

ماذا لو كان المخرج وودي آلن حاضراً هذا العام في الاحتفال بذكرى سقوط البرجين؟ يفكر وينظر ويسمع، ويراقب الرئيس بيل كلينتون، الذي بشّر بنظرية الطريق الثالث للألفية الجديدة، بينما يرى عيون جورج دبليو بوش تنغلق على مشهد غزو العراق، وأوباما المنقذ الأسمر يتقلب في سياساته برشاقة لا تقل عن رشاقته البدنية. وينام إلى جانبه، واقفاً، جو بايدن، يحمل تعابير الحزن والهرم والملل، كنسخة لا تشبه الأصل.
أعتقد أن المخرج آلن سيراقب، أكثر من غيره، بنظرة فاحصة القادم الجديد لرئاسة البلدية، زهران ممداني، ليكتشف كيف اقتحم المشهد من خارج مجتمع الرؤساء الحاضرين في الصف الأول. وهل سمحت المدينة له بذلك في غفلة من الزمن، أم أنه يحمل الصوت الجديد في مدينة نيويورك؟ ولماذا هو مختلف عن الرؤساء الحاضرين، فضلاً عن خصومته الحادة مع الرئيس ترمب، الذي اختار أن يكون وحيداً في البنتاغون من أجل الاحتفال بالذكرى؟
ربما تدفع المشهدية المخرج آلن إلى البحث عن التفاعل الإنساني المعقد مع بنية المدينة العظيمة، ودورها الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي، وعطائها المهول وما تسلبه أيضاً من حياة أهلها. وهو العاشق للمدينة، وناقد نخبتها، ومحبّ بسطائها.
ربما يرى المخرج توازناً مختلفاً لمشهدية الحُفَر السوداء، والماء الذي يذهب ولا يعود، ويستمر في الذهاب حتى يستحضر أرواح ضحايا الإرهاب وصراخهم.
ربما سيقول: كفى. لا بد من إعادة بناء البرجين، لكن ليس بالضوء فقط، حتى نسير نحو مستقبل يشفي القلب والعقل معاً.
لكنه ربما يوافق نخب المدينة على الجمع بين ضرورة عدم النسيان وضرورة الانبعاث مجدداً. فالأمر صار أبعد في أثره من مدينة تحتضن أفرادها من كافة شعوب الأرض وقبائلها.
مدينة تمتلك النصيب الأكبر في صناعة القرار للبشرية حتى الآن. ولولا هذه الهوية، لما وقف زهران ممداني في الصف الثاني وراء الرؤساء الأربعة، ينظر بشغف إلى باراك أوباما الذي سبقه في الاختراق الكبير لسدّة الرئاسة. ولولا هذه المدينة، لما استطاع ممداني تحدي الرئيس دونالد ترمب وهزيمته في عقر داره.
مشهدية الاحتفال السنوي تفتح مجدداً الجدل على مقاربات وقراءة جديدة لربع قرن من الصراع العالمي، مقاربات تحتاج إلى كشف الحقائق أولاً، حتى نتمكن من التوازن؛ لأن صدمة البرجين ما زالت ارتداداتها تلف الكرة الأرضية في كل يوم، وما زال العنف في تصاعد، ولا حل له إلا المزيد من العنف. لكن، مع هذا، يمكن القول إن مانهاتن اليوم أفضل.
الرياض
ما زال الرؤساء في واشنطن يؤدّون، في مناسبة هجوم 11 سبتمبر/أيلول، مع الجمهور، القسم الذي يفيد: “لن ننسى قط، على الإطلاق، لهذا نحن نقاتل”، و“ليس لدينا خيار، لا يمكن إلا أن ننتصر” على الإرهاب والإرهابيين.
وهؤلاء ليسوا فقط أسامة بن لادن، عرّاب الهجوم، ولا خالد الشيخ محمد، المخطط الرئيسي للهجوم والمعتقل منذ 29 عاماً، وينتظر المحاكمة أمام العدالة الأميركية، ولا حفنة الانتحاريين، ومعظمهم من الجنسية السعودية. إنما هم عنوان تندرج تحته سلسلة لا متناهية من السياسات والقرارات والإجراءات، غيّرت مرة واحدة وإلى الأبد الأمة الأميركية، والمؤسسة الدولتية، وكافة مراكز القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، فضلاً عن مراكز الإعلام.
منذ تلك اللحظة المشؤومة حتى اليوم، ومع هذا التحول العميق في المؤسسة الأميركية، أي الدولة العميقة، لا بد للعالم أن يتغير أيضاً، ولا بد للمملكة العربية السعودية أن تستقبل هذا المتغير الكوني بصفتها الدولة التي يحمل جنسيتها معظم من نفّذوا الهجوم على رموز قوة الولايات المتحدة وأصابوها في مقتل.
وقتها كان الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد، ومعه سدنة العائلة المالكة في الرياض، على إدراك بأن ما يجري ليس حدثاً أمنياً، كما أن تواصلهم مع الرئيس جورج دبليو بوش لم تكن وظيفته إثبات براءة المملكة، بل كيف يمكن معالجة تداعيات الحدث الذي من شأنه أن يهز أركان التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض.
لذا، وفي خطاب للأمير عبد الله، ولي العهد وقتذاك، قال: “لا يجوز تحميل دين كامل أو شعب كامل مسؤولية عمل مجموعة متطرفة”، ودعا إلى تشكيل “التحالف ضد الإرهاب”، من أجل الضرب بيد من حديد.
ولاحقاً شهدنا جملة مبادرات سياسية وثقافية واجتماعية وعسكرية، كان أبرزها “مبادرة السلام العربية” في بيروت عام 2002.
ويمكن تنسيب السياسات الممنهجة التي يطلقها ولي العهد الحالي إلى تلك اللحظة، لحظة صدمة البرجين التي أصابت واشنطن والرياض معاً.
إلا أن هذا لا يفسّر، ولا يعني، أن السياسات الأميركية التي شهدناها في العقدين الماضيين كانت سياسات صائبة ومشروعة لأنها تستند إلى حدث 11 سبتمبر/أيلول.
سفك دم
لم يعترض أحد عندما تشكّل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وقررت واشنطن استهداف حكومة طالبان الحاضنة لتنظيم القاعدة. وكذلك الحال في استهدافات متنوعة وصلت إلى معظم قارات الأرض.
لطالما كان تعريف “الإرهاب” محدداً وواضحاً، وله أسانيد معلوماتية وسلوك قتالي، سواء على مستوى المجموعات أو الأفراد أو الدول الراعية للإرهاب. وهنا تبدأ مشكلة أخرى لا علاقة لها بالأعمال الإرهابية المباشرة، بل في توسيع مفهوم “الإرهاب” وتشخيص مفهوم “الدول الراعية للإرهاب”، وهو الأخطر على الإطلاق.
إذ تحوّل مبدأ مكافحة الإرهاب إلى معيار مطاطي قابل للتفصيل على مقاس سياسات لها أهداف أخرى. ومثالنا على هذا أن دولة إيران، التي لا تخفي حقائق يمكن البرهنة عليها ببساطة بأنها دولة راعية للإرهاب، تدخل شريكاً مع واشنطن في تأمين عملياتها ضد حكومة طالبان، وهذا ما كان يفاخر به بعض قادة الحرس الثوري.
فإذا كانت دواعي هذه الشراكة تكتيكية بحتة بالنسبة للبنتاغون، ويمكن تجاوزها في الحالة الأفغانية، فإن الشراكة الأميركية ـ الإيرانية في غزو العراق لا يمكن تجاوزها، ولا يستطيع أيٌّ من خبراء الأمن والسياسة في الدولة الأميركية العميقة تبريرها. وهذا ما ظهر لاحقاً بكل ما أحاط غزو دولة العراق من ملابسات ونتائج كارثية، يمكن تلخيصها بأنها عملية سفك دم بكل الأبعاد، والمعلومات والأرقام تشير إلى هذا باعتراف أميركي، فضلاً عن تقارير محايدة.
وهنا تأرجح البعض بين من يعتبر أن العراق هو الهدف العربي الإسلامي البديل للسعودية، ومنهم من يرى أن الشراكة الأميركية ـ الإيرانية في غزو العراق هي مفتاح إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط الكبير من تونس إلى أفغانستان.
والمسار الذي اتخذته الأحداث لاحقاً يبرهن على صدقية هذه الرؤية السياسية، إذ لا داعي لسرد الحروب الكبيرة والعمليات الخاصة والأحداث المستمرة حتى اليوم في ليبيا والسودان واليمن وسوريا وفلسطين، وفي المركز منها الصراع الحالي مع نظام الحرس الثوري في إيران.
نازا
لنترك الآن فرضية وودي آلن وما يمكن أن يقوله عن مانهاتن، ونتابع الفيلم الوثائقي الذي تتحدث عنه الصحافة في مهرجان البندقية الأسبوع الماضي، من إخراج يوفال أبراهام وراشيل شور، وهما إسرائيليان ويهوديان، حصلا على أطول تصفيق حار مسجّل في أي مهرجان سينمائي، حسب مراسل موقع “زمان إسرائيل” عيمانويل ليفي؛ فقد حظيا بتصفيق استمر 24 دقيقة ونصف، وهو رقم قياسي حطّم ما قبله، البالغ 22 دقيقة، بعد عرض فيلم “صوت هند رجب”.
ذلك لأن الفيلم، كما يقول المراسل الإسرائيلي، “يقدم بشكل مفصل الأنظمة الكامنة وراء القتل الجماعي والمتعمد للمدنيين الفلسطينيين في غزة على يد الجيش الإسرائيلي”، ونظراً لطبيعته الحساسة، “فقد تم إنتاج الفيلم في ظروف استثنائية… وتصويره في سرية تامة”.
وكشف أنه “أتيحت لصناع الفيلم فرصة غير مسبوقة للاطلاع على شهادات مباشرة مع ما لا يقل عن 24 ضابط مخابرات وجندياً خدموا في الحرب على غزة”. وأضاف أن اسم الفيلم “نازا” مصطلح يُستخدم للدلالة على الأضرار الجانبية.
فإذا علمنا أن الأضرار الجانبية في غزة بلغت اليوم أكثر من 73 ألف قتيل و174 ألف جريح فقط، بينما الأضرار الجانبية في العراق تجاوزت نصف مليون نسمة أثناء حرب الغزو فقط، فإن مسألة تعريف الإرهاب لا بد من إعادة النظر بها، حيث تحوّلت الآن إلى عمليات سفك دم ليس إلا.
ويبقى السؤال: كيف نعالج صدمة البرجين، حتى يتوقف سفك الدماء؟