شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

الاعتدال اللبناني يحتاج إلى مشروع

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ربيع دندشلي
نُشر أكتوبر 8, 2026 - 03:14

في لبنان، يُستدعى الاعتدال كلّما اقترب البلد من الانفجار، ثم يتراجع حضوره حين يبدأ توزيع السلطة. يُطلب من المعتدلين تهدئة النفوس، وتدوير الزوايا، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة، فيما تُترك للقوى الأكثر قدرة على التعطيل مهمّة تحديد شروط التسوية. وبهذا المعنى، يُمنح الاعتدال دورًا في احتواء الأزمات، من دون أن تتوافر له بالضرورة القدرة على تغيير الشروط التي تنتجها.

 

تكمن هنا أزمته الأساسية، فالاعتدال الذي يكتفي بمنع الأسوأ يبقى محكومًا بجدول أعمال الآخرين. ينتظر التصعيد كي يدعو إلى التهدئة، والتعطيل كي يبحث عن مخرج، والانقسام كي يقترح مساحة مشتركة. وقد تكون هذه الأدوار ضرورية في لحظات الخطر، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل. يحتاج لبنان إلى اعتدال يملك تصوّرًا للحكم، ويستطيع أن يبادر ويواجه وينظّم، وأن يشرح للناس ما الذي سيتغيّر في حياتهم إذا منحوه ثقتهم.

 

ولكي يصبح ذلك ممكنًا، لا بدّ من تحرير الاعتدال من الخلط بينه وبين الوقوف في منتصف الطريق. ففي الخلاف على أولويات الإنفاق، أو السياسات الاقتصادية، أو إدارة المرافق، تتعدّد الخيارات المشروعة وتصبح التسوية جزءًا من العمل الديمقراطي. أمّا حين يتعلّق الأمر بمرجعية الدولة، وخضوع الجميع للقانون، وحقّ المواطنين في اختيار ممثّليهم بلا ترهيب، فإنّ التسوية ينبغي أن تتناول سبل تطبيق هذه القواعد، لا أصل الالتزام بها. الاعتدال هنا واضح في غايته، متدرّج في أدواته، ومسؤول عن نتائج خطواته.

 

وهذا التمييز أساسي في ملف سلاح «حزب الله». فحصرية القوة العسكرية وقرار الحرب والسلم بيد الدولة تشكّل قاعدة قيام سلطة وطنية مسؤولة أمام مواطنيها. التمسّك بها لا يقتضي العداء لبيئة الحزب، ولا يبرّر تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو المخاوف التي يعيشها أبناء الجنوب. بل يفرض تقديم إجابة جدّية عن كيفية حمايتهم، وتعزيز الجيش، وتأمين شروط الاستقرار والعودة والإعمار. الحزم في المبدأ يجب أن يرافقه عمل سياسي وأمني واجتماعي يجعل الانتقال إلى الدولة ممكنًا وموثوقًا.

 

لكنّ الاعتدال يفقد صدقيته إذا كان حازمًا تجاه السلاح ومتسامحًا تجاه الاستيلاء على المؤسسات. فلا تستقيم الدعوة إلى سلطة واحدة فيما تُعامل الإدارة حصصًا، والقضاء أداة حماية، والمال العام مورد نفوذ. الدولة التي يُطلب من اللبنانيين الوثوق بها ينبغي أن تتغيّر هي أيضًا. وقد جمع خطاب القسم للرئيس جوزاف عون بين احتكار حمل السلاح وإصلاح الإدارة؛ وتكمن المهمة السياسية في تحويل هذا الترابط إلى برنامج عمل، حتى يشعر المواطن بأنّ استعادة سلطة الدولة تعني استعادة حقوقه داخلها.

 

هنا تظهر المسألة الأعمق، المواطن قد يرغب في الدولة، لكنه يبقى مرتبطًا بالزعيم أو الحزب الذي يؤمّن له حاجة عاجلة. حين يتوقّف العلاج أو العمل أو إنجاز المعاملة على وساطة، تصبح العلاقة السياسية جزءًا من تدبير الحياة اليومية. ولا يكفي أن ندعو الناس إلى التحرّر من الزبائنية من دون أن نوفّر لهم بديلًا يمكن الاعتماد عليه. فمن يملك ترف الاستغناء عن الوسيط يستطيع إدانة التبعية بسهولة؛ أمّا من يحتاج إليه لدخول مستشفى، فيدفع ثمن استقلاله من أمنه الشخصي والعائلي.

 

لذلك، فإنّ بناء الاعتدال يمرّ عبر تقليص كلفة استقلال المواطن. كلّ خدمة عامة تُقدَّم وفق حقّ واضح، وكلّ وظيفة تُتاح على أساس الكفاءة، وكلّ معاملة تُنجَز بلا تدخّل، توسّع المساحة التي يستطيع فيها اللبناني أن يختار سياسيًا بحرية. بهذا المعنى، تصبح كفاءة المؤسسات جزءًا من تغيير موازين القوى. فالولاء السياسي يكتسب معنى مختلفًا حين لا يعود شرطًا للحصول على أبسط الحقوق.

 

ومن هنا أيضًا، يحتاج الاعتدال إلى مضمون اقتصادي واجتماعي محدّد. فكلمة «الإصلاح» لا تكفي ما لم يُشرح من يتحمّل الأعباء، ومن يحصل على الحماية، وكيف تُوزَّع الفرص. وفي الأزمة المالية، مثلًا، يشكّل التقدّم نحو اتفاق مع صندوق النقد مسارًا له متطلبات تشريعية ومالية واضحة. لكنّ المشروع السياسي يُقاس كذلك بموقفه من توزيع الخسائر، وحماية صغار المودعين، والمساءلة، واستعادة تمويل النشاط المنتج. وأي تسوية تُخفي هذه الخيارات وراء لغة تقنية تترك الناس خارج القرار الذي يحدّد مستقبلهم.

 

لقد ارتبط الاعتدال أحيانًا في ذهن الكثير بالقدرة على التفاهم مع الجميع. غير أنّ أي إصلاح جدّي سيصطدم بمصالح فئات مستفيدة من الوضع القائم، وأي إلغاء امتياز، أو فتح باب المنافسة، أو إخضاع التعيينات لمعايير معلنة، سيخلق معارضة. لذلك، يحتاج المعتدل إلى قبول كلفة موقفه. فمن يجعل رضا جميع القوى شرطًا للتحرّك يمنح كلّ صاحب مصلحة قدرة على منعه. ويمكن خوض هذه المواجهة ضمن القانون، وبحجج واضحة وتحالفات معلنة، من دون استنفار طائفي أو تخوين.

 

وهذا يقود إلى الحلقة التي تبقى غالبًا ناقصة الا وهي "التنظيم"، فلا يكفي وجود شخصيات تحظى بالاحترام، أو خبراء يمتلكون حلولًا، أو جمهور يتعب من الصراعات. القدرة السياسية للتيار المعتدل تتطلّب مؤسسات تجمع هؤلاء حول أولويات مشتركة، وتوزّع المسؤوليات، وتختار ممثّليها، وتتابعهم بعد وصولهم إلى السلطة. وتتطلّب حضورًا مستمرًا في البلديات والنقابات والجامعات والأحياء، حيث تتكوّن الثقة من العمل المتراكم.

 

ولا ينبغي لهذا الحضور أن يعيد إنتاج شبكات الولاء تحت عنوان جديد. فإذا قدّم المعتدل خدماته مقابل التأييد، يكون قد تبنّى الآلية نفسها التي ينتقدها. دوره أن يساعد الناس على الوصول إلى حقوقهم، وأن يكشف أسباب تعطّلها، وأن يعمل لتصبح متاحة للجميع. كما يحتاج إلى تمويل شفاف، وقواعد داخلية للمحاسبة وتداول القيادة. فالمشروع الذي يطالب بدولة مؤسسات ينبغي أن يُظهر في بنيته قدرة على تجاوز الشخص الواحد.

 

ومن الخطأ افتراض أنّ أكثرية معتدلة جاهزة تنتظر من يتحدّث باسمها. فالخوف من الحرب لا يعني الاتفاق على السياسة الدفاعية، ورفض الفساد لا ينتج تلقائيًا اتفاقًا على الإصلاح الاقتصادي. هذه القاعدة تُبنى بالحوار حول المصالح والخيارات، وباختبار التعاون في قضايا محدّدة. وقد تجمع أشخاصًا يختلفون في مسائل كثيرة، لكنهم يتوافقون على مرجعية الدولة وقواعد المنافسة والمحاسبة. وهذا الاتفاق يسمح لهم بإدارة اختلافهم من دون تحويله إلى تهديد متبادل.

 

كذلك، لا يمكن حصر الاعتدال في طائفة أو تحميل جماعة واحدة واجب التنازل الدائم. فهو يحتاج إلى شركاء داخل مختلف البيئات، يعترفون بمخاوفها من دون أن يحوّلوها إلى مبرّر لامتيازات دائمة. ويحتاج إلى خطاب يصون حقّ الناس في انتماءاتهم، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ حقوقهم السياسية والمدنية لا تمرّ حصرًا عبر زعماء تلك الانتماءات.

 

بهذا المعنى، يصبح الاعتدال مشروعًا لتغيير طريقة ممارسة السلطة، من تفاوض على الحصص إلى تنافس على البرامج، ومن حماية يمنحها النافذ إلى حقّ تضمنه المؤسسة، ومن تسويات تؤجّل النزاع إلى قواعد تسمح بحلّه. وهو مشروع يحتاج إلى صبر، لكنّه يحتاج أيضًا إلى مواعيد وأهداف معلنة، حتى لا يتحوّل التدرّج إلى ذريعة جديدة للتأجيل.

 

الاختبار الحقيقي للاعتدال اللبناني يبدأ من قدرته على إنتاج هذه القوة المنظمة، وعلى تقديم التزامات يستطيع المواطن محاسبته عليها. عندها يصبح هدوء الخطاب تعبيرًا عن الثقة والقدرة، ويصبح الحوار وسيلة لتحقيق غاية واضحة. أمّا الاعتدال الذي لا يملك سوى الدعوة إلى الاعتدال، فسيبقى مطلوبًا عند اقتراب الانفجار، ومهمّشًا عند تقرير ما يأتي بعده.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل