شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

الأزمة التربوية: عندما تفشل الدولة مرتين

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 20, 2026 - 21:27

تربوياً، وقبل أيام من انطلاق العام الدراسي، وجدت المدارس والثانويات الرسمية نفسها أمام مشكلة يُفترض أن تكون قد حُسمت قبل فتح أبوابها: من هم الأساتذة الذين تحتاج إليهم، وكم ساعة تدريس تحتاج كل مدرسة؟

المشكلة طُرحت بسبب قرار وزارة التربية تأجيل التحاق المتعاقدين على حساب صناديق المدارس والثانويات، والمستعان بهم، إلى حين الانتهاء من مسح الحاجات وتحديد الفائض. والنتيجة أن نحو 3500 أستاذ ينتظرون معرفة مصير ساعاتهم، فيما اضطرت بعض المدارس إلى تقصير دوامها بسبب النقص في الأساتذة.

نظرة تاريخية:

عند استعادة ذاكرة السياسة اللبنانية التي لم يمر عليها الزمن، فإن البطلة التاريخية لمعارك التوظيف العشوائي والتعاقد في التعليم الرسمي كانت المنظومة السياسية ومحاصصاتها الطائفية، وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري (وحركة أمل)، بالتكافل مع بقية أطراف السلطة، العرّاب الأساسي لها:

طفرة التوظيف العشوائي: في الفترات التي سبقت الانهيار، وخاصة بين عامي 2014 و2018 (قبيل الانتخابات النيابية)، تم حشو قطاع التعليم الرسمي بتثبيت وتعاقد عشوائيين تخطّيا الـ5000 معلم ومعلمة تحت مسميات “التعاقد”، إضافة إلى بدعة “المستعان بهم” (وهي الفئة الهجينة التي ابتُكرت لتوظيف المحاسيب وتدريس اللاجئين بدعم دولي، وحُرموا من تقديمات تعاونية الموظفين لتقليص مسؤولية الدولة القانونية تجاههم).

الفجوة الهيكلية (الدحوشات والمزاريب): بالاستعانة بتجربة الأستاذة منى جهمي، أشارت إلى الفساد البنيوي؛ حيث يتم تحويل الأساتذة في الملاك (رياضيات، فيزياء، لغات) بفعل الضغوط السياسية إلى “نظار، ومسؤولي مختبرات ومكتبات” (يعني بلا عمل فعلي/صالون) ليعملوا 12 ساعة فقط ويذهبوا للتدريس في القطاع الخاص، بينما تُبرم الدولة عقوداً جديدة (تعاقد هدر) مع محاسيب السياسيين لملء الحصص الشاغرة!

في عودة إلى المشكلة الراهنة

ليس ما يجري في التعليم الرسمي في لبنان اليوم أزمة عابرة، تتصل بقرار إداري خاطئ أو بتأخير تقني في “دراسة الحاجات”. ما نراه هو انهيار متراكم ينكشف دفعة واحدة، لأن السلطة قررت، مرة جديدة، أن تعالج نتائج الفوضى بدل أسبابها.

حوالي 3500 أستاذ متعاقد ومستعان به وجدوا أنفسهم فجأة خارج الصفوف مع بداية العام الدراسي، بقرار تعليق عقودهم تحت عنوان “إعادة تقييم الحاجة الفعلية”. في الظاهر، يبدو القرار عقلانياً: الحرب غيّرت توزيع التلامذة، مدارس أقفلت، أخرى تحوّلت إلى مراكز إيواء، ولا بد من إعادة تنظيم الموارد. لكن المشكلة ليست في المبدأ، بل في التوقيت، وفي ما يكشفه هذا التوقيت، المتأخر، من خلل بنيوي.

الدولة التي لم تعرف طوال سنوات كم تحتاج من أساتذة، ولا كيف توزّعهم، قررت فجأة أن “تكتشف” ذلك عشية بدء العام الدراسي.

هذا ليس إصلاحاً. هذا إعلان إفلاس.

في المقابل، يقدّم الأساتذة المتعاقدون روايتهم بوصفهم ضحايا قرار تعسّفي، وهو توصيف لا يخلو من الصحة. فالقرار جاء متأخراً، وترك آلاف العائلات في حالة انتظار قاتلة، وهدّد انتظام التعليم في مدارس اضطرت فعلياً إلى تقصير دوامها بسبب نقص الكادرات. لكن هذه الرواية، على عدالتها الجزئية، لا تكفي.

لأن السؤال الذي يجب أن يُطرح، وربما للمرة الأولى بجدية: كيف تم توظيف هؤلاء أصلاً؟ وما مدى أهليتهم؟

تتكشف طبقة أخرى من الأزمة، أكثر إيلاماً. المدارس نفسها لم تعد صالحة للتعليم: ممرات مليئة بالنازحين، نقص في المياه والمازوت، غياب للنظافة، وتداخل مستحيل بين حياة النزوح والحياة المدرسية. تقول منى: “لا تستطيعين التدريس مع روائح الطبخ والحركة المستمرة”، مضيفة أن “التعليم عن بعد هو أفشل تجربة تربوية”.

هنا، تسقط كل السجالات الإدارية. نحن أمام واقع يلامس الكارثة: أطفال بلا استقرار، بلا إرشاد نفسي، وبلا حد أدنى من البيئة التعليمية. العنف يرتفع، التشتت الذهني يتفاقم، والذاكرة نفسها تتصدّع تحت ضغط النزوح والتفكك الاجتماعي.

ومع ذلك، تصرّ السلطة على التعامل مع المسألة كملف عقود.

لكن شهادة الأستاذة نفسها لا تبرّئ النظام التربوي. بل تذهب أبعد من ذلك وقبل كل ذلك، لتكشف ما يُتجنّب قوله عادة: “هناك استلشاق في التعليم الرسمي”، وخلل فاضح في توزيع الكادر، حيث يُعيَّن أساتذة في مواقع إدارية أو بلا مهام فعلية، وما بقي من الأساتذة “يدرّسون من قفا إيدهم” بحسب المثل الدارج، فيما أداؤهم في التعليم الخاص ممتاز، بسبب الرقابة والمتابعة.

أما التعاقد لسدّ نقص في مواد أساسية، فيتم أحياناً عبر تدخلات سياسية مباشرة: “اتصال من أحد السياسيين… أعطوه تعاقد ولو كم ساعة”؛ بينما هذه مهمة مجلس الخدمة المدنية.

هنا تحديداً، تتكثف المشكلة.

فالتعاقد، الذي يُفترض أن يكون أداة مرنة لسدّ النقص، تحوّل إلى باب من أبواب الزبائنية. والمفارقة أن السلطة نفسها، أو امتداداتها، التي سمحت بتضخم هذا النظام غير المنضبط، تعود اليوم لتتذرّع بالفوضى كي تجمّده.

أي أنها تعاقب النتائج التي صنعتها.

الأزمة المزدوجة

أساتذة متعاقدون يدفعون ثمن قرارات عشوائية.

ونظام تربوي مخترق بالتوظيف السياسي وسوء الإدارة.

لكن الأخطر من ذلك، هو أن اللحظة التي كان يمكن أن تتحول إلى فرصة لإصلاح جذري - إعادة توزيع، تثبيت وفق معايير، إنهاء الفوضى - تتحول إلى مجرد إدارة أزمة، تُرحَّل كما كل الأزمات في لبنان.

في الخلفية، هناك ما هو أعمق من كل ذلك: غياب الدولة كمنظِّم عادل.

فالمدارس في الجنوب ليست فقط مؤسسات تعليمية، بل تحولت إلى ملاجئ. والأهالي لا يملكون حتى أوراقاً تثبت المستوى الدراسي لأبنائهم. وبعضهم لا يعرف في أي صف يجب تسجيله. هذا ليس تفصيلاً. هذا انهيار للحد الأدنى من العلاقة بين المواطن والدولة.

وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، يصبح النقاش حول “عقد” أو “ساعة تدريس” أشبه بنقاش تقني فوق أرضية منهارة.

ما تكشفه هذه الأزمة، ببساطة، هو أن السلطة في لبنان تفشل دائماً مرتين:

تفشل حين تُدير القطاعات بمنطق المحاصصة والزبائنية، وتفشل مجدداً حين تحاول “إصلاحها” من دون أن تمسّ جذور هذا المنطق.

وبين الفشلين، يضيع الأساتذة، ويتفكك التعليم، ويُترك جيل كامل ليواجه مصيره. ما هو مهدَّد هو مستقبل لبنان نفسه عندما يكبر هذا الجيل المثقل بكل هذا النقص وهذه المشاكل.

بكلمة واحدة: إنها “نكبة”.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل