شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

متفجرات ضهر البيدر… هل تنتهي المسايرة قبل أن يعود الاغتيال؟

صورة للأخبار
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 12, 2026 - 16:14

لا يحتاج اللبنانيون إلى انفجار جديد كي يتذكّروا مخاطر نقل المتفجرات بين مناطقهم. يكفي ضبط شحنة منها على حاجز ضهر البيدر لاستعادة صور السيارات المحترقة والواجهات المدمّرة والضحايا والأسئلة التي بقيت بلا أجوبة.

في بلد شهد جرائم اغتيال ومحاولات اغتيال ذات أبعاد سياسية، لا يمكن التعامل مع نقل مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة باعتباره مخالفة عادية. نحن أمام تهديد مباشر للأمن الوطني، وامتحان لقدرة الدولة على حماية الناس قبل وقوع الجريمة، لا الاكتفاء بتوثيق نتائجها بعدها.

بحسب معلومات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر قضائي، أُوقف شخصان يُشتبه بانتمائهما إلى حزب الله أثناء نقل نحو نصف طن من المتفجرات، قيل إنها تضمّنت مادّتَي «تي إن تي» و«سي فور». غير أن المعطيات المنشورة لا تحسم طبيعة صلتهما التنظيمية بالحزب، ولا مضمون إفادتيهما، ولا وجهة الشحنة أو الغرض من نقلها. لذلك يصبح إعلان الوقائع التي يثبتها القضاء واجباً عاجلاً، منعاً لتحوّل القضية إلى مادة للتسريبات والنفي المتبادل والتغطية السياسية.

لكن عدم اكتمال التحقيق لا يبرّر دفن الأسئلة الأساسية. من أين جاءت المواد؟ من يملكها؟ من أصدر قرار نقلها؟ من أمّن مرورها؟ ومن كان يفترض أن يتسلّمها؟ وهل كانت وجهتها داخل لبنان؟ وهل ترتبط بعمليات أخرى جرى التحضير لها أو تنفيذها؟

لا يجوز القفز إلى استنتاجات نهائية قبل اكتمال الأدلة، لكن لا يجوز أيضاً تجاهل احتمال أن تكون الشحنة جزءاً من عمليات موجهة إلى الداخل اللبناني. فالسكوت عن مؤشرات بهذا الحجم لا يحمي الاستقرار، بل قد يترك البلاد مكشوفة أمام عمليات جديدة.

يمثّل توقيف الناقلين بداية للتحقيق، لا نهايته. وإذا أظهرت الأدلة وجود شبكة أو جهات أخرى، فعلى السلطات كشفها وملاحقة جميع المتورطين، مع احترام الأصول القانونية وقرينة البراءة. أما الاكتفاء بتوقيف المنفذين المحتملين وترك أصحاب القرار في الظل، فليس تحقيقاً كاملاً، بل إعادة إنتاج لمنطق الإفلات من العقاب.

ذاكرة لها أساس قضائي

استحضار اغتيال رفيق الحريري لا يعني توجيه اتهام جديد في قضية ضهر البيدر، ولا يشكّل حكماً مسبقاً على الموقوفين. لكنه يذكّر بملف قضائي انتهى إلى أحكام بحق أفراد، ويؤكد أن الجرائم السياسية لا يجوز أن تُدفن تحت النسيان أو أن تتحول إلى خطوط حمراء أمام العدالة.

فالمحكمة الخاصة بلبنان أدانت سليم جميل عياش عام 2020 لدوره في اعتداء 14 شباط 2005، ثم أدانت غرفة الاستئناف حسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي عام 2022، وصدرت بحق الثلاثة أحكام بالسجن المؤبد. وفي المقابل، لم يثبت الحكم القضائي مسؤولية قيادة حزب الله أو التنظيم ككل عن اغتيال الحريري. فإدانة أفراد لا تعني تلقائياً إدانة الجهة التي يُنسبون إليها، كما أن رفض الحزب التعاون مع المحكمة لا يغيّر مضمون الأحكام ولا يبرّر استنتاجات تتجاوزها.

وهناك أيضاً قرار اتهامي بحق عياش في الاعتداءات على مروان حمادة وجورج حاوي وإلياس المر، لكنه لم يتحول إلى أحكام نهائية بعدما توقفت الإجراءات بسبب نقص التمويل. لذلك يجب التمييز بين الاتهام والإدانة، من دون تجاهل هذه الملفات ضمن السجل القضائي للمحكمة.

وعليه، فإن أي صلة محتملة بين شحنة ضهر البيدر وملفات سابقة يجب أن تبقى في إطار السؤال والتحليل، لا الاستنتاج الجازم. لكن هذا لا يخفف خطورة القضية، بل يجعل التحقيق أكثر إلحاحاً، خصوصاً إذا كان هناك احتمال لاستهداف شخصيات أو مناطق أو مؤسسات لبنانية.

تشابه المواد… ماذا يثبت؟

خلص الحكم في قضية الحريري إلى استخدام متفجرات أساسها مادة «آر دي إكس»، وهي المكوّن المتفجر الرئيسي في «سي فور» التي ورد اسمها ضمن المواد المضبوطة في ضهر البيدر وفق التقارير.

ما يثبته التشابه هو أن القضية تستحق أعلى درجات التدقيق. وعلى التحقيق أن يبحث في وجهة الشحنة، والجهات التي كان يفترض أن تتسلّمها، والأهداف المحتملة، وأي عمليات مراقبة أو تحضير سبقت ضبطها. ومن حق الناس أن يعرفوا، ضمن ما يسمح به القانون وسلامة التحقيق، طبيعة المواد المضبوطة ومصدرها ووجهتها. لكن هذا الحق لا يلغي قرينة البراءة، كما لا يجوز استخدام القرينة ذريعة لحجب المعلومات أو حماية أصحاب النفوذ.

لا حصانة باسم التوازنات

على الدولة تطبيق القانون على كل من تثبت مسؤوليته، من دون تمييز بسبب الانتماء السياسي أو الموقع التنظيمي. وليس المطلوب توقيف الأشخاص لمجرد انتمائهم، بل اتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تتوافر أدلة جدية على تورّطه، مع احترام حقوق الدفاع وقرينة البراءة.

لكن احترام القانون لا يعني التردد، واحترام التوازنات لا يعني تعطيل العدالة. لا يجوز أن تتحول الهوية الحزبية إلى درع، ولا الموقع القيادي إلى حصانة، ولا الخوف من ردود الفعل إلى مبرر لترك شحنة متفجرات بلا صاحب قرار معروف.

ولا يجوز أن تتحول قضية ضهر البيدر إلى مواجهة مع اللبنانيين الشيعة. فحماية المواطنين من مخاطر السلاح والمتفجرات مسؤولية عامة، وإخضاع أي جهة للقانون يجب أن يتم على أساس الأفعال والأدلة، لا الطائفة أو الهوية الجماعية. حماية الطوائف لا تكون بحماية المتورطين، بل بحماية أبنائها من أن يصبحوا رهائن للسلاح غير الشرعي أو ضحايا لصراعات لا يملكون قرارها.

إذا كان الحزب ينفي علاقته بالشحنة، فإن التحقق من هذا النفي يكون عبر التحقيق القضائي والأدلة، لا المواقف الإعلامية وحدها. والتعاون مع السلطات المختصة، متى طُلب وفق الأصول، ليس تنازلاً سياسياً، بل مسؤولية في قضية تهدد أمن جميع اللبنانيين.

هذه المرة، قبل الانفجار

نجاح الحاجز في ضبط الشحنة يجب أن يتبعه تحقيق مهني وحازم يحدد طبيعة المواد ومصدرها ووجهتها والجهات المرتبطة بها. وإذا قادت الأدلة إلى مسؤولين أعلى، فعلى القضاء أن يصل إليهم، مهما كانت مواقعهم أو الجهات التي تحميهم.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لتأخر المحاسبة أو غيابها. وكل جريمة بقيت بلا عقاب كانت رسالة إلى القتلة بأن الدولة قابلة للتطويع، وإلى الناس بأن حياتهم أقل قيمة من مصالح القوى النافذة. ومعالجة هذا الإرث لا تكون بأحكام مسبقة، بل بتعزيز استقلال القضاء، وحماية التحقيقات، وتنفيذ الأحكام النهائية، واحترام حقوق جميع الأطراف.

تضع شحنة ضهر البيدر الدولة أمام فرصة للتحرك قبل وقوع كارثة. المطلوب تحقيق مستقل وشفاف يحدد مصدر المتفجرات ووجهتها والجهات المسؤولة عن نقلها، ويبحث بجدية في احتمال ارتباطها بعمليات موجهة إلى الداخل، ثم يحاسب كل من تثبت مسؤوليته، من دون استثناء أو مساومة، ومن دون توسيع دائرة الاتهام خارج ما تسمح به الأدلة.

هذه المرة، لا يكفي ضبط الشحنة. المطلوب كشف صاحبها، ومحاسبة من نقلها، ومعرفة إلى أين كانت ذاهبة، ومنع تكرارها. فالمسايرة قبل الانفجار ليست حياداً، بل مشاركة في انتظار الكارثة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

الاعتدال اللبناني يحتاج إلى مشروع

بقلم ربيع دندشلي
نُشر أكتوبر 8, 2026 - 03:14
تم التحديث أكتوبر 12, 2026 - 13:05

أجراس الانذار تقرع حول الذكاء الاصطناعي

بقلم يقظان التقي
نُشر أكتوبر 8, 2026 - 02:58
تم التحديث أكتوبر 11, 2026 - 03:44

أوروبا تبحث عن روحها: رسالة لاوُن الرابع عشر

بقلم ريكاردو كريستيانو
نُشر أكتوبر 2, 2026 - 00:47
تم التحديث أكتوبر 6, 2026 - 22:19

سلام يدعو روبيو إلى "شراكة متجددة" مع واشنطن

بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 28, 2026 - 23:16
تم التحديث سبتمبر 30, 2026 - 22:47

مَن مِن تركيا أو باكستان أوإسرائيل، يستطيع إخراج السعوديين من مأزقهم؟

بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 26, 2026 - 15:26
تم التحديث أكتوبر 2, 2026 - 23:06

المزيد من جاد الاخوي

عرض الكل

المزيد في تحليل

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل