

تتحرك السياسة السعودية في ظل معادلة أساسية تجمع بين رؤية 2030 التي يقودها محمد بن سلمان والتوترات الإقليمية. فالتحول الداخلي الذي تدفع به الرؤية يتطلب بيئة مستقرة ويمكن التنبؤ بمسارها بدرجة كافية لجذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية وتنويع الأنشطة الاقتصادية، في حين تؤثر التوترات الإقليمية مباشرة في الجدول الزمني للطموحات الوطنية وتمويلها.
في هذا الإطار، تسعى الرياض إلى الحد من مخاطر التصعيد في الخليج وإيجاد حل في اليمن، وحماية طرق الإمداد والتصدير البحرية والجوية، ومنع ترسخ تهديدات دائمة بالقرب من حدودها.
يحتل البحر الأحمر موقعًا محوريًا في هذا التصور، إذ يضم مشاريع تنموية ومنشآت موانئ وطرقًا تجارية حيوية. ومن ثم، يصبح أمن سواحله ملازمًا لأمن ضفته الأفريقية.

منشأة نفطية تابعة لأرامكو استهدفتها ضربات حوثية جنوب الرياض. (وكالة الصحافة الفرنسية)
تفضّل السعودية عمومًا التعامل مع الحكومات المعترف بها والأطر المؤسسية. ويندرج دعمها لوحدة الأراضي الصومالية وتمسكها بالحفاظ على دولة سودانية موحدة ضمن هذا المنطق.
ولا يستبعد هذا التفضيل اللجوء إلى موازين القوة أو التدخلات العسكرية، لكنه يعكس أساسًا السعي إلى إيجاد أطراف قادرة على الوفاء بالتزاماتها على المدى الطويل.
غيّر تجدد النزاع في اليمن عام 2026 المعطيات جذريًا بالنسبة إلى الرياض، وأفقد استراتيجيتها السابقة للتهدئة الإقليمية جدواها. فقد أفسح انهيار الهدنة التي استمرت أربع سنوات (2022–2026) المجال أمام حرب يكثّف فيها الحوثيون، بعدما باتوا أفضل تسليحًا ويحظون بدعم إيراني متزايد، ضرباتهم على البنى التحتية الحيوية داخل الأراضي السعودية نفسها.
ولم يعد التحدي بالنسبة إلى الرياض يقتصر على دعم الحكومة اليمنية الشرعية أو البحث عن مخرج سياسي بأقل قدر من المخاطر، بل أصبح يتمثل في التعامل مع تهديد أمني مباشر وشامل.
يفرض هذا الوضع على السعودية التحرك سريعًا وتوظيف قدرات عسكرية مكلفة، رغم رغبتها الأولية في تقليص انخراطها في اليمن. ولم تعد هذه الحرب مجرد نزاع محلي، بل باتت بؤرة رئيسية للتنافس الإقليمي، وأصبح أمن المملكة مرهونًا بقدرتها على احتواء مواجهة تستخدمها إيران وسيلةً للضغط.
الإمارات العربية المتحدة: ربط الموانئ لتوسيع النفوذ

تستند الاستراتيجية الإماراتية إلى بناء شبكة من مواقع الارتكاز المتكاملة (1)، بهدف جعل أبوظبي وسيطًا لا غنى عنه في التبادلات بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. وتعطي هذه المقاربة الأولوية للقدرة على التكيف؛ فبدلًا من الاعتماد حصرًا على الحكومات المركزية، توظف الإمارات استثمارات وشراكات أمنية واتفاقيات لإدارة الموانئ مع أطراف غير حكومية، بما يرسّخ نفوذًا قادرًا على الصمود في بيئة مجزأة، وذلك على النحو الآتي:
أرض الصومال ومحورية بربرة.يقع ميناء بربرة على ساحل أرض الصومال، جنوب خليج عدن وشرق جيبوتي وقبالة اليمن، ويشكّل حجر الزاوية في منظومة الحضور الإماراتي في المنطقة. وتتولى شركة موانئ دبي العالمية، ومقرها دبي، إدارته وتشغيله بحصة تبلغ 51%، بموجب امتياز مدته 30 عامًا وُقّع عام 2016. ويمثل الميناء عقدة لوجستية استراتيجية تتيح للإمارات ترسيخ نفوذها في خليج عدن على المدى الطويل، إلى جانب حضورها العسكري عبر قاعدة بحرية، من دون أن يستلزم ذلك وجودًا عسكريًا دائمًا.

تنطوي هذه الشراكة أيضًا على بُعد أمني؛ إذ تجد سلطات أرض الصومال في أبوظبي دعمًا مهمًا لترسيخ استقلالها الفعلي. ومن شأن أي تقاطع محتمل مع المصالح الإسرائيلية، بعدما اعترفت إسرائيل باستقلال أرض الصومال عام 2025، أن يضيف بُعدًا استراتيجيًا إلى هذه المنظومة، ولا سيما في ما يتعلق بمراقبة الأنشطة الحوثية والإيرانية في المنطقة.
إثيوبيا: ترسيخ الحضور الاقتصادي والتحدي المصري.تمثل علاقة الإمارات بإثيوبيا الركيزة الثانية لحضورها الأفريقي. فقد استثمرت أبوظبي بكثافة في الزراعة والبنية التحتية الإثيوبية، مما عزز مكانة أديس أبابا بوصفها شريكًا استراتيجيًا. ومع أن هذه الاستثمارات تنشط الاقتصاد المحلي، فإنها تفاقم التوترات مع مصر، التي ترى في هذا التقارب تهديدًا وجوديًا. ويظل ملف سد النهضة (سد
النهضة الإثيوبي الكبير، أو GERD) (2)، الذي يحرم مصر من جزء من مياه النيل، نقطة توتر رئيسية؛ فعلى الرغم من غياب أدلة قاطعة على تمويل إماراتي مباشر للسد، تنظر القاهرة إلى حجم التدفقات المالية الإماراتية نحو أديس أبابا باعتباره دعمًا غير مباشر يعزز القدرة التفاوضية الإثيوبية في النزاع حول مياه النيل.
السودان وإريتريا: الانخراط الأمني في صميم المفارقات.في الملف السوداني، يثير الموقف الإماراتي مزيدًا من الجدل. إذ يُنظر إلى أبوظبي على نطاق واسع بوصفها داعمًا رئيسيًا لقوات الدعم السريع في صراعها مع القوات المسلحة السودانية، سعيًا إلى تأمين مصالح اقتصادية وجيوسياسية في أنحاء البلاد. ويضع هذا الانخراط الإمارات في مواجهة مباشرة مع إريتريا، التي تدعم القوات المسلحة السودانية وتندد بما تعتبره شكلًا من أشكال إمبريالية الموانئ التي تمارسها الإمارات، بالنظر إلى طموحاتها في موانئ المنطقة، مثل ميناء عصب (3)، مما يدفع إريتريا إلى التقارب مع مصر والسعودية لمواجهة نفوذ أبوظبي.

سد النهضة الكبير، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، مصدر قلق بالغ لمصر. (وكالة فرانس برس)
خلاصة القول إن النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر يقوم على توظيف متشابك ومعقد للأدوات الاقتصادية والأمنية، يختلف من موقع إلى آخر. وتتيح هذه الاستراتيجية لأبوظبي التحرك بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية، لكنها تكرس في الوقت نفسه ريبة إقليمية عميقة، في ظل تزايد تداخل الحدود بين التنمية الاقتصادية ومدّ النفوذ العسكري.
مصر: الربط بين الأمن المائي والأمن البحري
تتعامل مصر مع المنطقة انطلاقًا من هاجسين حيويين: مياه النيل وقناة السويس. يتعلق الأول بأمنها المائي والزراعي، والثاني بإيراداتها ومكانتها في التجارة العالمية. ويقع القرن الأفريقي عند تقاطع هاتين القضيتين. وفي مواجهة سد النهضة، تسعى القاهرة إلى الحصول على ضمانات بشأن آليات إدارة النهر، ولا سيما خلال فترات الجفاف. غير أنه من المبالغة اعتبار كل تغير في تدفق المياه أثرًا دائمًا للسد ومثبتًا بصورة تلقائية. فالتداعيات تتوقف على الظروف الهيدرولوجية، من أمطار وجفاف وتبخر وغيرها، في إثيوبيا كما في مصر، وعلى قواعد التشغيل والتنسيق بين إثيوبيا والسودان ومصر.
تجمع الاستجابة المصرية لهذه التحديات بين التكيّف داخليًا والتحرك الدبلوماسي خارجيًا. فعلى الصعيد الوطني، تقوم على إدارة أكثر كفاءة للمياه، ومعالجة مياه الصرف، وتطوير الممارسات الزراعية. أما خارجيًا، فتستند إلى تعزيز العلاقات مع السودان، ولا سيما القوات المسلحة السودانية، ومع الصومال وإريتريا وجيبوتي. وترى أديس أبابا في هذا التقارب «تطويقًا» لإثيوبيا. غير أن الأهداف المصرية واضحة وتنبع من مصالح القاهرة نفسها، ولا سيما صون سيادة الصومال، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، وتأمين الملاحة، وهي أهداف لا يمكن اختزالها في الضغط على إثيوبيا.
(يتبع)
(1) تسعى أبوظبي إلى امتلاك مواقع ارتكاز استراتيجية في الخارج أو السيطرة عليها، تشمل الموانئ والمطارات والقواعد اللوجستية والمناطق الحرة، لتصبح مركزًا لا غنى عنه للتجارة العالمية.
(2) يثير سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق، توترات مع مصر والسودان اللذين يعتمد اقتصاداهما بدرجة كبيرة على النهر. فملء السد وإدارته من دون تنسيق مع القاهرة والخرطوم يؤديان إلى انخفاض مؤقت في تدفقات مياه النهر، لا سيما خلال فترات الجفاف، مما يهدد إمدادات المياه في مصر والسودان.
(3) يُعدّ ميناء عصب، الواقع على البحر الأحمر في جنوب إريتريا، ميناءً بالغ الأهمية الاستراتيجية، إذ يقع على مقربة شديدة من مضيق باب المندب. وفي عام 2015، استأجرت الإمارات العربية المتحدة ميناء عصب ومطاره وحدّثتهما، وحوّلتهما إلى قاعدة جوية وبحرية رئيسية لعملياتها العسكرية في اليمن. غير أن وجودها العسكري في عصب تراجع بشدة عقب سحب قواتها من اليمن بدءًا من عام 2019. وفككت الإمارات بعد ذلك منشآتها، لتعيد توجيه اهتمامها نحو ميناء بربرة في أرض الصومال وجزيرة سقطرى في اليمن، على خلفية احتكاكات سياسية مع النظام الإريتري.























