


عاد رئيس الوزراء الاسرائيلي من نيويورك خائباً، لم يستمع له إلا حفنة من الوفود وكان خطابه خالياً من أي عبارة تدل على صناعة السلام في الشرق الأوسط. فهو لم يخاطب إلا من يريد حصد أصواتهم في الانتخابات المقبلة للكنيست؛ من أجل البقاء على سدة السلطة.
بالمقابل حقّق الفلسطيني فوزاً سياسيّاً ودبلوماسيّاً واضحاً في هذا المضمار الدولي على الرغم من حالة الضعف والحصار والضغط المستمر. لذا شهدنا حالةً من الجنون في الضفة الغربية إذ توافق موسم قطاف الزيتون مع الانجاز الفلسطيني المحدود الذي حصل في موسم الامم المتحدة بدورتها الـ 81.
ومع عودة نتنياهو جرى مضاعفة عدد جنود جيش الاحتلال في الضفة الغربية من فرقة عسكرية واحدة إلى فرقتين ، وشنّ المستوطنون بأسلحتهم و بحماية الجيش 117 هجوم واعتداء على مساحة الضفّة وجرى تدمير 25 مركبة وقطع أشجار وسرقة مواشي وسرقة صهاريج مياه وحاويات قمامة وتجريف دونمات من الأراضي لفصل القرى عن محيط المدن وشق طرقات خاصة بالمستوطنات واخيرا فرض اغلاق شامل في الضفة من 28 ايلول/ سبتمبر إلى 3 تشرين اول / اكتوبر بمناسبة الاحتفال بالأعياد اليهودية ، مع نشر حواجز جديدة وبوّابات زاد عددها عن الألف بينما بلغ عدد المعتقلين في الضفة فقط 9400 أسير منهم 3198 معتقل اداري ( بدون تهمة) و 88 امرأة و 370 طفل.
انه اسبوع الجنون والانتقام، بدل الاحتفال بالأعياد ... هذه هي حقيقة التطرف الديني وهذه صورته الملموسة في الواقع. انه الجنون المنظم والمحمي بقوة جيش الاحتلال وسياسة حكومته.
غزة بعد نيويورك: الخطة على الورق والاختبار على الأرض
لم تكن نيويورك هذا العام مجرد محطة جديدة في روزنامة الأمم المتحدة، ولا مناسبة لتبادل الخطب والبيانات حول الحرب في غزة. فقد بدا أن المجتمع الدولي ذهب إلى الجمعية العامة حاملاً سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا بعد وقف الحرب؟ ومن يحكم غزة؟ ومن يضمن أمنها؟ ومن يعيد إعمارها؟ والأهم، هل يمكن أن تكون غزة مدخلاً إلى إعادة توحيد الجغرافيا الفلسطينية، أم أن المرحلة الانتقالية ستضيف فصلاً جديداً إلى الانقسام؟
ما خرج من اجتماعات الأيام الماضية لا يشبه اتفاقاً نهائياً، لكنه يتجاوز البيانات التقليدية. فقد بدأت تتشكل خريطة سياسية وأمنية واقتصادية لليوم التالي، تتقاطع فيها خطة إنهاء الحرب، وقرار مجلس الأمن 2803، ومجلس السلام، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية، وخطة التعافي وإعادة الإعمار، مع المسار الأوسع لإقامة الدولة الفلسطينية.
في 22 أيلول، وضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الإطار السياسي بوضوح، عندما أكد أن غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يجب أن تبقى وحدة سياسية واقتصادية وإقليمية تحت حكومة فلسطينية واحدة، وأن الحل السياسي يقوم على دولتين على أساس خطوط ما قبل 1967.
لكن الجديد لم يكن في إعادة تأكيد هذه المبادئ، بل في محاولة تحويلها إلى ترتيبات عملية.
ففي اليوم التالي، طرحت الأمم المتحدة في اجتماع التعافي المبكر في غزة معادلة تقول إن الإعمار والسياسة لا يمكن فصلهما. لا يمكن إعادة بناء الخدمات من دون سلطة قادرة على إدارتها، ولا يمكن تثبيت سلطة انتقالية من دون توفير الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والسكن. ولذلك رفعت الأمم المتحدة شعاراً أكثر تحديداً: فلسطين واحدة، وخطة تعافٍ واحدة، وآلية مساعدات واحدة، على أن تكون المؤسسات الفلسطينية هي نقطة الارتكاز.
وفي موازاة ذلك، بدأ “مجلس السلام” يتحول من فكرة سياسية إلى بنية تخطيطية. فاللجنة الوطنية لإدارة غزة تشكلت من تكنوقراط فلسطينيين، ومهمتها إدارة الشؤون المدنية خلال المرحلة الانتقالية، على أن تكون هذه المرحلة جسراً نحو استعادة الإدارة الفلسطينية الموحدة للقطاع والضفة. لكن المفارقة أن اللجنة، رغم تشكيلها وعملها منذ أشهر، لم تتمكن حتى الآن من دخول غزة وممارسة مهماتها على الأرض، كما أن قوة الاستقرار الدولية لم تنتشر بعد داخل القطاع.
وهنا تبدأ المسافة الحقيقية بين الخطة والواقع.
فالخطة تستطيع أن تحدد المؤسسات والأدوار، وأن ترسم جداول الإعمار وتوزيع الأموال، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفتح المعابر، ولا أن تنهي وجود السلاح، ولا أن تفرض الانسحاب الإسرائيلي، ولا أن تجعل اللجنة الفلسطينية تدخل غزة وتباشر عملها.
وهذه هي العقدة التي حملتها اجتماعات نيويورك من اجتماع إلى آخر.
الدول العربية والإسلامية المعنية بالخطة لم ترفض مسارها، بل دفعت باتجاه الانتقال إلى مرحلتها التالية: نزع سلاح الفصائل، الانسحاب الإسرائيلي، نشر قوة الاستقرار، ثم تولي الإدارة الفلسطينية الانتقالية وإطلاق عملية الإعمار. وفي المقابل، بقي تنفيذ هذه العناصر مرتبطاً بمواقف الأطراف الموجودة على الأرض، وليس بالاتفاق الدولي وحده.
ولذلك يمكن القول إن نزع السلاح أصبح أحد مفاتيح المرحلة الجديدة. فالتقرير الأممي المقدم إلى لجنة تنسيق المساعدات يؤكد أن نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة لم ينفذ بعد، وأن الترتيبات الانتقالية التي نص عليها القرار 2803 لم تصبح عاملة داخل غزة حتى الآن.
لكن اختزال المشكلة في سلاح حماس وحده سيكون تبسيطاً للصورة. فهناك أيضاً السؤال الإسرائيلي: متى وكيف يتم الانسحاب؟ وما حدود القوة الدولية؟ ومن يضمن الأمن خلال المرحلة الانتقالية؟ وهل تقبل إسرائيل بأن تنتقل غزة من إدارة انتقالية دولية فلسطينية إلى إدارة فلسطينية موحدة، أم تبقى الترتيبات الأمنية مفتوحة إلى أجل غير محدد؟
وهناك في المقابل، السؤال الفلسطيني: هل تكون اللجنة الوطنية لإدارة غزة جسراً يعيد السلطة الفلسطينية إلى القطاع، أم تتحول، بحكم طول المرحلة الانتقالية، إلى بنية سياسية وإدارية جديدة؟
الأمم المتحدة تحاول منع الاحتمال الثاني بوضوح. فتقريرها الأخير يشدد على ضرورة عدم إنشاء مؤسسات فلسطينية موازية للسلطة، وعلى أن الهدف النهائي هو إدارة غزة والضفة الغربية من قبل حكومة فلسطينية واحدة.
ومن هنا، تكتسب اجتماعات نيويورك أهميتها. فقد أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز المعادلة، بعد أن كادت حرب غزة تختزلها في ملف إنساني وأمني. ففي 24 أيلول، شاركت قرابة مئة دولة ومنظمة في اجتماع التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، وأكدت أن غزة والضفة الغربية وحدة واحدة، وأن الترتيبات الانتقالية يجب أن تقود إلى حكومة فلسطينية واحدة، مع ربط إعادة الإعمار بالمسار السياسي الأوسع.
لكن هذا التوافق الدولي يصطدم بعقبة أخرى لا تقل أهمية: ما يجري في الضفة الغربية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه نيويورك عن إعادة توحيد غزة والضفة، يسجل التقرير الأممي استمرار توسع المستوطنات، والعنف الاستيطاني، والتهجير، والقيود على الحركة، والأزمة المالية الخانقة للسلطة الفلسطينية. ويشير التقرير إلى أن هذه التطورات تقوض القدرة على قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في المشهد كله: المجتمع الدولي يعمل على إعادة بناء غزة في الوقت الذي تتآكل فيه، في الضفة، الشروط الجغرافية والسياسية التي يفترض أن تجعل غزة جزءاً من دولة فلسطينية واحدة.
أما في الجانب المالي، فقد انتقلت الخطة خطوة أخرى من العموميات إلى الأرقام. إذ جرى تقديم مشاريع للتعافي والإعمار في غزة، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن التمويل المتاح لا يزال أقل كثيراً من حجم الاحتياجات، وأن آليات التمويل المختلفة تحتاج إلى تنسيق حتى لا تتحول كثرة الصناديق والمؤسسات إلى مزيد من التشتت.
وهكذا أصبحت أمامنا معادلة شديدة التعقيد: الأموال مطلوبة للإعمار، والإعمار يحتاج إلى أمن، والأمن يحتاج إلى ترتيبات سياسية، والترتيبات السياسية تحتاج إلى إدارة فلسطينية، والإدارة الفلسطينية تحتاج إلى توحيد غزة والضفة، وتوحيدهما يحتاج إلى أفق سياسي للدولة الفلسطينية.
أي أن كل حلقة في السلسلة مشروطة بالحلقة الأخرى.
لهذا لا يمكن قراءة حصيلة نيويورك باعتبارها ولادة اتفاق جديد حول غزة. الذي ولد هو شيء آخر: محاولة لوضع اليوم التالي للحرب داخل منظومة سياسية دولية متكاملة، لا تكتفي بإعادة إعمار الأبنية المهدمة، بل تحاول إعادة بناء السلطة والإدارة والأمن والاقتصاد، وربط كل ذلك بمستقبل القضية الفلسطينية.
لكن الخطر يكمن في أن تطول المرحلة الانتقالية أكثر مما تحتملها غزة. فكل يوم إضافي من دون إدارة فاعلة، وخدمات مستقرة، وتمويل واضح، وحركة فلسطينية داخلية قادرة على التعامل مع الواقع الجديد، يوسع المسافة بين الخطة وأصحابها.
لذلك فإن السؤال بعد نيويورك لم يعد: هل توجد خطة لغزة؟
الخطة موجودة.
ولم يعد السؤال: هل يوجد مال للإعمار؟
هناك تعهدات وآليات تمويل ومشاريع قيد الإعداد.
السؤال الحقيقي أصبح: من يملك القدرة على تنفيذ الخطة؟
وهنا تكمن المسألة كلها. فإذا تمكنت اللجنة الفلسطينية من دخول غزة، وانتشرت قوة الاستقرار، وبدأ الانسحاب الإسرائيلي وفق جدول واضح، وتقدم ملف نزع السلاح، ووُضع الإعمار تحت مظلة فلسطينية موحدة، فقد تتحول خطة نيويورك إلى بداية لمسار سياسي جديد.
أما إذا بقيت هذه العناصر معلقة كل منها بانتظار الأخرى، فقد تتحول “المرحلة الانتقالية” إلى مرحلة بلا نهاية.
نيويورك إذن رسمت الطريق، لكنها لم تفتحه بعد.
والفارق بين الأمرين هو ما ستكشفه الأسابيع المقبلة.