
من اتفاق القاهرة إلى معالجة الأسباب الجذرية للأزمة


لا تبدأ مقاربة أزمة المخيمات الفلسطينية في لبنان من السؤال المتعلق بكيفية إدارتها، بل من فهم الأسباب التي جعلت هذه المخيمات تعيش، طوال عقود، في حالة استثنائية داخل الدولة اللبنانية. فالمشكلة لم تكن يوماً إدارية أو أمنية فقط، وإن ظهرت في كثير من الأحيان بهذه الصورة، بل هي نتاج تراكم سياسي وقانوني واجتماعي ارتبط بقضية اللجوء الفلسطيني، وبطبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين، وبالتحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية ولبنان والمنطقة.
من هنا، فإن إطلاق المشاورات حول الخطة الوطنية لحَوْكَمَة المخيّمات الفلسطينية في لبنان، في السراي الحكومي يوم الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز مضمون الوثيقة ومحاورها السبعة، إلى طبيعة التحول الذي يمكن أن تحدثه في واقع المخيمات وفي العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية عموماً. فالسؤال ليس ما إذا كانت الدولة اللبنانية تحتاج إلى بسط سلطتها وسيادتها على كامل أراضيها، فهذا مبدأ دستوري وسيادي لا خلاف عليه، بل كيف يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى منظومة قانونية ومؤسسية تحفظ الأمن والاستقرار، وتصون في الوقت نفسه الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين، من دون المساس بهويتهم الوطنية وحقهم في العودة.
من اتفاق القاهرة إلى مرحلة الحَوْكَمة
لا يمكن فهم النقاش الراهن حول حَوْكَمَة المخيمات من دون العودة إلى اتفاق القاهرة الموقع في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 1969 بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية. فقد جاء الاتفاق في مرحلة كانت فيها الثورة الفلسطينية المسلحة تسعى إلى تنظيم وجودها في لبنان وممارسة العمل الفدائي، فيما كانت الدولة اللبنانية تحاول ضبط هذا الوجود وتحديد علاقته بمؤسساتها العسكرية والمدنية.
تناول الاتفاق تنظيم الوجود الفلسطيني، وحقوق العمل والإقامة والتنقل، وإنشاء لجان محلية فلسطينية في المخيمات لرعاية مصالح السكان بالتعاون مع السلطات المحلية، كما نظم جوانب من العمل الفدائي والعلاقة مع الجيش اللبناني، وأكد استمرار السلطات اللبنانية المدنية والعسكرية في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها. لكنه نشأ في سياق سياسي وأمني استثنائي، ولم ينجح في منع تفاقم التوترات والتناقضات التي أحاطت بالوجود الفلسطيني المسلح وبالعلاقة مع الدولة اللبنانية.
وفي الحادي والعشرين من أيار/مايو 1987، ألغى مجلس النواب اللبناني الاتفاق. غير أن إلغاءه لم يؤدِّ إلى معالجة القضايا التي نشأت في ظله، ولا إلى بناء إطار بديل متكامل ينظم العلاقة بين الدولة واللاجئين الفلسطينيين.
إن أهمية العودة إلى اتفاق القاهرة لا تكمن في الدعوة إلى استعادته أو إعادة إنتاج المرحلة التي نشأ فيها، بل في فهم التحول الذي طرأ على طبيعة المسألة الفلسطينية في لبنان. ففي مرحلة 1969 كان السؤال الأساسي هو تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح وعلاقته بالدولة اللبنانية. أما اليوم، فنحن أمام مجتمع فلسطيني يعيش في لبنان منذ أكثر من سبعة عقود، وتراكمت لديه مشكلات قانونية واجتماعية واقتصادية وعمرانية، في ظل استمرار اللجوء وتعثر الحل السياسي للقضية الفلسطينية.
وبين المرحلتين تبدلت طبيعة المسؤوليات والوقائع، لكن الأسئلة المتعلقة بالمرجعية الفلسطينية، وحدود الصلاحيات، وحقوق اللاجئين، والعلاقة مع الدولة اللبنانية، بقيت قائمة. وإذا كان اتفاق القاهرة قد حاول تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والثورة الفلسطينية في مرحلة الكفاح المسلح، فإن التحدي اليوم هو بناء علاقة بين الدولة اللبنانية والمجتمع الفلسطيني في مرحلة اللجوء الممتد، تقوم على القانون والمؤسسات، وتحفظ السيادة اللبنانية والحقوق الفلسطينية معاً.
من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها
تتضمن الخطة الوطنية سبعة محاور تشمل السلاح والأمن والدفاع، والقضاء وسيادة القانون، وإدارة المخيمات، والمسح العمراني والاجتماعي والاقتصادي، والرعاية الدولية، واللجان الشعبية والمشاركة المجتمعية. وهذا الاتساع في تناول الملفات يعكس إدراكاً بأن واقع المخيمات لا يمكن معالجته من زاوية أمنية منفردة، وأن تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والمؤسسات الفلسطينية والبلديات والأونروا يحتاج إلى إطار مؤسسي أكثر وضوحاً.
لكن تعدد المحاور لا يكفي وحده لإنتاج مقاربة جديدة. فالمخيمات ليست مجرد مناطق سكنية تعاني ضعف الخدمات أو غياب التنظيم العمراني، بل هي تجمعات للاجئين نشأت بفعل اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم، وتحولت مع مرور الزمن إلى مجتمعات متكاملة، لها مؤسساتها ومرجعياتها وخصوصياتها الاجتماعية والسياسية.
وقد أدى غياب إطار قانوني مستقر ينظم العلاقة بين الدولة واللاجئين، إلى جانب الانقسامات الفلسطينية وتداخل المرجعيات وتراجع دور المؤسسات، إلى نشوء فراغات في الإدارة والأمن والخدمات. ولم تكن هذه الفراغات منفصلة عن السياسات التي تعاملت مع الوجود الفلسطيني باعتباره ملفاً مؤقتاً، رغم أن اللجوء امتد عبر أجيال، وتبدلت خلاله حاجات السكان وأشكال حياتهم.
لذلك، فإن تقييم الخطة يقتضي العودة إلى ما سبقها، ولا سيما الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللاجئين الفلسطينيين عام 2017. فالمطلوب ليس تكرار العناوين التي وردت في وثائق سابقة، بل معرفة ما الذي تعثر في تنفيذها، وأسباب ذلك، وما إذا كانت الخطة الجديدة تمتلك آليات مختلفة وقدرة فعلية على تجاوز العقبات السياسية والقانونية والإدارية التي حالت دون تنفيذ التفاهمات السابقة.
السيادة اللبنانية والحقوق الفلسطينية
يحتل ملف السلاح موقعاً أساسياً في الخطة، التي تتجه إلى إنهاء المظاهر المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني وفق مسار تدريجي، وتعزيز حضور القوى الأمنية الشرعية، وتطوير مفهوم الشرطة المجتمعية. ويأتي ذلك في سياق قرارات الحكومة اللبنانية المتعلقة بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة.
غير أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تعيد إنتاج المقاربة التي تختزل المخيمات في بعدها الأمني. فاستعادة سلطة الدولة لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بتطبيق القانون، وتوحيد المرجعيات، وتوفير الخدمات، وبناء الثقة بين المؤسسات الرسمية وسكان المخيمات.
والأمر نفسه ينطبق على الحقوق المدنية والاجتماعية. فحق الفلسطيني في العمل والحماية الاجتماعية والملكية والإرث، وتسوية أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية، ليست مسائل يمكن تأجيلها إلى ما بعد إنجاز الملف الأمني، ولا ينبغي أن تتحول إلى مقابل سياسي أو أمني. إنها ملفات قائمة بذاتها، تتطلب معالجة تشريعية وإدارية واضحة، وتسير بالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالسلاح والأمن.
وقد أكد رئيس الحكومة نواف سلام في كلمته أن معالجة أوضاع المخيمات ينبغي أن تجمع بين الأمن وسيادة القانون وانتظام المؤسسات، وبين معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية. كما شدد على رفض التوطين والتهجير، والتمسك بحق العودة، واستمرار الأونروا في أداء مهامها وفق ولايتها الدولية. وأكد ممثل القيادة الفلسطينية ياسر عباس أن الحقوق الإنسانية والمدنية لا ينبغي أن تكون مشروطة بأي مسار آخر. وهذه المواقف تضع أمام الخطة معياراً أساسياً: ألا تتحول الحقوق إلى وعود مؤجلة، وألا يصبح الملف الأمني مدخلاً لتعليق بقية الملفات.
من يمثل سكان المخيمات؟
ربما يكون السؤال الأكثر حساسية في مشروع حَوْكَمَة هو موقع سكان المخيمات في صياغة القرار وإدارة شؤونهم. فالخطة تتحدث عن اللجان الشعبية والمشاركة المجتمعية، وتقترح إطاراً مؤسسياً لإدارة المخيمات، لكن الحَوْكَمة لا تعني إنشاء هيئة إدارية جديدة أو إعادة توزيع الصلاَحيات بين المؤسسات فقط.
إنها تعني أيضاً تحديد من يشارك في القرار، وكيف يجري تمثيل السكان، وما آليات المساءلة والرقابة، وكيف يمكن ضمان عدم تحول الإدارة الجديدة إلى مرجعية إضافية تضاف إلى المرجعيات القائمة.
لقد تغير المجتمع الفلسطيني في لبنان، وتبدلت حاجاته وأولوياته، ولم تعد الصيغ التقليدية للتمثيل كافية بالضرورة للتعبير عن تنوعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ومن هنا، فإن تطوير دور اللجان الشعبية ينبغي أن يرتبط بآليات تمثيل واضحة، تتيح مشاركة السكان، وتفتح المجال أمام النساء والشباب والهيئات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني.
ولا يكفي أن تستمع المشاورات إلى آراء هؤلاء، بل ينبغي أن تكون لهم مساهمة فعلية في تحديد أولويات الخطة، ومراقبة تنفيذها، وتقييم نتائجها. فالمخيم ليس موضوعاً إدارياً يجري تنظيمه من الخارج، بل مجتمع له الحق في المشاركة في القرارات التي تمس حياته اليومية، ضمن إطار سيادة الدولة اللبنانية وقوانينها.
الاختبار في التنفيذ لا في إعلان النوايا
تحتاج الخطة، لكي تنتقل من مستوى التصور إلى مستوى التنفيذ، إلى برنامج زمني واضح، وتحديد للجهات المسؤولة عن كل محور، ومصادر تمويل معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآلية للمساءلة والتقييم. كما تحتاج إلى تحديد العلاقة بين هيئة إدارة المخيمات المقترحة والوزارات والبلديات والمرجعيات الفلسطينية والأونروا، منعاً لتكرار ازدواجية الصلاحيات التي كانت من أسباب الأزمة.
ولا يمكن فصل ذلك عن دور الأونروا، التي لا تزال تتحمل مسؤوليات أساسية في التعليم والصحة والإغاثة والخدمات. فإعادة تنظيم إدارة المخيمات لا تعني نقل مسؤوليات الوكالة إلى الدولة اللبنانية من دون تحديد الصلاحيات والموارد والمرجعيات، ولا تعني إضعاف ولايتها الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين.
كذلك، فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تتحقق بمجرد إجراء مسح سكاني أو عمراني، بل تحتاج إلى برامج عمل واستثمار وتدريب، وإلى إزالة العقبات القانونية التي تحد من قدرة الفلسطينيين على العمل والإنتاج والمساهمة في الاقتصاد اللبناني.
وتبقى المشاورات المعلنة على مدى ستة أشهر فرصة لاختبار جدية المشاركة اللبنانية والفلسطينية، ومدى استعداد الجهات المعنية لتطوير المسودة وإدخال تعديلات حقيقية عليها. فالمشاورات لا تكتسب قيمتها من عدد الاجتماعات أو الجهات المدعوة إليها، بل من أثر الملاحظات في الصيغة النهائية، ومن قدرة سكان المخيمات على المشاركة الفعلية في رسم مستقبلها.
أي حَوكَمة نريد؟
إن الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية تفتح نقاشاً ضرورياً حول مستقبل العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية، لكنها تضعنا أيضاً أمام سؤال أوسع من حدود المخيمات: هل يمكن بناء علاقة جديدة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين، تقوم على وضوح المسؤوليات واحترام السيادة والقانون، من دون أن تتحول إلى علاقة أمنية تختزل الإنسان في وضعه القانوني أو مكان إقامته؟
إن معالجة الأزمة تتطلب تفاهمات متلازمة: تفاهم سياسي لبناني ـ فلسطيني يحدد طبيعة العلاقة ومسؤوليات أطرافها؛ وتفاهم حقوقي وتشريعي ينهي حالة الالتباس في الحقوق المدنية والاجتماعية؛ وتفاهم مؤسسي يضمن مشاركة سكان المخيمات في الإدارة والرقابة والمساءلة.
ولا ينبغي أن تكون حَوْكَمَة عنواناً جديداً لإدارة واقع قائم، أو وسيلة لإعادة ترتيب المؤسسات من دون تغيير الشروط التي أنتجت الأزمة. فالمعيار الحقيقي لنجاحها لن يكون عدد الهيئات التي تنشأ أو القرارات التي تصدر، بل ما يتحقق على الأرض من أمن وكرامة وحقوق وخدمات، وما تنجح في بنائه من ثقة وشراكة بين الدولة اللبنانية والمجتمع الفلسطيني.
المشكلة ليست في الحاجة إلى حَوْكَمَة المخيمات، بل في تحديد مضمون هذه الحَوْكَمَة ، ومن يشارك في صنعها، وما إذا كانت قادرة على معالجة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. فالتحدي أمام هذه الخطة هو أن تنقل العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية من إرث التفاهمات الأمنية والالتباسات السياسية إلى شراكة مؤسسية واضحة، تحفظ سيادة لبنان وحقوق اللاجئين، وتبقي قضية العودة في موقعها الوطني والسياسي، لا أن تتحول الحَوْكَمَة إلى مجرد صيغة جديدة لإدارة أزمة مستمرة.

















