شعار Levant Time
العودة إلى المقال
مجتمع

لبنان... حارس الرجاء

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم فادي نون
نُشر أبريل 15, 2026 - 10:00

بين فكيْ دولتين مارقتين، لا يجد لبنان مفراً من استمالة الأقرب إليه جغرافياً، ذاك الرابض عند حدوده. إنه فن السلام تمليه الحكمة والبداهة؛ فلا حاجة لأن يكون المرء "صن تزو" ليدرك ذلك، ولا ليوقن بأن لبنان جزء من العالم العربي لا العالم الإسلامي، وأنه يستند في مساره هذا إلى تضامن عربي لا نجد له نظيراً في "الإسلام الحركي" الإيراني.

 

بالتأكيد، تبقى القضية الفلسطينية مقدسة، ويظل اغتصاب فلسطين وصمة عار في جبين العالم العربي. بيد أن ذلك لا يشكل ذريعة للتضحية بقضية مقدسة أخرى، هي قضية لبنان؛ تلك الجوهرة الجغرافية والثقافية الفذة، وذاك الوعد بالحرية الدينية الذي أهداه التاريخ للكنيسة المارونية، ومن خلالها لجميع الطوائف اللبنانية. إن ضياع هذا اللبنان لن يكون مجرد خسارة، بل تدنيساً للمقدسات، أو على حد تعبير البابا يوحنا بولس الثاني: «أحد مواجع ضمير العالم».

 

«لبنان أكبر من نفسه»، هكذا وصفه إيمانويل ماكرون في آذار الماضي من معهد العالم العربي. وبالفعل، فإن لبنان هو «ضربة عبقرية» من يد التاريخ، صاغه ليكون بوتقة لفن العيش المشترك بين عقيدتين دينيتين كبريين، قد تبدوان متناقضتين في وجوه عدة، إلا أن تلاقيهما – كما تجسد في لبنان – نجح في أن يكون «نموذجاً للحرية والتعددية للشرق والغرب معاً»، دائماً وفق كلمات يوحنا بولس الثاني.

 

جزء من الفضاء الفرانكفوني

 

علاوة على ذلك، فإن الورقة الرابحة التي لا يزال لبنان يمتلكها هي انتماؤه إلى الفضاء الفرانكفوني، ومن خلاله إلى منظومة منفتحة على فرنسا والغرب، مع بقائه في آنٍ معاً متديناً في العمق، مسالماً في العمق، ومتجذراً في أعماق الشرق. وكيف يمكن للأمر، أصلاً، أن يكون خلاف ذلك في بلدٍ بمثل هذه المساحة الضيقة؟

 

لذا، لا بد من العمل على أن يخرج لبنان الكبير منتصراً من أتون المحن القاسية التي نكابدها، ليتغلب على «اللبنانات» الصغيرة" التي لا تزال تحاول تشكيل نفسها «بالفكر أو بالقول»؛ ولا سيما على اليوتوبيا الخمينية التي تهدف إلى بسط سلطة طهران على لبنان، وتمكين إيران من التمركز على حدود إسرائيل وعلى ضفاف المتوسط، وصولاً إلى تدمير إسرائيل في مغامرة تتقاطع فيها الدوافع الدينية بالرؤى الغيبية الأخروية، أي باللامنطق والمجهول.

 

لم يكن لهذه المطامع إلا أن تثير لدى المكونات اللبنانية الأخرى ردود فعل غريزية للدفاع عن النفس. وإن أحد الأسباب التي ستجعل لبنان عصياً على هذا الاستعمار الأيديولوجي للطائفة الشيعية، هو أنه في مواجهة «عصبيتها»، تبرز «عصبية» أخرى، مارونية هذه المرة، متمسكة بضراوة باستقلاليتها في الفكر والعمل، وبحصتها من هذه الأرض التي آلت إليها بعد قرون من المخاض والمعاناة؛ تلك الأرض التي سددت ثمنها دماً طويلاً على مر القرون التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين، ولا تزال تدفع الثمن حتى اللحظة في القرى الحدودية.

 

عِبرة لبنان الكبير

 

نحن نقول ذلك ونحن على يقين بأن الموارنة قد استوعبوا بذكاء، وبثمن باهظ دفعوه على مدى القرن المنصرم، العبرة الأساسية للبنان الكبير عام 1920: وهي ألا يطمحوا بعد اليوم إلى لبنان يكونون فيه أحراراً ومستقلين فحسب، بل أن يضعوا أنفسهم في خدمته بعد أن تحقق لهم مناله.

 

فبانتقالهم من جنين أمة إلى لبنان الكبير، انتقل الموارنة بالفعل – ولم يكن ذلك بلا آلام وتراجعات وتردد وأخطاء جسيمة – من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضج؛ من طائفة تطمح لأن تكون أمة، إلى أمة تنهض بمسؤولياتها تجاه كافة المكونات التي انضوت تحت لوائها وانخرطت في مشروعها.

 

ولكي تبقى «العصبية» المارونية، التي نشعر بنبضها في هذه اللحظة، وفيةً لنفسها، عليها أن تتذكر دائماً أنها في خدمة الحضارة اللبنانية الكبرى حصراً؛ خدمة العيش المشترك، والحداثة المؤمنة، والعلمانية الإيجابية، والأخوّة الدينية، ورفض أي استغلال للدين في السياسة. عليها أن تتذكر أنها في خدمة الترفع الرؤيوي في الجيوسياسة، وفي خدمة الحرية والتعددية، وأنها تقع على طرفي نقيض من أي شكل من أشكال الانعزال.

 

ودعماً لما سلف، نستذكر هذا المقطع من كلمة ألقاها رئيس المؤسسة المارونية للانتشار، الراحل ميشال إده، في شباط 2011، خلال حفل إزاحة الستار عن تمثال مار مارون في الباحة الخارجية لكاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان: «إن هذا اللبنان (...) كان الموارنةُ أولَ من صاغ منه وطناً، ثم دولةً حديثة. ولم يشاؤوا أن يجعلوا منه أمةً مارونية أو مسيحية، ولا دولةً للموارنة أو المسيحيين، رغم أن ذلك كان في متناول أيديهم في حينه. بل أرادوه وطناً للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، وطناً يرتكز على الاعتراف بالحق في الاختلاف، وعلى احترام الآخر وقبوله في تمايزه. بعبارة أخرى، أرادوه وطناً قائماً على الحرية والديمقراطية».

 

تقاربات

 

ومع ذلك، ودعماً لخيار التفاهم السلمي مع الدولة القائمة عند حدودنا، لا بد من الإدراك بأن ثمة أواصر ثقافية ودينية تجمع لبنان المسيحي بإسرائيل الدينية؛ فالكنيسة والكنس يتلوان صلواتهما ويبتهلان من كتاب المزامير نفسه، وكلاهما يستمدان جوهرهما من الروايات الكبرى ذاتها في الكتاب المقدس.

 

كما تملك الكنيسة المارونية المشرقية من الحكمة ما يجعلها تدرك أنه إذا كانت الكنيسة الجامعة قد أججت مشاعر معاداة السامية إبان استقلالها عن الكنس، فإنها هي (أي المارونية) غير ملزمة بتحمل أوزار خطايا الماضي. لذا، يمكنها الانضواء بحرية، ودون أفكار مسبقة، تحت راية الإعلان المجمعي «في عصرنا» (Nostra aetate) الذي يؤكد: «وأن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرّضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، الى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا الى يهود اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألّا ينظر الى اليهود كمن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكتب المقدّسة».

 

وهي (الكنيسة) لا تنسى أيضاً أن تنظر «بعين الاعتبار الى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحيّ القيوم الرحيم الضابط الكلّ خالق السماء والأرض، المكلّم البشر». وفي هذا المجال، يمكنها حتى أن تزايد في انفتاحها، إذ يظل لبنان، وبامتياز، هو المساحة الفضلى لـحوار الحياة الإسلامي-المسيحي.

 

رسالة لبنان

 

ختاماً، وإذا كان الكنس هو شقيقها الأكبر تاريخياً، فلا يسع الكنيسة أن تنسى أن الله قد جعل منها حارسة للرجاء؛ رجاء أن يأتي يوم «يدعو فيه الجميع باسم الرب ليعبدوه بكتف واحدة» (صفنيا 3: 9)، وأن عليها أن تقودهم عبر التاريخ، بـ«وشائج الروح القدس اللطيفة»، إلى ملء التجلي الذي تلقّته هي نفسها.

 

لا يجوز للبنان، وريث القيم السامية التي نقلتها طوائفه، أن يغفل لحظةً عن عظمة رسالته. لذا، يقع على عاتقه واجب أخلاقي، في الحالة الفلسطينية تحديداً، أن يشهر أسلحة الروح وينبه جاره الجنوبي إلى أنه، ومهما بلغ حجم صدمته من أحداث 7 تشرين الأول 2023 وما رافقها من فظائع، فإنه يخاطر بفقدان روحه عبر ممارسة العنف الإبادي ضد الفلسطينيين كما رأينا. فمن خلال تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وإطفاء أي تعاطف مع هذا الشعب في قلوبهم(أي قلوب الإسرائيليين)، يجرّد الإسرائيليون أنفسهم من إنسانيتهم، بحسب ما يرى مؤرخوهم. فهل ستنقذ الحرب إسرائيل؟ كلا، إن إعطاء الفلسطينيين مستقبلاً هو السبيل الوحيد لتعيش بسلام. ذلك أن أي سلام مفروض لا يستند إلى قواعد العدل، بل إلى القوة، هو سلام مهدد بالانهيار بين عشية وضحاها. السلام الحقيقي هو الذي يرتكز على الحقوق غير القابلة للتصرف لكل فرد وكل جماعة بشرية، كما بلورتها حضارة يهودية-مسيحية دامت ألفي عام؛ وهو السلام الذي يجب أن تطمح إليه كل الأمم التي تنشد العدل أمام الله، وهو ما يدّعيه الخصمان الوطنيان في هذه المأساة التي تدور رحاها فوق الأرض المقدسة.

 

ثمة سبب آخر، قد يكون أكثر ظرفية، يدفع باتجاه القبول بسلام مع إسرائيل؛ وهو ما سيسمح به هذا السلام من فتح للحدود نحو الأماكن المقدسة. فبالتأكيد، يمتلك لبنان في صيدا وصور آثاراً نفيسة لمرور يسوع المسيح فوق أرضه. وبالتأكيد أيضاً، يمتلك فوق قمم جباله وفي أعماق وديانه مزارات مقدسة غالية يشخص إليها بالبصر. بيد أن كل ذلك لا يشكل مبرراً كافياً لنسيان حجارة القدس، أو لصرف النظر عن بيت لحم والناصرة، التي تظل لكل مسيحي شواهد لا تُعوَّض على حياة يسوع.

 

لا للامركزية الانعزال

 

تحذيرٌ أخير قبل الختام: مهما كان الثمن الذي سيتطلبه السلام مع إسرائيل، لا بد من تجنب كافة صيغ اللامركزية التي قد تؤدي إلى عزل المكونات اللبنانية عن بعضها البعض. فلبنان «العميق» ملزمٌ بالبقاء منفتحاً وقريباً من كل الذين بنوه أو يبنونه، وفياً لتقاسم الأتراح والأفراح، والمآتم والأعياد، مع الجميع.

 

وأخيراً، لا يجوز للازدهار الاقتصادي في لبنان أن يتحقق على حساب رسالته الروحية. فقبل أن يكون لبنان كازينو، أو مستشفى، أو محطة للتزلج، أو وجهة سياحية – وتلك ليست سوى سبل لكسب العيش – عليه أن يسعى ليكون المركزالفكري للشرق الأوسط؛ فضاءً للحرية والإبداع والتعددية، ومختبراً لـ«حضارة المحبة» التي نادى بها البابا بولس السادس. ومن أجل ذلك، تضطلع جامعاته ومعاهده العليا بدور محوري؛ إذ يجب أن يُدرج «البحث عن المعنى» ضمن قائمة «الاختصاصات اللبنانية»، جنباً إلى جنب مع «المازة».

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل