Logotipo da Levant Time

عين على الحدث

مزاد انتخابي
Por
هشام دبسي
Publicado
سبتمبر 1, 2026 - 04:18

يصنع ثلاثة أقطاب الحياة السياسيّة اليوميّة في اسرائيل، حتى موعد الانتخابات للكنيست السادسة والعشرين في 27 / تشرين الأوّل / اكتوبر القادم، اولهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتحالف مع أقصى التطرف الصهيوني الديني، ينافسه نفتالي بينيت من اليمين القومي، وقد تحالف مع يائير لبيد الوسطي. اما الثالث القادم من المؤسسة العسكرية رئيس الاركان السابق غادي آيزنكوت ، ربما يكون المنافس الأخطر لِنتنياهو ، إذ أن استطلاعات الرأي المنتظمة تتبدّل باستمرار، لكنّ الثابت الوحيد فيها حتى الآن ، حقيقة عجز أيّاً من الأقطاب الثلاثة عن تحقيق اختراق يسمح بتشكيل الحكومة القادمة. في حين يظهر المشترك في البرامج الانتخابية لهؤلاء الأقطاب، على شكل غياب أي عنوان متصل بحقوق الشعب الفلسطيني ومستقبله في الضفة والقطاع، وتجاهل دور الأحزاب العربية في اسرائيل. مَن يتابع الاتصالات اليومية ، ويراقب الحراك الداخلي في صناعة التحالفات المعلنة منها والسّرّيّة، يستطيع إدراك فظاعة الانتهازية ، وسيادة منطق الابتزاز في العلاقات البينيّة، الحزبيّة و الجماهيريّة ، خاصةً لدى الاحزاب الصغيرة والقوى التي تستثمر على قاعدة أنها تملك ميزة "بيضة القبّان" ، مثل افيغدور ليبرمان الصهيوني - العلماني ، وغيره من ممثلي الأحزاب الدينية التي تزايد على بعضها في التطرف والمطالب. الأمر الذي يجعل فهم طريقة واسلوب تعاملهم مع الفلسطيني، تبدو مفهومة في السياق نفسه من الزاوية الاخلاقية، لطالما أضفنا اليها الحاجز النفسي الذي ولّده هجوم 7 / اكتوبر وكان بمثابة بناء جدار أعلى وأكثر بشاعة من جدار الفصل الاسمنتي. في هذا السياق، يمكن الاستنتاج أن الانتخابات القادمة لا تشبه مثيلاتها، من عدة نواحٍ، لأن نتائجها بالنسبة لنتنياهو هي الحد النهائي لحياته السياسية والشخصية، إمّا في الحكومة وإمّا في السجن، وهذا ما دفعه لبذل المزيد والمزيد من الجهد لإعادة ترتيب بيته الداخلي، على إيقاع ما يدور من حروب في القطاع والضفة و جنوب لبنان والجولان. هكذا صار سفك الدم اللبناني والفلسطيني والسوري وقوداً للعمليّات الانتخابية الراهنة. من جهةٍ أخرى، يقول النائب في الكنيست الحالي تسفي سوكوت من حزب الصهيونية الدينية : “نقتل 100 إمرأة وطفل في ليلةٍ واحدةٍ ، ولا أحد يكترث لِما لا نقتل المزيد إذاً... الآن انتهت عملية نزع الصّفة الانسانيّة عن الفلسطينيّين..” هذا ما جاء في مقال للكاتب جاكي خوري في صحيفة هارتس 2025/5/18. وما يحصل اليوم من هجوم متعدد الأشكال في انحاء الضفة يسمّونه بـ "ثورة المستوطنين"، يستهدف حسم مصير الضفة الغربيّة نهائيّاً لصالح الضم وإنفاذ السيادة الاسرائيليّة عليها. انما يعكس تحوّل الغالبيّة العُظمى من الاسرائيليّين، بعيداً عن نمط الفكر الصهيوني – العلماني – الديمقراطي كما قدّمه سابقاً حزب العمل في لحظة التأسيس. وأنّ الاقطاب الثلاثة لا يجادلون في مضمون كلام النائب سوكوت، حتى عندما يضطر نتنياهو وصف العنف في أبشع أشكاله، على أنه اعمال شغب تضر بسمعة اسرائيل. كما أن الاقطاب الثلاثة لا يختلفون حول إطلاق مشروع الاستيطان في شرق القدس ( 1E ) الا من زوايا شكليّة ، لا تغيّر في مسار الأحداث. وهذا يعني أن الفائز في الانتخابات القادمة لن يخرج عن هذا المسار، وأن خيار حلّ الدولتين مرفوض بالعقل الاسرائيلي العام وسيبقى هدف تحطيم الكيانيّة السياسيّة والاداريّة الفلسطينية. هو الضرورة التي تسمح بإنجاز عملية الضم والتهويد وبسط السيادة على "يهودا والسامرة"، كما يرغبون. الإفتراق الخطير بعد العثور على الطائرات الورقية قرب مستوطنة ناحل عوز ، خلف السياج الأمني المحيط بقطاع غزة، وبعد فحصها، أعلن الجيش الاسرائيلي، أنه لم يجد فيها مواد مشبوهة أو خطرة. ومع ذلك صدرت تهديدات اسرائيلية بالتصعيد، وحدثت اعتقالات لكوادر من حرکة حماس، وشنّ الطيران غارات على مشافٍ و خِيَم راح ضحيّتها مدنيون. بينما تتحدّث الديبلوماسية الاسرائيلية في المحافل الدوليّة حول خطورة التهديد الوجودي للطائرات الورقية وخيطها الرفيع، وغاب عن النقاش كلّ من فارق الحياة من الناس. كما صدر عن المستوى العسكري ما يفيد بأن المرحلة القادمة، ستشهد خططاً عسكريّةً وتفكيراً يستوجب احتلال مدينة غزة مجدّداً للقضاء على ما تبقّى من حركة حماس. بهذا النموذج الغزّي فضلاً عمّا يجري في الضفّة الغربيّة بعد نزع الصفة الانسانيّة عن الفلسطيني نحصل على معادلة انتخابية، يرتفع فيها عدد القتلى والجرحى باستمرار من أجل حصد أصوات الناخبين، ولا ندري ما هي كلفة الدماء اللازمة حتى يحصل حزب من الاحزاب على مقعد إضافي في الكنيست القادمة. ما تقدّم والعالم يشهد يوميّاً بالصوت والصورة ما يدور، يشير إلى نهاية المشروع الصهيوني العلماني – الاشتراكي ، الذي ادّعت دولة اسرائيل بأنّها الواحة الديمقراطيّة في صحراء العرب، وانها مُمثّلة الحضارة الغربية في الشرق الأوسط المتوحّش. كما انتهى الجدل داخل النخب الإسرائيلية الدّاعية للدخول بمرحلة ما بعد الصهيونيّة، والبحث عن حلول تقوم على الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيّين. إنّ هذه الانتخابات تؤسس لافتراق خطير يتغذّى على الأساطير التوراتية، والطقوس التلموديّة من اجل انتصار فكرة اسرائيل الكبرى على مساحة 27 الف كم 2 وأكثر من ارض فلسطين التاريخيّة وما يمكن احتلاله وضمه مثل الجولان وغيره. وفي هذا السياق الخطير، صدرت المذكرة\الرسالة المفتوحة التي وجهها 102 من الديبلوماسيّين السابقين البريطانيّين والفرنسيّين، إذ تقول: “إنّ فلسطين تُمحى أمام أعيُن العالم” ( 22- آب \ أغسطس الماضي) طالبوا فيها حكومتي بريطانيا وفرنسا بتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية ، وتعليق التعاون الاقتصادي والعسكري، و اجراءات ملموسة ضد الاستثمار المرتبط بالمستوطنات واستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي البريطاني والفرنسي للحفاظ على امكانية قيام دولة فلسطينية.إلّا أنّ استجابة الدّول ليست بالقدر المطلوب. إنّ تحوّل اسرائيل "الديمقراطيّة" لصالح اسرائيل "التوراتيّة" يجعل التّحدّي لمعسكر السّلام الفلسطيني و العربي أكثر تعقيداً، وأكبر من القدرة على حماية الكيانيّة السياسية الفلسطينيّة و يُؤسّس مجدداً لتيار فلسطين التاريخية في مواجهة اسرائيل الكبرى. وبقدر ما كانت ولادة دولة اسرائيل، مهمّة أوروبيّة- أمريكيّة. من الانصاف أن تكون ولادة دولة فلسطين كذلك.

(3/3) في الأصولية الدينية... رقصة الموت الأخيرة
Por
هشام دبسي
Publicado
أغسطس 25, 2026 - 04:34

بدأت رقصة الموت الأخيرة في لحظة الانقلاب على مؤسسات السلطة الوطنية عام 2007، كنتيجة مباشرة لازدواجية السلطة، بعد انتخاب إسماعيل هنية رئيسًا للوزراء، فيما كانت مهمته الأساسية تنفيذ سياسة رئيس السلطة المنتخب شعبيًا، في ظل نظام انتخابي هجين، ينتخب فيه الناخبون نصف أعضاء المجلس التشريعي وفق نظام الدائرة الفردية، بالاقتراع المباشر للمرشح، وينتخبون النصف الآخر وفق نظام القوائم الحزبية، باعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة، ويُحدَّد عدد الفائزين في كل قائمة وفق نسبة الأصوات التي تحصل عليها. والسلطة الوطنية، حسب ما عرّفها اتفاق أوسلو، هي سلطة حكم ذاتي محدود، تدير ثلاثة تصنيفات من المناطق في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، لكل منها نظامها الأمني والإداري الخاص، في ظل تداخل في الصلاحيات بين أجهزة الأمن الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، فضلًا عن النشاط الممنهج للمستوطنين، وما يتوفر لهم من حماية أمنية وعسكرية، وقدرات تمويلية لبناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية. في الوقت نفسه، كانت السلطة الوطنية تعالج إشكاليتين من العيار الثقيل: الأولى، مصير مدينة القدس الشرقية؛ والثانية، قضية اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، وهم في الواقع يشكلون نحو نصف تعداد الفلسطينيين. ما تقدّم يكشف إشكالية عميقة في السياسات المعتمدة لإنتاج حلول تلبي طموح الإنسان الفلسطيني، من دون أن تتصادم مع إنتاج تسوية تاريخية مع دولة إسرائيل، تؤدي إلى انسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وجوهر هذه الإشكالية أن السلطة الوطنية كانت تشتق سياساتها من التوافق مع الشرعية السياسية الدولية، وتستند، بوصفها السلطة المنبثقة عن اتفاق أوسلو، إلى الإطار السياسي والقانوني الذي نشأ عنه. أما حركة حماس، وقد صار لها ممثلون في السلطة، فكانت تستند في قراراتها ومواقفها إلى مفهوم الحق التاريخي والديني، وليس إلى مفهوم الحق السياسي كما تعارف عليه المجتمع الدولي. وبهذا نشأ تعارض موضوعي بين الحق التاريخي والحق السياسي؛ تعارضٌ لم يكن من السهل إيجاد صيغة للتعايش بينهما داخل سلطة واحدة، الأمر الذي جعل التعايش بين رئاسة السلطة ورئاسة مجلس الوزراء ينهار خلال سنة واحدة من الانتخابات، وفتح الطريق أمام الصدام الذي انتهى بانقلاب حماس على مؤسسات السلطة الوطنية في قطاع غزة عام 2007. تعايش مستحيل نالت حكومة إسماعيل هنية الثقة من المجلس التشريعي في نهاية آذار/مارس 2006، لكن التعايش مع الرئاسة الفلسطينية انهار سريعًا، وبلغ ذروته في حزيران/يونيو 2007، حين نفذت أجهزة أمن “حماس” هجومًا واسعًا على مؤسسات السلطة الوطنية في قطاع غزة. وقُتل في هذه المواجهات 161 من العاملين في الأجهزة الأمنية، بينهم 41 مدنيًا و11 امرأة و7 أطفال، وأصيب نحو 700 شخص، وفق إحصاءات الأمم المتحدة. ما جرى يدل على أن قيادة الحركة لم تُحسن تقدير حجم انتصارها الشعبي في الانتخابات، كما فقدت المرونة السياسية التي كان يمكن أن تسمح باستمرار التعايش، ولو لسنوات أخرى، في ديمقراطية فلسطينية وليدة. كما أن أسلوب الحسم الدموي عكس غلبة التفكير الأمني والعسكري على ما عداه، وجاء ليبرهن على خيار الاستحواذ بالقوة على مفاصل السلطة وأجهزتها، رغم أن رئيس الوزراء وعددًا كبيرًا من الوزراء كانوا من الحركة نفسها. وبهذا المعنى، بدا أن العملية الديمقراطية لم تكن، في تصور قيادة الحركة، غايةً بحد ذاتها، بقدر ما كانت وسيلة للوصول إلى السلطة والسيطرة على مفاصلها. واستمرت مفاعيل الانقسام والانقلاب طوال ما يقارب عقدين، جرى خلالها تعطيل العملية الديمقراطية، ليس في قطاع غزة وحده، بل امتد أثرها إلى الضفة الغربية ومؤسسات منظمة التحرير، كما طال الحياة النقابية أيضًا. وأدى ذلك إلى تراجع مستمر في بنية المؤسسات الوطنية، وغلبة السياسات الطارئة والمؤقتة على حساب السياسات الدولتية ذات البعد الاستراتيجي الواضح، بحيث أصبحت إدارة الانقسام بديلًا عن بناء مؤسسات الدولة. أما سلطة “حماس” في غزة، فاتجهت نحو تعظيم القوة الأمنية للسيطرة والتحكم، وبناء القوة العسكرية لمقاومة الاحتلال. لكن هذه المرة لم تعد المواجهة تعتمد أساسًا على العمليات الانتحارية، بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، وإنما على الصواريخ والعمليات العسكرية المنطلقة من الأنفاق وتحت الأرض. وبالتوازي، تحولت “ثقافة الأنفاق” إلى جزء من الحياة الاقتصادية في القطاع، إذ استُخدمت لإدخال البضائع والسلع، سواء للاستخدام المدني أو العسكري. وصار “اقتصاد الأنفاق” يُقدَّم، في مرحلة من المراحل، باعتباره حلًا لمشكلة اقتصاد متردٍّ، فيما تجاوزت البطالة 40% من قوة العمل، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات قياسية. ولم يكن هذا الواقع، بالنسبة إلى قيادة “حماس”، سببًا كافيًا لمراجعة نموذج الحكم؛ إذ جرى التعامل مع كلفته الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها ضريبةً لـ”الجهاد المقدس” والمواجهة مع الاحتلال، التي تُخاض بالصواريخ عن بُعد، ومن باطن الأرض. وفي الوقت نفسه، كانت الحركة تخوض على محور موازٍ مفاوضات دائمة مع حركة “فتح” وبقية الفصائل، بحثًا عن المصالحة الوطنية بين “الإخوة”؛ أي إن سلطة الأمر الواقع في غزة كانت تجمع بين ترسيخ الانقسام من جهة، وإدارة مفاوضات المصالحة من جهة أخرى، في مفارقة سياسية استمرت سنوات طويلة. ألاعيب المصالحة أصابت حركة حماس صدمةُ الانتصار، كما أصابت حركة فتح صدمةُ الهزيمة. ومن آثار صدمة الانتصار، غلب الارتباك والتردّد على المواقف والتصريحات، بما عكس نوعًا من التهيّب لدى من لم يختبر نفسه في الحكم من قبل، ولم يمسك بمقاليد السلطة للمرة الأولى إلا بعد فوزه في الانتخابات. وبعد عقودٍ من التعبئة المبالغ فيها حول ادّعاء النزاهة والتعفّف عن السلطة وفسادها، والتفرغ للنضال والشهادة، جاء موقف تنظيم الجهاد الإسلامي ليعمّق هذا الارتباك، بإعلانه رفض التوقيع على “وثيقة الوفاق الوطني” الصادرة عن قيادة الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية، على خلفية استمرار رفض اتفاق أوسلو، الذي شكّل الأساس السياسي والقانوني للسلطة الوطنية. وأعلن التنظيم أنه سيبقى وفيًا لخطه الجهادي، بعيدًا عن السلطة وما تجلبه من مفاسد. في المقابل، وقّعت معظم الفصائل على الوثيقة المعروفة بـ”وثيقة الأسرى”، التي تضمنت بنودًا جمعت بين تأييد مسعى منظمة التحرير للحصول على دولة فلسطينية مستقلة، واعتماد المقاومة في إطار التوافق الوطني. ولاحقًا، تحولت هذه البنود إلى “وثيقة الوفاق الوطني للحوار الشامل”، التي أُقرت في رام الله وغزة يومي 25 و26 حزيران/يونيو 2006. إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في إنتاج صيغة للشراكة الوطنية في السلطة، إلا بعد دخول المملكة العربية السعودية على خط المصالحة، وإنتاج ما عُرف بـ”اتفاق مكة” في شباط/فبراير 2007. تجاوز الاتفاق وثيقة الوفاق الوطني، وانتقل إلى تأسيس شراكة فعلية وتقاسم للسلطة بين قطبي النظام السياسي الفلسطيني، فتح وحماس، وبين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء. وعلى أساسه تشكلت حكومة إسماعيل هنيّة في آذار/مارس 2007. إلا أن ربيع المصالحة لم يبلغ ثلاثة أشهر حتى انهار كل شيء في مطلع حزيران/يونيو من العام نفسه، حين نفذت القوات والأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس عملية الاستيلاء على مؤسسات السلطة الوطنية في قطاع غزة، باعتبارها أقصر طريق للانفراد بالسلطة، والعودة مجددًا إلى سياسة التخوين والإقصاء. واستمر هذا الحال أربع سنوات، قبل أن تعود الوساطة المصرية للتدخل من جديد، وصولًا إلى “اتفاق القاهرة” في أيار/مايو 2011. وتكرر الفشل، لتتقدم هذه المرة دولة قطر بمبادرة جديدة أفضت إلى ما عُرف بـ”إعلان الدوحة” في شباط/فبراير 2012. ثم جاء “اتفاق الشاطئ” في غزة في نيسان/أبريل 2014، الذي نجح في تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله. لكنها بدورها لم تصمد طويلًا، وانقطع حبل المبادرات التصالحية لنحو ثلاث سنوات، قبل أن تجدد جمهورية مصر العربية دورها في رعاية ملف المصالحة عام 2017، وصولًا إلى “اتفاق القاهرة” الثاني. وبعد ذلك قامت الجزائر بدورها في محاولة جديدة لإنتاج مصالحة عام 2022، عُرفت بـ”إعلان الجزائر”. أما خاتمة هذه السلسلة من المبادرات، فجاءت من الصين الشعبية، التي رعت التفاهم بين فتح وحماس وأنتجت ما سُمّي “إعلان بكين” في تموز/يوليو 2024، من دون أن يتحول هو الآخر إلى اتفاق قابل للتنفيذ. إذًا، حصلنا على سلسلة طويلة من محاولات الاتفاق، وتدخلت دول عربية وأجنبية في الوساطة والرعاية، فيما واصلت السلطة الوطنية سياسة المرونة والاحتواء، لكن النتيجة الصفرية بقيت هي المحصلة الوحيدة. وبلغ التهكم على ما يجري في الشارع الفلسطيني مستوى عاليًا، حتى إن المفاوضين الأساسيين لم يعد لديهم، في الظاهر، شيء جديد يبحثون فيه. وصار القول الشائع إن ما يجري ليس أكثر من “سياحة للمصالحة”، واستعراض متكرر لمشهد لم يعد فيه الكثير مما يمكن إخفاؤه، بعد أن نُشر الغسيل ولم يعد نظيفًا في كل الأحوال. بعد الطوفان في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، موعد الانتخابات المقررة للمجلس التشريعي، إذا جرت، تكون الانتخابات في الشهر الأول من السنة الرابعة لـ”طوفان الأقصى”، الهجوم الذي ولّد حرب إبادة وتهجير مستمرة بمعدلات مختلفة، حيث لا تنفع معها اتفاقات وقف إطلاق النار ولا الحصار. ولأن إهراق الدم اليهودي، كما جرى في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يبيح إهراق الدم الفلسطيني وأبعد، ولأنه عنوان جديد للصراع الدائم، بعد أن فشلت التسوية التاريخية الأولى بواسطة “اتفاق أوسلو”. وقد أدرك الجميع أن إسقاط أوسلو من الطرفين أسهل بكثير من بناء عملية سلام معقدة؛ إذ يكفي حامل مسدس يطلق النار على رئيس الوزراء إسحاق رابين، وهو يبشّر الشعب الإسرائيلي بالسلام، لينهار المسرح من أركانه، ويكفي تنفيذ عملية انتحارية لحركة حماس حتى ينكشف عجز السلطة الوطنية عن حماية شعبها. ويعود الجيش الإسرائيلي إلى ممارسة مهامه كجيش احتلال، وتتقدم طلائع المستوطنين لبناء المزيد من المستوطنات، وصولًا إلى إنفاذ السيادة الإسرائيلية على معظم أراضي الضفة الغربية، بينما يطالب وزير الأمن الإسرائيلي، بن غفير، بقتل عشرات الفلسطينيين يوميًا وبصورة دائمة ومنهجية، حتى يقنع المواطن الغزّي بضرورة الهجرة والرحيل. هذا المشهد اليوم على صلة عميقة بجملة من الأخطاء التي ارتكبتها السلطة الوطنية في إدارة الصراع الداخلي مع كل من ساهم في العودة إلى مربع العنف مجددًا، وهو الجذر الأول لفشل المحاولات المستمرة، على مدى أربعة عقود، لإنتاج صيغة عمل مشترك بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. وفي هذا الصدد، كتب صاحب هذه السطور خلاصته بمناسبة إعلان وثيقة استقلال فلسطين في 15 نوفمبر/تشرين الثاني قبل عامين، جاء فيها: “إنّ مسألة المصالحة ليست من مهام حركة فتح، إذ إنّ وزن الحركة لا يعطيها صلاحية قيادة هذه المهمة، بقدر ما يسمح لها بالمساعدة على إنجازها. كما لا يمكن نقاش أي مصالحة وإجراء أي حوار يتجاوز العقد الاجتماعي ـ السياسي الذي مثّله ‘إعلان استقلال فلسطين’، بصفته الوثيقة المرجعية الأعلى للجميع، حتى يتم إنجاز الدستور الفلسطيني الموعود. ثم إنّ وزن حركة حماس الكبير لا يعطيها الحق بالتنكر للعقد الاجتماعي ـ السياسي، طالما أنّ المجتمع الفلسطيني متمسك به حتى الآن ويناضل على هديه. وإنّ حركة حماس، بصفتها حركة متمردة على نظام المصلحة الفلسطينية، ليس لها أن تضع قواعد الحوار للمصالحة حتى لو وافقتها الفصائل، لأن المساس بالشرعية والخروج عليها هو نقطة البدء في إفشال الحوار، وهذا ما شهدناه في ‘إعلان بكين’. كما أنّ تشخيص التمرد الحمساوي كتمرد داخلي يستدعي من السلطة الفلسطينية حوارها في جغرافية الوطن فقط، وليس في أي عاصمة، وأنّ منطق المصالحة وغايتها يقومان على استعادة الحركة المتمردة إلى الشرعية على قاعدة تغيير سلوكها وسياساتها، وليس على قاعدة تطويع الشرعية والقوانين والتجاوز على مضمون ونص وثيقة ‘إعلان الاستقلال’. وإنّ كثرة الحديث عن ‘إصلاح منظمة التحرير’ وإعادة البناء و’تقديس الإجماع الوطني’، وما يتفرع عنها من مصطلحات لا معنى دقيقًا لها ولا تعريفًا يُعتدّ به، إنما يخدم تدوير الزوايا لصالح الأسلوب العشائري الذي ينتهي عادة بالتخوين، ويضعف خياراتنا الوطنية ويخترقنا بأجندات ليست فلسطينية.” أخيرًا، لا بد من إعادة النظر في فهمنا وسلوكنا واستراتيجياتنا لبناء دولة فلسطين، على أساس أنها لا تحتمل الخلط بين مفاهيم الثورة وفلسفة حركات التحرر القديمة، وبين مفاهيم بناء الدولة في عالمنا المعاصر. وفي هذه العجالة، يمكن التنويه بأن مؤسسة السلطة الوطنية ارتكبت خطأين لم يجرِ نقاشهما باستقامة منهجية تصون نظام المصلحة الفلسطيني: الخطأ الأول: حصل أثناء المرحلة الانتقالية في تطبيق “اتفاق أوسلو” (1993-2000)، عندما اعتمد الرئيس ياسر عرفات سياسة الاحتواء والاحتضان والأخوّة مع حركة حماس، بينما كانت تشن الحرب المعلنة لإسقاط الاتفاق وتمارس العنف وفق نموذج العمليات الانتحارية، ما أدى، واقعيًا، إلى تكريس ازدواج السلطة في الضفة والقطاع. الخطأ الثاني: حدث في لحظة التحضير لانتخابات المجلس التشريعي الثانية في مطلع عام 2006، حيث سُمح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات من دون إعلان مسبق بتبنّيها الخيارات الوطنية التي أرساها “إعلان الاستقلال”، وبالتزامات السلطة تجاه إسرائيل والمجتمع الدولي. وهذا الخطأ ليس مرتبطًا بقرار الرئيس محمود عباس فحسب، بل هو على صلة بالضغوط الاستثنائية التي مارستها واشنطن في ذلك الوقت. لذا، لا بد من كشف الوثائق الأرشيفية الخاصة بها، حتى نستطيع إجراء تقييم موضوعي للحدث وتداعياته المستمرة على النظام السياسي الفلسطيني الوليد. والمفارقة هنا، أنّ حركة حماس تكيّفت مع قوانين وقواعد “اتفاق أوسلو”، بينما استمرت رافعة شعار إسقاطه حتى الآن. إنّ التجاوز على الخيارات الوطنية الكبرى الموثقة، وازدواجية السلطة، حطّما عناصر قوة النظام السياسي الفلسطيني داخليًا، ومكّنا أعداء قيام دولة فلسطين من تنفيذ سياساتهم، كما نرى الآن ونشهد. أخيرًا، إنّ فشل التسوية بين الشعبين يمكن تلخيصه بنجاح التطرف على الجانبين في إعادة إنتاج العنف، وعدم تحقق العدالة. وإنّ التسوية السياسية التي صنعتها النخب القيادية تفتقر إلى مفهوم المصالحة التاريخية بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ مصالحة تحميها قوى مجتمعية لها مصلحة في نبذ العنف، وتحتكم إلى العدالة.

في الاصولية الدينيّة... رقصة الموت (2/3)
Por
هشام دبسي
Publicado
أغسطس 18, 2026 - 13:32

انتقلت جماعة الإخوان المسلمين من العمل الدعوي إلى النشاط السياسي - الجهادي في فلسطين، عبر إعادة تشكيل تنظيمها الحزبي، وصارت تُسمّى حركة حماس. وفي هذا الانتقال جرى انفتاح واسع على الحركة الجماهيرية، وسعت إلى تكريس مفهومها الخاص لنظام المصلحة الفلسطينية، كما ورد في الجزء الأول من هذه المقاربة. واعتمدت الحركة، في ظاهر سياستها، على ركيزة إسقاط اتفاق أوسلو وانتقاد أداء السلطة الوطنية وفسادها. وروّجت للدعوة إلى الإصلاح والتغيير، باستهداف السلطة ووزاراتها وأجهزتها ومنظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الكياني وصاحبة التمثيل الرسمي والشرعية الدولية. أما نشاطها الجهادي - العسكري والأمني، فشكّل للحركة الناشئة بوابة التحول من جماعة حزبية نخبوية مغلقة إلى حركة جماهيرية واسعة. وقد تم لها هذا التحول عبر ممارستها العنفية في انتفاضة الأقصى، حسب تسميتها، إذ صعّدت حماس استخدامها للعنف إلى أبعد حد استطاعته، على أن هذا الجهاد الانتحاري سيحرّر القدس وكامل التراب الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني، ربطاً بالنموذج الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالتحالف مع نظام الأسد الأب في سوريا، بما هما تلخيص يختصر الأمتين العربية والإسلامية معاً! في نهاية انتفاضة الأقصى ورحيل الرئيس عرفات، كانت موازين القوى الداخلية الفلسطينية تتجه لمصلحة حركة حماس. ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، صدرت الفتوى الدينية التي تُجيز وتُحلّل المشاركة بالانتخابات من دون التوقف أمام قوانينها، أو علاقتها باتفاق أوسلو والتزامات السلطة الوطنية تجاه إسرائيل والمجتمع الدولي. إذ اعتمدت الحركة على جمهورها الواسع والمؤيد للعنف المسلح بكل أشكاله، وعلى تمسكها بشعارها «إسقاط اتفاق الخيانة»، وعلى هويتها الجماهيرية الجديدة للمشاركة بالانتخابات تحت قائمة «الإصلاح والتغيير». تحوّلات سُلْطَوِيّة حصدت حركة حماس أربعة وسبعين مقعداً في المجلس التشريعي، من أصل 132 مقعداً، وفازت بالأغلبية، وصار قائدها إسماعيل هنية رئيساً للوزراء، إلى جانب رئيس السلطة المنتخب محمود عباس. ولم يطالب عباس حركة حماس بتغيير برنامجها الحزبي، شأنها في ذلك شأن سائر الفصائل المشاركة في السلطة، لكنه نبّه إلى ضرورة التزام الحكومة، في مؤسسات السلطة كافة، بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وبالالتزامات القائمة تجاه المجتمع الدولي، انطلاقاً من قاعدة الفصل السياسي بين الأحزاب والفصائل وبرامجها، وبين المؤسسة السلطوية التي يُفترض أن تمثل الكيان السياسي الفلسطيني. وهو مبدأ معمول به، من حيث الأصل، في الأنظمة البرلمانية والدول الحديثة. وبالعودة إلى البرنامج الانتخابي الذي خاضت حماس الانتخابات من خلاله، تحت يافطة «التغيير والإصلاح»، نجد وثيقة سياسية تضمنت بنوداً تتحدث عن الثوابت الوطنية والمقاومة، وحماية الحريات السياسية والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، ورفض الاقتتال الداخلي، واحترام حقوق الأقليات، ومنع الاعتقال السياسي، ومحاربة الفساد، وإصلاح القضاء، إلى جانب جعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع، فضلاً عن مجموعة من البنود الاجتماعية والاقتصادية التي لا تكاد تثير خلافاً بين القوى السياسية الفلسطينية. وقد بلغ البرنامج ثمانية عشر بنداً، تفرّع عن كل منها عدد من النقاط التفصيلية. غير أن هذه الوثيقة، التي مثّلت أول اختبار ديمقراطي واسع لحماس في ممارسة السلطة، لم تصمد طويلاً أمام واقع ازدواجية السلطة التي نشأت بين رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة، وانتهت بعد أقل من عام ونصف إلى الصدام المسلح، ثم إلى سيطرة حماس بالقوة على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007. وقد كشفت أحداث الانقسام المسلح آنذاك عن مفارقة صارخة بين ما نصّ عليه البرنامج الانتخابي من حماية للتعددية ورفض للاقتتال الداخلي والتداول السلمي للسلطة، وبين ممارسة سياسية انتهت إلى استخدام القوة لحسم الصراع على السلطة. وسقط خلال تلك المواجهات مئات القتلى والجرحى من عناصر الأجهزة الأمنية والفصائل والمدنيين، لتدخل الساحة الفلسطينية منذ ذلك الحين مرحلة الانقسام السياسي والجغرافي بين سلطتين. ولم تكن المشكلة في انتقال حماس من موقع المعارضة إلى موقع الحكم بحد ذاته؛ فهذا هو جوهر العملية الديمقراطية. وإنما في أن انتقال الحركة إلى السلطة وضع خطابها الأيديولوجي أمام امتحان مختلف تماماً: كيف تتحول العقيدة السياسية إلى مشروع حكم؟ فهناك فارق جوهري بين امتلاك خطاب تعبوي قادر على استقطاب الجمهور في زمن المعارضة، وبين إدارة مجتمع مثقل بالفقر والبطالة والحصار والاحتلال وتدهور الخدمات، ويحتاج قبل كل شيء إلى التعليم والصحة والعمل والتنمية والقضاء والإدارة الرشيدة. وهنا ظهرت إحدى المعضلات البنيوية في تجربة الأصولية الدينية: قدرتها على إنتاج خطاب سياسي يستمد جزءاً كبيراً من قوته من المرجعية الدينية، مقابل صعوبة تحويل هذه المرجعية إلى برنامج متكامل في الاقتصاد والتنمية والثقافة والإدارة العامة. وهي معضلة لا تقتصر على التجربة الفلسطينية، بل ظهرت، بدرجات مختلفة، في تجارب إسلامية أخرى، من إيران إلى السودان والصومال وتونس، حين اصطدمت الأيديولوجيا بوقائع المجتمع وتعقيداته، وحين تحولت السياسة إلى امتداد للعقيدة بدلاً من أن تكون مجالاً لإدارة المصالح المتعارضة داخل المجتمع. وفي الحالة الفلسطينية، كانت المعضلة أكثر تعقيداً. فحماس لم تتسلّم سلطة في دولة مكتملة السيادة، بل في سلطة محدودة الصلاحيات، تحت الاحتلال، وفي مجتمع محاصر، بينما بقيت إسرائيل تسيطر على الحدود والمجال الجوي والمياه والمعابر، وتمتلك القدرة على فصل المناطق الفلسطينية والتدخل في حركة الأفراد والبضائع والموارد. وفي ظل هذه البيئة، كان يُفترض بأي مشروع سياسي يسعى إلى الحكم أن يضع التنمية وتحسين شروط الحياة وإدارة المؤسسات في مقدمة أولوياته، وأن يحدد بوضوح العلاقة بين المقاومة وبين متطلبات الحكم. لكن تجربة حماس اتجهت، تدريجياً، إلى جعل إدارة الصراع المسلح مع إسرائيل محوراً مركزياً في عملها السياسي والأمني. وهكذا بدا أن الانتقال إلى السلطة لم يؤدِّ إلى فصل الوظيفة الحزبية والأيديولوجية عن وظيفة المؤسسة الحكومية، بل أعاد إنتاج الصراع من داخل السلطة نفسها. ومن هنا بدأت تتضح المفارقة التي ستلازم تجربة حماس: حركة جاءت إلى السلطة عبر الانتخابات، لكنها لم تستطع أن تفصل بصورة مستقرة بين مشروعها الأيديولوجي كحركة، ومتطلبات الحكم كسلطة. وهذه المفارقة هي التي ستقود، في المحصلة، إلى التحول من «التغيير والإصلاح» بوصفهما شعاراً انتخابياً، إلى سلطة الأمر الواقع بوصفها نتيجة للانقسام والحسم العسكري. السلطة والحرب خاضت حركة حماس، منذ سيطرتها على السلطة في قطاع غزة، أربع حروب كبيرة وعشرات الاشتباكات المتقطعة، فضلاً عن حربين كانت تتفرج فيهما على حركة الجهاد الإسلامي في مواجهتها المنفردة مع جيش الاحتلال. وبقدر ما كانت العمليات الإسرائيلية الكبرى تحمل أسماء رمزية مستمدة من الفكر الصهيوني الديني، جاءت أسماء المعارك أيضاً تحمل الدلالات الدينية الإسلامية، مثل «الفرقان» 2009، و«حجارة السجيل» 2012، و«العصف المأكول» 2014، و«سيف القدس» 2021، وآخرها «طوفان الأقصى». في سجل القتال، طوّرت «كتائب القسام» قدراتها الصاروخية وأنفاقها، وصرفت أموالاً طائلة، فضلاً عن الجهد والإعداد البشري. إلا أن الخسائر الإجمالية لمجموع أيام الحروب الأربع الأولى، وهي تقارب المائة يوم، بلغت أكثر من أربعة آلاف قتيل، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى، من العسكريين والمدنيين، والدمار الواسع للمباني والمنشآت والبيوت السكنية. إذا أُخضِعت هذه الحروب للدراسة والتحليل في أسبابها ونتائجها المباشرة والبعيدة، لأدركنا أنها العامل الأول في تماسك الجهاز العسكري والأمني لحركة حماس، الذي يمكنها من الاستمرار في السلطة من خلال المواجهات المستمرة مع الجيش الإسرائيلي، ويعفيها في الوقت نفسه من مسؤولية الفشل في إدارة الشأن العام في القطاع المحاصر، الذي اعتمد على اقتصاد الأنفاق والتهريب، بينما بلغت نسبة الفقر في القطاع 60%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 45%، أي ثلاثة أضعاف مثيلتها في الضفة الغربية. وفي الوقت الذي كان الناتج المحلي للقطاع يساوي 31% من الناتج الفلسطيني الإجمالي عام 2006، انخفض الناتج المحلي للقطاع عام 2022 إلى نسبة 17% من الاقتصاد الفلسطيني في ظل سلطة حماس. تلك الأرقام تكشف حقيقة الفشل في إدارة الشأن العام، عندما تُنسب السياسات وتُرفع إلى مرتبة التكليف الشرعي والديني، وترتبط بشعارات على صلة بالآخرة، حيث يتحول الموت إلى عملية ارتقاء يجب المباركة بها وتهنئة تنظيمه وأهله إذا كان مقاتلاً، والأسف عليه إذا كان مدنياً ومات عرضاً من دون تكليف ومن دون استشارته، سواء كان أعزب أم رب أسرة، فقد حياته وحياة عائلته من غير إرادته. هكذا يتم تصدير مشكلات السلطة المستعصية وربطها بحركة الصراع الدائمة مع الاحتلال، بما يجعل أي نقد أو اعتراض أو مطالبة يُدرج في خانة المساس بالمقدس، وفي خانة التخلي عن النضال ضد الاحتلال بالحد الأدنى، وبالخيانة العظمى في غالب الأحيان. وأياً تكن النتائج قاسية ومريرة، فإن قادة الحركة، في خطابهم السياسي والجماهيري، يحشدون المصطلحات الدينية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإقناع الناس بأننا نسير على درب هزيمة إسرائيل وتحرير القدس، بل يبشّرون ب”حتمية زوال الكيان الصهيوني”، كما كان بعض القوميين واليساريين “يبشّرون ب”هزيمة الإمبريالية العالمية وربيبتها إسرائيل. هكذا يتم إعادة إنتاج المشهد اليومي لسلطة حماس في القطاع طيلة السنوات الماضية، حتى وصلنا إلى لحظة «طوفان الأقصى» في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

في الاصولية الدينيّة: رقصة الموت (1)
Por
هشام دبسي
Publicado
أغسطس 11, 2026 - 13:46

الانتصار الاسرائيلي في حرب حزيران، واحتلال قطاع غزة مجدداً، أزاح كابوس النظام المصري عن جماعة الاخوان المسلمين، بعد صراع فجّرته حادثة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر، في منشية الاسكندرية عام ١٩٥٤، وقتها اتّهمت السلطات المصرية "الجماعة" بتدبير المؤامرة، وشنّت حملة اعتقالات واسعة، شملت أبرز القادة ومنهم سید قطب، المنظر الأول لفلسفة الاسلام السياسي في السلطة. بعد عقدٍ من الزمن، وبوصول عبد السلام عارف للرئاسة في العراق، نجح في الوساطة للقيادي سيد قطب وتم الافراج عنه، إلا أن الأمر لم ينتهِ بالمصالحة، وقبض عليه مجدداً بتهمة انشاء تنظيم سري لإسقاط النظام المصري بالقوة، وصدر بحقه حكم الاعدام، إلا أنه رفض الاسترحام لتخفيف الحكم، وهكذا تم شنقه في 29 / آب / اوغست من عام 1966. بعد اشهر من هذا الحدث، احتلّت اسرائيل قطاع غزة مرة ثانية. لقد كانت هزيمة النظام المصري، عنواناً لاستنهاض جماعة الاخوان المسلمين في المدن الفلسطينية، وتحديداً في الاراضي المحتلة الجديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث نشطت "الجماعة "، بصفتها حركة دعوية تستهدف إصلاح الفرد والمجتمع، وبنت شبكة مساجد ومدارس وجمعيات خيرية ولم تطرح أي برنامج سياسي للناس سوى الدعوة للإصلاح والعودة للدين وفق المنظور والتفسير الذي تتبناه. في الوقت نفسه، اتّجهت الحركة الوطنية الفلسطينية لنظرية الكفاح المسلح طريقاً التحرير فلسطين، من داخلها وعبر الحدود من دول الطوق، أي مصر والاردن وسوريا ولبنان. وعلى الرغم من سيطرة الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية على المشهد العام والتأييد الشعبي الذي حصلت عليه في الشرق الاوسط عموماً، إلا أن الجماعة الاسلامية كانت مثابرة على عملها البطيء، مستفيدة من سياسة غض النظر الاسرائيلية، التي وصلت إلى حد الاستحصال على تراخيص من جيش الاحتلال لعمل ونشاط مؤسساتها. لقد اعتمدت "الجماعة " في نشاطها الدعوي على اولوية بناء الفرد والمجتمع وفق منظور اسلامي خاص، وتفسير للتعامل مع جيش الاحتلال، لا يتطلب أي مواجهة، كما تدعو لها قوى الحركة الوطنية العلمانية اليسارية والقومية، وبهذا شكلت بيئة خاصة بها معزولة عن غالبية المجتمع الفلسطيني، كما صارت ملاذ آمن لمن لا يريد تحمّل تبعات المواجهة المسلحة والعنيفة التي تمارسها الفصائل التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولذلك لم يظهر في خطابها العام، وسلوك قادتها وعناصرها ما يضعها في خانة مواجهة الاحتلال، وعلى هذا المنوال راكمت نفوذها بشكل بطيء وتدريجي. مضت عشرون عاماً طوّرت الجماعة آليات عملها الداخلي بهدوء وسلامة، وراكمت رصيدها في العمل المنظم النخبوي والدؤوب، بمساعدة كبيرة من تنظيمات جماعة الاخوان الدولية وكذلك مارست نوعاً من المشاركات الفردية للراغبين في القتال في المعارك الكبرى التي خاضتها منظمة التحرير، لكن عبر هياكل عسكرية لا صلة لها بالجماعة مثل "جيش التحرير الفلسطيني" او "قوات العاصفة" او أسماء لا تُلزِم جماعة الاخوان بأي مسؤولية مباشرة عن مشاركة افراد منها في أي معركة مهما كانت كبيرة او صغيرة. واستمر هذا الحال إلى لحظة انفجار "انتفاضة الحجارة " - عام ١٩٨٧ حيث بدأت مشاركتها المباشرة والمعلنة لكن بعيداً عن القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. في هذا الحدث الكبير، أطلقت "جماعة الاخوان" تنظيمها الجديد تحت مسمى "حركة المقاومة الاسلامية" "حماس "، ولاحقاً شكّلت جناح العسكري المعروف "بكتائب عز الدين القسام". وهو اول تحوّل من حركة دعويّة، اجتماعيّة إلى حركة سياسة مستقلّة، تحفر مجرى خاص وجديد بعيداً عن الحركة الوطنية العلمانية. من هنا تبدأ إشكالية جديدة أمام الفلسطينيين، من خلال صعود مركز له تشخيص مختلف تماماً لنظام المصلحة الفلسطينية، ومتعارض كلياًّ مع الاتجاه المركزي الذي مثلته منظمة التحرير خلال اربعة عقود. وأن مسائل الخلاف ليست محدودة، بل تشمل قضايا الخلاف كل كبيرة وصغيرة وعلى هذا بدأ الانشقاق الكبير في إنتاج السياسات المعبرة عن نظام المصلحة الفلسطينية، وهو انشقاق أعمق من أي انشقاقات شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث طالت سكين التفرقة المجتمع الفلسطيني نفسه، عموديّاً ووصلت بأسرع وقت إلى نقاباته واتحاداته وهيئاته الشعبية في كل مكان، ولم يحدث ان وصلت لجنة نقابية على مستوى طلاب في الجامعات إلى صيغة عمل نقابية مشتركة. ذلك ليس لعدم توفر قدرة على الاتفاق وانما لعدم وجود سياسة تسمح بالاتفاق على برنامج نقابي بسيط على الرغم من عشرات المحاولات للحوار وإنتاج ما يمكن الاتفاق عليه، لكن سرعان ما يتبخر على قاعدة الخلاف حول الجهة المخوّلة بإنتاج نظام المصلحة الفلسطينية. الانعطافة الحاسمة خلال السنوات الخمس التي فصلت بين إعلان «اتفاق أوسلو» وتأسيس حركة حماس، بشعاراتها التي استحضرت، في بعض جوانبها، منطلقات حركة فتح الأولى، وقع الحدث الجديد بمثابة زلزال سياسي غير مسبوق في الحالة الفلسطينية، على المستوى الشعبي والفصائلي، وداخل النخب السياسية والفكرية أيضاً. فقد عجزت القيادة الفلسطينية الرسمية عن تقديم تحليل سياسي مقنع يفسّر دوافع إبرام الاتفاق، على المستويين الدولي والإقليمي، كما لم تنجح في شرح الدور الذي يمكن أن يؤديه «اتفاق أوسلو» في تلبية الاحتياجات والأولويات الملحّة للفلسطينيين في الوطن والشتات. لذلك انقسم الموقف الفلسطيني العام بين مؤيد ومعارض. ويمكن القول إن جانباً مهماً من التأييد داخل حركة فتح استند إلى الثقة الكبيرة التي كان يحظى بها الرئيس ياسر عرفات، أكثر مما استند إلى شرح طبيعة هذه الانعطافة وأهميتها، ودورها المفترض في تصحيح مسار النضال الوطني. كان جوهر الانعطافة، كما قدمتها القيادة الفلسطينية، هو العودة إلى جغرافية الوطن، وبناء كيان فلسطيني معترف به دولياً، باعتباره خطوة في طريق الاستقلال؛ الأمر الذي كان يفترض انتقال الحركة الوطنية من مرحلة حركة التحرر المسلحة إلى مرحلة الحركة الاستقلالية، التي تعتمد بصورة أساسية النضال السياسي والسلمي، وتتخلى عن العنف المسلح باعتباره وسيلة للعمل الوطني. وهذا ما أعلنه الرئيس عرفات ووقّع على التزاماته في الوثائق التي ارتبطت بالاتفاق. ومن هنا، لم يكن غريباً أن تعتبر قوى المعارضة القومية واليسارية داخل منظمة التحرير اتفاق أوسلو خروجاً على مبادئ الثورة وتراجعاً عن أهدافها. وفي هذا المناخ وجدت حركة حماس ضالتها السياسية، وذهبت أبعد من ذلك في توصيف الاتفاق، فاعتبرته خيانة وطنية ودينية، انطلاقاً من التصور الإخواني لفلسطين باعتبارها أرضاً إسلامية موقوفة، لا يملك أحد حق التنازل عن أي جزء منها. وعلى هذا الأساس، أصبح إسقاط اتفاق أوسلو محوراً أساسياً في البرنامج السياسي لحماس، وبدا أن كل ما عداه يأتي في مرتبة لاحقة. إلا أن الممارسة السياسية للحركة كشفت، منذ وقت مبكر، عن مسارين متوازيين: الأول، الاستفادة القصوى من النتائج التي أتاحها الاتفاق على الأرض، وفي مقدمتها عودة آلاف الفلسطينيين إلى الوطن، وقيام هامش واسع من الحريات السياسية والعمل العلني، وإمكانية بناء مؤسسات حزبية وتنظيمية بعيداً عن سلطة الاحتلال المباشرة، فضلاً عن الاستفادة من الخدمات التي وفرتها مؤسسات السلطة الوطنية في مجالات الصحة والتعليم وسائر المؤسسات والهيئات العامة. وقد تعاملت الحركة مع هذه المكاسب باعتبارها حقوقاً فلسطينية مكتسبة، لا باعتبارها نتائج مباشرة لاتفاق أوسلو. وفي السياق نفسه، انتقلت حماس تدريجياً من موقف ديني كان يحرّم المشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية، إلى موقف يجيز المشاركة فيها عندما أصبحت نتائجها السياسية والتنظيمية تخدم مصالح الحركة وتمنحها حضوراً مؤسسياً وشعبياً أوسع. أما المسار الثاني، فتمثل في استمرار تخوين القيادة السياسية التي أنتجت اتفاق أوسلو، مع إبقاء قنوات الحوار معها مفتوحة عند الحاجة، بهدف تحقيق المزيد من المكاسب السياسية والتنظيمية، مستفيدة من سياسة الاحتواء التي اعتمدها الرئيس الراحل ياسر عرفات، والتي أبقت أبواب السلطة مفتوحة أمام مشاركة حماس، من دون اشتراطات سياسية قاسية. وقد تجاوزت السلطة، في مراحل مختلفة، شرط وقف العنف بصورة حاسمة، رغم أن الالتزام بنبذ العنف كان جزءاً أساسياً من الالتزامات الفلسطينية التي قامت عليها عملية الاعتراف الدولي بالسلطة الوطنية. وفي المقابل، استمرت العمليات المسلحة، وخصوصاً العمليات الانتحارية، في توقيتات سياسية شديدة الحساسية؛ إذ كانت تأتي أحياناً عشية الانتخابات الإسرائيلية، أو بالتزامن مع زيارات الموفدين الدوليين، الأمر الذي جعلها عاملاً مؤثراً في السياسة الإسرائيلية وفي صعود القوى الأكثر تشدداً. ومن هنا بدأت تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي فكرة مفادها أن العمليات التي تنفذها حماس تمنح القيادات الإسرائيلية المتشددة، مثل أرييل شارون وبنيامين نتنياهو، فرصة سياسية جديدة، وتعيد ترتيب أولويات المجتمع الإسرائيلي حول الأمن والعنف بدلاً من التسوية السياسية. وهكذا بدأ التطرف الديني الفلسطيني يؤدي، بصورة غير مباشرة، دوراً في تغذية التطرف الإسرائيلي، والعكس صحيح. وتحولت الأصولية الدينية، من خلال حركة حماس، من مجرد خطاب دعوي وأيديولوجي إلى تنظيم سياسي وعسكري قادر على التأثير المباشر في مسار الصراع، ودفع الحالة الفلسطينية مجدداً نحو مربع العنف المسلح. ولم يتوقف تأثير ذلك عند حدود الحركة الإسلامية، بل ساهمت أجواء العنف المتصاعد في إعادة تنشيط نزعات مسلحة لدى بعض التيارات القومية واليسارية، كما امتد تأثيرها إلى بعض الكوادر القيادية في حركة فتح، وإلى اتجاهات واسعة بين أنصار الحركة وتنظيماتها في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهكذا تهيأت البيئة السياسية والاجتماعية التي سبقت الانتفاضة الثانية، والتي سرعان ما تخلت عن نموذج الانتفاضة الأولى القائم على العصيان الشعبي والمقاومة المدنية، وانتقلت إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، شاركت فيها قوى فلسطينية متعددة. وبذلك لم تعد الانتفاضة الثانية مجرد امتداد للانتفاضة الأولى، بل تحولت تدريجياً إلى نموذج مختلف في أدواته ونتائجه، حيث تداخل العنف الفلسطيني المسلح مع العنف الإسرائيلي العسكري والاستيطاني، ودخل الطرفان في دائرة تصعيد متبادل كان الشعب الفلسطيني هو الخاسر الأكبر فيها، بعدما دفع أثماناً باهظة من الأرواح والممتلكات، وتراجعت فرص التسوية السياسية، وتعززت في الجانب الإسرائيلي القوى التي ترى في القوة العسكرية والاستيطان بديلاً عن التسوية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فقد بدأت مرحلة أوسلو باعتبارها محاولة للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، لكنها انتهت، خلال سنوات قليلة، إلى إعادة إنتاج منطق الصراع المسلح، وإن بأشكال وأدوات جديدة، الأمر الذي فتح الطريق أمام مرحلة أكثر قسوة في التاريخ الفلسطيني الإسرائيلي.

خطة الحسم
Por
هشام دبسي
Publicado
أغسطس 4, 2026 - 14:43

استغلّ بنيامين نتنياهو مشاركته في جنازة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام للدخول مجدداً إلى البيت الأبيض، بعدما نجح أصدقاؤه في إقناع الرئيس دونالد ترمب باستقباله. إلا أن الزيارة جاءت هذه المرة من الباب الخلفي سياسياً، وبما لا يتيح له استثمارها إعلامياً كما كان يأمل. وجاءت مقابلته التلفزيونية اللاحقة لتعكس حجم المأزق الذي يواجهه؛ إذ عجزت ملامح وجهه عن رسم ابتسامة المنتصر، وسيطرت عليها علامات المكابرة والابتسامة الصفراء. ويبدو أن ترمب، بطبعه الحاد، لا يقبل أن يرتبط بشريك يجرّ إليه الخسائر والمتاعب. ومع ذلك، لم يستسلم نتنياهو، ولم يُبدِ استعداداً للاعتراف بالفشل أو حتى الإقرار بإمكانية حدوثه، لأن القضية بالنسبة إليه تتجاوز السياسة إلى مصيره الشخصي والانتخابي. فالهزيمة قد تعني نهاية مستقبله السياسي، وربما فتح الطريق أمام محاكمته، وضياع حلمه بأن يُتَوّج نفسه الزعيم الأوحد لدولة إسرائيل. وفي المقابل، جعلت أحزاب المعارضة ملف تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة في أحداث السابع من أكتوبر رأس أولوياتها الانتخابية، بهدف مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم على الإخفاقات التي سمحت بنجاح هجوم حركة حماس، وما ترتب عليه من خسائر بشرية غير مسبوقة، حتى بالمقارنة مع كثير من الحروب النظامية. كما أحدث الهجوم صدمة جماعية عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وما تزال ارتداداتها النفسية والسياسية والأمنية حاضرة حتى اليوم. غير أن المعركة الانتخابية لا تقتصر على ملف السابع من أكتوبر. فالأحزاب الدينية الحليفة لنتنياهو تتمسك بمطلب إعفاء طلاب المدارس الدينية (الحريديم) من الخدمة العسكرية، إلى جانب المطالبة بالفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة، ملوّحة بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إذا لم تُلبَّ مطالبها. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه قيادة الجيش أزمة متفاقمة في الموارد البشرية، نتيجة تراجع الإقبال على التجنيد، سواء بين الإسرائيليين أو المتطوعين من الخارج، بعدما أصبحت مخاطر الخدمة العسكرية تفوق ما يمكن أن تحققه من مكاسب مادية أو معنوية. ومن جهة أخرى، تزداد الأزمة الاقتصادية عمقاً بفعل الارتفاع المستمر في كلفة الحرب، والنفقات الأمنية الاستثنائية التي تفرضها حالة الاستنفار الدائم، واستمرار العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، وهو واقع لم يعتد عليه المجتمع الإسرائيلي طوال العقود الماضية. هذه هي الخلفية السياسية والأمنية والاقتصادية التي ينبغي الانطلاق منها لفهم ما يجري في الضفة الغربية خلال هذا الأسبوع، بل ومنذ بداية العام الجاري؛ إذ لا تبدو التطورات هناك مجرد إجراءات أمنيّة متفرّقة، وإنما جزء من محاولة إعادة تشكيل المشهد الداخلي والإقليمي بما يخدم حسابات نتنياهو السياسية والانتخابية. استباحة شاملة أعلن مربّو الماشية من المستوطنين في الضفة الغربية أن حدود نفوذهم تمتد إلى حيث تصل قطعانهم. وبفضل تسلّحهم الفردي، والحماية التي يوفرها جيش الاحتلال، تمكّنوا من إنشاء عشرات البُؤر الاستيطانية الرعويّة في محيط القدس الشرقية ومنطقة الأغوار. وأدى ذلك إلى حرمان التجمعات الرعويّة والبدويّة الفلسطينيّة من معظم أراضيها وحقوقها التاريخية بوصفها جماعات سكانيّة أصلانيّة في البلاد. كما أسهم هذا النهج المنظّم في هدم المساكن وتهجير أكثر من ثلاثين ألفاً من أبناء التجمعات البدويّة، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة خلال العام الجاري، بالتوازي مع تراجع أعداد الثروة الحيوانية إلى أدنى مستوياتها في الضفة الغربية. كذلك جرى فرض السيطرة على مساحات واسعة من المنطقة المصنّفة (ج) وفق اتفاق أوسلو، وهي تمثل الامتداد الجغرافي الحيوي الذي تقوم عليه فكرة الدولة الفلسطينية. وفي السياق ذاته، توسعت السيطرة الإسرائيلية على الموارد المائية السطحية، بعدما أحكمت سلطات الاحتلال منذ سنوات سيطرتها على الخزان الجوفي المائي في الضفة الغربية، الذي يُعد أكبر مصادر المياه الجوفية في فلسطين التاريخية. وخلال العام الجاري، وثقت عدسات الإعلام والمنظمات الحقوقية الاعتداءات المتكررة على المزارعين، ولا سيما خلال موسم قطاف الزيتون، بهدف منعهم من الوصول إلى أراضيهم وأشجارهم. كما وثقت وزارة الزراعة الفلسطينية اقتلاع 2,559 شجرة، إلى جانب تجريف مساحات زراعية واسعة، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة مئة مليون دولار نتيجة هدم الآبار، وتدمير شبكات الري، ومصادرة الجرارات والآليات الزراعية. ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن نحو 72 ألف أسرة زراعية أصبحت بحاجة إلى مساعدات طارئة، في سابقة لم تعرفها هذه العائلات من قبل. ولم تقتصر الإجراءات على المناطق الريفية، بل امتدت إلى المدن والمخيمات، حيث بلغ عدد المعتقلين خلال النصف الأول من العام نحو 3,600 معتقل، بينهم 276 طفلاً و107 نساء، في وقت يقدَّر فيه العدد الإجمالي للأسرى الفلسطينيين بنحو عشرة آلاف. كما واصل جيش الاحتلال إغلاق المدن عبر البوابات الحديدية والحواجز، بالتزامن مع عمليات واسعة استهدفت عدداً من المخيمات، أدت إلى تدمير أجزاء كبيرة منها وتهجير عشرات الآلاف من سكانها، وتحويل مساحات منها إلى مواقع عسكرية إسرائيلية. وتجري هذه السياسات بصورة علنية وأمام وسائل الإعلام، في ظل تصريحات متكررة لوزراء في حكومة بنيامين نتنياهو يتفاخرون فيها بما يعدونه تقدماً في تنفيذ ما يُعرف بـ"خطة الحسم"، التي تتبناها أحزاب الصهيونية الدينية، والهادفة إلى بسط السيادة الإسرائيلية على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإعادة تسميتها بـ"يهودا والسامرة"، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها الإطار السياسي والمؤسسي الذي يستند إليه مشروع حل الدولتين. وفي هذا السياق، تبدو سياسات الضفة الغربية جزءاً أساسياً من المعركة السياسية والانتخابية التي تخوضها حكومة نتنياهو مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المتوقع قبل نهاية العام. الجديد لم يولد بعد لم يحمل تصريح الرئيس ترامب بشأن تسليم حركة حماس سلاحها ما يحرج قيادة الحركة، إذ لم يأتِ بجديد يتجاوز ما سبق أن وافقت عليه في مبادرته ذات البنود العشرين. فالتفاهمات اللاحقة لم تتناول السلاح الفردي الذي تمارس الحركة عبره سلطتها داخل قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية. وقد أفضت جولة المفاوضات الأخيرة في القاهرة إلى تفاهمات محدودة، سمحت بدخول اللجنة الإدارية الفلسطينية وطلائع القوات الدولية إلى منطقتي رفح وخان يونس، ضمن نطاق السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي. وجاء هذا التقدم قبل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن و أثناءها، بما أتاح لكل طرف تسويقه بما يخدم مصالحه السياسية. غير أن المشهد الميداني بقي على حال، فلا زيادة في المساعدات الإنسانية إلا بالقدر الذي تسمح به قيادة جيش الاحتلال، ولا تغيير يخفف من الكارثة التي يعيشها سكان القطاع. وفي المقابل، يواصل الوسطاء جهودهم للحفاظ على مبادرة ترامب ومنع انهيارها، لأن سقوطها سيعني إطلاق يد إسرائيل في غزة من دون أي أفق سياسي يواكب العمليات العسكرية. وفي القدس الشرقية، يتواصل التصعيد بوتيرة متسارعة. فاقتحامات الجماعات الصهيونية الدينية للمسجد الأقصى تتزايد، بينما يستمر منع معظم الفلسطينيين من الضفة الغربية من الوصول إليه، مع فرض قيود عمرية على المصلين. ويترافق ذلك مع تدخل إسرائيلي متدرج لإعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى وهيكله الوظيفي، رغم الوصاية الهاشمية التاريخية عليه. ولا تنفصل هذه الإجراءات عن هدفين واضحين: فرض التقاسم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، وتكريس الرواية الإسرائيلية حول "القدس الموحدة" باعتبارها العاصمة الحصرية لإسرائيل. وفي مواجهة هذه التطورات في غزة والضفة الغربية والقدس، وفي ظل حصار سياسي واقتصادي وأمني شامل، تتحرك السلطة الوطنية الفلسطينية لتوسيع قنوات الاتصال مع البيت الأبيض، سعياً إلى منع المشروع الإسرائيلي الرامي إلى إنهاء الكيانية السياسية الفلسطينية، والحيلولة دون إسقاط اتفاق أوسلو، الذي ما يزال يشكل المرجعية القانونية التي يستند إليها المجتمع الدولي في مسار التسوية. وفي هذا الإطار، اكتسبت الانتخابات المحلية التي أُجريت مطلع العام، بمشاركة تجاوزت نصف الناخبين المسجلين، أهمية سياسية تتجاوز بعدها الإداري. كما يندرج إعلان مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية، واستمرار نشاط الاتحادات والنقابات والمؤسسات الوطنية، ومن بينها المؤتمر الأخير للاتحاد العام لطلبة فلسطين في بيروت، ضمن محاولة إعادة تنشيط الحياة السياسية الفلسطينية والحفاظ على شرعية مؤسساتها. وتلتقي هذه الجهود مع الدعم العربي والدولي في هدف واحد: تثبيت الفلسطينيين في أرضهم، ومنع التهجير، والحفاظ على تماسك المجتمع الفلسطيني في مواجهة سياسات الاستنزاف والتفكيك. وحتى الآن، أظهر المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في الضفة الغربية، قدرة لافتة على مقاومة محاولات جره إلى مواجهة شاملة تخدم الأجندة الإسرائيلية، مفضلاً الصبر والاحتواء وتعزيز التضامن المجتمعي. غير أنّ ذلك كله لا يعني أن المشهد استقر، ولا أن موازين القوى حُسمت. فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة انتقالية، تتآكل فيها الترتيبات القديمة، فيما لم تتبلور بعد معالم النظام السياسي الجديد. ولذلك، يدرك الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية والقدس أن ما يجري اليوم ليس نهاية الصراع، بل فصل من فصوله، وأن الجديد لم يولد بعد.

حماس – الحيّة
Por
هشام دبسي
Publicado
يوليو 27, 2026 - 21:55

تحوّلت حركة حماس خلال ثلاثة عقود من تنظیم سياسي لجماعة الاخوان المسلمين في فلسطين إلى حركة مقاومة مسلّحة في نهاية عام 1987 وإلى سلطة حاكمة لقطاع غزة في لحظة انقلابها على الشرعية الفلسطينية عام 2007 لم تعُدّ حركة حماس فصيلاً. مع العلم أنها وصلت للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية وسلميّة، وكان اسماعيل هنيّة رئيساً لوزراء السلطة الوطنية، إلا أن الانقلاب الدموي الذي راح ضحيته أكثر من 120 من رجال الامن وحركة فتح فضلاً عن 39 ضحيّة مدنيّة، خلال خمسة أيام من الهجوم الشرس على مؤسسات السلطة الوطنية واعتقال العشرات من منتسبيها حسب تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر. بينما هرب بحراً إلى مصر بعض القادة مثل محمد الدحلان وغیره، وتوقف عن العمل نحو 50 الف موظف حكومي وانحسرت ولاية السلطة الوطنية على مساحة الضفة الغربية فقط. بعد انقلابها على الشرعية الفلسطينية لم تعد حركة حماس فصيلاً ولا شريكاً ديمقراطياّ بالحكم، وآثرت فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والانفراد بالسلطة هناك، ورفعت شعار اسقاط سلطة "رام الله" واسقاط "اتفاق اوسلو". حماس - اسماعيل هنيّة خلال العقد الأول من زعامة اسماعيل هنية أي حتى عام 2017 شهدت الحركة تحوّلات عميقة في علاقتها بالمجتمع الفلسطيني وقياداته وفصائله. وكذلك في علاقاتها العربية والاسلامية والدولية. كما شهدت نُمُوّاً وتطوّراً نوعيّاً لجناحها العسكري (كتائب الشهيد عز الدين القسام) في القدرات القتالية والتسليحية، وصلت إلى ذروتها تحت قيادة يحيى السنوار. وهذا أسفر عن اعادة رسم خريطة التوازنات الداخلية، بالاستناد إلى مركز ثِقَلها في قطاع غزة، واتساع نفوذها الجماهيري في الضفة الغربية، مع موجة تأييد شعبي واسعة في البلاد العربية والاسلامية ساهمت في صنعه قيادة الاخوان المسلمين الدولية، مستفيدة من تحالفها مع ادارة البيت الابيض في عهد الرئيس باراك اوباما. وأدّت هذه التبدّلات والتجاذبات إلى تنحية رئيس المكتب السياسي المقيم بالخارج خالد مشعل بعد ثلاثة عشر سنة من قيادته. ونقل مقرّه الدائم من عمان الى اسطنبول والدوحة. ليصبح اسماعيل هنية يجمع بين رئاسته للحكومة في غزة، ورئاسة المكتب السياسي للحركة. لكنه في ادارته للتوازنات الداخلية والخارجية، لم يتوقع أن يأتي يوماً يجبر فيه على مغادرة القطاع، والاقامة في المنفى، بفعل سطوة القائد العسكري الجديد لكتائب القسام، يحيى السنوار. الذي هيمن على كافة الأجهزة الحمساوية والحكومية. هكذا التحق اسماعيل هنيه رئيس المكتب السياسي بِسلفِه خالد مشعل من دون أن يفقد لقبه ولا وظيفته كرئيس وزراء لحكومة حماس. وستبقى ملابسات هذا الخروج لعدد كبير من القادة، والكوادر الأولى، غير واضحة حتى تكشف قيادة الحركة عن حقيقة الأمر. لكن الصراعات الداخلية لن تقف عند حدود التوزّع الجغرافي بين القطاع والضفّة والشتات، بل تتّخذ أشكالاً متعددة من الموالين العقائديين لقيادة الاخوان المسلمين الدولية، وبين القادة السياسيين، بِعلاقاتهم مع تركيا وقطر وایران، وبين قادة عسكريين برغماتيّين، منهم المتطرّف ومنهم الأشد تطرّفاً، فهذا مَن يريد الاستفادة القصوى من ايران، وذاك من يريد مروحة علاقات مع مختلف الاطراف لتوسيع هامش مناورته وتوطيد نفوذه، مع عدم القطيعة مع الاميركي او الاسرائيلي عند الضرورة. في هذه المناخات صعد اسم خليل الحية بصفته مسؤولًا لحركة حماس في قطاع غزة ومقرّباً من يحيى السنوار الذي لا يمنح ثقته لأي أحد وفق مصادر متعددة ممّن عرفوه وعايشوا تجربته العسكرية. وفي هذا قيل أن دور خليل الحيّة المركزي في المفاوضات يرتبط بالثقة التي حاز عليها من يحيى السنوار. حيث نصبه السنوار نائباً له عندما تسلم رئاسة المكتب السياسي للحركة بعد مقتل اسماعيل هنيه باسبوع في نهاية تموز عام 2024 إلا أن اغتيال السنوار خلال شهرين من تنصيبه رئيساً للمكتب السياسي، صار نائبه خليل الحية منافساً للمرشح السابق خالد مشعل، واستطاع بفعل موقف الداعمين له في غزة من هزيمة خالد مشعل، ليصبح الرئيس الخامس للمكتب السياسي والقابض على مقدرات الحركة. إلا أن ما تقدم لا يختصر مشهد وصول خليل الحيّة لموقعه الجديد، إذ أشارت مصادر سياسية واعلامية من الخبراء المصريين، وعبر الفضائيات، بأن اللقاء التفاوضي الذي حصل في الدوحة، بحضور مندوبين أمنيين على مستوى رفيع من اسرائيل والولايات المتحدة وتركيا بعد الغارة الاسرائيلية الشهيرة على قطر واستهداف قادة حماس، أسفر هذا اللقاء عن تفاهمات وتعهدات من اسرائيل بوقف استهداف قادة حماس وعدم مطاردتهم، وهذا ما شهدنا عليه واقعياً، ويمكن البرهنة عليه من دون أي دليل أيضاً. وبهذا التحوّل العميق في العلاقات الأمنية يمكن الاستنتاج، أن حماس – الحية، ليست حماس – احمد ياسين، وليست حماس – السنوار، حيث يركّز قائدها الجديد على تنفيذ التزامات سياسية – أمنية برعاية قطرية – تركية بالدرجة الأولى. وأن دورها المستقبلي له وظيفة مختلفة في جوهره السياسي ويرتكز على فن البقاء في السلطة مهما كانت الضرائب والخسائر كبيرة. لأن السلطة هي الهدف وليس مصلحة الناس. برنامج الحيّة في مطلع هذا الاسبوع، توجه قائد الحركة الجديد، بأول خطاب له ، ليعلن أنه عازم على: أوّلاً: وقف الاعتداءات الاسرائيلية والانسحاب الشامل من قطاع غزة. ثانياً: استعادة مقوّمات الحياة ومنع التهجير واعادة الاعمار وانجاز صفقة تبادل الأسرى الفلسطينيين. ثالثاً: حوار وطني لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على اسس ديمقراطية. رابعاً: تعزيز علاقات حماس مع محيطها العربي والاسلامي خامساً: تنسيق الجهد الدولي لوقف آلة القتل الاسرائيلي. سادساً: مطالبة الامم المتحدة بتوفير الحماية للشعب ومحاسبة قادة الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية. بهذه الأجندة التي تتطلّب تحالفاً دولياً من قوى عظمى لتنفيذها، يتحدث الحيّة من دون تردد ومن موقع القوة والاقتدار، لكن من فندقه. بينما تتداخل ميدانيّاً حركة الصراع العسكري مع اسرائيل في قطاع غزة مع أماكن ايواء النازحين والتجمّعات البشرية المكتظة بما يشبه الخِيَم، مما يجعل الناس تدفع ثمن قرارات الحركة وسلوكها القمعي مرتين، عبر جهاز أمنها الموكل له ضبط حركة مليونين من النازحين في وطنهم وثمن المطاردة الإسرائيلية لكوادرها وما ينتج عن ذلك من قصف وتدمير وتوسيع رقعة الاحتلال، وتوفير الأسباب والذرائع لمنع وصول الماء والغذاء والدواء. بين واقع الحال والبرنامج المعلن يتراكم البؤس واليأس والاحباط وتضج صفحات التواصل الاجتماعي في قطاع غزة، بصرخات لا تريد قيادة حماس سماعها، وانما تبحث عن مستقبل سلطتها ومصير استثماراتها. ثلاثة خيارات يبشر الوزير سموترش الفلسطينيين بثلاثة خيارات حسب تصريحاته المتكررة، إما الرحيل، او الموت او العبودية. وهذا ما يشاركه به الحكومة الراعية للاستيطان في كامل الاراضي الفلسطينية، وما يجري اليوم من اقتحامات للمسجد الاقصى، واطلاق موجة شرسة من العنف يقودها المستوطنون بحماية جيش الاحتلال، ليس سلوكاً مرتبطاً بأي تهديد وجودي، بل محاولة لتطبيق وتنفيذ "خطة الحسم" التي أعلنها وزراء الحكومة من المتطرفين التوراتيّين، وأيّدها اليوم رئيس الوزراء نتنياهو بتنظيم حملة عسكرية شاملة في الضفة الغربية لضم واستيطان كل ما تصل له يد المستوطنين وآلة الحرب الاسرائيلية. في لحظة الاعداد للانتخابات البرلمانية القادمة في أكتوبر من هذا العام وكما يعلن وزراء الحكومة رغبتهم بإسقاط السلطة الوطنية في رام الله، ومحاولتهم للتخلص من آخر معقل كياني فلسطيني يتبنّى الحل السلمي القائم على خيار الدولتين. حيث يصرّح اقطاب التطرف اليهودي التّوراتي بأن هذا الحل هو الخطر الوجودي على دولة اسرائيل. إنّ موجة العنف الأعمى التي تجري في الضفة الغربية الان ضد السكان الاصلانيين أصحاب الارض من شأنها أن تقضي على أي فرصة للسلام المستند للقانون الدولي. وهذا الأمر لن يؤدي إلا للصراع المفتوح لطالما أن المجتمع الدولي يكتفي بالحديث عن السلام في ارض فلسطين.

الخطر الوجودي
Por
هشام دبسي
Publicado
يوليو 21, 2026 - 02:10

مع اعلان استقلال الدولة العِبريّة في 15 ايار/ مايو 1948 اندلعت الحرب العربية - الاسرائيلية الأولى التي سُمّيت بحرب الاستقلال، لكن العرب استعملوا مصطلح النكبة للدلالة عليها فيما تواجه الجيش الاسرائيلي الحديث النشأة والتشكيل مع جيوش مصر وامارة شرق الأردن، والعراق، وسوريا، ولبنان. في جولة القتال الاولى كان ميزان القوى العسكري هشّاً، وغير حاسماً، فقد حشدت القوات العربية نحو 28 الف جندي مع عدد محدود من الطائرات والمدرعات بينما كانت قدرات الجيش الاسرائيلي ونواته الصلبة قوات الهاغاناه ووحدة البالماخ تقارب اربعون الف مقاتل. استمر القتال لمدة شهرين، وتم ترتيب اجراءات الهدنة الأولى في تموز 1948 خلالها نشطت قيادة الجيش الاسرائيلي في توحيد القوى العسكرية للمنظمات اليهودية (الأرغون، اشتيرن)، وانجزت حصريّة القرار وحصريّة السلاح. كما جنّدت عشرات الآلاف من المقاتلين الجدد، واشترت الأسلحة من دولة تشيكوسلوفاكيا، التابعة للاتحاد السوفييتي، وصار عديد الجيش الاسرائيلي يقارب مائة الف جندي، مع عتّاد متطوّر، يضم الطائرات والدبابات والمدفعية، وهذا ما سمح له بالتفوق الاستراتيجي، على مجموع الجيوش العربية، منذ تلك اللحظة ومازال الأمر مستمراً حتى الآن. في هذا السياق، جاء توقيع اتفاقات الهدنة مع مصر وشرق الاردن، وسوريا ولبنان. بمثابة اعتراف واقعي بدولة اسرائيل، اعتراف مصحوب بخطاب سياسي مُضلّل، لكنه يُرضي الجمهور العربي الغاضب وخصوصاً الفلسطيني. منذ تلك اللحظة بادرت دولة إسرائيل للهجوم في حرب السويس 1956، وفي حزيران 1967. وكان قادة الدولة العبرية، على ثقة بأن الأمن القومي الاسرائيلي لا يعتمد على تفوق جيشها وحسب، بل على تموضعها الاستراتيجي في الشرق الاوسط، بما هي نتاج النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة واعتراف الاتّحاد السوفييتي ومعه المعسكر الاشتراكي. الا أن هذا ليس كافياً لوحده، من دون استحضار ذاكرة "الهولوكست" في كل لحظة يتعرّض فيها أي يهودي في العالم او في اسرائيل لأي مساس أو تنمّر لفظي أو عملي، فكيف إذا تعرّض لهجوم مسلح. هذا ما جعل مقولة الخطر الوجودي تتصدر الخطاب السياسي والاعلامي الاسرائيلي، ربطاً بأي تحدي تواجهه الدولة العبرية سواء كان من دول أو منظمات أو أفراد، وسواءً كان من موقع الفعل والمبادرة الاسرائيلية للحرب، او من موقع الدفاع عن النفس. وبهذا تحولت مقولة الخطر الوجودي إلى "ثابت رياضي" يدخل في حل كافة المعادلات، لا يمكن استبعاده او تجاوزه. ولذا يمكن رصد عبارة "الخطر الوجودي" في مقاربات ساسة وجنرالات اسرائيل وكذلك عند مراكز الابحاث وكبار المثقفين لا فرق بينهم وبين الجمهور الاسرائيلي المسكون بالهاجس الوجودي تلقائياً. حتى أن بعض المؤرخين الجدد من الذين كسروا هذا التفكير النمطي، تراجعوا عنه تحت ضغوط مكثفة ومعلومة. إن خبرة الأحداث اللاحقة لهجوم 7 اكتوبر / تشرين الأول 2023، دلت على سرعة الغرب لنجدة اسرائيل، في لحظة اهتزت بها قدرتها العسكرية وفشلت في احتواء هجوم "طوفان الاقصى" المفاجئ بحجمه ونتائجه المباشرة. إذ استطاع التطرف الاسلامي الفلسطيني، كشف معظم عناصر الضعف في المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، الأمر الذي جعل قادتها في صدمة اللّايقين وفقدان التوازن، لولا المساهمة المباشرة من جنرالات البنتاغون، في الامساك بعصا القيادة، في الاسبوع الاول لإعادة التوازن للحالة العسكرية والامنية والسياسية باستثناء الحالة النفسية. لقد تطلّب الأمر أكثر من شهر، وتطلّب أيضا اكثر من التدمير الشامل للقطاع، حتى تستقر المؤسسة العسكرية الاسرائيلية على إيقاعها الذي يصدّره رئيس الوزراء نتنياهو ووزير دفاعه کاتس. لقد تجاوز عمر الحدث - الكارثة ألف يوم حتى الآن وتداعيات "طوفان" التطرف الإسلامي السّنّي الفلسطيني تتعاظم على الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما طوفان القدرات العسكرية الاسرائيلية تتعاظم على الشرق الأوسط الكبير بِرُمّتِه. ووصل الامر عند رئيس الوزراء نتنياهو بمخاطبة قادة دول مثل الهند والامارات وغيرها، قائلاً: "أنهم لا يحتاجون للتواصل مع البيت الابيض، إذ يكفي مراجعته هو شخصياً حتى يتحقّق كل شيء!" وعندما نلاحظ الآن خطوط انتشار الجيش الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية، ندرك القفزة الكبيرة التي حققها بفعل عملية 7 / اكتوبر، لكن ما زال الخطر الوجودي هو الاساس في المعادلة الاسرائيلية وله ثلاثة وجوه ينبغي القضاء عليها. ثلاثة وجوه هؤلاء الثلاثة صدرت بحقهم اوامر التحييد، من اجل إزالة خطرهم الوجودي على الدولة والأمة. الوجه الأول هو الدكتور حسام أبو صفية، طبيب الأطفال والاختصاصي بحديثي الولادة، ومدير مشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. وكان يتلقى الأوامر بمكبّرات الصوت لإخلاء المشفى من الجرحى من اجل تدميرها كلياً. ثم بدأت القذائف تنهار من الجو والبر، لكنه كان يتابع عمله في إنقاذ ارواح البشر وخصوصاً الأطفال منهم، بينما ابنه لم يبلغ العشرين من عمره، قُتل على مدخل المشفى، ودفن الأب ابنه في جوار سور المشفى، وعاد إلى عمله مع الاطفال والجرحى. حتى تم تدمير کامل اجزاء الصرح الطبي، وتم اعتقال الطبيب مع طاقمه في نقل تلفزيوني شاهده العالم بصفته خبر "عاجل" و "مباشر" وتم اعتقاله في ديسمبر/ كانون اول 2024 ومازال في سجنه يلقى تعذيباً منهجياً، من اجل تدمير شخصيته الانسانية وفق شهادات المنظمات الدولية، ومازال محتجزاً حتى اليوم من دون توجيه لائحة اتهام بموجب القانون الاسرائيلي "المقاتلين غير الشرعيين". وما زال التحقيق معه بشُبهة علاقاته مع فصائل مسلّحة لم يصل إلى دليل. لكنه مازال حياً… وما زال يشكل خطراً وجودياً. الوجه الثاني ليست طبيب وليست مجهولة الهوية والانتماء والموقف، ولا تعيش على ارض اسرائيل او فلسطين، إنها الاعلامية اللبنانية آمال خليل التي وثقت احوال شعبها الجنوبي مع زميلتها المصورة زينب فرج في بلدة الطيري حيث تم اغتيالها مرتين، في استهداف الموكب وفي استهداف المنزل الذي احتمت به وفي منع فرق الانقاذ من الوصول اليها. اليس هذا هو الاغتيال الممنهج؟ المصحوب بتصريحات بانهم حذروها مراراً؟ لقد تكبد قطاع الاعلام اللبناني من عملية طوفان الاقصى سبعة وعشرون ضحية حسب ما أعلنت نقابة محرري الصحافة، كما سجّلت أيضاً منظمة الصحة العالمية 137 هجوماً على منشآت ومبانٍ صحية. الوجه الثالث في مثل هذا الشهر الحار، وفي اليوم الثامن منه في عام 1972، كانت بلدة الحازمية في شرق بيروت مسرحاً لانفجار سيارة مفخخة اودت بحياة الرسّام والكاتب ورئيس تحرير مجلّة "الهدف" غسان كنفاني ومعه ابنة شقيقته لميس نجم ولم تبلغ السابعة عشر ربيعاً ولم يتجاوز عمر غسان السادسة والثلاثين وكان قد رسم لوحات لفلسطيني وكتب قصص تُرجمت إلى 17 لغة فضلاً عن افتتاحياته السياسية، وهو القيادي في تنظيم الجبهة الشعبية إلا أنه لم يحمل بندقيّة. منذ ذاك التاريخ تم تصنيف الكاتب والاعلامي والروائي بصفته خطر وجودي واليوم بلغت ضحايا من قُتلوا في هذه الحرب في فلسطين 265 صحفي ومئات الجرحى من الاعلامين وسجّلت المنظمات الدولية انتهاكاً وتدميراً لعشرات المؤسسات الاعلامية. هكذا يتحول الطبيب والصحفي والكاتب إلى اهداف للقتل والاعتقال، بتهمة ممارسة المهنة ليس إلا. وعليه لا ينبغي للأمر أن نسلم به من دون اعداد ملفات قانونية بعيدة عن أي جهة رسمية وتحويلها لقضايا على مستوى کل ضحية حيث لا يمكن الصمت على الادّعاءات الاسرائيلية بما تسميه "الخطر الوجودي"، للإفلات من المسائلة والعقاب، والاستمرار بابتزاز المجتمع الدولي.

تشييع نظام
Por
هشام دبسي
Publicado
يوليو 13, 2026 - 22:55

كانت جنازة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، من اكبر جنازات الدولة في الشرق الأوسط ، غلب عليها عاطفة الجمهور، وانتزعها من سياقها الرسمي ، وسار مع نعش قائده ، إلى مثواه الأخير عام 1970 أما في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2004 و دعت ثلاث قارات ، اوروبا و افريقيا وآسيا ، الرمز الفلسطيني ياسر عرفات ، كما تودع باريس ملوكها، وكما تستقبل القاهرة فلسطين ، وفى رام الله لم يعد مكاناً للتنظيم ، لأن اكف الناس حملت النعش ، وعيونهم شربت دموعها، لرحيل صانع الكيانيّة، ولأنه رحيل ملتبس بكلام رئيس وزراء اسرائيل شارون عن يد القدر، قال الشعب الفلسطيني له لا تفرح إنّ الحق معنا. بينما في بريطانيا العظمى شاهدنا اكبر جنازة دولة رسمية في هذا القرن للملكة اليزابيث الثانية عام 2022 حضرها مئات القادة من رؤساء وملوك العالم. وكانت الجنازة المدهشة في تنظيمها الذي رسمته الملكة الراحلة بأدق تفاصيله تجلّى بها عقل المؤسسة الملكيّة بشخصها ورؤيتها الواقعية للحياة والناس والدولة، واعتقد أنها تعمّدت أن تسير في وعيها في جنازة نفسها راضية مرضية عمّا انجزت للدولة والعرش معاً. بالأمس شهدنا بضعة ملايين من المُوالين للولي الفقيه، خلف المرشد الثاني علي الخامنئي يذرفون دموع غزیرة بانضباطٍ صارم، بحضور حفنةٍ من الرسميين الضيوف، وكثرة من الجنرالات ورجال الجمهورية الاسلامية، في استعراض للولاء بما هو عنصر القوة الرئيس للنظام بعد كل ما جرى من تدمير للقوة. وهذا لا يكفي لإقناع عشرات الملايين من الإيرانيين، ممن راقبوا المشهد عن بعد، بأن قوات الامن قادرة على حماية النظام لوحدها مع أتباعها - بل إن هذا التشييع هو للنظام نفسه حيث لن يشيّعه أحد لحظه سقوطه. جملة تحدّيات صدرت الجملة الاولى عند المرشد الابن قائلاً "سننتقم حتماً وقريباً" مستخدماً لغة التكليف الشرعي لكل قادر على التنفيذ، ما يذكرنا بالفتوى التي أطلقها المرشد الاول "الخميني" لهدر دم الكاتب البريطاني “سلمان رشدي" بعد صدور روايته الشهيرة "آيات شيطانية ". بينما صدرت الجملة الثانية عن قادة الحرس الثوري بإعلان " إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر". لكن وإن لم يسمّي "المرشد الابن" المقصود بالانتقام، فإنّ عامّة الناس في تشييع المرشد الأب هتفت بالموت للرئيس ترمب والموت لنتنياهو... بين التهديد بالقتل والانتقام من أعلى مرجع وإغلاق "المضيق" واستهداف السفن في المياه الاقليمية العمانية دخل الصراع مرحلة جديدة بأبعاد مختلفة، سقطت معها ورقة التفاهم الأوّلية، وانهارت الهدنة، بما حملته من تباين في تفسير النصوص العامة، وحلّ التراشق الناري كلٌّ حسب قدراته العسكرية. بينما غاب عن المعترضين على صياغة تلك "المذكرة"، أنها أدت وظيفتها المرجُوّة للجانب الأميركي بالخروج من الحرب بشكلها الاول. وسرعان ما اكتشفت القيادة الإيرانية المتباهية بحنكتها التفاوضية، أن "المُكْر الفارسي" ليس نِدّاً حقيقيّاً "للخداع الاميركي"، لأن المسارات العملية ترتبط دائماً بموازين القوى الواقعية وليس بالذكاء المبنيّ على "الفهلوة" والتشبيح السياسي. إذ يكفي الأميركي ربط سيادة ايران على المضيق، بأن هذا مقبول حتى الآن لكن ضمن حدود المياه الاقليمية المعترف بها دولياً. بينما مبادرة التنسيق مع سلطنة عمان سمحت للبحرية الأميركية أن تتجاوز الاجراءات الايرانية بتشغيل المسار الجنوبي المحاذي لساحل عمان، وبهذا فقدت طهران ورقتها الأخيرة كما فقدت ايضا طرفاً وسيطاً طالما كان متعاوناً معها ومتسامحاً حتى في مياهه الاقليمية تلك هي نقطة التحول التي أفقدت القيادة الإيرانية توازنها بعد أن اعتمدت على "ورقة المضيق " بديل "ورقة النووي" وبعد أن اعتقدت أنها نجحت في تشتيت المفاوضات، عن الهدف الأصلي " تغيير سلوك النظام " إلى هدف " فتح او اغلاق المضيق". هكذا استطاعت ادارة البيت الأبيض اعادة ترتيب أوراقها، سواء في المسرح الاميركي الداخلي وعلى حَلَبَة "حِلف الناتو" بمخرجات مؤتمر أنقرة. وقبل نهاية تشييع المرشد في تطوافه الأخير، اكتشفت القيادة العسكرية الإيرانية ان حسابات البيدر أقل بكثير من توقعات الحقل، كما أن الانتصارات التي تحدثت عنها لجمهورها تتبدد بأسرع من احتراق عود البخور. فإذا كانت نشوة الانتصار التفاوضي، التي صاحبت إعلان "مذكرة التفاهم" قد ذهبت في المسار الجنوبي العُماني، فإن حشد ملايين الانصار والهِتاف بشعارات الموت والانتقام، لا يمكن ترجمته في ميزان القوى الواقعي، حتی لو رفع منسوب ميزان القوى المعنوي عند شعب مقهور وقيادة لا تبالي بالخسائر. هكذا اصطدمت القيادة الايرانية، بالبديل الأميركي - العُماني لجعل مضيق هرمز مفتوح باستمرار وفق المعايير الدولية ولهذا شهدنا على جرعة الجنون والتطرف، عبر الهجمات على السفن العابرة وعلى بلدان الخليج العربي فضلاً عن المملكة الاردنية. ولكن شيئاً واحداً لم نلاحظه أن الحرص الايراني على تجنّب قصف اسرائيل كان في أعلى درجاته، كما أن الاشتباك المباشر مع البحرية الاميركية ليس وارداً بالمطلق. ما تقدم يعكس حسبة ايرانية بسيطة ، بأن الهجوم على السفن والدول العربية لا يغضب واشنطن ، لأن هذه الدول ستشتري المزيد من منظومات الدفاع الجوي الاميركي، وأن هذه الدول بقيادة الرياض ، لن تسمح للحرس الثوري أن يجرها إلى الحرب في الميدان وفي الوقت الذي يرغب به، لأنها تمتلك استراتيجية دفاعية من موقع القوة، و تمارس دوراً سیاسیاً اقليمياً ودولياً فاعلاً، وإذا كان أحد مظاهره هو الوساطة ، فهذا يخدم أهدافهم و سياساتهم البعيدة، خاصةً بعدما خرج العُمانيون من مسارهم السابق و صارت حدود الوساطة القطرية مقتصرة على الجانب المالي ، حيث تحتجز الدوحة أموال كثيرة لإيران بفعل العقوبات. ومن جهةٍ اخرى، فإنّ إسلام آباد والرياض والقاهرة وأنقرة، مستمرون في الحفاظ على القنوات المفتوحة مع الرئاسة الإيرانية ووزارة الخارجية، للحفاظ على استمرارية الوساطة لأن العواصم الاربعة تعلن في كل صباح أنها ضد الحرب وتسعى لِوأد نارها على قاعدة تطبيق القانون الدولي وخاصة في المضيق، وهذا هو عنوان هزيمة الحرس الثوري تحديداً. إننا الآن أمام مرحلة استنزاف قوى بأشكال متعددة وكل يوم يقدم قادة ايران الجدد كل ما يحتاجه سيد البيت الابيض. للاستمرار في معركة الاستنزاف حتى نهاية هذا العام بما يجعل الاستحقاقات الداخلية الاميركية تخدم أجندته، ويمكن توظيفها أيضا في الاستحقاقات الدولية، وبعد أن ظهر قدر كاف من تراجع حدة الخلافات الحزبية، من دون اعتبار هذا التراجع يعني أن وحدة الحال والانسجام سائد في الدولة العظمى التي تدير معظم الملفات على هذا الكوكب. قرار مُسْتَقِل يساهم لبنان الرسمي للمرة الأولى في صناعة مستقبله، بتشخيص و ادراك واقعي للصراعات الدولية، وخصوصاً المواجهة الجارية مع الجمهورية الاسلامية. وما أنتجته من عودة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب فضلاً عن انتهاك الأجواء في سماء لبنان. وللمرة الاولى أيضا يشتبك حزب الله مع اسرائيل في حرب الاسناد لغزة ومناصرة ايران، بعد مقتل المرشد الخامنئي، والحزب خارج معادلة "جيش وشعب ومقاومة". بعد انفاذ سياسة حصرية السلاح بيد الدولة وقواها الشرعيّة، وعليه يمكن القول لولا صدور قرار حصرية السلاح، لَما كانت الدولة قادرة على الدخول في مفاوضات، أنتجت "مذكرة تفاهم" تحتاج إلى رعاية سياسية وادارة ملفات متشابكة لا تعجز عنها الدبلوماسية اللبنانية: صاحبة الباع والخبرة في العلاقات الدولية العربية. إنّ منتقدو هذه الخطوة الجريئة والشجاعة معظمهم ممّن لا يوافقون أصلاً على قرار حصرية السلاح بيد الدولة. كذلك لديهم تحفّظات على "اتفاق الطائف" بعلاقته بالتّوازنات العملية والاقليمية لذا لا يمكن قراءة التحفظات على مسار المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية بعيداً عن الموقف السلبي من القرارين، حتى لو أبدى البعض قبول لفظي "لاتفاق الطائف" بينما السلوك الواقعي يعاكس هذا القبول من عدة نواحٍ. انه اشتباك الماضي القريب المثقل بسياسات استخدام البلد كساحة للاستثمار وليس وطناً للبناء والتضحية في وقت حصل فيه لبنان الوطن والكيان والدولة بمعاملة خاصة من المجتمع الدولي والعربي، ورعاية مضمونها تفهم ثِقل التدخل الخارجي الذي يتجاوز قدرات الدولة، ويضعها أمام تحديات مع اسرائيل ليست من صنعها. وهذا ما عبّرت عنه قرارات متتالية في الامم المتّحدة أبرزها القرار 425 الذي حسم اي جدل حول سيادة لبنان وحدوده الجنوبية وهو القرار الذي عالج حقبة امتدت إلى حرب حزيران عام 1967 وتداعياتها اللاحقة المرتبطة بصعود الكفاح المسلّح الفلسطيني من الجنوب اللبناني وكذلك هو القرار الذي بموجبه انسحب الجيش الاسرائيلي في أيار عام 2000، وبدأت الدولة اللبنانية تتلمس طريقها للتعافي من ويلات الحروب السابقة. إن مفاوضات اليوم التي تدمج أهمية قرارات الأمميّة لصالح لبنان وأخرها القرار 1701 لا تنفصل عن المسار الدولي والعربي المساند في جوهره للسيادة اللبنانية المدعّمة بسياسات واضحة ومباشرة ومؤصّلة على قواعد الدستور والميثاق واتفاق الطائف فضلاً عن خطاب القسم والبيان الوزاري. هذا ما يساعد لبنان على الاستثمار الايجابي في الشرعية الدولية والشرعية العربية لردم الفجوة في ميزان القوى مع المحتل الاسرائيلي وتلك الفجوة لا يمكن ردمها إلا بالتفاهم مع الادارة الأميركية نفسها صاحبة الوصاية الكاملة على دولة اسرائيل وكل من يحاول تبخيس الحالة السياسية اللبنانية في سعيها لإنتاج تفاهمات تصون البلد وتفتح طريق الخروج من الازمة المستعصية فيه، انما يريد ادارة عجلة الدولة للوراء من أجل مكاسب جزئية لا علاقة لها بمصير لبنان الوطن والدولة. وفي ضوء ما يجري من حرب استنزاف جديدة بين واشنطن وطهران تزداد أهمية إنقاذ لبنان بعيداً عن "مضيق هرمز"، لأن الإيراني مازال يستثمر حيث يستطيع، بل كلما سقطت اوراقه تشتد حاجته للعودة مجدداً لمصادرة القرار الوطني اللبناني المستقل.

تحت المظلّة..؟
Por
هشام دبسي
Publicado
يوليو 6, 2026 - 12:17

وصل الوفد الاخير لحركة حماس إلى القاهرة في مطلع الشهر الجاري حاملاً ردود الحركة على أسئلة "میلادينوف" و مقترحاته دائمة التعديل. لم يرأس الوفد هذه المرة خليل الحيّة إلا أنه أرسل موقفاً متشدّداً و ثابتاً بشأن بند حَصريّة السلاح على أن يتم هذا الأمر تدريجياً وفق جدول زمني مرتبط [بِمَسار سياسي واضح بشأن تقرير الفلسطينيّين لمصيرهم وضمان حق سيادتهم] ، ومن جهة اخرى طالب [بصرف جميع المستحقّات للموظفين الّذين كانوا يعملون في حكومتها عبر "لجنة إدارة غزّة"] صحف 2\7 ، والسّعي لعدم إقصاء دورها في المرحلة الانتقاليّة. أمّا المواقف الاسرائيليّة ما زالت ترفض أي صيغة تسمح ببقاء جَناح عسكري لحماس بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. بين التصلّب الاسرائيلي والتشدّد الحمساوي، ما زال عمل "لجنة الادارة" مُتَوَقّف واجتماعاتها تُعْقَد في العريش أو قبرص ، لكن ليس في القطاع المُحتَلّ حيث لا تسمح لها حكومة اسرائيل. تَقاسُم وظيفي حالة تشظّي القطاع إلى منطقتين تترسّخ، في شرقه مسرح عمليّات الجيش الاسرائيلي، وفي غربه غالبية السكان تحت حكم جهاز أمن حماس وشرطتها و الناس يعيشون في بقايا الخِيَم وبقايا البيوت المُدَمَّرَة و بقايا الطّعام والماء والدواء. وفي هذا الجزء تمارس حركة حماس السيطرة والتَحَكّم وجِباية الضرائب وادارة العمليات التجاريّة مع حفنة من التّجار لا يقلّون بأساً بتجارتهم عن بأس أمن حركة حماس في علاقته بالناس. وفي كلّ مرّة نتحدّث فيها عن السلاح و حصريّته في القطاع يجب أن نذكر أنّ إدارة ترمب والوسيط التركي والقَطَري توصّلوا إلى ضرورة بقاء سلاح حماس حتى يتم الانتهاء من المرحلة الانتقالية. لذا لدينا مُعادلة بسيطة: اسرائيل تقول لا لسلاح حماس، و حماس تتشدّد في مطالبها بشأن حصرية السلاح إلى درجة طلب ضمانات مستقبليّة جماعيّة و فرديّة بينما المندوب السامي لمجلس السلام نيقولاي ميلادينوف يعمل مثل المكّوك لخياطة إتّفاق يُرضي اسرائيل وحماس معاً. وفق هذه المعادلة المُستعصِيَة، و حسب تعلیمات الادارة الأميركية، وموافقة اسرائيل فإنّ لجنة إدارة غزّة يجب أن تبدأ عملها في الجزء الشرقي وتحت رقابة جيش الاحتلال مباشرةً، علماً أن هذا الأمر لا يوجد له سقف زمني للتنفيذ. والخلاصة هي أن حكم حماس سيستمر في الجزء الغربي، في إزدواجية سلطات لا يمكن فهمها وقراءتها إلا بصفتها تقاسُماً وظيفيًّأ بين الطرفين، ما يؤدي إلى تعاظم مصائب الناس نتيجة الجمود و اللّاحل، بينما الامن الغذائي والمائي والدوائي ينهار بشكلٍ متسارِعٍ، حيثُ يفتك المرض والجوع والعطش بشعب غزة. وهو يعاني وصاية مجلس السلام و احتلال الجيش الاسرائيلي و حكم حماس معاً. إنّ مجلس الامن الدولي باصداره القرار الخاص بتشكيل "مجلس السلام" في 17-11-2025 لم يمنح الرئيس دونالد ترمب الوصاية والولاية على الفلسطينيّين، وإنّما لوقف حرب الابادة التي صارت تضُرّ بمصلحة اسرائيل وصورتها، ومن أجل الترخيص لنشر قوّة دوليّة تساعد على عبور الشعب الغزّي معاناته من الابادة الموصوفة. لقد مضى الشهر الثامن على تشكيل "مجلس السلام" ومازالت المفاوضات تراوح في تنفيذ البند الأول من أصل عشرين بندًا نصّت عليه مبادرة ترمب. خطوط حمراء الجولة التفاوضية الأخيرة هي الخامسة من دون أي تقدم يُذكر، حيث تتقاطع الخطوط الحمراء من موقع التّضاد الشامل بين اسرائيل وحركة حماس حول حصريّة السلاح و مستقبل الحكم في قطاع غزة وبانتظار التغيير في السلطة الفلسطينيّة بعد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة المقرّرة في نهاية هذا العام. وفي كل مرة تفشل العملية التفاوضية تتقدم الديبلوماسيّة المصريّة، بمقترحات جديدة من أجل استمرار المفاوضات، حتى لا تترك لاسرائيل حريّة التنصّل من الالتزامات الدولية، ولمنعها من فرض أمر واقع جديد في قطاع غزة يؤثر على الأمن القومي المصري تأثيرًا استراتيجيًّا من خلال تحويل الحدود الفلسطينيّة - المصريّة، إلى حدود اسرائيليّة – مصريّة، فضلاً عن ما يستتبع ذلك من تجاوز على معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية. من هذا المنظور للجغرافية السياسية، تدفع الدبلوماسية المصرية بدور السلطة الوطنية للأمام وتأمين حضورها السياسي والمادي، وقد نجحت في إحياء “معاهدة المعابر" وإعادة الحضور الفلسطيني الرسمي بمشارکة اوروبية، و بالاتفاق أيضاً على ادخال خمسة عشر الف شرطيًا على ثلاثِ دفعات لتأمين حياة الناس في القطاع لاحقاً، بالإضافة للمشاركة الرمزيّة لمدينة دير البلح في انتخابات البلديات منذ أشهرٍ قليلة مضت. لهذا، مازالت القاهرة حريصة كل الحرص على منع فشل المفاوضات، كما يرغب نتنياهو و جنرالاته.و لتحقيق هذا الهدف، تستخدم القاهرة وسائل المرونة والصلابة معاً مع كافّة الاطراف، بما فيها الطرف الاسرائيلي. حيث تراقب القاهرة من خلال دورها مع دول الوساطة الاربعة "الباكستان، السعودية، وتركيا" تطوّر حركة الصراع بين واشنطن و طهران و تل ابیب والاحتمالات المفتوحة حتى الآن على امكانية العودة مجدّداً إلى مستويات من العنف قابلة للانفجار، مهما تكن مضبوطة. إذ تحتمل العمليات السياسيّة والانتخابيّة المقبلة في الولايات المتّحدة واسرائيل إلى ظهور نتائج لا تُساعد على نجاح عمليّة سلام واسعة دُوَليّة واقليميّة. في الوقت نفسه، تتحرّك السياسات التّركيّة والقَطَريّة بديناميّة مختلفة، تسعى من خلالها لبناء علاقة جديدة بين حركة حماس وادارة البيت الأبيض، إنطلاقاً من خبرتهم الطويلة مع قوى الاسلام السياسي المتطرّف وخاصّةً مع حركة الطالبان الأفغانيّة، تلك التجربة العزيزة على قلب عضو المكتب السياسي لحماس خالد مشعل من كثرة ما اعتبرها بتصريحاته، نموذجاً مرجعياً، يسمح تقليده بإعادة انتاج الحركة ودمجها في النظام السياسي الفلسطيني مجدّداً. ولولا مرونة الادارات الاميركية السابقة والحالية، لما تشدّدت قيادة حماس في مطالبها التفاوضية، حيث رهانها على نجاح مساعي انقرة والدوحة في اعادة تسويق دورها في الحالة الفلسطينيّة، الأمر الذي يُمَكّن البيت الابيض من فرض شروطه على حماس والسلطة الفلسطينيّة معاً، لخفض سقف المطالب الوطنيّة التي يقبل بها الشعب الفلسطيني، وهذه لعبة مستمرّة منذ تمكين حُكومة شارون عام 2007 لحركة حماس في انقلابها على الشرعيّة الفلسطينيّة. فإذا كانت اللعبة مضمونة النتائج... لماذا لا تتكرّر؟ قطرة ماء بينما تستمر اسرائیل في منع دخول المساعدات الإنسانية تتفاقم أزمة الماء النظيف، حيث يحتاج القطاع يوميًّا إلى ١٤٠ الف لتر مكعّب لحاجات الشرب والمشافي والطعام بينما تُبلغ الأمم المتّحِدة بصوتٍ عالٍ عن انهيار الأمن المائي لكن حركة حماس لا تُظهر من جانبها مواقف أو سلوك يدل على اكتراثها بالناس لأن السلاح عندها أهم من قطرة الماء..!

لائحة العار
Por
هشام دبسي
Publicado
يونيو 30, 2026 - 18:20

أعلن مجلس الأمن الدولي في عام 2005 القرار رقم 1612و يقضي بتسمية الأطراف التي ترتكب انتهاكات خطيرة بحق الأطفال في النزاعات المسلّحة والحروب . سواء كانت دول أو قوى الأمر الواقع من ميليشيات وسلطات محلية غير شرعية و بموجب هذا القرار تصدُر "لائحة العار" بأسماء الدول والمنظمات حسب ترتیب عدد و طبيعة الانتهاكات التي تمارسها و قد كشف التقرير السنوي أنّ القوات المسلحة والأمنيّة ارتكبت 38 الف انتهاك ضد الأطفال حول العالم خلال السنة الماضية، وشمل التقرير الأُمَمي ستة عشر دولة أبرزها: افغانستان ، مالي، هايتي، ميانمار، الصومال، نيجيريا، السودان، ایران، واسرائیل. و قد تبيّن أنّ القوات المسلّحة الأمنيّة الاسرائيلية ارتکبت ربع حالات الانتهاك المُوَثّقة بمعدّل يتجاوز 12,425 انتهاكاً ضد خمسة آلاف طفل جرى التحقيق معهم و ما زال التحقيق مستمراً مع خمسة آلاف حالة اخرى. لذا اُدْرِجَت قوات الامن الاسرائيلية بصفتها أكبر المُدانين و تصدّرت المرتبة الأولى في لائحة العار للمرة الثانية. وقدّمت المديرة التنفيذيّة لليونيسف کاترين راسل إحاطتها حول الموضوع موضحة أن [الارقام الواردة في التقرير لا تعكس العدد الحقيقي للانتهاكات ضد الاطفال، لأن التقرير يشمل فقط الحالات التي تم التحقق منها...، إن كثيرا من الانتهاكات لا يُبَلّغ عنها لأسباب متعددة، منها صعوبة الوصول والخوف من الانتقام وغيرها.... ]. و يُبيّن التقرير أنّ 70% من الوفيّات والاصابات نتجت عن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان. ان وضع اسرائيل في صدارة "لائحة العار" ليس مُرتَبِطاً بما يجري في فلسطين فقط حيث الانتهاكات لا تقل وحشية بحق أطفال لبنان وسوريا وكذلك الشعوب الإيرانية التي تعاني أصلاً من وحشية نظام الملالي. إلا أنّ هذه الانتهاكات تُشکّل تحدّياً كبيراً لكافّة دول العالم المتحضّر و خصوصاً للدول الديمقراطية المدافعة عن القانون الانساني الدولي ومجمل المواثيق التي ساهمت في صياغتها والدعوة لها حيث ينص القانون الدولي على مقاضاة الفاعل الرئيس المباشر وكذلك مقاضاة الأطراف المتواطئة مع المجرم، بحسب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. لذا يُعتبر التواطؤ شكلاً من أشكال المساهمة غير المباشرة يشمل الدعم المادي والدعم اللوجستي وكذلك الدعم المعنوي، وهذا يطال قانونياً الشركات المصنّعة للسّلاح وغيرها ذات الصّلة بكل امداد يخدم الجهد العسكري لِمُرْتَكبي جريمة الابادة. بما فيها شركات التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي. بهذه المطالعة تحدثت وكيلة الأمين العام والممثّلة الخاصّة المعنيّة بالأطفال والنزاعات المُسَلّحة فانيسيا فرايزر قائلة : [إن التّقاعُس عن التحرّك ليس وليد الجهل ، بل هو خَيار سياسي واعٍ] و على هذه الشّهادة يمكن إعادة محاكمة مواقف كل الدّول ذات الصّلة بالجرائم المرتكبة بحق الاطفال في العالم اينما وُجدوا ولأي سبب تمّ انتهاك طفولتهم. ان المسافة كبيرة وواسعة بين ما ينُصّ علیه القانون الدولي وبين حال البشرية الرّاهن على الرغم من التّقدّم العلمي الكبير إلا أنه لا يعني حتماً تقدّماً حضارياً. العاصمة تمّ تأجيل المُفاوضات حَوْل مدينة القدس الشرقيّة لما بعد المرحلة الانتقالية من "اتفاق أوسلو" و مُدّتها خمسُ سنوات و حين صار الوقت على مشارف الألفيّة الثالثة رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهودا باراك نقاش قضايا الحل النهائي مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ولم تنفع أيضاً الوساطة التي بذلها الرئيس الاميركي بيل كلينتون قبل خروجه من البيت الأبيض . حيث لم يقبل افكاره كلا الطرفين، وكان الحل عند اريئيل شارون عبر الاستفزاز المدروس والمنسّق مع ايهودا باراك باقتحام المسجد الاقصى و ما نَجَمَ عنه من رد فعل فلسطيني جماهيري اوّلاً وبالعودة للسلاح من جديد بقيادة حركة حماس ثانياً.. وعندما صار اريئيل شارون رئيساً للوزراء اصدر في 15-08-2005 أمراً بالانسحاب من قطاع غزّة تحت عنوان خطة "فكّ الارتباط". وقدّم نموذجاً للحلّ على قاعدة الاحتفاظ بفكرة اسرائيل الكبرى والانسحاب من التجمّعات السكانيّة في المدن الفلسطينية فقط ، على أن تستمر عملية تهويد مدينة القدس الشرقيّة الخاضعة لقانون الضمّ منذ نهاية حرب حزيران 1967. هذا النموذج للحلّ استمرّ في التطبيق العملي لتهويد المدينة العاصمة لدولة فلسطين من خلال وضع سُكّانها في حالة قانونية خاصّة تمنعهم من حمل الهويّة الفلسطينيّة، وتمنعهم من حمل الجنسية الاسرائيلية مثل فلسطينيي الداخل..لذا منحتهم الحكومة بطاقات تحمل صفة "المقيم الدائم" الذي يحق له التصويت لبلديّة المدينة فقط . وليس للكنيست وفي كلّ مرّة كانت تجري انتخابات تشريعيّة فلسطينية تبدأ المعركة على حق المقدسيين بالتصويت لصالح السلطة الوطنية ومجلسها التشريعي حيث يبدأ الموقف الاسرائيلي رافضاً مشاركتهم في الانتخابات الفلسطينيّة.بينما يستمرّ وضعهم، بموجب القانون الدولي، سُكّان ارض مُحتلّة يحتاجون لحماية دوليّة. لقد تبرّع الرئيس ترمب منذ ولايته الاولى بقرار ضم اسرائيل للقدس الشرقيّة ونقل السفارة الامريكية من تل أبيب اليها من دون الاكتراث لِما فعله و زاد في الأمر، اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن. أمّا في شهر أيار/ مايو الماضي صادق الكنيست الاسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع قانون إقامة "سلطة التراث في يهودا و السامرة" الاسم التوراتي للضفّة الغربيّة. و يحتاج القانون للقراءة الثانية و الثالثة كي تصبح كافّة الآثار في الضفّة الغربية تحت سلطة حكومة اسرائيل وهي آثار منتشرة في كل مكان تقريباً منذ العصر الكنعاني حتى الروماني و العثماني بما يجعل سلطة الآثار تستطيع الترميم و الانشاء و البيع و الشراء من دون أي عائق. ما يسمح لاسرائيل مصادرة كل منطقة في مدينة القدس والضفة الغربيّة عموماً وبالنسبة لهم تُعتبر القضية المركزية الكبرى تبدأ بالهيكل المدفون تحت المسجد الاقصى حسب سرديتهم. ومن أجل هذا تتخذ حكومة نتنياهو إجراءات ضد ادارة المسجد عبر احتلال اجزاء داخله ليتمركز به الجنود و"وحدة حُرّاس الهيكل" لحماية من يريدون إقتحام المسجد وممارسة الشعائر الخاصّة بهم داخله لذا سيطر الجنود على اربعة مواقع داخل المسجد الاقصى هي قبّة الإمام الغزالي، وقبّة سليمان ، وقبّة موسی ، ودار الحديث الشريف ، كما ابعدت قوى الامن 37 حارس وموظف لتقليص عدد الحراس الفلسطينيّين من خمسين حارس إلى عشرين في كل مناوبة ، فضلاً عن سحب تصاريح ثلاثين من العاملين في المسجد المُقيمين في الضفة الغربية بينما تعلن شرطة الاحتلال عن مسابقة لجذب متطوّعين جُدُد "لوحدة جبل الهيكل" من عتاة المتطرّفين اليهود. تلك السياسات التي تمسّ بالاتفاقات المعقودة مع السلطة الفلسطينيّة والمملكة الأردنية الهاشمية بصفتها صاحبة الولاية على المسجد الاقصى منذ عشرينات القرن الماضي، لا تجد من نتنياهو إلا تصريح مقتضب يدّعي بأنهم لم يغيّروا شيئاً في الواقع. إلّا أنّ "حركة السلام الآن" على ضعف أنصارهم الجهة الوحيدة التي قالت : [إنّ مشروع القانون هذا، اذا تمّ إقراره في الكنيست، يشكّل اجراء ضمّ بكل المقاييس و مُصادرة واسعة النطاق للاراضي الفلسطينية.]

/