
يصنع ثلاثة أقطاب الحياة السياسيّة اليوميّة في اسرائيل، حتى موعد الانتخابات للكنيست السادسة والعشرين في 27 / تشرين الأوّل / اكتوبر القادم، اولهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتحالف مع أقصى التطرف الصهيوني الديني، ينافسه نفتالي بينيت من اليمين القومي، وقد تحالف مع يائير لبيد الوسطي. اما الثالث القادم من المؤسسة العسكرية رئيس الاركان السابق غادي آيزنكوت ، ربما يكون المنافس الأخطر لِنتنياهو ، إذ أن استطلاعات الرأي المنتظمة تتبدّل باستمرار، لكنّ الثابت الوحيد فيها حتى الآن ، حقيقة عجز أيّاً من الأقطاب الثلاثة عن تحقيق اختراق يسمح بتشكيل الحكومة القادمة. في حين يظهر المشترك في البرامج الانتخابية لهؤلاء الأقطاب، على شكل غياب أي عنوان متصل بحقوق الشعب الفلسطيني ومستقبله في الضفة والقطاع، وتجاهل دور الأحزاب العربية في اسرائيل. مَن يتابع الاتصالات اليومية ، ويراقب الحراك الداخلي في صناعة التحالفات المعلنة منها والسّرّيّة، يستطيع إدراك فظاعة الانتهازية ، وسيادة منطق الابتزاز في العلاقات البينيّة، الحزبيّة و الجماهيريّة ، خاصةً لدى الاحزاب الصغيرة والقوى التي تستثمر على قاعدة أنها تملك ميزة "بيضة القبّان" ، مثل افيغدور ليبرمان الصهيوني - العلماني ، وغيره من ممثلي الأحزاب الدينية التي تزايد على بعضها في التطرف والمطالب. الأمر الذي يجعل فهم طريقة واسلوب تعاملهم مع الفلسطيني، تبدو مفهومة في السياق نفسه من الزاوية الاخلاقية، لطالما أضفنا اليها الحاجز النفسي الذي ولّده هجوم 7 / اكتوبر وكان بمثابة بناء جدار أعلى وأكثر بشاعة من جدار الفصل الاسمنتي. في هذا السياق، يمكن الاستنتاج أن الانتخابات القادمة لا تشبه مثيلاتها، من عدة نواحٍ، لأن نتائجها بالنسبة لنتنياهو هي الحد النهائي لحياته السياسية والشخصية، إمّا في الحكومة وإمّا في السجن، وهذا ما دفعه لبذل المزيد والمزيد من الجهد لإعادة ترتيب بيته الداخلي، على إيقاع ما يدور من حروب في القطاع والضفة و جنوب لبنان والجولان. هكذا صار سفك الدم اللبناني والفلسطيني والسوري وقوداً للعمليّات الانتخابية الراهنة. من جهةٍ أخرى، يقول النائب في الكنيست الحالي تسفي سوكوت من حزب الصهيونية الدينية : “نقتل 100 إمرأة وطفل في ليلةٍ واحدةٍ ، ولا أحد يكترث لِما لا نقتل المزيد إذاً... الآن انتهت عملية نزع الصّفة الانسانيّة عن الفلسطينيّين..” هذا ما جاء في مقال للكاتب جاكي خوري في صحيفة هارتس 2025/5/18. وما يحصل اليوم من هجوم متعدد الأشكال في انحاء الضفة يسمّونه بـ "ثورة المستوطنين"، يستهدف حسم مصير الضفة الغربيّة نهائيّاً لصالح الضم وإنفاذ السيادة الاسرائيليّة عليها. انما يعكس تحوّل الغالبيّة العُظمى من الاسرائيليّين، بعيداً عن نمط الفكر الصهيوني – العلماني – الديمقراطي كما قدّمه سابقاً حزب العمل في لحظة التأسيس. وأنّ الاقطاب الثلاثة لا يجادلون في مضمون كلام النائب سوكوت، حتى عندما يضطر نتنياهو وصف العنف في أبشع أشكاله، على أنه اعمال شغب تضر بسمعة اسرائيل. كما أن الاقطاب الثلاثة لا يختلفون حول إطلاق مشروع الاستيطان في شرق القدس ( 1E ) الا من زوايا شكليّة ، لا تغيّر في مسار الأحداث. وهذا يعني أن الفائز في الانتخابات القادمة لن يخرج عن هذا المسار، وأن خيار حلّ الدولتين مرفوض بالعقل الاسرائيلي العام وسيبقى هدف تحطيم الكيانيّة السياسيّة والاداريّة الفلسطينية. هو الضرورة التي تسمح بإنجاز عملية الضم والتهويد وبسط السيادة على "يهودا والسامرة"، كما يرغبون. الإفتراق الخطير بعد العثور على الطائرات الورقية قرب مستوطنة ناحل عوز ، خلف السياج الأمني المحيط بقطاع غزة، وبعد فحصها، أعلن الجيش الاسرائيلي، أنه لم يجد فيها مواد مشبوهة أو خطرة. ومع ذلك صدرت تهديدات اسرائيلية بالتصعيد، وحدثت اعتقالات لكوادر من حرکة حماس، وشنّ الطيران غارات على مشافٍ و خِيَم راح ضحيّتها مدنيون. بينما تتحدّث الديبلوماسية الاسرائيلية في المحافل الدوليّة حول خطورة التهديد الوجودي للطائرات الورقية وخيطها الرفيع، وغاب عن النقاش كلّ من فارق الحياة من الناس. كما صدر عن المستوى العسكري ما يفيد بأن المرحلة القادمة، ستشهد خططاً عسكريّةً وتفكيراً يستوجب احتلال مدينة غزة مجدّداً للقضاء على ما تبقّى من حركة حماس. بهذا النموذج الغزّي فضلاً عمّا يجري في الضفّة الغربيّة بعد نزع الصفة الانسانيّة عن الفلسطيني نحصل على معادلة انتخابية، يرتفع فيها عدد القتلى والجرحى باستمرار من أجل حصد أصوات الناخبين، ولا ندري ما هي كلفة الدماء اللازمة حتى يحصل حزب من الاحزاب على مقعد إضافي في الكنيست القادمة. ما تقدّم والعالم يشهد يوميّاً بالصوت والصورة ما يدور، يشير إلى نهاية المشروع الصهيوني العلماني – الاشتراكي ، الذي ادّعت دولة اسرائيل بأنّها الواحة الديمقراطيّة في صحراء العرب، وانها مُمثّلة الحضارة الغربية في الشرق الأوسط المتوحّش. كما انتهى الجدل داخل النخب الإسرائيلية الدّاعية للدخول بمرحلة ما بعد الصهيونيّة، والبحث عن حلول تقوم على الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيّين. إنّ هذه الانتخابات تؤسس لافتراق خطير يتغذّى على الأساطير التوراتية، والطقوس التلموديّة من اجل انتصار فكرة اسرائيل الكبرى على مساحة 27 الف كم 2 وأكثر من ارض فلسطين التاريخيّة وما يمكن احتلاله وضمه مثل الجولان وغيره. وفي هذا السياق الخطير، صدرت المذكرة\الرسالة المفتوحة التي وجهها 102 من الديبلوماسيّين السابقين البريطانيّين والفرنسيّين، إذ تقول: “إنّ فلسطين تُمحى أمام أعيُن العالم” ( 22- آب \ أغسطس الماضي) طالبوا فيها حكومتي بريطانيا وفرنسا بتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية ، وتعليق التعاون الاقتصادي والعسكري، و اجراءات ملموسة ضد الاستثمار المرتبط بالمستوطنات واستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي البريطاني والفرنسي للحفاظ على امكانية قيام دولة فلسطينية.إلّا أنّ استجابة الدّول ليست بالقدر المطلوب. إنّ تحوّل اسرائيل "الديمقراطيّة" لصالح اسرائيل "التوراتيّة" يجعل التّحدّي لمعسكر السّلام الفلسطيني و العربي أكثر تعقيداً، وأكبر من القدرة على حماية الكيانيّة السياسية الفلسطينيّة و يُؤسّس مجدداً لتيار فلسطين التاريخية في مواجهة اسرائيل الكبرى. وبقدر ما كانت ولادة دولة اسرائيل، مهمّة أوروبيّة- أمريكيّة. من الانصاف أن تكون ولادة دولة فلسطين كذلك.









