

تتجاوز بطولة كأس العالم لكرة القدم حدود الرياضة بكثير. فهذا الحدث العالمي يوقف، ولو مؤقتاً، إيقاع الحياة اليومية، ويجمع ملايين الأشخاص حول رواية جماعية واحدة. وفي لبنان، تكتسب هذه البطولة بُعداً خاصاً. ففي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، والهجرة، والانقسامات الاجتماعية، تصبح لحظات الاحتفال التي ترافق كأس العالم ذات قيمة ثمينة، تكاد تكون نادرة.
وترى الأخصائية في علم النفس السريري، ساندرا خوّام، أن تشجيع منتخبات معينة يرتبط أولاً بتاريخ عائلي، غالباً ما طبعته الهجرة. وتوضح: «يلعب العامل العائلي دوراً مهماً. فبسبب الحروب والأزمات وموجات الهجرة المتعاقبة، تفرقت عائلات لبنانية كثيرة في أنحاء العالم».
وقد أفرز هذا التشتت خريطة وجدانية خاصة. فقد استقرت جاليات لبنانية في البرازيل، والأرجنتين، وألمانيا، وفرنسا، وغيرها من البلدان، لكنها حافظت على روابط قوية مع الوطن الأم، ليس فقط على المستوى الجغرافي أو الإداري، بل أيضاً على المستوى العاطفي. وتظهر هذه الروابط في الروايات العائلية، والذكريات، والعادات، وأحياناً في الولاءات الرمزية.
وخلال كأس العالم، قد تؤثر هذه الروابط في أشكال الانتماء الرياضي. فدعم منتخب أجنبي قد يعني، بصورة غير مباشرة، دعم جزء من التاريخ العائلي أو الذاكرة أو مسار الهجرة.
إلى جانب الحالة اللبنانية، تؤكد السيدة خوّام وجود آلية أوسع وأكثر شمولاً. فبحسب رأيها، تلبي كرة القدم حاجة الإنسان إلى التماهي مع مرجعيات يُنظر إليها على أنها مستقرة ومرئية وذات قيمة. وتقول: «عندما يجسد منتخب ما الاستقرار والنجاح والأداء المتميز، ويضم شخصيات بارزة، فإنه يصبح بطبيعة الحال موضوعاً للتماهي».
فالمشجعون لا يتابعون مجرد نتائج رياضية، بل يواكبون سردية كاملة، يترقبون فيها مسار الفريق، واحتمالات الفوز، وتجاوز الذات. ويعمل هذا التماهي كمرآة رمزية يُسقط فيها كل فرد تطلعاته الشخصية أو الجماعية.
وفي السياق اللبناني، تكتسب هذه الدينامية طابعاً خاصاً. إذ تشير السيدة خوّام إلى أن المجتمع اللبناني تحكمه انقسامات هوياتية وطائفية تنعكس أيضاً على أشكال الانتماء. وقد تتحول كرة القدم إلى مساحة لإسقاط هذه الانقسامات. فدعم منتخب معين لا يرتبط دائماً باعتبارات رياضية، بل قد يعكس في بعض الأحيان انتماءً رمزياً أو هوياتياً. وتوضح: «يتماهى الأفراد مع المنتخبات بطرق مختلفة، فيشجعون منتخباً دون آخر». وهكذا يصبح ملعب كرة القدم مساحة تُنقل إليها الانتماءات، حيث يمكن للتوترات الاجتماعية الكامنة أن تعود للظهور في إطار رمزي ومنظم.
فسحة عاطفية
وتشدد الأخصائية النفسية على بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كون البطولة متنفساً جماعياً. ففي بلد يعاني أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية كلبنان، تتحول كأس العالم إلى فسحة يتوقف خلالها ثقل الحياة اليومية، ولو طوال مدة المباراة. وتقول: «يجتمع الناس ويتشاركون شعوراً بالوحدة والفرح والفخر والحماسة الجماعية».
وتكتسب هذه الفسحة أهميتها لأنها تتيح مجالاً للتعبير عن المشاعر، وهو أمر نادراً ما يتاح في الحياة اليومية. وهكذا تتيح كرة القدم تحويل واقع مثقل بالضغوط إلى تجربة جماعية خفيفة، يصبح فيها انتصار منتخب ما انتصاراً مشتركاً، يكاد يكون رمزياً.
وتفسَّر هذه الكثافة العاطفية أيضاً بآليات الجماعة. ففي التجمعات، لا تبقى المشاعر مجرد تعبيرات فردية، بل تتعزز وتتضاعف بفعل الدينامية الجماعية.
وتصف السيدة خوّام هذه الظاهرة بأنها «تأثير الحشد»، حيث تتضخم مشاعر الفرح والحماسة، وأحياناً الإحباط، بفعل التفاعل الجماعي. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن أعمال الشغب تبقى محدودة ولا تمثل القاعدة، بل هي استثناء يلفت الأنظار.
ومع ذلك، قد يؤدي تأثير الجماعة إلى تغيير سلوك الأفراد. فالشعور النسبي بعدم الكشف عن الهوية، وقوة المجموعة، وشدة الانفعال، قد تدفع بعض الأشخاص إلى التصرف بطريقة تختلف عن سلوكهم المعتاد، وقد يصل الأمر أحياناً إلى ارتكاب أعمال عنف أو تجاوزات.
وقد شهدت بلدة وادي جيلو في قضاء صور (جنوب لبنان) حادثة من هذا النوع، حين تطور خلاف بين مشجعين خلال مباراة بين البرازيل واليابان إلى شجار، ثم إلى تبادل لإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة ستة أشخاص بجروح.
وفي هذا الإطار، يمكن لكرة القدم أن تتحول إلى صندوق رنين للتوترات الاجتماعية والسياسية، فتظهر بعض الصراعات من خلال المنافسات الرياضية. وتصبح المنتخبات رموزاً تُسقط عليها الانتماءات والخصومات والإحباطات العميقة. غير أن السيدة خوّام تشدد على ضرورة عدم اختزال الظاهرة في هذا الجانب وحده، لأن هذه الإسقاطات تتعايش مع البعد الاحتفالي والجامع الذي يشكل بدوره عنصراً أساسياً في البطولة.
ويجسد سيرجيو (22 عاماً)، وهو من مدينة جبيل، هذه الازدواجية على المستوى الشخصي. يقول: «أشجع المنتخب الألماني، أولاً لأن لبنان لا يشارك في كأس العالم، وثانياً لأنني أحب أسلوب لعب هذا المنتخب الذي ارتبطت به منذ طفولتي».
وغالباً ما يشاهد المباريات مع أصدقائه، من دون أن يخلو الأمر من بعض التوتر. ويضيف: «نبدأ بالمزاح، ثم قد تحتد النقاشات، وأحياناً نتدافع، لكننا في النهاية نهدأ دائماً». وهكذا تعود كرة القدم، رغم بعض تجاوزاتها، إلى وظيفتها الأساسية، وهي كونها مساحة للتلاقي والود.
أما جاد (28 عاماً)، وهو من بيروت ويشجع المنتخب الفرنسي، فيجسد الجانب الاحتفالي للبطولة. ويقول: «فرنسا جزء من قصتي منذ أيام المدرسة، خصوصاً مع مبابي اليوم. كنت أتابع هذا المنتخب مع شقيقي، وتحول الأمر إلى تقليد عائلي».
وخلال مونديال 2026، تتحول الانتصارات إلى مناسبات للاحتفال. ويضيف: «لساعات قليلة، ننسى هموم الحياة اليومية».
وفي جونية، تتحدث مايا (32 عاماً)، وهي من مشجعي المنتخب الأرجنتيني، عن تعلق ورثته عن والدها. وتقول: «إنها شغف نقله إليّ والدي منذ أيام مارادونا، واستمر مع ميسي». ورغم أنها لا تشارك في تجمعات المشجعين، فإنها تعيش أجواء البطولة داخل الأسرة. وتضيف: «تعيش شقيقتي في بوينس آيرس، وخلال المباريات نتبادل مقاطع الفيديو وكأننا نجلس في الغرفة نفسها».
أما كريم (24 عاماً)، وهو من طرابلس ويشجع المنتخب البرازيلي، فيصف تجربة أكثر تبايناً. يقول: «اللعب، والسامبا، واللون الأصفر... كلها أسباب تجعل شغفي بالبرازيل كبيراً». لكنه يقر أيضاً بتصاعد التوتر عند الخسارة: «الهزيمة تؤجج المشاعر أحياناً. النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، والمنافسات... كل شيء يشتد». ويروي أنه شاهد مواقف متوترة: «كنت شاهداً على تبادل للشتائم وقلب للطاولات في بعض المطاعم، ففضلت المغادرة».
في المحصلة، تبدو كأس العالم ظاهرة شديدة الازدواجية. وفي لبنان، تتجلى هذه الازدواجية بصورة خاصة. ففي بلد لا يزال يبحث عن ذاته منذ عقود، قد يكون من الأسهل أحياناً أن يخفق القلب لألوان منتخب أجنبي، أكثر من خفقانه لألوان الوطن نفسه.