؟ بالنظر إلى السياسة المعلنة لـ«إيران الملالي» تجاه إسرائيل، وأسس القوة التي ترعاها طهران بتكاليف باهظة من أجل إبادة هذه الدولة (وشلّ حركة لبنان)، فإن إسرائيل ترهن وجودها في هذه المعركة. وكذلك يفعل السيد نتنياهو. وبناءً على ذلك، يبدو الهدف الجوهري واضحاً: الإبادة. أما الولايات المتحدة، فتملك أجندة مغايرة تماماً. كانت المفاوضات مع إيران تراوح مكانها – وهي استراتيجية إيرانية معهودة. وبحكم اعتياد الرئيس ترامب على المفاوضات السريعة، وأمام مماطلة محاوريه، لم تكن لديه سوى رغبة واحدة: تقويض سلطة «رجال الدين» التي استحال معها إبرام أي اتفاق فعلي يخدم مصلحة الطرفين، بدءاً بالولايات المتحدة... وفي غضون ذلك، أراد ترامب الانتقام لواقعة احتجاز الرهائن عام 1979، ذلك الجرح الذي لا يزال نازفاً. أما الهدف النهائي المتوخى، فهو التحرر بأسرع وقت ممكن من ملف الشرق الأوسط، ليتفرغ تماماً لمنطقة «الإندوباسيفيك». ومن هنا، قد يبدو الافتراض بأن السيد نتنياهو قد «فرض إرادته» على الرئيس ترامب فرضيةً واردة. فبالنسبة إلى سيد البيت الأبيض، يتمثل الهدف في تحقيق نصر سريع دون زجّ قوات برية في الميدان؛ أما الإسرائيليون، فيراهنون على عامل الزمن. وهنا مكمن الخلاف – أو حجر العثرة – بين الطرفين. أما روسيا: فصامتة. هدفها في مكان آخر. فمواقعها في إفريقيا، بما في ذلك ليبيا، باتت مؤمّنة، وموطئ قدمها في سوريا (طرطوس وحميميم) وفي السودان (بورتسودان) قد ثبُتت دعائمه. النصر في أوكرانيا هو الوحيد الذي يقع في «مرمى نيرانها»، وهو نصر لن يتحقق بصفة نهائية إلا حين تضمن لها المفاوضات مع الولايات المتحدة الاعتراف بإدارتها وحيازتها – كأراضٍ روسية – لكل من القرم وأقاليم دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا، وهي مناطق لم تكتمل السيطرة عليها بعد. تضاف إلى هذه المطالب اشتراطات أخرى تتعلق بمستقبل أوكرانيا. ومن شأن موقف الرئيس بوتين هذا ألا يؤدي إلا إلى استدراج السيد ترامب للانخراط في مفاوضات من هذا القبيل. أما الصين: فصامتة. لا يزال هاجسها الأكبر يتمثل في تأمين إمداداتها من المحروقات، الضرورية للحفاظ على قوتها الصناعية. إن النجاحات العسكرية التي حققتها القوات الأمريكية في فنزويلا، والجيشان الأمريكي والإسرائيلي في إيران – علماً أن كلاً من فنزويلا وإيران تمتلكان أنظمة رصد ومعدات دفاع جوي صينية – لا تحفّز الصين على استعراض القوة أو إطلاق التهديدات الجوفاء؛ بل تدفعها – شأنها شأن الروس – إلى الاكتفاء بالمطالبة بالعودة إلى قرارات المؤسسات الدولية، وهي قرارات ضربت بها عرض الحائط كل من إيران وفنزويلا على حد سواء. أما الدول التي طلبت الحماية من الروس أو الصينيين بعدما أقصت دولاً أخرى – قد لا تكون مثالية، ولكنها كانت وفية – فستجد نفسها في حال من التخبط والارتباك إذا ما غدت مستقبلاً عرضة للتهديدات؛ وذلك بالنظر إلى غياب أي رد فعل – روسي أو صيني – على الهجوم الذي استهدف إيران. الإمارات في مسار التحديث، وأوروبا غائبة ما هو مستقبل مجموعة «بريكس بلس»؟ وحدَه الزمن كفيلٌ بالإجابة. ولكن حين يدّعي طرفٌ ما أنه «حامٍ»، فلا يليق به أن يكتفي بدور «المفترس». فبعد تحررها من الوصاية السعودية التي طال أمدُ وطأتها، وغرقت في ركودٍ تقليدي واقتصادي، انطلقت الإمارات العربية المتحدة في مسار التحديث، ممهدةً الطريق أمام عولمةٍ واعدة ومزدهرة. لقد اكتسبت الإمارات، وبكل ثقة، استقلاليةً استراتيجية تتجلى تبايناتها مع الجيوسياسية السعودية على المستويات كافة تقريباً: فبينما تُعدّ السعودية شريكاً استراتيجياً لباكستان وتدعم الحكومة الفيدرالية في الصومال، تميل الإمارات نحو الهند وتربطها علاقة متميزة بـ «أرض الصومال» (صوماليلاند) غير المعترف بها؛ وفي السودان، تدعم السعودية الجيش النظامي، بينما تساند الإمارات «قوات الدعم السريع»؛ أما في اليمن، فتدعم السعودية الحكومة المعترف بها، في حين تدعم الإمارات الانفصاليين في الجنوب؛ وعلى الصعيد البحري، في البحر الأحمر والمحيط الهندي، تطور السعودية استراتيجية أمن قومي، بينما طورت الإمارات في المحيط الهندي سلسلةً من الموانئ والخدمات اللوجستية. أخيراً، وفيما يخص إسرائيل، لا تزال السعودية تمتنع عن الاعتراف رسمياً بـ «الدولة العبرية»، بخلاف الإمارات التي وقّعت على «اتفاقات أبراهام» عام 2020. فالمملكة التي تطرح نفسها كقوة برية وسياسية، تسعى إلى إرساء منظومة أمن جماعي؛ أما الإمارات، فتبحث عن شركاء بحريين وتجاريين. نحن أمام رؤيتين مختلفتين للسياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، وموقفين عالميين متباينين من حيث النفوذ وآليات التحرك. أما أوروبا؟ فغائبة، أو على الأقل غير مسموعة. وكان بوسعها أن تحجز لنفسها مكاناً، وأن تغتنم كل الفرص المتاحة للعب دورٍ فاعل، لامتلاكها كل الإمكانات اللازمة لذلك. ولكن كيف لها أن تفعل ذلك وجزءٌ منها غارقٌ في التركيز على الشرق، «مسحورٌ كأرنبٍ شلّت حركتَه أضواءُ سيارةٍ داهمته»، بينما يتطلع جزءٌ آخر – وهو الأقل عدداً – نحو البحر والمتوسط والشرق (الأدنى والأوسط)؟ أما الجزء الثالث من أوروبا، فمشلول عن الفعل، كونه مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالولايات المتحدة، ومهما كان الثمن. وأين إيران من كل هذا؟ من الذي يمسك بزمام القيادة؟ ومن الذي يدير الأمور؟ ومن يملك الاستراتيجية؟ ففي الوقت الراهن، تهاجم إيران الجميع. وفي الختام، تسعى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق أهداف متباينة وبإيقاعات مختلفة؛ فقد حدث نوعٌ من تقاطع المصالح الآنية، غير أن هذه المصالح تبدو متباعدة جداً على المديين المتوسط والبعيد. فإسرائيل لا تملك أي نية للتفاوض. فماذا سيكون مصير إيران إذن؟ هل ستكون مجزأة، أم مفتتة، أم «متغربة»؟ وفي جميع هذه السيناريوهات، لن تكون النتيجة في مصلحة روسيا ولا الصين. أما الولايات المتحدة، المهووسة برغبتها في زوال هذه السلطة الدينية «المبغوضة»، فقد عجزت عن التفاوض وفقاً لمعاييرها الخاصة. واليوم، مع من ستتفاوض؟

من بريست-ليتوفسك إلى لبنان
Par
زياد عبد الصمد
Publié
مارس 17, 2026 - 20:46

بين دروس التاريخ وضغوط الحرب، يعود السؤال نفسه: هل تستطيع دولة منهكة أن تؤجل الخسارة الكبرى عبر تسوية صعبة، أم أن الاتفاق تحت اختلال موازين القوى يتحول إلى عبء طويل الأمد على السيادة والاستقرار؟ حين تدخل الدول لحظة الخطر الوجودي، لا يعود السؤال كيف تنتصر، بل كيف تمنع الانهيار الكامل. في هذا المعنى، يتجاوز النقاش اللبناني الدائر اليوم حول المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزيف عون لفتح مسار مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية حدود السجال السياسي اليومي، ليطرح مسألة أعمق تتعلق بحدود الواقعية الممكنة حين تصبح الدولة نفسها مهددة في تماسكها وقدرتها على البقاء. وقد أثارت هذه المبادرة انقسامًا واضحًا بين من يرى فيها محاولة واقعية لوقف الانهيار ومنع توسع الحرب، وبين من يعتبر أن أي تفاوض يجري تحت ضغط النار واختلال موازين القوى قد يتحول إلى تسوية قاسية تُفرض على لبنان وتترك آثارًا بعيدة المدى على سيادته ومستقبله السياسي. وفي مثل هذه اللحظات، يعود التاريخ ليطرح نماذج سبق أن واجهت فيها دول أو أنظمة سياسية خيارًا بالغ الصعوبة: القبول بتسوية مؤلمة لتفادي الانهيار الكامل. بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917، وجدت القيادة الجديدة في روسيا نفسها أمام واقع قاسٍ: دولة منهكة، جيش متفكك، واقتصاد ينهار بعد سنوات من الحرب العالمية الأولى. في تلك اللحظة، أدرك فلاديمير لينين أن استمرار الحرب مع ألمانيا قد يؤدي إلى سقوط السلطة الجديدة قبل أن تتمكن من تثبيت أركانها، لذلك كلّف ليون تروتسكي بالتفاوض لإنهاء الحرب. لكن القرار لم يكن سهلًا. فقد انقسمت القيادة البلشفية حول طبيعة الموقف الواجب اتخاذه. دعا لينين إلى قبول السلام حتى لو كان قاسيًا ومذلًا، معتبرًا أن الأولوية هي إنقاذ الثورة وكسب الوقت لإعادة بناء الدولة. في المقابل حاول تروتسكي اعتماد صيغة وسط تقوم على وقف القتال من دون توقيع معاهدة مهينة، بينما رفض تيار داخل الحزب بقيادة نيكولاي بوخارين أي تسوية مع ألمانيا ودعا إلى مواصلة ما سمّاه "الحرب الثورية". لكن الوقائع العسكرية حسمت الجدل سريعًا. فقد استأنف الجيش الألماني هجومه وتقدم داخل الأراضي الروسية دون مقاومة تُذكر، ما دفع القيادة البلشفية إلى القبول بتوقيع معاهدة بريست ليتوفسك عام 1918. كانت المعاهدة قاسية، إذ فرضت على روسيا التنازل عن مساحات واسعة من الأراضي وخسائر اقتصادية كبيرة، ولذلك وُصفت آنذاك بأنها سلام مهين. غير أن لينين اعتبرها خطوة اضطرارية ومؤقتة لحماية المشروع السياسي الأكبر: بقاء الثورة نفسها. وبالفعل، بعد أقل من عام انهزمت ألمانيا في الحرب وسقطت المعاهدة عمليًا، فيما تمكنت السلطة البلشفية من تثبيت نفسها وخوض الحرب الأهلية والانتصار فيها. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الحدث مثالًا كلاسيكيًا في التاريخ السياسي على القبول بتسوية قاسية لإنقاذ مشروع أو دولة مهددة بالانهيار. اليوم يُستحضر هذا المثال كثيرًا في النقاشات السياسية في لبنان، خصوصًا في ظل الحرب المفتوحة مع إسرائيل والتداعيات الكارثية التي تضرب البلاد. فلبنان يعيش وضعًا شديد الهشاشة: اقتصاد منهار، بنية اجتماعية متصدعة، وملايين المواطنين مهددون بالنزوح أو الفقر بعد أن تهدمت مدنهم وقراهم وبيوتهم، ما يشكل ضغطًا هائلًا على النسيج الاجتماعي ويهدد وحدة لبنان وتماسكه. في مثل هذا السياق، يطرح البعض فكرة أن الواقعية السياسية قد تفرض أحيانًا قبول تسويات صعبة أو غير متكافئة لوقف الحرب ومنع انهيار الدولة والمجتمع. لكن في المقابل، يرفض كثيرون هذا الطرح ويعتبرون أن أي تسوية غير متوازنة قد تتحول إلى إملاء دائم يكرّس اختلال موازين القوى ويضعف سيادة الدولة على المدى الطويل. وتعزز هذا النقاش قراءة التجارب اللبنانية السابقة مع إسرائيل، إذ تُظهر المحطات التفاوضية والتفاهمية المتعاقبة أن هامش المناورة اللبناني كان يتقلص تدريجيًا كلما ازداد اختلال موازين القوى وتراجعت قدرة الدولة على الإمساك الكامل بعناصر قوتها. فمن اتفاق 17 أيار الذي حمل أبعادًا سياسية وأمنية واسعة لكنه سقط قبل تنفيذه، إلى تفاهم نيسان الذي نظم قواعد الاشتباك دون معالجة أصل النزاع، مرورًا بـ قرار مجلس الأمن 1701، وكل ما أعقبه من تفاهمات وترتيبات أمنية هدفت إلى ضبط الأعمال العدائية، كانت الوقائع الميدانية والسياسية تدفع تدريجيًا نحو شروط أكثر تقييدًا للحركة اللبنانية. ومن هذا المنظور، يرى بعض المراقبين أن السؤال لا يتعلق فقط بطبيعة أي تسوية محتملة اليوم، بل أيضًا بما إذا كانت الظروف الراهنة — على قسوتها — قد تبقى أقل كلفة من شروط قد تُفرض لاحقًا إذا استمر التدهور العسكري والسياسي وتعمق اختلال موازين القوى أكثر. فالمعضلة اللبنانية لا ترتبط فقط بشروط التسوية الممكنة، بل أيضًا بوجود خطاب سياسي ما زال يرفض الإقرار بحدود القوة ويخلط بين الواقعية والاستسلام، في حين أن الاستمرار في هذا المنطق قد يدفع المجتمع والدولة معًا إلى مزيد من الانهيار، ويجعل كلفة أي تسوية لاحقة أشد قسوة على لبنان سياسيًا وسياديًا واقتصاديًا. غير أن الفارق بين زمن بريست-ليتوفسك وزمننا الحاضر يكمن أيضًا في طبيعة النظام الدولي. ففي عام 1918 لم يكن هناك إطار مؤسسي عالمي قادر على رعاية الاتفاقات أو توفير ضمانات لتنفيذها. أما اليوم، ورغم كل ما يعتري النظام الدولي من ثغرات واختلالات، فإن وجود الأمم المتحدة وشبكة من الآليات الدبلوماسية والقانونية يمكن أن يوفر حدًا أدنى من الضمانات. وفي حالة لبنان، قد تشكل الرعاية الدولية، إلى جانب الحضانة العربية، شبكة أمان لأي اتفاق محتمل، بما يساهم في ضمان التزام الأطراف به والحد من احتمالات انهياره أو تحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة. غير أن أي نقاش جدي حول تسوية محتملة في لبنان يصطدم مباشرة بمسألة السلاح خارج إطار الدولة، باعتبارها العقدة الأكثر تأثيرًا في تحديد موقع لبنان التفاوضي وحدود قدرته على الالتزام بأي اتفاق مستقبلي. فوجود حزب الله بوصفه قوة عسكرية تمتلك قرارًا ميدانيًا يتجاوز الإطار المؤسسي للدولة يجعل أي تفاوض مزدوجًا بطبيعته: تفاوضًا بين الدولة اللبنانية وإسرائيل من جهة، ونقاشًا داخليًا غير محسوم حول من يملك القرار النهائي في مسائل الحرب والسلم من جهة أخرى. ومن دون معالجة هذا التعارض، قد تبقى أي تسوية معرضة للاهتزاز، لأن نجاح أي اتفاق لا يرتبط بالنصوص وحدها، بل بوجود سلطة واحدة قادرة على احتكار القرار السيادي وتنفيذ الالتزامات الناتجة عنه. ولهذا، يبقى السؤال المطروح أمام اللبنانيين اليوم ليس فقط ما إذا كانت التسوية ضرورية أو ممكنة، بل كيف يمكن صياغتها ضمن إطار دولي يضمن استدامتها ويحمي لبنان من أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع مفتوح. ففي النهاية، ليست المشكلة في أن تكون التسوية قاسية، بل في أن يصبح رفضها اليوم مدخلًا إلى شروط أشد قسوة غدًا. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل أيضًا بقدرتها على إدراك اللحظة التي يصبح فيها إنقاذ ما يمكن إنقاذه شرطًا لبقاء الدولة نفسها.

