
قراءة في اخر مؤلفات محمد علي مقلّد


النص الذي يلي ألقي خلال ندوة حول كتاب الدكتور محمد علي مقلد "نهاية حزب الله وكل أشكال الأصولية" في معرض بيروت للكتاب.
لا تبدأ المراجعة النقدية في لبنان من نقد تجربة الآخر، حين تكون على صلة بالدولة والمجتمع والعنف، بل من الدور الشخصي أولاً، ثم الحزبي، فضلاً عن نقد الحاضنة الاجتماعية.
أعتقد أن هذا الخيار أكثر صوابية في الحالة اللبنانية وخصوصيتها الكيانية والسياسية.
وما يعزّز هذا الاعتقاد تصنيف لبنان كدولة مساندة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وليس دولة مواجهة، باعتباره ينتمي إلى دول الطوق، كما كان يُستخدم هذا المصطلح عربياً.
وفق هذه المعادلة، نجا لبنان من احتلال جزء من أرضه كما حصل بعد حرب حزيران عام 1967، ولم يشمله القرار الأممي 242، أساس التسويات العربية ـ الإسرائيلية حتى اليوم. ومع ذلك، تحمّل هذا البلد النتائج الكارثية للهزيمة الحزيرانية أكثر من دول المواجهة ذاتها، وما زال يدفع أثمان سياسات لا علاقة له بها.
لقد وقّع “اتفاق القاهرة” مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، مُكرهاً أخاك لا بطل.
وشهد حرباً أهلية لم يرحم المساهمين فيها ، خصماً ولا صديقاً. ومارس الدكتاتور السوري حافظ الأسد وابنه، وصاية عنيفة وإجرامية بالتوافق مع الإدارة الأميركية وإسرائيل، لمدة تقارب نصف عهد الاستقلال اللبناني.
حتى وصلت طلائع الحرس الثوري الإيراني إلى بعلبك، وتحولت إلى حزب يملأ كل فراغ محتمل، ويُحدث الفراغ عندما يتطلب الأمر في الحالة اللبنانية.
حتى فاض عن حدود لبنان الكبير إلى أقاصي إقليم الشرق الأوسط، فضلاً عن الانتشار اللبناني في العالم.
كما أعتقد أن المراجعات المُجْدِيَة تحتاج إلى أرشيف، وإلى حقيقة مكشوفة للبناء عليها، بينما في لبنان قُتل من السياسيين والباحثين والصحافيين بشكلٍ ممنهج، لمجرد أنهم على صلة ما بالحقيقة، ولم يُستثنَ من ذلك عمال ومهنيون من بسطاء القوم، لاحتمال أن يشهدوا على ما يعرفون في لحظة انفجار كبير.
إن حجم إشكالية العنف وعلاقتها بالدولة والكيان أكبر وأوسع مما يُحكى عنها، ولا تماثل دول المنطقة. لذا أعتقد أن أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية ونخبها لم تقدّم نقداً بمستوى الإشكالية اللبنانية، وأي نقد مفصّل على مقاسات واحتياجات سياسية آنية ليس نقداً، بل استخدام للنقد الجزئي من أجل أهداف محددة، وهذا ما يشبه الاعتذار الشكلي من أجل استمرار الحوار، والمصالحات الظرفية ذات المنافع المباشرة والضيقة، مع بعض الاستثناء الذي يبرهن على القاعدة السائدة.
لأن معظم ما كُتب من قراءات نقدية فيه من الثغرات والتبريرات ما ينسف مفهوم المراجعة ويلغي وظيفتها جزئياً أو كلياً. فإن لم تكن المراجعة اعترافاً صادقاً وعميقاً، فلا جدوى من طلب المغفرة، ولن تفتح طريقاً لإنتاج حلول جديدة ومبتكرة في واقع معقّد ما زال لبنان يعيش أسوأ لحظاته حتى اليوم.
وفي مطالعتي لكتاب الصديق الدكتور محمد علي مقلّد، لمست ما يتقاطع بدرجات متفاوتة مع هذه المقدمة. وعلى الرغم من قناعتي بِصِدقِيّة عمله وموقفه، إلا أن المسألة تتعلق بالمنهج وليس بشخص الكاتب الذي أودّ وأحترم، لأنه من القلة النادرة التي امتلكت جرأة النقد وحرارة المساءلة الذاتية والجماعية، بالقياس إلى من على يقينهم باقون وعلى إيمانهم راسخون، سواء من أهل اليمين أو أصدقائي اليساريين.
أهداف المشروع ونظام المصلحة الإيرانية
بمتابعة القراءات والمواقف النقدية، نجد انها تحدثت عند الأخطاء والمشكلات المتراكمة في مسار الحزب في لبنان ، اكثر مما ذهبت إلى نقد ونقض المشروع الإيراني الاقليمي من زاوية تصادمه العميق مع المصالح العربيّة عموماً والمصلحة الوطنيّة في كل بلد وعلى وجه الخصوص في لبنان اولاً وفلسطين ثانياً. إذ تحوّلت الثورة على النظام الشاه ، إلى مركز التقييم السياسي العميق ، كما تحوّلت شعارات العداء لأميركا واسرائيل ، مساحة التقاء مع القوى التّحريريّة والثوريّة واليساريّة ، في لبنان و فلسطين مع صعود موجة شعبويّة واسعة تمنع تظهير أي تحفّظ او برود أمام هذا الانتصار الذي أطاح بنظام الشاه المكروه على نطاقٍ واسعٍ في بلادنا.
في الحالة الفلسطينية ، لم تكتمل أيام شهر العسل ، حتى صار النفور واضحاً بين المرشد الخميني والزعيم ياسر عرفات ، على فالق القسمة بين الثورة الاسلاميّة والثورة الوطنيّة ، وفي صياغة اخرى على قاعدة رفض ياسر عرفات أي تبعية أو وصاية على القرار الفلسطيني المستقل الذي يلخّص ويشير بوضوح إلى نظام المصلحة الوطنية الفلسطينيّة.
هذا النموذج لم يظهر في لبنان سواء عند القوى اليسارية او اليمينية التي ترفع راية حماية الاستقلال اللبناني بشكل واضح ومباشرٍ بما فيها بعض قادة ثورة 14 آذار، و لدينا أمثلة و مواقف و سياسات تدل على هذا القُصور في الدفاع عن نظام المصلحة الوطنية اللبنانية و قد ارتُكِبَت من عدّة أطراف أساسيّة؛ وأهمها:
اوّلاً: المسار الطويل لسياسة حزب الله في إلغاء الآخر و تصفية رموز الاحزاب والشخصيات الشيعية العلمانيّة ومحاولة الغاء حركة أمل. وثانياً: الى الانقسام الكبير بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار الذي انتهى بزواج مصلحي ضيق كان عنوانه التحالف الرباعي ولا داعي لوصف نهاية هذا المسار على الدولة اللبنانية العاجزة عن القيام بدورها في صياغة وتقرير نظام المصلحة الوطني حتى عهد الرئيس الجنرال ميشال عون.
لذا، عندما تغيب القوى المخوّلة بإنتاج نظام المصلحة اللبناني ، فإنّ النقد لا يستند إلى مبنى يمكن أن يُحْدِث نتائج ملموسة. و تبدو عملية النقد مجرد سجال اعلامي بين مدافع و مهاجم کما نشهد يومياً في الفضائيات و المنصات الرقميّة ووسائل التواصل الاجتماعي.
في اشكالية الدولة والعنف
من حزب الله "هم الغالبون" إلى "المقاومة الاسلامية" إلى "المقاومة" فقط. ثمّة تحوّلات ذات معنى ، تناسب الانتقال من مرحلة التأسیس، وتثبيت الهوية الخاصة ، إلى مرحلة تشكيل "جبهة المقاومة الاسلامية" مع القوى حامله الايديولوجيا الاسلامية، إلى مرحلة السيطرة والتحكم وتوسيع التحالفات مع العلمانيين و اليساريّين ، حيث صارت كلمة "مقاومة " كلمة مفتاحية ومصطلح لا يستطيع البعض اعتراضه حتى من الناحية اللفظية البحتة.
هنا لا أرى فائدة من محاولة الدكتور مقلّد القول "أتّفق مع المقاومة بالمبدأ وأختلف في الاسلوب" . كما لا أعتقد أنّ النقد المبني على جزئية سواءً كانت صحيحة أو خاطئة، يؤثر بحزب الله او ينال منه، لطالما أنّ النقد يجري على أرض ملعبه ، وهذه ليست زِلّةً للدكتور مقلّد، إنما هذه خطيئة الاحزاب السياسية الكبرى في تكتّل 14 آذار، و قادته خلال السنوات الأولى لأنها لم تصل في نقد مشروع الحزب إلى نقد علاقته ووظيفته في مشروع إيران الإقليمي . بل ذهبت إلى "التحالف الرّباعي" معه في الانتخابات بعد الانسحاب السوري عام 2005 ، وتبنّت المعادلة الأثيرة للحزب "جيش وشعب ومقاومة" .
منذ تلك اللحظة، بات الحزب يفرض الايقاع السياسي ومسار الدولة اللبنانية ، بينما الأطراف الأخرى عاجزة عن حفر مجرى مستقلّ لسياساتها الحزبية أو الدولتيّة. على الرغم من قوّة نفوذها الجماهيري وعلاقاتها العربية والدولية . إلا أنها اكتفت بالرقص على ايقاع حزب الله ، ودفعت ثمن هذه السياسات، مقابل استمرارها في السلطة والمشهد العام.
ما تقدّم يمكن تلخيصه في عجز القوى السيادية اللبنانية عن نقد مفهوم العنف من خارج مؤسسة الدولة ، وهذا لا يعود فقط للمرحلة الأخيرة ، بل يعود إلى ما بعد حرب حزيران واتفاق القاهرة و اتّفاق 17 أيّار ، كمحطّات مفصليّة.
"آستان " من نوعٍ خاص
تعني كلمة "آستان" باللغة الفارسيّة محافظة وقد كان المشروع الايراني واضحاً من اللحظة الأولى بأنّه يطمح بتصدير الثورة للعالم الاسلامي و للطائفة الشيعيّة بشكلٍ خاص .
كما كان واضحاً أن نشاط الحرس الثوري في لبنان على صلة بالصراع السياسي بين طهران و واشنطن . و عليه فإنّ وجود قاعدة عسكرية متينة في لبنان تحت شعار محاربة إسرائيل، يعطي طهران بُعداً استثنائياً للاقتراب من الحدود والبحر المتوسّط معاً .
ولما كانت التركيبة اللبنانية لا تسمح بإنتاج نظام إسلامي في لبنان كما كان يصرّح به الموالين للوليّ الفقيه. فإنّ إمكانية بناء "آستانة " تعتمد على الحضور الشيعي الديمغرافي والجغرافي هو الخيار الممكن و المناسب أيضاً للبرغماتيّة الإيرانيّة الصّلبة.
وهذا ما بدأ فعله انطلاقاً من بعلبك والضاحية الجنوبيّة حتى شمل مساحة جنوب نهر الاولي وليس نهر الليطاني.
ومن يتابع ويعرف ويرى حجم البناء من كافة جوانبه السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية يدرك أن الموضوع أبعد من مشاركة حزب في دولة ، بل هو في الواقع سيطرة حزب على دولة.
هذا الكلام سهل الآن ، إلا أن من تحدث به في عقد الثمانينيّات كان يعتبر من الخَوَنَة او المستسلمين.
وهنا لابد من مراجعة طبيعة النشاط العسكري والعمليات الامنية التي نفّذها الحزب ، نجد في مرحلة البداية كانت خطف الرهائن وعمليات ضد المنشآت الأميركية والفرنسية ، وعمليات الغاء وسيطرة داخلية.
ولاحقاً الاشتباك مع قوات جيش لبنان الجنوبي حتى الانسحاب الاسرائيلي في أيار 2000 ، لِندخل لمدة ستة سنوات في حكاية "مزارع شبعا" ، و عمليّة خطف الجنود الاسرائيليّين في تموز 2006 لتعزيز الموقف التفاوضي الإيراني مع واشنطن حول البرنامج النّووي التي أدّت بدورها إلى حرب كارثية سُمّيَت نصراً إلهيّاً و أنتجت القرار 1701.
أخيراً، صمدت قواعد الاشتباك حتى بدأت عمليات الاسناد المحدود و الانتقام للولي الفقيه والباقي معروفة نتائجه اليوم .
هذا ما يؤكّد أن ثِقل البناء العسكري للحزب تمّ تصريفه بالداخل اللبناني والسوري و في الإقليم. ما يبرهن على أنّ الأساس في هذا البناء هو المصلحة الإيرانية وليس لبنان الوطن وهم يفاخرون بهذا. لذا لم أبالغ عندما قُلت تمّ بناء محافظة إيرانية في لبنان.
ختاماً:
1. يمكن القول أن ايران انتصرت على العرب في معركة استقطاب جزء من الطائفة الشيعيّة ونزعهم من ولائهم لأوطانهم في إطار نظرية ولاية الفقيه.
2. كما استطاعت ايران الاستثمار بالإسلام السياسي السنّي على مختلف فئاته و وظفته لخدمة مصلحتها العُليا.
3. نجحت إيران في اختراق التيّارات القوميّة و اليساريّة و نسج تحالفات مفيدة لها من خلال الشعارات العامة المعادية لإسرائيل و أميركا.
4. استطاعت ايران عبر التّحالفات غير المعلنة مع واشنطن وعواصم دوليّة وعربيّة، أن تدفع بمشروعها الإمبراطوري إلى أقصاه وتباهت باحتلال اربع عواصم عربية.
أدّى انفجار العلاقة الإيرانية – الاميركية بشكلها الجديد في عهد ترمب الحالي إلى صدمة استراتيجية أجبرت المشروع الاقليمي الايراني على الانتقال من الهجوم الاستراتيجي التوسعي إلى الدفاع الاستراتيجي والانسحاب من بعض المواقع قسراً مثل سوريا.
6. لا يمكن القول أن المشروع الإيراني في طهران وصل إلى مرحلة الاستسلام بل مازال يحاول كسب الوقت طالما بقيت السياسات الأميركية غير متماسكة على خياراتها في الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة اسقاط النظام.
7. مازال من المبكر الحديث عن النهايات في العراق واليمن ولبنان ، لطالما استمرّ الحرس الثوري ممسكاً بعصا القيادة في طهران.
8. إن القول بنهاية الاصوليات بالمعنى التاريخي قابل للنقاش لكن القول بنهاية الاصوليات بالمعنى الميداني لا جدوى منه في المدى القريب.
9. إنّ المراحل الانتقالية حتى ولادة الجديد لا يمكن اعتبارها قصيرة الأمد ، بل قد تستغرق سنوات أكثر من التوقعات النظرية.
وليس اخراً إن القوانين الموضوعية المستقلّة عن ارادة البشر تسخر منّا أحياناً و تجعلنا ندفع أثماناً لا طاقة للناس بها، كما يحصل اليوم في فلسطين واليمن والعراق ولبنان .وهذا ما يستوجب دراسة حالتنا والتعمّق في مشكلاتنا المرة تلو الاخرى حتى نستطيع استخلاص جملة مفيدة للمستقبل تساعد على نهاية العنف المتفلّت في بلادنا و اعادة بناء مجتمع ودولة تليق بالأجيال القادمة.


















