

تحالف يُفعَّل للمرة الأولى
يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولاً عميقاً، فيما ينتقل الملف اليمني ضمن حلف مكة رسمياً من كونه اتفاقاً أمنياً نظرياً إلى خطة عمليات عسكرية فاعلة.

في أعقاب ضربة كبيرة نفذها الحوثيون قرب المدينة المقدسة، المدينة المنورة، والتقدم الهجومي الذي أحرزوه على طول ساحل البحر الأحمر الاستراتيجي قبل أن يُدحر في الأيام الأخيرة، عقدت السعودية وتركيا وباكستان اجتماعاً طارئاً في الرياض يوم 5 أكتوبر 2026. وأسفر هذا الاجتماع الحاسم عن أول تفعيل تاريخي لمعاهدة الدفاع المشترك للتحالف منذ توقيعها الأول في أغسطس 2026، إيذاناً ببدء تنسيق عسكري ملموس وسلسلة من الانتشارات العسكرية: فالقوات الباكستانية منتشرة منذ فترة طويلة على الأراضي السعودية وتعتزم تعزيز انتشارها، فيما تستعد تركيا، التي كان حضورها مقتصراً على مستشارين عسكريين، لإرسال قوات.
بعد بداية مترددة، التزام ملموس
يمثل هذا التفعيل الفوري نقطة تحول حاسمة، إذ كانت تركيا وباكستان مترددتين بشكل خاص في البداية.
فعند توقيعه في 7 أغسطس 2026، قدّم النص الأولي تفاصيل قليلة جداً بشأن الالتزامات العسكرية الفعلية لكل موقّع، ما غذّى في البداية شكوك المراقبين الدوليين.
ومع أولى رشقات الصواريخ الحوثية في سبتمبر، أبدت أنقرة وإسلام آباد تردداً في التدخل العسكري أو الاستجابة لطلبات المساعدة، مفضلتين عدم المساس بدوريهما المحتملين كوسيطين في الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

منشآت تابعة لعملاق النفط السعودي أرامكو تشتعل فيها النيران عقب ضربات حوثية قرب الرياض. (أ ف ب)
وكان كثير من الخبراء يشددون آنذاك على أن باكستان تفضّل الوساطة على التدخل، في حين اختارت تركيا استعراض قدراتها التكنولوجية من دون الانخراط رسمياً في نزاع مفتوح.
وفوق ذلك، فإن غياب قيادة عسكرية موحّدة والحاجة إلى وقت لتطوير قابلية التشغيل البيني، على غرار المسارات التاريخية لحلف الناتو، ألقيا بظلال من الشك على مصداقية هذه البنية الأمنية على المدى القصير.
باكستان، الركيزة البشرية للتحالف
لكن خطورة الهجمات المباشرة الأخيرة على سلامة الأراضي السعودية أجبرت الدولتين على تجاوز تحفظاتهما الأولية.
وبفضل وجود دائم يضم أكثر من 15,000 عسكري مكلّفين بمهام التدريب والدعم العملياتي في السعودية، تستعد باكستان لإرسال تعزيزات كبيرة قد تصل إلى 20,000 إلى 25,000 جندي إضافي، مدعومين بأنظمة دفاع جوي وتقنيات متقدمة للطائرات المسيّرة.
واستجابةً لتفعيل تحالف مكة، تنتشر هذه القوات الاستراتيجية في عدة مناطق حيوية بالمملكة: إذ تتمركز قوة رئيسية في القواعد الجوية وبالقرب من منشآت الحدود السعودية اليمنية، فيما يؤمّن جهاز أمني معزّز مرافق الطاقة ومدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة ضد خطر الضربات الحوثية.
وبالتوازي، وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي لإسلام آباد يفضّل حصراً تحصين الأراضي السعودية لتجنب صراع مباشر مع إيران، ترد أيضاً، بصورة أكثر تكتمًا، تقارير عن وجود أفراد ومستشارين باكستانيين بعقود تشغيلية في جنوب اليمن، ولا سيما في عدن، ما يبرز تزايد تشابك باكستان في البنية الأمنية لشبه الجزيرة.

تركيا، الدرع التكنولوجي للبنى التحتية للطاقة
من جانبها، تستعد تركيا، التي تحتفظ منذ عام 2025 بقوة تضم أكثر من 200 مستشار عسكري وخبير في الحرب الإلكترونية على الأراضي السعودية، لتعزيز عديدها بصورة كبيرة.
ورغم أن الحجم الدقيق لهذه القوة العسكرية الجديدة لم يُحدَّد بعد، ومن المقرر عرضه على البرلمان التركي للموافقة عليه خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026، فإن ترتيبات نشرها تنص على احتمال إنشاء قاعدة عسكرية تركية دائمة في السعودية. وستكون المهمة الرئيسية للقوات المسلحة التركية ذات طابع استراتيجي ودفاعي بوضوح، إذ ستتولى حماية وتأمين أربع من أهم منشآت الطاقة في المملكة، بما فيها مرافق رئيسية لإنتاج الغاز والكهرباء.
ولهذا الغرض، ستنشر أنقرة منظوماتها الخاصة للدفاع الجوي القصير والمتوسط المدى، إلى جانب أحدث تقنيات الحرب الإلكترونية لديها، بهدف إنشاء مظلة ردع في مواجهة تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية التي تستهدف الاقتصاد السعودي.
نموذج مستوحى من الناتو وقيادة موحدة في الرياض
في إطار هذا الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ، ويعمل وفق نموذج للردع الجماعي يشبه نموذج الناتو، وينص على أن أي هجوم على أحد الأعضاء يُعد هجوماً على الجميع، تنفذ تركيا وباكستان هذا الانتشار للقوات مباشرة على الأراضي السعودية.
ولإدارة تدفق القوات وقيادة التنسيق الاستراتيجي والسياسي المعقد الذي تفرضه الأزمة، أضفى التحالف طابعاً رسمياً على هيكله القيادي بتعيين الجنرال السابق في الجيش الباكستاني، الفريق نعمان محمود، أميناً عاماً، ليتولى إدارة العمليات مباشرة من مقر التحالف في الرياض.
الهدف: تحطيم القدرة الحربية للحوثيين

الهدف العملياتي الفوري لتحالف مكة هو إضعاف قدرة الحوثيين على خوض الحرب والقضاء عليها بصورة منهجية، وهو مسعى أشعل بالفعل تصعيداً جوياً وتقنياً واسعاً في أنحاء المنطقة.
كثفت قوات التحالف بقيادة السعودية دعمها الجوي لقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بشكل كبير، وحشدت أسطولاً يضم أكثر من مئة طائرة مقاتلة حديثة تستوفي أحدث المعايير الأمريكية، لتنفيذ هجمات واسعة النطاق قالت القوات الحكومية إنها أسفرت بالفعل عن تدمير مئات الأهداف العسكرية الحوثية.
إن الدخول الرسمي لتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش دائم في الناتو، إلى جانب باكستان، يُدخل إلى مسرح العمليات قوة كاسحة تتألف من قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية، وتكنولوجيا طائرات مسيّرة متطورة، وقوة دفاعية هائلة، بما يغير موازين القوى جذرياً.
حدود الالتزام: لا قوات برية في اليمن
رغم هذا الاستعراض للقوة الكاسحة، لا يزال التحالف يواجه نقاط احتكاك بنيوية عميقة وتعقيدات طويلة الأمد في الملف اليمني.
وعلى الرغم من أن التفعيل الحالي يقوم على نشر قوات دفاعية داخل الحدود السعودية وعلى دعم جوي مكثف فوق اليمن تتولاه القوات الجوية الملكية السعودية، فإن تدخلاً جوياً أو برياً مباشراً للمشاة التركية أو الباكستانية في جبال اليمن يظل مستبعداً للغاية.
فذلك ينطوي على مخاطر سياسية داخلية جسيمة لأنقرة وإسلام آباد، فضلاً عن احتمال التسبب في اتساع الصراع إقليمياً مع إيران.
البحر الأحمر، الجبهة المقبلة

في المقابل، يُتوقع أن تتحول الجبهة البحرية الممتدة على طول البحر الأحمر إلى مسرح عمليات بالغ النشاط؛ إذ تمارس القوات الحوثية ضغطًا هجوميًا باتجاه تعز بهدف تطويقها، كما يبقى احتمال عودتها إلى محيط مضيق باب المندب قائمًا إذا نجحت في شن هجوم مضاد.
وبناءً على ذلك، يُرجَّح بدرجة كبيرة بذل جهد بحري منسق تشارك فيه دول التحالف لتأمين هذه الممرات البحرية العالمية الحيوية، لا سيما وأن البحريتين التركية والسعودية تنشطان في البحر الأحمر وقبالة القرن الأفريقي.
دبلوماسية الظل: الملف الإيراني الحساس
بالتوازي مع ذلك، يُرجَّح أن تركز الاستراتيجية الدبلوماسية للتحالف على زيادة عزلة الحوثيين وخنق إمداداتهم اللوجستية.
وسيتطلب ذلك إدارة دقيقة، إذ يتعين على باكستان وتركيا الحفاظ بحذر على توازن علاقاتهما الدبلوماسية وحدودهما المشتركة مع إيران. وهذا يعني أن التحالف سيعتمد بدرجة كبيرة على ضغوط دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس على طهران كي تسحب أو تقلص دعمها لتقدم الحوثيين، إلا أن طهران ستطالب بالتأكيد بثمن، مما يجعل مسار القنوات الخلفية معقدًا.
نحو جمود عسكري مضبوط
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الملف اليمني سيتجسد في حملة جوية ودفاع جوي واسعة النطاق، تهدف إلى تقييد تحركات الحوثيين وحماية السعودية من الردود الانتقامية، بما يفرض حالة جمود ميداني من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.