لبنان بين شروط التفاوض وتعقيدات القرار
Par
زياد عبد الصمد
Publié
مارس 14, 2026 - 21:48

تشترط إسرائيل سحب سلاح حزب الله قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو شرط تدرك مسبقًا أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تلبيته، إذ إن قرار الحرب والسلم لا يزال إلى حدّ كبير خارج إطار مؤسسات الدولة. ومع ذلك، سجّلت إسرائيل خطوة لافتة بتعيين رون درايمر رئيسًا للوفد الإسرائيلي إلى المفاوضات مع لبنان، وهو مسؤول رفيع المستوى في الحكومة الإسرائيلية ومقرّب من دوائر القرار، ولا سيما من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما يضفي على هذه الخطوة طابعًا سياسيًا جديًا ورسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن إسرائيل مستعدة للدخول في مسار تفاوضي على مستوى عالٍ. في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية تشكيل وفد تفاوضي يعكس التوازنات الطائفية الداخلية التي يقوم عليها النظام السياسي. غير أن هذه المحاولة اصطدمت سريعًا بتعقيدات الواقع اللبناني، بعدما رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري تسمية العضو الشيعي في الوفد، مشترطًا وقفًا كاملًا لإطلاق النار قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه حزب الله رفضه وقف إطلاق النار قبل انتهاء الحرب على إيران، بل صرّح بأنه وضع كل إمكاناته في هذه الحرب وأنه إما سيقاتل حتى النهاية أو حتى تحقيق الانتصار. مثل هذه المواقف تغلق عمليًا الباب أمام إمكانية وقف إطلاق النار في المدى القريب، وتضيّق هامش المناورة أمام أي مبادرة سياسية أو مسار تفاوضي. كما أنها تكشف التباين الواضح بين منطق الدولة اللبنانية الساعية إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، ومنطق القوى المسلحة التي تربط قرارها بسياق إقليمي أوسع يتجاوز حدود لبنان. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو إسرائيل وكأنها نجحت في تسجيل نقطة إضافية في ميزان الرأي العام الدولي؛ إذ ستظهر كطرف أبدى استعدادًا للتفاوض عبر موفد رفيع المستوى، فيما يبدو لبنان دولة عاجزة عن توحيد قرارها الداخلي أو الإيفاء بالمتطلبات التي يفرضها الانتقال إلى حل سياسي. وهذا الانطباع، سواء كان دقيقًا أم مبالغًا فيه، يضعف موقع لبنان التفاوضي ويزيد من صعوبة الدفاع عن مصالحه في المحافل الدولية. في المحصلة، تكشف هذه التطورات مرة أخرى عمق المأزق الذي يعيشه لبنان، حيث تتقاطع دولة محدودة القدرة مع قوة عسكرية وسياسية تتخذ قراراتها خارج مؤسساتها. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي مسار تفاوضي أو حل سياسي رهينة توازنات إقليمية لا يملك لبنان السيطرة عليها. وبينما تسعى الدولة إلى تثبيت موقعها على طاولة التفاوض، يبقى التحدي الحقيقي في استعادة قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية، لأن من دون ذلك سيبقى لبنان ساحةً لتصفية الصراعات الإقليمية بدل أن يكون دولة قادرة على حماية مصالحها الوطنية.

مضيق هرمز بين التوتر الإيراني – الإسرائيلي ومصير التجارة العالمية

في الجغرافيا السياسية المعاصرة، توجد نقاط محدودة على الخريطة يمكنها أن تغيّر مسار الاقتصاد العالمي في لحظات. ويُعدّ مضيق هرمز واحدًا من أهم هذه النقاط. فهذا الممر البحري الضيق الذي يفصل بين ايران و سلطنة عمان يشكّل الشريان الأساسي لتصدير النفط والغاز من الخليج إلى العالم. ومن هنا، فإن أي توتر عسكري في المنطقة، خصوصًا في ظل التصاعد المستمر في الصراع بين إيران واسرائيل ، يضع هذا المضيق في قلب المعادلة الدولية. فالمسألة لا تتعلق فقط بصراع إقليمي أو مواجهة عسكرية محدودة، بل باحتمال اهتزاز أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد العالمي. أهمية المضيق في النظام الاقتصادي العالمي يمر عبر مضيق هرمز يوميًا نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وتعتمد دول صناعية كبرى في آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية بشكل أساسي على الطاقة القادمة من الخليج عبر هذا الممر. ولذلك، فإن مجرد التلويح بإغلاق المضيق أو تضييق حركة الملاحة فيه كفيل بإحداث صدمة في الأسواق العالمية. فالاقتصاد الدولي، رغم ضخامته، يبقى حساسًا للغاية تجاه أي تهديد لإمدادات الطاقة. المضيق كسلاح جيوسياسي لطالما استخدمت إيران ورقة مضيق هرمز في سياق المواجهة مع الغرب. ففي كل مرة تتصاعد فيها الضغوط السياسية أو العقوبات الاقتصادية، تعود التهديدات بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه. لكن هذه الورقة لم تكن يومًا سهلة الاستخدام. فإغلاق المضيق بشكل كامل يعني مواجهة مباشرة مع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدةالتي تعتبر حرية الملاحة فيه جزءًا من أمنها الاستراتيجي. إلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في إغلاق كامل للمضيق، بل في تضييق غير مباشر للملاحة عبر: • تهديد السفن التجارية. • استهداف ناقلات النفط. • زرع ألغام بحرية. • تصعيد عسكري محدود في الخليج. مثل هذه الخطوات قد لا تغلق المضيق رسميًا، لكنها كفيلة بإرباك حركة الملاحة ورفع كلفة النقل والتأمين بشكل كبير. الصراع الإيراني – الإسرائيلي وتوسّع ساحة المواجهة في السنوات الأخيرة، تحوّل الصراع بين إيران وإسرائيل إلى مواجهة متعددة الساحات، تمتد من سوريا إلى البحر الأحمر والعراق. ومع تصاعد التوترات العسكرية، بات الخليج نفسه جزءًا من هذا المشهد. فأي ضربة إسرائيلية واسعة ضد المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية قد تدفع طهران إلى الرد عبر أدوات مختلفة، من بينها الضغط على الملاحة في مضيق هرمز. في هذه الحالة، لن يكون الهدف بالضرورة تعطيل التجارة العالمية بالكامل، بل إرسال رسالة استراتيجية مفادها أن أي حرب ضد إيران ستدفع ثمنها الأسواق العالمية. الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمة الطاقة في حال تضييق الملاحة في المضيق، ستكون الصدمة الأولى في أسواق النفط. فالأسواق تتفاعل بسرعة مع المخاطر الجيوسياسية، وقد ترتفع الأسعار بشكل حاد خلال أيام قليلة. ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي بدوره إلى سلسلة من التأثيرات الاقتصادية: • زيادة كلفة النقل والشحن. • ارتفاع أسعار السلع الأساسية. • تصاعد التضخم في معظم الدول. • تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. وفي عالم لم يتعافَ بالكامل بعد من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، فإن صدمة طاقة جديدة قد تكون لها آثار عميقة وطويلة الأمد. تداعيات إقليمية أوسع التوتر في مضيق هرمز لا يقتصر تأثيره على الاقتصاد العالمي، بل يمتد إلى الاستقرار السياسي في المنطقة. فدول الخليج التي تعتمد على تصدير الطاقة عبر هذا الممر تجد نفسها في موقع شديد الحساسية، بين الحاجة إلى حماية تجارتها وبين مخاطر الانجرار إلى صراع إقليمي واسع. كما أن أي تصعيد عسكري كبير قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة الأمن في الشرق الأوسط، مع احتمال توسع المواجهة إلى جبهات أخرى. لبنان في قلب العاصفة الإقليمية بالنسبة إلى لبنان، فإن أي تصعيد كبير بين إيران وإسرائيل لن يبقى بعيدًا عن ساحته. فلبنان يشكل إحدى الساحات الأكثر حساسية في هذا الصراع، نظرًا لدور حزب الله الذي يُعدّ الحليف الإقليمي الأبرز لإيران. و مع اندلاع المواجهة في المنطقة، وجد لبنان نفسه أمام أحد سيناريوهين: إما الانزلاق إلى جبهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل، أو الدخول في مرحلة ضغط سياسي وأمني كبير نتيجة التوتر الإقليمي. وفي الحالتين، الاقتصاد اللبناني، المنهك أصلاً، هو من أكثر المتضررين، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو عبر اضطراب حركة التجارة في المنطقة. بين الردع والانفجار رغم كل هذه المخاطر، يدرك معظم الأطراف أن تعطيل مضيق هرمز بالكامل قد يؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها. ولذلك بقيت التهديدات في معظم الأحيان ضمن إطار الردع السياسي أكثر من كونها خيارًا عمليًا للتنفيذ. لكن التاريخ يُظهر أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تبدأ بحوادث محدودة أو سوء تقدير بين الأطراف المتصارعة. وفي منطقة متوترة كمنطقة الخليج، يكفي حادث واحد في البحر ليشعل سلسلة من التفاعلات التي يصعب السيطرة عليها. إذًا يبقى مضيق هرمز واحدًا من أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي. فهو ليس مجرد ممر بحري لنقل النفط، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وصراعات الشرق الأوسط. ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، يزداد احتمال أن يتحول هذا المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية في صراع يتجاوز حدود المنطقة. وفي عالم يعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة من الخليج، فإن أي اضطراب في هذا الشريان الحيوي قد يكون كافيًا لإحداث زلزال اقتصادي عالمي. وفي نهاية المطاف، يذكّرنا مضيق هرمز بحقيقة بسيطة: في النظام الدولي المعاصر، قد يكون مضيق ضيق على الخريطة قادرًا على التأثير في مصير اقتصادات العالم بأسره.

عالمٌ يُعاد كتابته، وجمهورٌ يُعاد ترويضه
Par
رائد محمود
Publié
مارس 11, 2026 - 16:16

يدخل النظام العالمي مرحلةً انتقاليةً تسمها إعادةُ البناء لا الانهيار. فالنظامُ الذي أرسته نهايةُ الحرب العالمية الثانية، والذي انفردت بقيادته الولايات المتحدة — وأكثرَ من أي وقت مضى منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990 — يتكيّف اليوم مع معطيات جديدة. ثقلُ الصين الاقتصادي يمنحها رافعةً استراتيجية تمتدّ أبعدَ بكثير من دوائر التجارة والمال، فتُرسّخها منافساً قوياً للولايات المتحدة. وإن كان نمطُ تدخّلها يختلف عن نمط القوى الغربية، فإن نفوذها المتنامي في مناطق كالشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ليس في نهاية المطاف سوى وجهٍ آخر من وجوه الاستعمار الجديد، ومن ثمّ ليس أقلَّ وطأةً على المصالح الأمريكية الكونية. أما روسيا، وعلى الرغم مما أفقدته الحربُ في أوكرانيا من رصيدها الاستراتيجي، فإنها ليست في وارد التهوين من شأنها باعتبارها قوةً عالمية. فهي لا تزال تمارس نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط وسواهما، وتحتفظ بشبكة نفوذ جيوسياسي ممتدة. وهكذا تبقى، في حسابات واشنطن، تهديداً حقيقياً — أضعفَ مما كانت عليه، غير أنه ليس بائداً. والأهم من ذلك كله أن الانخراط المتذبذب للقوى التقليدية — كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا — وما تراكم عليها من تحديات داخلية، قد أوجد فراغاً استراتيجياً أتاح لطيف جديد من الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط وآسيا الصعودَ إلى مرتبة «صانعي النفوذ» الجدد. المشهدُ الناشئ متعدد الأقطاب، وهو في الوقت ذاته بالغُ التشابك. باتت المنافسة في جوهرها اقتصاديةً وتكنولوجية. فالسيطرة على سلاسل التوريد والبنى التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي وتدفقات الطاقة والمعادن النادرة أصبحت ترسم خرائط النفوذ الاستراتيجي أشدَّ تأثيراً وأبقى أثراً من أي توسع إقليمي مادي. في هذا السياق، باتت الشركاتُ الكبرى والمؤسسات المالية تمارس تأثيراً عابراً للحدود غير مسبوق، وتكشف عن أشكال جديدة من هشاشة الدول. من منظور واقعي، يمثّل ذلك تبدّداً جزئياً للسلطة بعيداً عن قبضة الدولة. فرغم أن الحكومات تبقى الفاعلَ الرئيسي، فإن قدرتها على إسقاط نفوذها باتت تتآكل تحت وطأة كيانات خاصة تمسك بزمام الأصول الحيوية. والدول التي تعتمد على سلاسل توريد خاضعة لسيطرة أجنبية، أو على منصات رقمية، أو أسواق رأس المال، تجد نفسها مقيّدة هيكلياً في استقلاليتها الاستراتيجية، مما يُضيّق حريةَ حركتها حتى في الملفات التي كانت تُعدّ تاريخياً شأناً سيادياً خالصاً. وهكذا تُصبح الإكراهاتُ الاقتصادية ونقاط الاختناق التكنولوجية والرافعة المالية بدائلَ عن القوة العسكرية. قد تبدو هذه الحقيقة الجديدة وكأنها تُرسّخ تبادلاً معقداً للاعتماد المتبادل، تضطلع فيه الشركاتُ بدور الوساطة بين الاقتصادات الوطنية. بيد أن هذا التشابك ليس بمتكافئ. فالدول المندمجة في الأسواق العالمية، من دون أن تمتلك ناصية السيطرة المحلية على تمويلها وتكنولوجيتها وطاقتها، هي الأشدّ عُرضةً للصدمات الخارجية وللقرارات الصادرة عن جهات خاصة تقع خارج نطاق رقابتها. كثيراً ما يوازي حجمُ الفاعلين من غير الدول وتأثيرُهم ذلك الذي تحظى به الدول القومية، مما يُثير نقاشات جوهرية حول الحوكمة والتنظيم والتوازن الاقتصادي. فالحوكمة تتحول تدريجياً من المؤسسات العامة إلى شبكات الشركات العابرة للحدود، التي تضع المعايير وتتحكم في تدفق البيانات وتؤثر في المنظومات التنظيمية. وسلطة الدولة لا تُمحى، لكنها تتفتت وتُقاسَم مع فاعلين من غير الدول، تحرّكهم اعتبارات الربح وإدارة المخاطر ومصالح المساهمين لا الاستراتيجية الوطنية. بالنسبة للشرق الأوسط، تنطوي هذه المرحلة الانتقالية على مخاطر وفرص في آنٍ معاً. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي ومبادرات التحول في قطاع الطاقة والاستثمارات في البنية التحتية تُرسّخ المنطقة عقدةً محوريةً في الشبكات العالمية المتشكّلة. والسؤال ليس هل ستتأثر المنطقة — بل كيف ستتمكن من صياغة هذا التحول والاستفادة منه. وقدرة دول الشرق الأوسط على ذلك تتفاوت تفاوتاً كبيراً، وهي في جوهرها مشروطة بهشاشات بنيوية متجذّرة. كثيرٌ من هذه المواطن الهشّة تضرب جذورها في إرث التكوين الاستعماري للدول، الذي أفرز حدوداً ومؤسساتٍ واقتصاداتٍ سياسية لا تنسجم مع واقع المجتمعات. وقد اعتمدت نماذج الحكم التي تلت الاستقلال في الغالب على الإكراه والريوع الخارجية والمحسوبية، عوضاً عن المشاركة السياسية الشاملة، مما أفضى إلى عقود اجتماعية واهية أو ممزّقة. ومع الوقت، زادت التكريساتُ الاستبدادية والنزاعاتُ المسلحة وسوءُ الإدارة الاقتصادية من تآكل شرعية الدولة وقدرة مؤسساتها. ومع ذلك، فإن التحول الأعمق يجري على مستوى المجتمعات. فقد أفضى تعادُ الاستقرار — من التقلبات المالية إلى الصدمات الجيوسياسية — إلى إعادة تشكيل التوقعات العامة. ما كان يُشعل ردود فعل جماهيرية مستدامة صار اليوم لا يثير سوى استجابات محدودة. دورات المعلومات تتسارع، والأزمات تتراكب، مما يُقلّص آفاق انتباه الرأي العام. هذا التحول لا يعني بالضرورة توجيهاً ممنهجاً للرأي، لكنه يعكس تحولاً بنيوياً في آليات امتصاص المجتمعات للاضطراب. وقد باتت القدرة على التكيّف سمةً محددة للمجتمعات المعاصرة. غير أن الخطر يكمن في أن التكيّف من دون مشاركة فاعلة قد يُضعف الانخراط المدني على المدى البعيد. النظامُ العالمي الناشئ لن تُشكّله المنافسةُ الاستراتيجية بين الدول وحدها، بل أيضاً الطريقةُ التي تفسّر بها المجتمعاتُ التغيرَ المتواصل وتتجاوب معه. في نهاية المطاف، قد لا يكون التحول الأعمق جيوسياسياً، بل معرفياً. إذ مع تبدّد السلطة على الدول والشركات والشبكات العابرة للحدود، يجد المواطنون أنفسهم أمام أنظمة حكم تبدو بعيدةً ومبهمةً وعسيرة التأثير فيها. والسؤال المحوري هو: هل تتجاوب المجتمعات مع هذا التعقيد من خلال تجديد انخراطها السياسي، أم أنها تنكفئ إلى مجاراة دائمة لأُطر لم تعد تُسهم في صياغتها؟ في سياقات كثيرة، أفرز التعرّضُ المديد للأزمات والهشاشة الاقتصادية والتبعية الخارجية سياسةَ المهادنة بدلاً من المشاركة. فالمواطنون يعيدون معايرة توقعاتهم نزولاً، مُؤثِرين الصمود والتكيف الفردي على العمل الجماعي. والحكمُ، في المقابل، يخاطر بالانزلاق إلى نشاط تكنوقراطي يكتفي بإدارة الاضطراب عوضاً عن بلورة مشاريع سياسية مشتركة. هذا التحول المعرفي — من المِلكية إلى التحمّل — ينخر ببطء في أُسس المحاسبة والرضا. لن يُحسم مآل هذه المرحلة الانتقالية بالدول والشركات والمؤسسات وحدها. فهو رهينٌ بما إذا كان المواطنون سيظلون فاعلين في صياغة أُطر الحكم، أم سيستكينون إلى حالة من التكيّف الأبدي مع قوى لم يعودوا يُجادلونها. العالمُ يُعاد كتابته في الزمن المباشر. وما إذا كانت الفاعلية الإنسانية ستتطور بالتوازي مع ذلك — أو ستتآكل تحت ثقل التعقيد والإرهاق — سيحدد ليس شرعية نماذج الحكم المستقبلية وحسب، بل طبيعةَ الحقبة القادمة برمّتها.

موت الإله وشيوع الزمان
Par
علي خليفة
Publié
مارس 11, 2026 - 13:50

عرف الشيعة "موت الإله" قبل أكثر من ألف عام، عندما انقطع نسل الحسن بن علي العسكري ومات مسمومًا، فكان آخر الأئمة الأعلام المعصومين. ولم يخلُ الفقه السياسي الشيعي إلى فسحة عزاء، بل أصرّ أن تستمرّ ولاية الإله وعصمة الوليّ. فتولّد إبن الحسن، على الأوجب، ثم غاب غيبة صغرى، تلتها غيبة كبرى، على الأحوط... وهكذا، دفع الفقه السياسي الشيعي عنه فكرة "موت الإله"، وهرب منها إلى آخر الزمان... وعلّق الزمان تاركًا شعرةً تقوم على انتظار المهدي الذي سيعود من غيبته ليملأ الأرض عدلاً وقسطًا بعد أن مُلِئت ظلمًا وجورًا... جولة في المخيال السياسي الشيعي ما قبل الخميني بانتظار فرجه الشريف، يبقى التاريخ السياسي بالنسبة للشيعة مجموعة مظالم ومآسٍ. لا يتنكّرون لها ولا يعملون على اتقائها، بل على العكس تمامًا فإنها تراكم ضروري لعودة المهدي. علاوة على ذلك، وقف الشيعة طويلاً في حِلّ من الدولة باعتبارها غير شرعية، وتوجّسوا من مفاهيم الحداثة وما آلت إليه، إلا وسع ما حلّلته بعض المرجعيات، في فلتات مفردة، وتفاوت كبير بين انفتاح وانغلاق. بانتظار المهدي، صاحب الزمان، يجد المخيال السياسي الشيعي نفسه أمام انسداد معرفي ومأزق وجودي. فانقطع الوصل مع الإله، وبانتظار عودة حجّته، يصبح الزمان مشاعًا بغياب صاحب الزمان. ما قاد نفرًا من الشيعة عبر العصور إلى الانكفاء عن السلطة ومقاطعتها. البعض الآخر من الشيعة تعاطى مع السلطة القائمة بحكم أنها ضرورية، إذ لا بد للناس من إمرة بِرّ أو فاجر. وكاد انسداد الفقه السياسي لدى الشيعة أن يفضي إلى تبنّي مشروع الدولة المدنية ويدخل منها إلى الحداثة، إذ لا بديل يقدّمه غير الانتظار أو التعامل مع الواقع القائم بحكم الضرورة. من هنا، قبل الخميني، كان الشيعة من تلقاء ذواتهم، قد أماتوا الله، على قارعة الانتظار الطويل لعودة حجته. وكان انخراط الشيعة طبيعيًا في أحزاب ومنظمات قومية وتقدّمية وماركسية ويسارية واشتراكية وليبرالية وعلمانية وإلحادية... هذه التيارات السياسية والفكرية ملأت مكان الإله الذي أدار ظهره وجعل عباده ينتظرون وصله. نافذة الحداثة الغربية وإغلاقها في إيران "الله مات، ونحن من قتلناه"، بحسب الفيلسوف فريدريش نيتشيه. هكذا بادر المجتمع الغربي الحديث لتحجيم دور الدين كمرجعية أخلاقية. بالنتيجة، نمت وازدهرت منظومات معرفية واقتصادية وتكنولوجية في ظروف مؤاتية لكلّ متطلبات النماء والرخاء والهناء. ولم يعد الدين إلى الفضاء العمومي إلا مصحوبًا بإبستمولوجيا العلوم كنظرية في المعرفة قدّمت إجابات على الأسئلة الكبرى للإنسانية من خارج صندوق الإجابات الجاهزة للأديان، وفلسفة الأديان التي حوّلت العقائد في المجتمعات الغربية إلى حقائق نسبية. تعدّد الآلهة وتجدّدها، نسبية الحقيقة وتقدير الحاجة لها، تغيير الزعيم ومحاسبته في إطار تداول السلطة، التنوّع كمصدر غنى والاختلاف في إطار إدارة التعدّدية: كلها براديمات مترادفة للحداثة. والنتيجة تحرّر الإنسان وتعزيز حقوقه كمواطن فرد، ودولة ذات مرجعية مدنية لتشريعاتها وقوانينها، رفاه الفرد والمصلحة العُليا للمجتمع، ونزعة عقلانية لتثبيت هذه المندرجات أو إعادة تقييمها والبناء عليها. بالمقابل، لن أناقش هنا الحداثة ونقد الحداثة، ولن أستعيد فوكو الهارب منها إلى أحضان الثورة الإسلامية في إيران، قبل أن يعود ويغيّر رأيه منها، باحثًا عن ضالّته لنقد الحداثة، كما ليفي – شتراوس وغيره، في السياق الطبيعي لتطوّر المجتمعات. وظلّ من قبيل الحرث في المياه استخراج مشروع سياسي للمجتمع من أوراق الفقه السياسي الشيعي. إلى أن جاء الخميني واستخرج نظرية ولاية الفقيه من أقبية التراث الديني، ليقفل النافذة على الحداثة الغربية في إيران والمنطقة العربية. فجعل نسخةً طبق الأصل في عيون الشيعة عن صاحب الزمان، ونصّب الوليّ الفقيه الإيراني نائباً عنه! كيف يعمل العقل الغيبي للشيعة في ظلّ عقيدة ولاية الفقيه؟ للوليّ الفقيه شيعته في حواضر عربية كثيرة. هم "المستضعفون" من حكوماتهم وفي دولهم الوطنية. لذلك، عليهم أن يدينوا بالولاء والطاعة للوليّ الفقيه على حساب انتمائهم إلى هوياتهم الوطنية وقضايا مجتمعاتهم، بل له عليهم ما للنبيّ وما لله. وما الحدود السياسية إلا موانع رخوة أمام "الولاية" المتمدّدة. بينما "نصرة المستضعفين" أينما كانوا في العالم، فهي القيمة القاعدية لدستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية. و"تصدير الثورة"، لهذه الغاية، هي الطريق لبسط النفوذ والتوسّع. بذلك، كسر الوليّ الفقيه انتظار الشيعة للمهدي، كونه نائبًا له وحاضرًا بينهم في نفس الوقت. وأبقاهم في حال انتظار دائم. فأصبح عقلهم يقوم على الغيبيات التي تحلّ محل المقاربات الواقعية. وتطغى بالنتيجة إرادة التعطيل في كافة المجتمعات حيث يتواجد شيعة الوليّ الفقيه؛ فالعبرة في تكليفه الشرعي الذي يقرّه نيابةً عن ملايين الشيعة! ويحلّ الخراب والدمار والقضم من الداخل، فالحكم ثورة دائمة وتصدير ثورة، لا استقرار وسلام وسيادة للدول في إطار موجبات الأمن الوطني لكلّ منها. وتستعر الحروب الدائمة ويصبح القتل عادة في مقابل تغييب التنمية ومتطلّباتها… أو تنتشر الويلات وسفك الدماء وهتك القيم الإنسانية وتشيع الفوضى والقلاقل؛ فتلك إرادة ربانية ولا مجال للالتفاف! يصبح كلّ قتيل شهيدًا، وكل شهيد سعيد، هنيئًا لقد مات! ما يستدعي المباركة أكثر من العزاء لصاحب الزمان الإمام المهدي والأمة الإسلامية! السقوط على الأرض معراج للسماء وارتقاء، ووشاح الموت وسام إلهي. وصولاً إلى الهزيمة الكاملة والسقوط المدوّي في الثقافة والسياسة والأمن والحضارة في إيران وخارج إيران! وهنا يأتي دور تقديس الجهل وإنكار الواقع فتصبح الهزيمة انتصاراً، والذلّة عزة، وكرامة النفس طاعة عمياء… ولا مجال لمساءلة الولي الفقيه أو محاسبته ولا وكلائه وأتباعه لأنّ مبايعته هي إبراء للذمة! يعمل الشيعي في عقيدة الولي الفقيه، في الأنظمة الموازية للمجتمع في دولته ولا يعمل لصلاح المجتمع ككلّ؛ لأن ما يهمه تكليفه الشرعي الذي يخلص له ويغشّ في كلّ ما عداه. الشيعي في عقيدة الولي الفقيه، لا يفاضل بعقلانية بين الخيارات، ولا يأبى الفوضى والتخريب، ولا يضيره أن يعيش في مجتمع بلا دولة، ولا يتوانى إن وقع الموت عليه أو هو وقع على الموت... تسليم أمره لوليّ أمره هو مفتاح فهم عقله وسلوكه، لا العقلانية كمقاربة منهجية. الأسئلة ذات النزعة العقلانية، الطبيعية، العادية كالتنمية والإنتاج والاستقرار ليست من العقل الغيبي للشيعة في عقيدة الوليّ الفقيه. موت الخامنئي وكلّ آلهة التمر "الخامنئي مات، ونحن من قتلناه." تستطيع الإدارة الأميركية بعد هذا الإعلان إخراج الشيعة من كهف فقههم السياسي وعقلهم الغيبي بالضربة القاصمة وإدخالهم إلى الحداثة. وإذا عاد الخامنئي الإبن، كما أبناء الآلهة، فستكشف ثورة التواصل عورات قدسيته المزعومة، من مؤهلات غير كافية للمرجعية الدينية إلى سهولة استهدافه وإصابته بما يحيله من كلّ الجهات إلى إله من تمر يسهل أكله، كما درج المسلمون غالبًا على مرّ التاريخ إذ يأكلون آلهتهم إذا جاعوا...

/