شعار Levant Time
العودة إلى المقال
عين على الحدث

تحدّيات السِّلم العالمي

صورة للأخبار
صورة: أنجيلا وايس/فرانس برس
صورة المؤلف
بقلم هشام دبسي
نُشر سبتمبر 26, 2026 - 21:54

في مثل هذا الشهر من كل عام، تشهد مدينة نيويورك أكبر تجمع نخبوي للتداول في قضايا السِّلم العالمي ومستقبل الحياة على هذا الكوكب، ويحصل ما يشبه الحمّى السياسية-الإعلامية. تتصاعد معها حرارة السؤال حول دور ووظيفة هيئة الأمم المتحدة ومدى قدرتها وصلاحيتها في إنجاز رسالتها الأولى يوم تأسيسها.

ونلاحظ أيضاً علامات الهرم والشيخوخة الظاهرين على مبناها الداخلي، الذي يحتاج إلى ترميم. بينما يرى البعض أنه يحتاج إلى هدم وإعادة بناء شاملة، كضرورة تفرضها التطورات الشاملة في العالم خلال العقود الثمانية الماضية، التي جعلت “مجلس الأمن” يعجز عن ضمان السِّلم العالمي كما يعجز عن تطبيق قراراته أيضاً.

لقد مضى عام لم يستطع فيه “مجلس الأمن” وضع نهاية للحروب المستمرة، سواء بين الولايات المتحدة وإيران أو في أوكرانيا والسودان ولبنان وفلسطين، على سبيل المثال لا الحصر.

فهذا يكشف إشكاليّة الاهتمام الجدّي بكلّ حرب على حدة، وفق تأثيرها على مصالح الدول وتفاعلها مع شعوبها. ومثالنا على هذا الأمر الحرب الأهلية في السودان، التي أنتجت ملايين النازحين ودماراً شاملاً للبنية التحتية للمدن والقرى، إلا أنها تُعامل كحرب موضعيّة، ولا تستدعي أكثر من خبر إعلامي. بينما أزمة مضيق هرمز، بما لها من تأثير على التجارة العالمية والطاقة، تستأثر كل يوم بمتابعة أدق تفاصيلها، بينما يغيب الأساس القانوني الدولي لمعالجتها، ولا يستطيع مجلس الأمن اتخاذ قرار حاسم بشأنها، في الوقت الذي يعاني اليمن ولبنان ودول الخليج العربي من عبء أوزارها ونتائجها الكارثية بشكل مباشر.

ومثالنا الثاني نلحظه في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث القرارات تكدّست في سبيل نجاح “مجلس السلام”، ولم يستطع الناس هناك رؤية انتقال ملموس في نمط حياتهم المتّجه باستمرار نحو مزيد من التدهور. وكذلك يشهد العالم كيف تقوم حكومة إسرائيل بجيشها وميليشيا المستوطنين في محاولة محو فلسطين من الجغرافيا السياسية وإجبار شعبها على الرحيل مجدّداً، وإعادة الصّراع مع الشعب الفلسطيني إلى مربع العنف خلف أستار توراتية لا أساس علمي لها.

في القطبيّة الدوليّة

لم تحظَ هيئة الأمم المتّحدة بوقتٍ كافٍ للوفاء بما جاء في ميثاقها، حتى فرضت القطبيّة الثنائيّة ظلّها الثقيل مع بداية الحرب الباردة.

وصار “الفيتو” عند الطرفين هو السلاح الذي يختصر الحوار، ويحرّف البوصلة الأُمَميّة عن وظيفتها. وهذا الاستنتاج لا يعني الفشل في كل شيء، إذ ثمة حروب ونزاعات وقضايا عديدة استطاعت الأمم المتّحدة أن تنجزها لصالح البشرية، وثمة قرارات منصفة تم ترجمتها في مجالات عدة، في الصحة والتعليم والبيئة والتنمية البشرية، عندما لا يخدم حقّ النقض “الفيتو” أيّاً من المنتفعين به على حساب الآخرين.

حيث صار حق النقض “الفيتو” امتيازاً يترجم سياسات الاستعلاء القومي، والتملّص من المحاسبة، وعرقلة العدالة بدل حماية السِّلم العالمي.

لقد مضى ثلاثة عقود على سيادة القطب الأميركي المنفردة في تقرير مصير القضايا الدولية، وظهر بالملموس أنّ ثِقَل ظلّ الحرب الباردة أخفّ وطأةً من ثِقَل الأحادية القطبية في أثرها على مسار الأمم المتحدة ودورها ووظائفها. إذ شهدنا تدهوراً سريعاً في المجالات التي كان المعسكر الغربي يفاخر بها وينال من خلالها من المعسكر الاشتراكي، وأهمها حقوق الإنسان وحرية التعبير، وصيانة المناخ العالمي ومعالجة قضايا اللجوء الإنساني القسري والطوعي، حتى وصل الأمر، على سبيل المثال لا الحصر، إلى الدعوة لإنهاء خدمات وكالة “الأونروا” والانسحاب من مؤسسات ووكالات ثقافية مثل اليونسكو وغيرها تحت عناوين سياسية لا علاقة لها بالمعايير المعتمدة، وآخرها فرض عقوبات على المحاكم الدولية والقضاة لعرقلة مسار العدالة الدولية.

ما تقدم وأسباب أخرى لا يمكن حصرها في هذه العجالة، دفع الدول التي تملك حق النقض “الفيتو” مثل روسيا والصين وفرنسا إلى تبنّي مقولة العمل من أجل عالم متعدد الأقطاب، وهذا ما ساعد بعض الدول الإقليمية على السير في هذا الاتجاه مثل الهند والبرازيل وإيران وغيرها.

وربما يكون لهذه الدعوة أثرٌ حميدٌ في صعود دور مجموعة العشرين G20 المؤثّرة، لكن بعيداً عن الأمم المتحدة، إذ لم تستطع مجموعة العشرين G20 إنتاج سياسات عميقة لإحداث تغيير جوهري في دور وأسلوب عمل الأمم المتحدة، بل أصابها الهبوط في عدة مجالات منها الأمن والاقتصاد والموارد الشاملة، ودفع الدول الإقليمية إلى بناء شراكات لها طابع ووظيفة حمائيّة للمحافظة على دورها ووزنها، مثل مجموعة “البريكس” كنموذج اقتصادي و”اتفاقية مكة” التي تحوّلت إلى “حلف مكة الدفاعي” كنموذج عسكري-أمني. وكلا النموذجين يستند إلى تراجع حاد في المنظومة الدولية الحاضنة للقانون الدولي، والحاصل الفعلي لفشل مجلس الأمن في معالجاته وسياسته المعتمدة في الأزمات الدولية الحادّة مثل “غزو العراق” والصراع الأميركي-الإيراني، والحرب في أوكرانيا وغيرها من الصراعات الدموية والتدميرية الشاملة، وآخرها الإبادة في قطاع غزة، حيث فرضت الإدارة الأميركية رؤيتها بعيداً عن الأمم المتحدة وفي مواجهتها.

هنا لا بد من تفكيك فكرة “عالم متعدّد الأقطاب” للبحث في توفّر القوّة والوقائع.

وهنا لا بُدّ من التذكير بأنّ غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الرئيس باراك أوباما ارتبط بتحوّل الموقف الأميركي من أولوية الشراكة مع موسكو إلى عقد أول شراكة مع بكين، الأمر الذي أدّى إلى تحوّل دفة السياسة الخارجية الروسية من التصالح مع الغرب إلى الندّيّة والتحدّي، وخاصةً في المسرح الأوراسي أولاً، حتى وصل الأمر إلى ما نشهده من صراع تدميري في الحرب مع أوكرانيا.

أما وأنّ الشراكة الأميركية-الصينية مرّت بتقلّبات حادّة، أساسها الخيارات الأميركية التي جنحت إلى حشد 70% من القوات العسكرية في محيط الصين، جاءت عملية 7/أكتوبر لتعيد هذه القوات إلى الشرق الأوسط مجدداً، وتراجعت السياسات الخشنة مع بكين إلى إعادة إنتاج شراكة جديدة حمل لواءها الرئيس شي جين بينغ، ونجح نسبياً في زيارته الحالية لواشنطن في السير في الاتجاه نفسه.

إن الدعوة الصينية للشراكة، مع تقديم بعض المغريات للرئيس ترمب، توفّر للصين الوقت والجهد بعيداً عن سباق تسلّح مكلف وخطِر، حيث لم تطرح بكين دورها مع واشنطن بصفتها قطباً ثانياً وندّاً، لأنها تعرف جيّداً نقاط قوتها ومواطن ضعفها. وعليه فإن دعوة العالم “المتعدّد الأقطاب” لا تترجمها بكين ولا تعتبرها هدفاً، بقدر ما ترى دورها يتقدم بهدوء إلى عالم ثنائي القطبية مجدّداً، لكن هذه المرة بين واشنطن وبكين. إلى أن يتم لها ذلك، فالأفضل هو طريق الحرير وليس الحرب، وهذا منطق الاعتدال الصيني المعتمد حتى الآن.

وعليه فإنّ من يعتقد بأن عالماً “متعدد الأقطاب” ينتظرنا، لا شك أنه على درجة من الوهم في قراءة التحوّلات الدولية.

لذا تبقى هيئة الأمم المتّحدة رهن هذه المعادلة الانتقاليّة السائدة في المسرح الدولي، تحافظ على قديمها، وتحاول أن تفعل شيئاً مفيداً للبشرية، حيث تستطيع إنجاز ملفّاتٍ لا داعي لاستخدام حق النقض فيها.

وفي منطقتنا الشرق أوسطية، لن تستقر أمورنا من دون وصول الصراع الأميركي-الإيراني إلى نهايته، حتى تُبنى على نتائجه خلاصات سياسية-أمنية-عسكرية واقتصادية.

وهنا لا بدّ من القول إنّ مبادرة اتفاق مكة والحلف الذي تشكّل بموجبها يشكّلان أكبر قوة استقرار واعتدال يمكنها رسم مستقبل المنطقة بالشراكة مع واشنطن وبكين، فضلاً عن الشراكات الحالية مع الاتحاد الأوروبي وروسيا.

أخيراً، إنّ الأمم المتّحدة مؤسّسة ضروريّة، والحفاظ عليها مهمّة دوليّة عامّة تخدم صالح البشريّة وقوى الاعتدال، ولا شك بأنّ خطاب رئيس الوزراء الإسباني، في إشارته إلى ضرورة إنهاء العمل بحق النقض “الفيتو” من أجل فتح الطريق واسعاً للمساءلة والمحاسبة، يأتي في هذا السياق.

إلا أن الوصول إلى هذا الهدف ما دونه عقبات وصعوبات لا يمكن تقديرها الآن.

لكنّ الأمر يستحق المحاولة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل