شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

أوروبا تبحث عن روحها: رسالة لاوُن الرابع عشر

صورة للأخبار
صورة: فالنتين شابوي/وكالة فرانس برس
صورة المؤلف
بقلم ريكاردو كريستيانو
نُشر أكتوبر 2, 2026 - 00:47

على الرغم من أن كبار القادة الأوروبيين لم يستجيبوا لدعوة الرئيس الفرنسي لحضور خطاب البابا عن أوروبا في متز، فإنني أقول إن الرحلة كانت موجّهة إلى أوروبا بأسرها، أو إلى الأوروبيين. وعند عودته إلى الفاتيكان، تحدث لاوُن الرابع عشر عن نمو جماعات اليمين المتطرف في ألمانيا، وعن الأشكال المتطرفة التي يتخذها الاستياء المتزايد في أوروبا والعالم. وأشار خصوصًا إلى ظهور نوع من الجمع بين آراء اليمين المتطرف وشكل معيّن من الدين، وهو ما لا يشكّل، في رأيه فحسب، بل أيضًا في رأي قادة الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية في ألمانيا، “تعبيرًا أصيلًا عن المسيحية”. وأضاف: “ومرّة أخرى، نعود إلى قيم الإنجيل”. لم يكن البابا لاوُن بحاجة إلى السفر إلى فرنسا كي يتخذ موقفًا من الأشكال المتطرفة التي يتخذها الاستياء الأوروبي المتنامي، فقد سبق له أن فعل ذلك. لكن الرحلة جرت، وكانت لها دلالتها، أولًا من هذه الزاوية: “قيم الإنجيل”.

وهذا، في رأيي، ما التقطه جيدًا عالم اللاهوت فيتو مانكوزو في مقاله المنشور في صحيفة “لا ستامبا” الإيطالية في 29 أيلول. فهو يشدد، بحق، على حاجة الإنسان إلى “التجمّع”، وهي كلمة يحيل فعلها في الإيطالية aggregare إلى gregge، أي “القطيع”، وهي مفردة عزيزة جدًا على الكنيسة، إلى جانب المبدأ الذي أرسته الثورة الفرنسية: إمكان أن يصوغ الإنسان هويته الشخصية بحرية، بعيدًا من تدخل الدولة والكنيسة في حياته الخاصة.

وضعت زيارة البابا لاوُن إلى باريس أمامه هذا الإنسان الأوروبي التائه، المحتاج إلى الأمرين معًا، بالنظر إلى الدلالة الكونية لباريس بوصفها المدينة التي سقط فيها الباستيل. إنسان لم يعد “مرتبطًا”، فيعيد اكتشاف حاجته إلى الارتباط، لكنه غالبًا ما يسلك الطريق الخطأ بحثًا عنه. ولهذا يبدو لي أن لاوُن، عندما سافر إلى فرنسا، وخصوصًا إلى باريس وإلى الحدود بين فرنسا وألمانيا، إنما زار أوروبا كلها، لأن أوروبا تهتز تحت وطأة هذه الحاجة المزدوجة: إيجاد سبيل إلى استعادة هوية اجتماعية مفقودة من دون خسارة الهوية الفردية التي حررتها العلمانية من خلال تكريس الهوية الشخصية.

لذلك، فإن التركيز على الأرقام من منظار انتصاري هو قصر نظر. لكن من قصر النظر بالقدر نفسه ألا نرى، في هذا الاهتمام الاستثنائي الذي أبداه الشباب تجاه البابا، والفرنسيون عمومًا، “علامة من علامات الأزمنة”. فالشعوب الأوروبية تشعر بالحاجة إلى ما فقدته: الوحدة باسم مُثُل تتجاوز المصالح الآنية. وهذه هي القوة العميقة والخفية نفسها التي تقف وراء الحركات الكثيرة التي ترفع راية سياسات الهوية بصورة رهيبة وعدائية تجاه الهويات الأخرى، كما تقف وراء الإجماع الشعبي والاهتمام اللذين أثارتهما زيارته. وفي باريس، بدا لي أن لاوُن اقترح، أو بالأحرى أعاد إحياء، ذلك اللقاء الذي أقامه المجمع الفاتيكاني الثاني مع الحداثة، والذي أسهم في صوغ النزعة الإنسانية الأوروبية، ويقدم اليوم علاجًا لأوروبا، ولا سيما من خلال تلك “الأخوّة” العزيزة جدًا على الكنيسة، كما في الرسالة العامة Fratelli tutti، والتي تكمل الثلاثية الشهيرة المؤلفة من الحرية والمساواة، إذ تكتسب هاتان الكلمتان معناهما الكامل في الكلمة الثالثة.

وهذا هو الخيط الناظم للرحلة كلها، بدءًا من الكلام الذي وجّهه إلى السلطات:

“فرنسا أيضًا هي أرض ذات جذور مسيحيّة عميقة. فمنذ القدّيس إيريناوس ومعمودية كلوفيس، أخذت روح وطنكم تتفتّح، مستمدّة من المسيحيّة عبقريّة روحيّة وثقافيّة وفكريّة وفنيّة وإرساليّة تشعّ اليوم في كلّ العالم. وفي فرنسا في القرن السّادس عشر، ازدهر تيّار المذهب الإنسانيّ الذي سعى إلى توحيد تراث الحضارتَين اليونانيّة والرّومانيّة والإيمان المسيحيّ. ثمّ جاء، بعد مفكّري عصر النّهضة المشهورين، مفكّرو عصر الأنوار، فأسهمت فرنسا آنذاك في تحقيق فتوحات حقيقيّة للعالم. من بينها الاعتراف بحقوق الإنسان المتأصّلة في طبيعة الإنسان، ولا سيّما الحرّيّة الدّينيّة. وهذا الاهتمام الدّائم بكرامة كلّ إنسان المتأصّلة فيه يجد صداه في شعاركم الوطنيّ. فالحرّيّة والمساواة والأخوّة ليست مجرد كلمات منقوشة على واجهات مبانيكم العامّة، بل تشير إلى مقتضيّات أخلاقيّة عالميّة تجد أيضًا في الرّسالة الإنجيليّة مصدرًا لا ينضب للإلهام والتّحقيق”.

وقد أوضح ذلك في خطابه في مركز المؤتمرات “روبيرت شومان”، بعدما أشار إلى أنه لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون الحديث عن المسيحية:

“العلمانيّة التي تنظّم حياة الدّول لا تعني فقط عدم انتماء المؤسّسات المدنيّة إلى أيّة طائفة، بل تفترض تعاونًا حقيقيًّا بين الجهات المعنيّة، فضلًا عن احترام السُّلطات الحكوميّة وسُلطات الاتّحاد لاستقلاليّة الكنائس، وتعزيز حرّيّتها في التّنظيم والتّعبير والعبادة. يقتضي ذلك العودة إلى مصدر القِيَم التي تكوّن أساس العيش المدنيّ معًا، أي القِيَم العالميّة التي تتمثّل في الحقوق التي لا تُنتهك ولا تسقط بتقادم الإنسان، وكذلك الحرّيّة والدّيمقراطيّة والمساواة ودولة القانون. في السّياق المتعدد الثّقافات الذي نعيشه اليوم، فإنّ تأكيد عالميّة هذه القِيَم، وهو أمر أساسيّ لبقائها، يمرّ في آن واحد عبر إعادة اكتشاف جذورها والانفتاح على الحوار مع الآخر. إنّها ضرورة اجتماعيّة وسياسيّة، أن نكتشف من جديد مكانة الإنسان المركزيّة، ونضفي مضمونًا حقيقيًّا على كلمات مثل الحرّيّة والدّيمقراطيّة والسّلام والوَحدة. لهذه الغاية، تكتسب دعوة البابا فرنسيس إلى تقدير تعقيد الواقع الأوروبيّ بكلّ ما تزخر به تقاليده وحساسيّاته من غنى أهمّيّةً خاصّة، وذلك بمواجهة تحدّي تناغم بنّاء، متحرّر من الهيمنات”.

ويمكن أن تتواصل هذه المحاولة لإنقاذ الأوروبيين من مخاوفهم ومن شعورهم بالتيه عبر قضايا كبرى أخرى، بدءًا من الخطاب حول السلام، وصولًا إلى المسائل المتصلة به، أي السلاح والتفاوض بوصفه أفضل سبيل إلى حل النزاعات. فكل شيء مترابط بوضوح.

يأتي خطاب البابا في وقت تعيش فيه أوروبا أزمة: فمن جهة، هي غارقة في ثقافة استهلاكية، أصبحت الثقافة السائدة الوحيدة، وعزلت الفرد وأضعفت المجتمع وتركته في بيئة تنافسية. ومن جهة أخرى، هي غارقة في فشل العولمة، الذي قوض ثقة الأوروبيين بكل ما هو كوني، وهيّأ الظروف لعودة قومية خطرة. ومن اللافت أن الاهتمام الكبير ببابا الكنيسة الكاثوليكية ينبغي أن يُفهم أيضًا بوصفه اهتمامًا برأس المؤسسة العالمية الوحيدة التي نجت من هذه الأزمنة الصعبة.

وبالنسبة إلى فيتو مانكوزو، ينبغي للكنيسة الآن أن تضع نفسها في خدمة الحاجة إلى هوية اجتماعية، بروح الخدمة، لا برغبة استعادة مواقع السلطة التي كانت تتمتع بها في الماضي: وهكذا يمكنها أن تكون “ملح الأرض”. وأنا أوافقه، فهذه نقطة مهمة، لكن الروح التائهة ربما تحتاج أيضًا إلى شيء آخر. فما هو؟ أليس هذا الخطاب عن العقل، على أهميته الحاسمة، باردًا بعض الشيء أيضًا؟ أود أن أوضح مقصدي بعبارة لفونتينيل، أحد كبار مفكري عصر الأنوار، الذي عاش حياة شديدة العقلانية: “إن عملًا في السياسة أو الأخلاق أو النقد، وربما حتى في الأدب، سيكون أجمل، إذا تساوت الظروف، إن خرج من يدي مهندس هندسي”. وهذا ما أخشاه.

في هذه الأزمنة الشديدة الصعوبة، يبقى العقل أساسيًا، لكن يبدو لي أن الناس اليوم يحتاجون أيضًا إلى الدفء، أي إلى من يساعدهم على إعادة اكتشاف المكانة المركزية للقلب. وقد كتب البابا فرنسيس في رسالته العامة الأخيرة Dilexit nos:

“الآن، مشكلة المجتمع المائع هي مشكلة حاضرة واقعيّة، لكن عدم تقدير قيمة المركز الحميم للإنسان، أي القلب، يأتي من أبعد: نجده من قبل في العقلانيّة اليونانيّة ما قبل المسيحيّة، وفي المثاليّة في ما بعد المسيحيّة وفي الماديّة بأشكالها المختلفة. لم يكن للقلب مساحة كبيرة في الأنثروبولوجيا. والفكر الفلسفيّ المنتشر يرى أنّه فكرة غريبة. ففضَّلوا مفاهيم أخرى عليه مثل العقل أو الإرادة أو الحرّيّة. وبقي مفهومًا مبهمًا، ولم يُعطَ مكانًا محدّدًا في حياة الإنسان، ربّما لأنّه لم يكن من السّهل ترتيبه بين الأفكار “الواضحة والمتميّزة” أو بسبب صعوبة معرفة الذّات: يبدو أنّ الواقع الأكثر حميميّة هو أيضًا الأبعد عن معرفتنا. ومن جهة أخرى، ربّما لأنّ اللقاء مع الآخر لم يكن وسيلة راسخة لمعرفة الذّات، بل الفكر، والفكر يؤدّي إلى فرديّة معتلّة. لقد شعر الكثيرون بالأمان في عالم يمكن السّيطرة عليه بالعقل وبالإرادة لبناء الأنظمة الفكريّة. وعدم إيجاد مكان للقلب، متميّز عن الملكات والعواطف البشريّة في النّظر إليها منفصلة بعضها عن بعض، لم يتمّ تطويره على نطاق واسع، ولا حتّى فكرة المركز للشّخص، حيث الشّيء الوحيد الذي يمكن أن يوحِّد كلّ شيء، في نهاية المطاف، هو الحبّ”.

وهذا أيضًا ما نحتاج إليه: “قيم الإنجيل”.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل