شعار Levant Time

استراتيجيا

حلف مكة: استجابة للتحديات الإقليمية (1/4)
بقلم
خليل حلو
نُشر
سبتمبر 3, 2026 - 11:39

يشرح هذا المقال الأول من سلسلة من أربعة مقالات مخصصة لـ«ميثاق مكة» كيف قطعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تدريجيًا شوطًا استراتيجيًا كبيرًا بتوقيعها، في 7 أغسطس/آب 2026، اتفاقًا للدفاع المشترك. وقد وُلد هذا الميثاق في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتآكل الضمانات الأمنية الأميركية، وقد يكرّس نشوء هندسة أمنية جديدة أكثر استقلالية في قلب العالم السنّي. ولا شك في أن مكة تشكّل مكانًا بالغ الرمزية لتوقيع ميثاق من هذا النوع. ففي 7 أغسطس/آب 2026، تحوّل قصر الصفا إلى مسرح لحدث قد تكون له تداعيات تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية الإقليمية والآسيوية. ففي هذا القصر المطل على الكعبة، أبرم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تحالفًا سرعان ما أُطلق عليه اسم «ميثاق مكة». ويتجاوز اختيار هذا المكان المقدس مجرد البعد الرمزي الديني. فمن خلال الاتفاق، من حيث المبدأ، على توحيد جزء من قدراتها العسكرية في قلب مهد الإسلام، توجّه أنقرة والرياض وإسلام آباد رسالة سياسية واضحة مفادها أن هذا التحالف يسعى إلى تجاوز المسافات الجغرافية والاختلافات الإثنية ليطرح نفسه ضامنًا جديدًا لاستقرار العالم السنّي. وبعد ثلاثة أسابيع على توقيعه، يبدو معاهدة الدفاع المتبادل أكثر بكثير من مجرد إعلان نوايا دبلوماسي أو اتفاق تقليدي للتعاون العسكري. فالاجتماع الثلاثي الأخير في إسطنبول وإنشاء أمانة عامة دائمة يعكسان إرادة واضحة في مأسسة هذا التحالف. وينص الميثاق على آلية ملزمة للدفاع المشترك، مستوحاة من مبدأ المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، بحيث يُعتبر أي اعتداء مسلح على أحد الأطراف الموقعة اعتداءً على الدول الثلاث. وقد وُلد هذا الالتزام من الحاجة الملحّة إلى مواجهة الأزمات التي ما زالت تهز عام 2026. فمنذ فبراير/شباط، أدّى التصعيد العسكري الذي تشارك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى زيادة هشاشة الشرق الأوسط وممراته البحرية الرئيسية، ما دفع القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في عقائدها الأمنية التقليدية والاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية. ويأتي هذا التحول في سياق عالمي يشهد تغيرات عميقة، ولا سيما مع الانتشار السريع للتكنولوجيات العسكرية الجديدة التي لم تعد حكرًا على القوى الكبرى. الانتقال إلى التنفيذ: إنشاء أمانة عامة في 31 أغسطس/آب، عُقدت في إسطنبول قمة ثلاثية جمعت وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء أركان الجيوش التركية والباكستانية والسعودية، في أول اجتماع من هذا المستوى منذ توقيع الميثاق. وخلال هذا الاجتماع، خطت الدول الثلاث خطوة حاسمة نحو تحويل تحالفها إلى إطار عملي. وفي سبيل مأسسة الاتفاق والتأكيد على الرغبة في جعله أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي، أعلن كبار المسؤولين في الدول الثلاث رسميًا إنشاء أمانة عامة دائمة مقرها الرياض. وسيُعيّن أول أمين عام، وهو من الجنسية الباكستانية، لولاية مدتها ثلاث سنوات. وستتمثل مهمته خصوصًا في تنسيق القدرات المتوافقة تشغيليًا للقوات المسلحة التابعة للدول الثلاث. وبالتوازي، ستُطلق تحركات دبلوماسية لتأكيد الطابع الدفاعي البحت للتحالف أمام القوى الدولية. ومن بين الإجراءات العملية التي تم اعتمادها، آليات تهدف إلى تعزيز مكافحة الإرهاب، وتطوير الإنتاج المشترك للأسلحة، وتسهيل نقل التكنولوجيا العسكرية، وتعزيز قدرة جماعية مشتركة على الردع. أولى خطوات توحيد القدرات العسكرية أكدت باكستان نشر قوة تقليدية قوامها 8 آلاف جندي في المملكة العربية السعودية ضمن إطار منظومة الأمن الجماعي الجديدة التي أرسى قواعدها ميثاق مكة. ويضاف هؤلاء الجنود إلى عدة آلاف من العسكريين الباكستانيين المتمركزين أصلًا في المملكة منذ عقود، بموجب بروتوكولات ثنائية سابقة للمساعدة والتدريب. ولا تزال الأعداد الدقيقة لهذه القوة العسكرية التاريخية الدائمة سرية بحسب وزارتي الدفاع في البلدين. غير أن الانتشار الجديد يمثل تطورًا مهمًا في الوضعية الدفاعية للكتلة، إذ يهدف إلى تعزيز قدرتها على الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية بواسطة وسائل تقليدية حصراً. وفي المقابل، تحتفظ باكستان بالسيطرة السيادية الحصرية على ترسانتها النووية. ويستبعد الاتفاق أي توسيع لمظلتها النووية لتشمل أعضاء الميثاق الآخرين، كما يستبعد دمج قواتها الاستراتيجية ضمن قيادة مشتركة. وتضم القوة الباكستانية المنتشرة قدرات للدفاع الجوي والدعم التكتيكي. وتشمل سربًا من 16 مقاتلة أسرع من الصوت من طراز JF-17 Thunder، وهي طائرة طُورت بصورة مشتركة بين باكستان والصين، ومتمركزة في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في الظهران، في قلب الممر الرئيسي للطاقة في المملكة وبالقرب من منشآت مهمة تابعة لشركة أرامكو السعودية. وتتولى هذه الطائرات مهمات الدفاع الجوي والمراقبة في مواجهة التهديدات التي قد تشكلها الصواريخ أو الطائرات المسيّرة الإيرانية أو تلك الصادرة عن جهات أخرى. وإلى جانب هذه القوة الجوية، نشرت إسلام آباد أيضًا في منطقة الظهران سربين من طائرات الاستطلاع والهجوم المسيّرة، إضافة إلى بطارية من منظومات الصواريخ أرض-جو HQ-9 بعيدة ومتوسطة المدى، مولتها الرياض ويتولى تشغيلها طاقم باكستاني. ومنذ ربيع 2026، نشرت باكستان كذلك في الأراضي السعودية سربين من طائرات المراقبة المسيّرة Shahpar-II وShahpar-III، المرتبطة بمنظومات الدفاع الجوي HQ-9، إضافة إلى طائرات انتحارية مسيّرة بعيدة المدى من بينها D-248. ويُعد HQ-9، أو «الراية الحمراء-9»، منظومة دفاع جوي طورتها الصين، وقادرة على التعامل مع أهداف بعيدة ومتوسطة المدى وعلى ارتفاعات مختلفة. وهي تنتمي إلى الفئة العامة نفسها التي تضم منظومات S-300 وS-400 الروسية ومنظومات الدفاع الجوي الغربية بعيدة المدى. وتعتمد المنظومة على عدة أنواع من الرادارات المخصصة للمراقبة على الارتفاعات العالية والمنخفضة، واكتساب الأهداف وتوجيه الصواريخ. وتعمل الوحدات الباكستانية بالتنسيق مع القوات السعودية لمراقبة أجواء المملكة في الوقت الحقيقي وتعزيز الحماية من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد تُضاف تدريجيًا قدرات أخرى إلى هذه الإمكانات التي جرى توحيدها، بما قد يحوّل ميثاق مكة إلى بنية عسكرية أكثر تكاملًا، قادرة على الرد سريعًا على أي اعتداء يستهدف أحد أعضائها. ومن خلال الجمع بين القدرات المالية الخليجية والخبرة التكنولوجية والصناعية التركية، والصناعات الدفاعية للدول الثلاث، والقوة العسكرية الباكستانية، قد يغيّر هذا التحالف بصورة عميقة موازين القوى الجيوسياسية في المنطقة. وتتمثل طموحاته في تقليص الاعتماد على القوى من خارج المنطقة، مع بناء قدرة ردع موثوقة في مواجهة التوترات المستمرة في الشرق الأوسط. غير أن ثمة ملاحظتين أساسيتين لا بد من إبدائهما. الأولى أن الدول الثلاث الموقعة لا تزال، بدرجات متفاوتة، حليفة للولايات المتحدة، التي يبقى دعمها ضروريًا لكل واحدة منها. وبالتالي، لا يعني الميثاق بالضرورة قطيعة مع واشنطن، بل يعكس بالأحرى سعيًا إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالمصالح الخاصة لكل عضو، والتي قد تكون متباينة أو حتى متعارضة في بعض الأحيان. فباكستان، على سبيل المثال، لديها نزاع ثقيل مع الهند، وقد اقتربت القوتان النوويتان في مناسبات عدة من مواجهة واسعة. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما موقف ميثاق مكة إذا اندلع نزاع بين إسلام آباد ونيودلهي؟ أما تركيا، فلا تواجه في الوقت الراهن تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأراضيها. لكن دعمها لحركة حماس، التي تنظر إليها الرياض بكثير من الحذر، وانخراطها المتزايد في آسيا الوسطى، ووجودها في قبرص وليبيا، ونزاعها التاريخي مع اليونان، فضلًا عن وجودها العسكري في قطر، كلها ملفات قد تضع شريكيها يومًا ما في موقف حرج. ومن هنا تحديدًا، ستُختبر الصلابة الحقيقية لميثاق مكة من خلال قدرته على إدارة هذه المصالح المتباينة أحيانًا. (يتبع)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (14)
بقلم
خليل حلو
نُشر
أغسطس 5, 2026 - 02:02

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم أعمق للوضع الراهن على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات العاطفية والأيديولوجية والرومانسية التي تتجاوز الحقائق، تاركةً للقارئ استخلاص النتائج المناسبة. كانت الأجزاء الثلاثة عشر السابقة إعادةَ قراءة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف وحتى التطبيق المنقوص للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006. منذ انتهاء حرب الثلاثة والثلاثين يوماً عام 2006 مع إسرائيل، عكف حزب الله على إعادة بناء نفسه من حيث التسليح وإعادة الهيكلة وإعادة الانتشار. بمعنى آخر، تلقّى ضربةً موجعة خلال تلك الحرب، غير أنه أدهش إسرائيل بقدراته العسكرية، ثم تحوّل خلال العامين التاليين إلى قوة مسلحة حقيقية ذات ثقل إقليمي، وذلك بفضل أربعة عوامل: خبرته الميدانية المكتسبة، والدعم الإيراني، والجسر البري السوري (في عهد نظام الأسد) الرابط بين طهران وبيروت، والتسوية التي أبرمها أمينه العام حسن نصر الله مع الرئيس اللبناني آنذاك إميل لحود. وهكذا، أُعيد تفعيل ممرات الإمداد اللوجستي القادمة من سوريا، مما أفضى إلى قفزة نوعية وكمية في ترسانة الميليشيا الموالية لإيران. تشير بعض التقديرات إلى أن قدراتها الصاروخية تضاعفت عشر مرات، إذ ارتفع عدد صواريخها من نحو 15,000 صاروخ عام 2006 إلى ما يزيد على 150,000 قذيفة عام 2018، شاملةً ليس الصواريخ التقليدية فحسب، بل أيضاً صواريخ جديدة بمديات أطول لم تكن تمتلكها من قبل، في مقدمتها الصواريخ الدقيقة، ولا سيما فاتح-110 المُصنَّعة محلياً بتحويل الطرازات القديمة من صواريخ زلزال، وذلك بإضافة أنظمة توجيه أثناء الطيران وتحويل زعانفها الثابتة إلى زعانف متحركة، فضلاً عن اقتناء صواريخ مضادة للسفن دقيقة وبعيدة المدى، كصواريخ سيلك وورم الصينية ونسخها الإيرانية، وحتى صواريخ ياخونت الروسية التي يبلغ مداها 300 كيلومتر. وانضافت إلى هذه الترسانة طائرات مسيّرة انتحارية، وأخرى حاملة للصواريخ، وطائرات استطلاع وما إلى ذلك، إضافةً إلى صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من نوع مانباد. أما على صعيد إعادة الانتشار، فقد نقلت الميليشيا الشيعية بنيتها العسكرية إلى داخل النسيج العمراني وفي أحضان التجمعات السكنية. باتت المدن والقرى الشيعية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت قلاعاً معقدة حقيقية تمزج بين الطابع العسكري والعمراني، مموّهةً بعناية فائقة، حيث يختلط المدنيون بالمقاتلين في نسيج يصعب فكّه، مما يجعل الخط الفاصل بين المقاتل وغير المقاتل خطاً يستحيل رسمه. علاوة على ذلك، كثّف حزب الله لجوءه إلى منظمات مدنية واجهة لتأمين دوريات مراقبة مدنية، أبرزها منظمة «خضر بلا حدود» المسجّلة بوصفها منظمة غير حكومية تُعنى بحماية البيئة والتشجير. وقد أدّت مراكز تقدّم هذه المنظمة ومشاتلها الواقعة على امتداد الخط الأزرق دوراً طويلاً في إخفاء البنى التحتية العسكرية ومستودعات الذخيرة والأنفاق القتالية لحزب الله. وزيادةً على ذلك، وتحت ذريعة حماية ممتلكات خاصة أو مناطق تشجير، اعتاد أعضاؤها على إعاقة وصول مفتشي قوة اليونيفيل طوال العقدين اللذين أعقبا حرب 2006. وأخيراً، حرص مسلحو حزب الله على التواجد بلباس مدني عند مداخل المواقع المموّهة والأنفاق. القيود التي تعاني منها اليونيفيل لم تكن اليونيفيل في نسختها الجديدة المعزّزة بموجب القرار 1701 تُقدّم منذ البداية أي حل لمسألة نزع سلاح حزب الله. فهي ليست قوة ضاربة، إذ تعمل وفق الفصل السادس لا الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. رفض المساهمون الأوروبيون، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، أن يحلّ جنود القبعات الزرق محلّ الدولة في تنفيذ عمليات نزع السلاح بالقوة. فضلاً عن ذلك، لم يتح الانتداء الأممي إجراء عمليات تفتيش منهجية. أفضى هذا الوضع إلى تعايش اليونيفيل مع حزب الله، لا بمعزل عن اتصالات غير مباشرة بين الطرفين عبر أجهزة الاستخبارات اللبنانية، ومن خلال الرؤساء البلديين والمنظمات غير الحكومية المنتسبة إلى حزب الله، ولا سيما بعد اندلاع الحرب في سوريا وتكاثر المقاتلين الإسلاميين على جانبَي الحدود اللبنانية السورية. في هذا السياق، تعرّضت اليونيفيل خلال عام 2011 لثلاثة هجمات على الأقل أسفرت عن إصابة 16 عنصراً من الكتيبتين الإيطالية والفرنسية، ونُسبت إلى مسلحين مرتبطين بتنظيم القاعدة، لا سيما كتائب عبدالله عزام الفلسطينية المنبثقة من مخيمات الفلسطينيين في جنوب لبنان. التداعيات السياسية لحرب عام 2006 على الصعيد السياسي، تجلّى الضغط الذي مارسه حزب الله وحركة أمل وحليفهما التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون، بعد ثلاثة أشهر فحسب من انتهاء حرب الـ33 يوماً، في شكل حصار مؤسسي هدف إلى إضعاف السلطة التنفيذية إضعافاً دائماً. في نوفمبر 2006، استقال خمسة وزراء شيعة ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل، إضافةً إلى الوزير المسيحي يعقوب الصراف المقرّب من الرئيس إميل لحود، محتجّين على غياب "الثلث المعطّل" (1) لصالحهم في مجلس الوزراء، ومعلنين عدم شرعية الحكومة. أدى ذلك إلى إضعاف شرعية رئيس الوزراء فؤاد السنيورة وأجبره على الحكم من موقع ضعف. ومنذ ديسمبر 2006، أسهم إقامة اعتصام حاشد في وسط بيروت يحاصر السرايا الحكومية، وقرار نبيه بري بعدم انعقاد البرلمان، في شلّ الحياة التشريعية وعرقلة الاستحقاق الرئاسي المقرّر في سبتمبر-أكتوبر 2007، مما زاد في تعميق الاختناق السياسي. في الوقت ذاته، حوّل عجز الحكومة عن تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، التي وصفتها بالمخالفة للقانون، محاولةَ استعادة السيادة إلى ذريعة للنزاع. وقد أشعل القرار الحكومي القاضي بتجريد هذه الشبكة من شرعيتها في 5 مايو 2008 ردّ فعل عسكرياً من حزب الله في 7 مايو 2008. انقلاب السابع من مايو في السابع والثامن من مايو 2008، سيطر حزب الله على مناطق واسعة من بيروت الغربية، وهاجم مكاتب تيار المستقبل، وحاصر رئيس الوزراء فؤاد السنيورة مجدداً بالقوة المسلحة في السرايا الحكومية، مُثبتاً أن أي محاولة لإضعاف الميليشيا الموالية لإيران عسكرياً ستفضي إلى انهيار النظام العام. أمام شبح الحرب الشاملة وانهيار الدولة، تراجع السنيورة بموافقة الوزراء أنفسهم الذين طالبوا بتفكيك شبكة حزب الله السرية، فألغى المراسيم المتعلقة بها، وقبل تحت تأثير الوساطة القطرية اتفاق الدوحة المبرم في 21 مايو 2008. اتفاق الدوحة إثر انقلاب السابع من مايو 2008، استدعت قطر، التي انتصبت وسيطاً في النزاعات العربية والشرق أوسطية معلنةً قوتها الناعمة، الزعماء اللبنانيين إلى الدوحة. أثمرت جهود الأمير عن اتفاق فرض تشكيل حكومة وحدة وطنية تمنح حزب الله "الثلث المعطّل" (1)، أي حق النقض (الفيتو) في مجلس الوزراء. كذلك نصّ الاتفاق ذاته على تحريم استخدام السلاح لحسم الخلافات الداخلية، وهو البند الذي تكرّر في جميع الاتفاقيات اللبنانية-اللبنانية منذ عام 1975 حتى بات مجرد "طقس شكلي". غير أن وضع سلاح الحزب الموالي لإيران جرى تحصينه بذريعة "مواجهة إسرائيل"، فأصبحت هذه المسألة بذلك من المحرّمات التي لا تُقرب. في نهاية المطاف، لم يكن هذا «التسوية» مجرد خيار تكتيكي بسيط، بل كان نتيجة تشابك معقد من الضرورات العسكرية والسياسية، في مقدمتها الحاجة إلى فك الانسداد الدستوري، وتحقيق الاستقرار الأمني، والحفاظ على وحدة وطنية (في مظهرها لا في جوهرها)، إذ كانت هذه الوحدة غائبة فعلياً على أرض الواقع. وهكذا، وجدت أولى الحكومات السيادية في مرحلة ما بعد الوصاية السورية نفسها مضطرة للإذعان للوقائع والأمر الواقع المفروض على الأرض. ونتيجةً لذلك، واصل حزب الله رفع راية «المقاومة» لغرض واحد لا غير: تخويف خصومه والإبقاء على سيطرته على مفاصل القرار السياسي في لبنان بأقل تكلفة ممكنة. (1) يعود مفهوم «الثلث المعطّل» (أو الثلث الضامن) داخل الحكومة اللبنانية إلى تفسير مثير للجدل للدستور اللبناني المعدَّل عام 1990 بموجب اتفاق الطائف. فهذا المصطلح لا يرد حرفياً في نص الدستور، غير أنه يرتكز على ركيزتين دستوريتين أساسيتين: أولاهما المادة 65 التي تشترط لاتخاذ القرارات المتعلقة بـ14 موضوعاً «أساسياً»، كقانون الانتخاب وتعديل الدستور، الحصول على أغلبية الثلثين من أعضاء مجلس الوزراء، مما يمنح أي تكتل يضم ثلث الوزراء زائداً واحداً حق النقض (الفيتو) تلقائياً. وثانيتهما المادة 69 التي تنص على الاستقالة التلقائية للحكومة بأسرها إذا تجاوزت استقالات الوزراء ثلث عددهم. وقد جرى تكريس هذه الآلية المؤسسية، التي صُمِّمت في الأصل لضمان ميثاق العيش المشترك، وتحويلها إلى شرط لا غنى عنه في تشكيل الحكومات، وذلك خلال اتفاق الدوحة في مايو 2008، حين تحوّل هذا الحصص الحسابي إلى شرط سياسي راسخ، مما أعطى حزب الله حق الفيتو في جميع الحكومات المتعاقبة منذ عام 2008 حتى عام 2025.

أنقرة في صلب الاستراتيجية الجنوبية لـ"الناتو 3.0": أين لبنان من كل ذلك؟

في النسخة الجديدة من حلف شمال الأطلسي ("ناتو 3.0") التي تبلورت في قمة أنقرة (7-8 تموز الماضي)، عزز الحلف قدراته على إدارة مزدوجة لتهديد قاريّ عند حدوده الشرقية (روسيا)، واضطرابات متعددة الأشكال (إرهاب، وأزمات هجرة، ونزاعات عسكرية) على جناحه المتوسطي والشرق أوسطي. وفي هذا الشق الثاني، بات الحلف يتكل على أنقرة، التي لم تفرض نفسها فحسب كمورّد رئيسي للأسلحة للدول الأعضاء، بل أيضاً كوسيط بين الغرب ومحور موسكو-طهران؛ إذ رفضت قطع الجسور مع روسيا وإيران، في وقتٍ تقف فيه سداً منيعاً بوجه الأولى في البحر الأسود والقوقاز، وبوجه الثانية في سوريا ولبنان. حلف الرياض بعد سنوات عدة من التوتر مع الرياض، لا سيما في أعقاب قضية خاشقجي، انضمت تركيا إلى المملكة العربية السعودية وباكستان لتأسيس حلف دفاع استراتيجي مشترك، يصفه بعض المراقبين اليوم بـ"الناتو السني". ويتشكل هذا التكتل لمواجهة كلّ من النفوذ الإيراني المتبقي في سوريا ولبنان، والقوة الإسرائيلية في آنٍ واحد. ويتمثل الرمز القوي لهذا التقارب في مشروع سكة حديد الحجاز؛ فهذه الخط الحديدي، الذي أبصر النور للمرة الأولى عام 1908 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، كان رمزاً للنفوذ العثماني وكان يربط إسطنبول بمكة المكرمة، إلى أن دمرته قوات الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، ملك مكة، بدعم ومشورة من ضباط بريطانيين. وابتداءً من عام 1918، نسف هؤلاء المقاتلون المسارات والجسور بشكل منهجي لشل إمدادات القوات العثمانية. أما مشروع سكة الحديد الجديدة، الذي أُقرّ في حزيران الماضي، فسيربط إسطنبول بالشبه الجزيرة العربية عبر سوريا والأردن، مع خطةٍ لتوسيعها نحو عُمان، ليخلق بذلك شرياناً تجارياً يربط الهند وجنوب شرق آسيا بإسطنبول. وتُعد هذه استراتيجية اقتصادية كبرى للالتفاف، من جهة، على مضيق هرمز والحد من تأثير الضغوط الإيرانية، ومن جهة أخرى على مرفأ حيفا، بهدف تهميش دور إسرائيل التجاري في المنطقة، في ظل وصول العلاقات بين أنقرة وتل أبيب إلى أدنى مستوياتها. سوريا الجديدة: المحور الأساسي للنفوذ التركي العامل الأكثر أهمية في هذا السياق يكمن في ترسيخ النفوذ التركي داخل سوريا. ففي أعقاب سقوط نظام الأسد، باتت أنقرة تقدم دعماً قوياً للإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. وبتحولها إلى الراعي السني الرئيسي لسوريا، قطعت تركيا خطوط الإمداد البرية التي اعتمدتها إيران سابقاً نحو لبنان والأردن والضفة الغربية. وعلى الصعيد العسكري، ترفض أنقرة سحب قواتها من المحافظات الشمالية السورية متذرعة بمكافحة الإرهاب، بينما يتمثل هدفها الفعلي في القضاء على "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي يسيطر عليها الأكراد، وتتهمها أنقرة بأنها امتداد لـ"حزب العمال الكردستاني"، المصنف إرهابياً لديها ولدى واشنطن. إلى جانب ذلك، شاركت سوريا للمرة الأولى في المناورات العسكرية المشتركة القوات التي نظمتها تركيا تحت اسم "إفيس 2026" (EFES 2026) وهي النسخة الأحدث من إحدى أكبر المناورات العسكرية المشتركة بالذخيرة الحية التي تجريها القوات المسلحة التركية كل عامين. وقد أُجريت هذه المناورات بين نيسان وأيار 2026، ولا سيما في منطقتي إزمير وإسطنبول في تركيا، بمشاركة أكثر من 10 آلاف جندي أتوا من 50 دولة. وإلى جانب حلفائها التقليديين في "الناتو"، كالولايات المتحدة وفرنسا، أشركت أنقرة الجيش السوري للمرة الأولى، وهو ما يشكل تطوراً جيوستراتيجياً بارزاً، كونها المشاركة الرسمية الأولى لسوريا في مناورات عسكرية في الخارج منذ سقوط نظام بشار الأسد. لبنان والتموضع الاستراتيجي التركي الجديد باتت تركيا اليوم تُشكّل الركيزة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي ("ناتو 3.0") والمحور الأساسي في الشرق الأوسط، فضلاً عن كونها جزءاً من حلف الدفاع الاستراتيجي بين إسلام آباد وأنقرة والرياض، وهو ما يمنحها نفوذاً واسع النطاق في سوريا. وفي هذا السياق، تجد أنقرة نقاط تقارب مع بعض الحركات الإسلامية اللبنانية، وعلى رأسها "الجماعة الإسلامية". وإذا كان لبنان يرغب تحصين نفسه بوجه الفوضى الإقليمية، فعليه أن يتعلّم التعامل مع هذا "المحور التركي" من مَنظور دولة إلى دولة؛ ليس كدولة تابعة، بل كشريك استراتيجي يدرك تماماً أن مركز الثقل في الشرق الأوسط قد انتقل شمالاً. بين عامَي 2025 و2026، صعّدت تركيا من نبرتها المناهضة لإسرائيل داعيةً إلى تفكيكها. وفي هذا الإطار، ألمح أردوغان إلى أن لبنان يقع ضمن نطاق مصالحه الأمنية؛ إذ أكّد، بعدما أعلن صراحةً نيته التصدي للتوسع الإسرائيلي في لبنان، أن "أمن تركيا لا يبدأ من حدودها، بل من حلب ودمشق وبيروت". وهذه تصريحات تنطوي على ثقل جيوستراتيجي كبير، وإن كانت في جوهرها، وحتى اللحظة، لا تتعدى الإطار الكلامي. غير أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أشار عقب قمة "الناتو" إلى عدم رغبة بلاده في خوض مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، في إشارةٍ تعكس مساعي واشنطن للتهدئة. من جهته، بدأ لبنان الرسمي خطوات انفتاح نحو أنقرة عبر زيارات عدة أجراها رؤساء حكومات، كان آخرها زيارة نواف سلام قبل أيام. وكان من المقرر أن يزور الرئيس جوزاف عون أنقرة لترسيخ هذا الانفتاح، إلا أن الروابط الاستراتيجية بين البلدين لا تزال دون المستوى المطلوب وتستدعي التطوير. وفي هذا السياق، هدفت زيارة العماد رودولف هيكل لـ"معرض ساهَا للدفاع" (SAHA) في إسطنبول (5-7 أيار 2026) لاستكشاف مدى استعداد أنقرة لتقديم دعم لوجستي للجيش اللبناني. غير أن أي تعاون عملي بين الجيشين يظل مرهوناً بضوء أخضر أمريكي وبقدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية على ضبط الحدود السورية. وتستطيع تركيا المساعدة في كبح الفوضى القادمة من سوريا واحتواء أي ظهور جديد لتنظيم "داعش"، وهو الخصم الذي تراقبه أنقرة عن كثب. العلاقات اللبنانية - السورية في ظل النفوذ التركي تستفيد بيروت مبدئياً من توطيد علاقاتها مع دمشق وبناء ثقة متبادلة مع السلطة السورية الجديدة، رغم الملفات الشائكة العالقة، وفي مقدمتها وجود أركان سابقين لنظام الأسد في لبنان، وتداعيات قتال "حزب الله" في سوريا. كما تقتضي مصلحة لبنان الإسهام في إرساء منظومة أمنية مشتركة تضم أنقرة ودمشق وبيروت، تضمن حقوق الجميع وتوفر ضمانات متبادلة تصون الاستقلالية السياسية للبنان. وفي هذا الإطار، تفيد مصادر دبلوماسية بأن الملف اللبناني احتل موقعاً بارزاً في المباحثات التي عقدها الرئيس دونالد ترامب مع أحمد الشرع على هامش قمة "الناتو" في أنقرة. وقد أبدى الرئيسان قلقهما من شبكات التهريب والتزويد التابعة لـ"حزب الله" والممتدة عبر تركيا وسوريا نحو لبنان، واتفقا على ضرورة تكثيف التنسيق الميداني لمنعها على طول الحدود اللبنانية - السورية. تعدد المحاور الإقليمية والدولية بات أمن لبنان يُحسم ويتفاوض عليه اليوم في أنقرة بقدر ما يُحسم في واشنطن وتل أبيب والرياض وباريس ودمشق وطهران. ومن هنا، يجد لبنان نفسه ملزماً بالتعامل مع هذا الواقع بقدر عالٍ من البراغماتية، وهو ما يتطلب رؤية استراتيجية لبنانية متكاملة تشمل الأبعاد الأمنية والدفاعية والاقتصادية والسياسة الخارجية، وهي رؤية لا تزال غائبة حتى اللحظة. فهل تُصاغ هذه الاستراتيجية في مجلس الوزراء؟ أم داخل أروقة مجلس الدفاع الأعلى؟ أم في كواليس القصر الرئاسي؟ وهل أُسندت إلى خبراء متخصصين بحق، أم أنها لا تزال غير موجودة أساساً؟ إن كُتب لهذه الاستراتيجية أن ترى النور، فسيكون عليها تحقيق محددات رئيسية: 1) صون السيادة الوطنية لضمان عدم تحول لبنان إلى مجرد أداة في الصراع بين طهران وتل أبيب، أو بين أنقرة وتل أبيب؛ 2) امتلاك حد أدنى من المصداقية كي لا تتخلى عنه واشنطن؛ 3) مراعاة الدور الأوروبي المتنامي في الشرق الأوسط؛ 4) وعدم الانزلاق مجدداً إلى الحاضنة الإيرانية.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (13)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يوليو 27, 2026 - 13:05

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم الواقع الحالي على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيدًا عن الخطابات الانفعالية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الاستنتاجات التي يراها مناسبة. وقد تناولت الأجزاء الاثنا عشر السابقة إعادة قراءة للأحداث المرتبطة بصعود نفوذ حزب الله منذ اتفاق الطائف، وصولًا إلى التطبيق الناقص بصورة خطيرة للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006. قبل عامين من حرب الأيام الثلاثة والثلاثين عام 2006، وتحديدًا في 3 أيلول/سبتمبر 2004، وتحت ضغط مباشر من سوريا بقيادة بشار الأسد، مدّد مجلس النواب اللبناني ولاية رئيس الجمهورية إميل لحود ثلاث سنوات إضافية. وقد فُرض هذا التعديل الدستوري في تجاهل تام للقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي كانت فرنسا والولايات المتحدة قد دفعتا إلى اعتماده في اليوم السابق. وكان القرار يطالب باحترام القواعد الدستورية اللبنانية واحترام الاستحقاق الرئاسي وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة من دون أي تدخل أجنبي. كما طالب القرار نفسه بحل جميع الميليشيات غير الشرعية، بما فيها حزب الله، وانسحاب القوات السورية من لبنان. ولإضفاء مظهر من الشرعية الشعبية في مواجهة الإدانات الدولية، حوّل إميل لحود قصر بعبدا إلى ساحة لإظهار الولاء. فتوافدت إليه الوفود الموالية لسوريا، والموظفون، والعسكريون، والضباط من مختلف الرتب، إضافة إلى مؤيدين مدنيين وأنصار حزب الله، لتقديم "التهاني الحارة" بصورة منظمة، في محاولة لإظهار وجود إجماع وطني واسع حول التمديد المفروض، بينما كان في الواقع معزولًا دوليًا وإقليميًا وداخليًا، باستثناء تأييد القوى الموالية لسوريا، وحزب الله، وحركة أمل. وكان رئيس الوزراء رفيق الحريري، الذي عارض تمديد الولاية الرئاسية تحت تهديد مباشر من بشار الأسد، قد استقال في تشرين الأول/أكتوبر 2004، قبل أن ينضم إلى صفوف المعارضة المناهضة للوجود السوري. اغتيال رفيق الحريري وثورة الأرز اعتبرت الأمم المتحدة، ولاحقًا المحكمة الخاصة بلبنان، أن هذا التحول السياسي شكّل الدافع الرئيسي لاغتيال رفيق الحريري مع عدد من مرافقيه وعناصر حمايته في 14 شباط/فبراير 2005. وقد أدى هذا الاغتيال مباشرة إلى اندلاع ثورة الأرز، ثم إلى الانسحاب القسري للقوات السورية من لبنان. وأعقب جريمة 14 شباط/فبراير 2005 حراك شعبي واسع استمر ثلاثة أسابيع في شوارع بيروت، طالب بإنهاء الاحتلال السوري للبنان، ورفع صور كبار الضباط الذين كانوا يديرون الأجهزة الأمنية اللبنانية، ومن بينهم اللواءات جميل السيد، وريمون عازار، وعلي الحاج، متهمًا إياهم بالتواطؤ في اغتيال الحريري، وواصفًا إياهم برموز المنظومة الأمنية اللبنانية ـ السورية. توثيق العلاقة بين لحود ونصر الله ولدعم إميل لحود، الذي كان يتعرض لمقاطعة متزايدة، والذي شكّل غطاءً قانونيًا فعليًا لحزب الله، ردّ حسن نصر الله بحشد جماهيره في تظاهرة 8 آذار/مارس 2005، واضعًا ما يشبه ميثاقًا للبقاء، إذ اعتُبر الدفاع عن الرئيس خطًا أحمر، وأصبح الرد على أي محاولة لإقصائه أمرًا معلنًا وصريحًا. وترسّخ بقاء لحود في منصبه عندما رفض البطريرك الماروني نصر الله صفير إسقاطه عبر الشارع، تجنبًا لخلق سابقة في التاريخ اللبناني المعاصر. وقد احترمت قوى السيادة آنذاك هذا الموقف، رغم مرارته، حرصًا منها على التوازنات الطائفية في البلاد. وبعد أسبوع، حشدت القوى السيادية أنصارها ردًا على تظاهرة الثامن من آذار. وهكذا شهدت بيروت في 14 آذار/مارس 2005 تجمعًا تاريخيًا شارك فيه مئات آلاف من أنصار تيار المستقبل بزعامة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والقوات اللبنانية، وحزب الكتائب، وحزب الوطنيين الأحرار، والتيار الوطني الحر الذي كان لا يزال مناهضًا لسوريا آنذاك، والحزب التقدمي الاشتراكي، وليبراليون شيعة، ويساريون، وغيرهم، مطالبين بانسحاب القوات السورية، وتفكيك المنظومة الأمنية اللبنانية ـ السورية، وتطبيق القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن. وعقب هذا التجمع، تأسس تحالف قوى 14 آذار، الذي ضم في طليعة شخصياته سمير فرنجية، وجبران تويني، وسمير قصير، ونايلة معوض، والرئيس الأسبق أمين الجميل، وآخرين. وأدى ذلك إلى توثيق العلاقة أكثر فأكثر بين لحود، الذي لم يعد يملك خيارات أخرى، وحسن نصر الله. ثقافة مؤيدة للميليشيا تتناقض مع دولة القانون منذ أن كان قائدًا للجيش اللبناني، رسّخ إميل لحود، من خلال مواقفه وتعليماته، تدريجيًا "ثقافة" تقبل الوجود السوري، و"ثقافة" التعاطف مع حزب الله، باعتباره حركة مقاومة وطنية ضد إسرائيل. وكان هذا النهج يتجلى في خطاباته ومذكراته الإدارية، التي تجاهلت عمدًا الأيديولوجيا الدينية الأصولية للحزب الموالي لإيران، والمتعارضة مع فلسفة قيام لبنان الكبير عام 1920. وعندما أصبح رئيسًا للجمهورية، واصل لحود الترويج لهذه الصورة عن حزب الله على مستوى البلاد، ليس فقط داخل الأوساط الشيعية المؤيدة له، بل أيضًا في أوساط مسيحية ودرزية وسنية. وقد ساعد على انتشار هذه الدعاية وتوسيعها زعماء امتلكوا طموحات سياسية كبيرة، وفي مقدمتهم رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، بعد عشرة أشهر فقط من عودته من منفاه في فرنسا، إلى جانب عدد كبير من السياسيين من مختلف الطوائف، مثل رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان، وبعض المنشقين عن الأحزاب السيادية الذين تمكنت الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة من استمالتهم. كما تسرب التعاطف مع الميليشيا إلى مؤسسات الدولة نفسها، فأصبح عدد من المسؤولين يشيدون بمنطق "المقاومة"، ويبررون الممارسات غير القانونية، ما أدى تدريجيًا إلى تراجع ثقافة دولة القانون. وهكذا، حلت ثقافة الخضوع لميليشيا تحمل أيديولوجيا دينية مذهبية، تحت شعار "المقاومة"، محل الثقافة السيادية التي تشكل أساس الدولة ذات السيادة، وتغلغلت هذه الظاهرة في المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية والقضائية اللبنانية. ولا يزال لبنان يعاني حتى اليوم من آثار هذا التراجع العميق في ثقافة الدولة. وخلال تلك السنوات، وجد عدد كبير من السياسيين اللبنانيين أنفسهم مرتاحين للخضوع للاحتلال السوري، ثم لاحقًا لهيمنة حزب الله. ولم يبذل هؤلاء أي جهد لترسيخ الكرامة الوطنية، بل فضلوا، لعقود، التركيز على مصالحهم الضيقة، وخلط الأعمال الخاصة بالشأن العام والخطاب الشعبوي. انتشار الجيش في الجنوب وحوادث مع حزب الله رغم التسوية التي قامت بين الشرعية اللبنانية وسلاح حزب الله، سُجلت منذ أيلول/سبتمبر 2006 عدة حوادث خلال انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، عقب الانسحاب الإسرائيلي الذي بدأ في 17 آب/أغسطس. وقد تجلت هذه الحوادث، على سبيل المثال، في اعتراض الجيش شاحنات محملة بالذخائر كانت قادمة من سوريا إلى البقاع، أو من البقاع باتجاه الجنوب. وكان العسكريون الذين نفذوا هذه العمليات، بدافع حرصهم على أداء واجبهم، يشعرون بالإحباط عندما كانت تصدر قرارات سياسية تلزمهم إما بإعادة الذخائر المصادرة، أو بالإفراج الفوري عن الشاحنات المضبوطة والعناصر المسلحة الذين كانوا يرافقونها. ومن الأمثلة الأخرى التي أعاقت استعادة سيادة الدولة، تحديد مناطق، غالبًا ما كانت حرجية ومحصنة، مُنع الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من دخولها، بناءً على تعليمات من رئيس الجمهورية إميل لحود. وكانت هذه المناطق تخضع حصريًا لسيطرة مقاتلي حزب الله. أما المواطنون الذين كانوا يحاولون الاقتراب منها، فكان عناصر الحزب يمنعونهم من ذلك، إما بذريعة أنها "محميات طبيعية"، أو بالإعلان صراحة أنها مناطق تابعة للحزب، تحولت عمليًا إلى جيوب مغلقة خارج سلطة الدولة، ضمن منطقة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب. اقرأ أيضًا حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (12) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (11) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (10) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (9) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (8) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (7) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (6) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (5) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (4) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (3) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (2) حزب الله وإسرائيل... حرب بلا نهاية في خدمة من؟ (1)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (12)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يوليو 16, 2026 - 15:49

تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتيح فهماً أعمق للوضع الراهن على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو العاطفية التي غالباً ما تجانب الواقع. ويعود للقارئ وحده استخلاص النتائج التي تفرض نفسها . شكلت الأجزاء الأحد عشر السابقة إعادة قراءة للأحداث المتعلقة بتعاظم قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى التطبيق المنقوص بشكل فاضح لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر عام 2006. منذ الانسحاب الإسرائيلي الأول في أيار 2000، أبرم رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك إميل لحود (1998-2007) والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله اتفاقاً جوهرياً قضى بأن تمنح الدولة الغطاء الشرعي للحزب، في مقابل التزام الأخير علناً وبشكل رسمي باحترام المؤسسات الوطنية والامتناع عن استخدام ترسانته العسكرية في الصراعات السياسية الداخلية. غير أن الأيام أثبتت لاحقاً أن هذا التعهد لم يكن واهياً فحسب - إذ تهاوى كلياً في 7 أيار 2008 عندما اجتاح الحزب بيروت بقوة السلاح - بل إن هذا السلاح كان يلقي بكل ثقله على القرار الوطني. وعلى الصعيد العسكري، تُرجم تفاهم "لحود-نصر الله" بتنسيق واسع بين الحزب الموالي لإيران وقادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، حيث شَغَلَ المناصبَ الحيوية والأساسية ضباطٌ الموثوقين لدى لحود، وآخرون يحظون برضا "حزب الله" و/أو حليفته حركة "أمل". السيطرة على الجيش في أعقاب الغزو السوري في 13 تشرين الأول 1990، واحتلال قوات نظام الأسد للقصر الجمهوري ووزارة الدفاع، خضع الجيش اللبناني لعملية تطهير ممنهجة وقمع قادته المنظومة الأمنية اللبنانية-السورية المشتركة، بهدف كسر أي نزعة لمقاومة الاحتلال السوري داخل المؤسسة العسكرية. ففي يوم الغزو نفسه، نُفِّذت جرت تصفية أكثر من مئة جندي لبناني، فيما تَعَرَّضَ عشراتٌ آخرون للإهانة والأسر، ونُقِلَ نحو عشرين ضابطاً كبيراً إلى السجون السورية. وشهد العامان التاليان (1991-1992) إعادة هيكلة قسرية للجيش؛ فلوحق الضباط والرتباء المشتبه في مناهضتهم لدمشق أو ولائهم للمعارضة السيادية، وجرى توقيفهم لدى أجهزة الاستخبارات اللبنانية والسورية حيث أُخضِعوا للترهيب، أو أُحيلوا قسراً على التقاعد، أو سِيقوا إلى المحكمة العسكرية بتهمة "النيل من العلاقات مع دولة شقيقة". وفي أقبية الاعتقال السري بوزارة الدفاع في اليرزة، أو في مراكز الاحتجاز السورية المنتشرة على الأراضي اللبنانية كمركز "عنجر"، تعرّض العديد من هؤلاء العسكريين لشتى أنواع التعذيب الممنهج، لينتهي المطاف ببعضهم ضمن قائمة مئات المفقودين اللبنانيين في السجون السورية. ومنذ تعيينه قائداً للجيش اللبناني عام 1990، ثم وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى عام 1998، احتفظ إميل لحود بنفوذ حاسم داخل المؤسسة العسكرية مستنداً إلى ولاء ودعم كبار الضباط في المناصب الأساسية؛ إذ كان بصفته رئيساً للجمهورية يوقّع مراسيم ترقياتهم، وله اليد الطولى في تعيينهم في هذه المراكز. وإلى جانب الضباط الموالين للحود، خضع آخرون لنفوذ رئيس مجلس النواب وزعيم حركة "أمل" نبيه بري، الحليف الأساسي لـ"حزب الله"، أو لسياسيين آخرين يدورون في الفلك السوري. عندها، بدأت العقيدة السيادية للجيش - التي ميزته منذ الاستقلال - بالتراجع تدريجياً، لتحل محلها عقيدة أخرى تقبل بمقاسمة السيادة الوطنية مع جيش الاحتلال السوري الذي كان يُنعت بـ"الشقيق"، ومع "حزب الله". وعلى الرغم من أن هذه العقيدة الجديدة واجهت مقاومة في صفوف العسكريين، إلا أنها ظلت سائدة لأكثر من عقدين من الزمن. استهداف القيادات السيادية وتهميشها (1990-2005) منذ عام 1990، جرى تهميش كامل للسياسيين السياديين في العملية السياسية وفي التعيينات داخل مؤسسات الدولة. وفرض النظام الانتخابي القائم منذ عام 1992، والذي أملاه السوريون، إلى جانب ممارسات الترهيب، خياراً واحداً عليهم: إما الخضوع أو الانكفاء. وبموازاة ذلك، دخل "حزب الله" البرلمان عقب انتخابات عام 1992 باثني عشر مقعداً، في وقتٍ غابت فيه القوى السيادية عن الندوة البرلمانية بالكامل. وبدأت حملة الترهيب باغتيال داني شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار، بعد أيام قليلة من الاجتياح السوري في تشرين الأول 1990، وتلا ذلك النفي القسري للجنرال ميشال عون (1991) - الذي كان آنذاك مناهضاً للاحتلال السوري والميليشيات غير الشرعية، ومنها "حزب الله"، قبل أن يصطف بعد خمسة عشر عاماً إلى جانب الميليشيا الموالية لإيران. وكان الرئيس الأسبق أمين الجميل (1982-1988) قد اختار النفي الطوعي في فرنسا منذ نهاية ولايته الرئاسية. وبين عامي 1990 و2005، دأبت الوصاية الأمنية اللبنانية-السورية على خنق المعارضة المناهضة لسوريا بشكل ممنهج عبر موجات من الاضطهاد، في عهدي الرئيسين إلياس الهراوي (1989-1998) وإميل لحود (1998-2007). وتجلت سنوات القمع هذه في محطات بارزة، منها اختطاف عضو المكتب السياسي لحزب الكتائب بطرس خوند في 15 أيلول 1992، ثم التفجير الذي لم تُكشف ملابساته ضد كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل في 27 شباط 1994 (الذي خلف 11 قتيلاً)، والذي اتخذته الحكومة الموالية لسوريا ذريعة مباشرة لحل حزب القوات اللبنانية واعتقال قائده سمير جعجع في 21 نيسان 1994، ليُحكم عليه بالسجن المؤبد ويمضي فيه أكثر من أحد عشر عاماً. وبعد أيام قليلة، في 27 نيسان 1994، استهدف الإرهاب المكتب السياسي لحزب الكتائب في الصيفي، موديًا بحياة أحد كوادره طوني بعقليني. إضافة إلى ذلك، تعرضت الحركات الطالبية للتيار الوطني الحر (الذي أسسه ميشال عون)، والقوات اللبنانية، وحزب الوطنيين الأحرار، والكتائب لمداهمات واعتقالات متكررة، بلغت ذروتها يوم الخميس 7 آب 2001 عندما اعتُقل أكثر من 250 ناشطاً سيادياً بعنف في أعقاب المصالحة التاريخية في الجبل بين البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، رمز المقاومة المناهضة لسوريا آنذاك، ووليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي. وتُرجمت استراتيجية الترهيب الأمني هذه أيضاً في الإغلاق القسري لمحطة "إم تي في" عام 2002، والتضييق على الصحافيين، وفي مقدمهم جبران تويني. اغتيال رفيق الحريري والانسحاب السوري في أعقاب اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وثورة الأرز التي تلته، انسحبت قوات دمشق في 28 نيسان 2005، ما أتاح عودة ميشال عون من منفاه بعد خمسة عشر يوماً، في 7 أيار 2005، ثم إطلاق سراح سمير جعجع بموجب قانون عفو في تموز 2005. وكان الرئيس أمين الجميل قد عاد من جهته منذ عام 2000. تقاسم السيادة بين الدولة وحزب الله على الرغم من ثورة الأرز والانسحاب السوري عام 2005، ثم الانسحاب الإسرائيلي الثاني عام 2006 تطييقاً للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، واصل الرئيس لحود الإشراف على تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الأجهزة الأمنية اللبنانية والميليشيا الموالية لإيران. وكان الهدف الرئيسي هو تحديد مناطق عمليات الجيش اللبناني لإخلاء الساحة لحزب الله في جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع الشمالي، وتأمين الخطوط اللوجستية للحزب الموالي لإيران من سوريا. وفضلاً عن ذلك، استهدف هذا التنسيق ملاحقة شبكات التجسس الإسرائيلية. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (11) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2)

الناتو 3.0: صحوة العملاق العثماني داخل الحلف (2/2)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يوليو 11, 2026 - 14:31

سيبقى الثامن من تموز/يوليو 2026 تاريخًا مفصليًا في تاريخ حلف شمال الأطلسي. فقد أظهر «إعلان أنقرة»، الصادر في ختام قمة الناتو التي عُقدت في تركيا، تحولًا عميقًا على المستويات التكنولوجية والمالية والجيوسياسية. ويجسد هذا الانتقال إلى «الناتو 3.0» إعادة تمحور الحلف حول عقيدة تقوم على التفوق المعلوماتي والدفاع الإقليمي عالي الكثافة، مع ترسيخ مكانة تركيا بوصفها الركيزة الأساسية للجناح الجنوبي للحلف. ثورة مالية: بنك الدفاع والصمود يُعدّ أحد أكثر جوانب القمة ابتكارًا هو الاستجابة للتحديات المالية المرتبطة بإعادة التسلح. فمع أن الاتحاد الأوروبي أنشأ عام 2025 صندوق «SAFE» (العمل الأمني من أجل أوروبا) بقيمة 150 مليار يورو لدعم الدفاع، وهو صندوق استُبعدت منه كل من كندا وتركيا، كان لا بدّ لحلف شمال الأطلسي من إيجاد آلية خاصة تتيح إشراك هذين البلدين. وفي وقت التزمت فيه الدول الأعضاء برفع إنفاقها الدفاعي إلى ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أعلنت تسع دول، من بينها تركيا وكندا، إنشاء «بنك الدفاع والأمن والصمود». وسيكون مقر هذه المؤسسة في كندا، مع قدرة تمويلية ضخمة تبلغ 134 مليار دولار. ويتمثل هدفها الرئيسي في توفير قروض بشروط تفضيلية لدعم مشاريع البنى التحتية ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، إلى جانب تعزيز الدفاع السيبراني وتمويل إعادة تسليح الدول الأعضاء بشكل مباشر. العقيدة المعلوماتية: الذكاء الاصطناعي و«سحابة القتال» تمثل قمة أنقرة انتقالًا من الرؤية العسكرية التقليدية، القائمة على عدد الدبابات والفرق العسكرية، إلى عقيدة ترتكز على التفوق في اتخاذ القرار. وبالنسبة إلى الناتو، يعني ذلك أن تكون قواته المسلحة قادرة على فهم الموقف، واتخاذ القرار، والتحرك بسرعة وكفاءة أكبر من الخصم. ولم يعد الأمر يتعلق بالتفوق المادي وحده، إذ تقوم هذه العقيدة على ثلاثة ركائز: السيطرة على البيانات: عبر الدمج الفوري للبيانات الواردة من الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة والرادارات والمصادر السيبرانية، وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي. تسريع دورة القيادة والسيطرة: من خلال «المحاكاة الحربية الرقمية» (Wargaming)، وهي محاكاة استراتيجية تضع فرقًا بشرية أمام سيناريوهات شديدة الواقعية، بما يسمح باختبار الخطط من دون مخاطر فعلية، وكشف الثغرات اللوجستية والتكتيكية، فيما يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل كل قرار لتقديم مؤشرات مفيدة إلى هيئات الأركان. الحماية من الحرب الإدراكية: عبر اتخاذ تدابير تهدف إلى حماية القادة والسكان من عمليات التلاعب والمعلومات المضللة. وفي هذا الإطار، بدأت تتبلور «سحابة القتال» (Warfighting Cloud)، وهي شبكة قتالية سحابية عابرة للأطلسي وقابلة للتشغيل البيني، تربط في الزمن الحقيقي جميع أجهزة الاستشعار التابعة للحلفاء. فالمقاتلات والسفن والرادارات الأرضية ومنظومات الأقمار الاصطناعية تدمج بياناتها لتوفير رؤية فورية وشاملة لساحة المعركة. وقد أقرّ الإعلان الختامي للقمة دمج نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي في تخطيط العمليات وتنفيذها. أما الهدف فهو واضح: تقليص زمن اتخاذ القرار بحيث يتمكن الناتو من الاستجابة بسرعة أكبر من خصومه في مواجهة تهديدات تزداد تعقيدًا وتسارعًا. قطاع صناعي قياسي: أواكس و«درون إدج» أظهر الجانب الصناعي من القمة حيوية غير مسبوقة، مع توقيع عقود تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار في يوم واحد. ويجسد إعلانان رئيسيان هذا التوجه نحو التحديث. أولًا، استبدال أسطول طائرات الإنذار المبكر الأمريكية «أواكس» (AWACS) الذي بات متقادمًا. وقد اختار الناتو نظام GlobalEye الذي تطوره شركة «ساب» السويدية. ويحمل هذا القرار أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يُعد «غلوبال آي» من بين الأنظمة القليلة القادرة على كشف وتتبع التهديدات الجديدة المتمثلة في الصواريخ فرط الصوتية، التي أصبحت مصدر قلق رئيسيًا للأمن الأوروبي. ثانيًا، إطلاق مبادرة «NATO's Drone Edge» بميزانية ضخمة تبلغ 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات. ويهدف هذا البرنامج إلى شراء أنظمة مستقلة وغير مأهولة في مختلف المجالات، تشمل الطائرات المسيّرة، والمسيّرات البحرية، والروبوتات البرية. وفي هذا السياق، أكد الحلف بالفعل شراء طائرات الاستطلاع المسيّرة عالية الارتفاع «ترايتون» (Triton) من شركة Northrop Grumman الأمريكية، بما يعزز مراقبة الحدود والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. الانكفاء الأميركي والاستقلالية الأوروبية بدأ البنتاغون تنفيذ انسحاب مادي جزئي من القارة الأوروبية، انسجامًا مع استراتيجية الأمن الأميركية التي أُعلنت أواخر عام 2025. فقد سحبت الولايات المتحدة واحدة من حاملتي الطائرات المخصصتين لمنطقة الناتو. كما سحبت قاذفة استراتيجية واحدة من أصل اثنتين، وخفضت ثلث أسطولها من مقاتلات F-15 المنتشرة في أوروبا، إضافة إلى تقليص عدد طائرات Reaper المسيّرة، الأساسية في مهام المراقبة، إلى النصف. ويفرض هذا الانسحاب عمليًا على الدول الأوروبية تولي مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها. وهذا هو جوهر «الناتو 3.0»: تحالف لم يعد الأوروبيون وكندا وتركيا فيه مجرد شركاء من الدرجة الثانية، بل أصبحوا ركائز الدفاع الجماعي، ولا سيما في مواجهة التهديدات التقليدية على الأراضي الأوروبية، فضلًا عن التهديدات الأخرى على الجناح الجنوبي للحلف. بيان ختامي عالي الكثافة يعيد «إعلان أنقرة» التأكيد على المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تنص على أن «أي اعتداء على أحد الحلفاء يُعد اعتداءً على الجميع»، مع التشديد في الوقت نفسه على دعم أوكرانيا والاستعداد لحروب عالية الكثافة. وخلال عام 2026، سيخصص الحلفاء، ومعظمهم من الدول الأوروبية، 70 مليار يورو لتجهيز القوات الأوكرانية وتدريبها، مع التزام بتجديد هذا الدعم في عام 2027. كما يتناول الإعلان إيران، مؤكدًا أنها يجب ألا تمتلك السلاح النووي، ومطالبًا باحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز. وبذلك يعيد «الناتو 3.0» تركيز الحلف على الردع والدفاع. وبين الابتكارات التكنولوجية، والأدوات المالية السيادية، وتزايد مسؤولية الأوروبيين في ظل الانسحاب الأميركي الجزئي، يستعد الناتو لمواجهات ستكون فيها البيانات والاستقلالية عاملَي الحسم. تركيا الرابح الأكبر في القمة... ولكن خرجت تركيا من القمة بوصفها أحد أبرز المستفيدين من «الناتو 3.0»، بعدما حققت مكاسب دبلوماسية وصناعية مهمة، وإن لم تنجح في تحقيق جميع طموحاتها. وبصفتها الدولة المضيفة للقمة، عززت مكانتها كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وانضمت إلى الدول التسع المؤسسة لـ«بنك الدفاع والصمود» الجديد، الذي يدير أصولًا بقيمة 134 مليار دولار، ما يوفر رافعة محتملة لصناعاتها الدفاعية. كما أن التركيز على مبادرة «Drone Edge» البالغة قيمتها 40 مليار دولار، ودمج الذكاء الاصطناعي، يؤكدان صواب استراتيجيتها القائمة على الأنظمة المستقلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، ويضعان شركاتها في موقع الشريك الأساسي داخل الحلف. من جهة أخرى، وافقت واشنطن على بيع محركات مخصصة للمقاتلة التركية المستقبلية Kaan ، في صفقة تُقدّر قيمتها بنحو 700 مليون دولار. ومع ذلك، ورغم التحول الدبلوماسي الذي يميل إلى رفع القيود تدريجيًا عن بيع المكونات العسكرية الغربية ومقاتلات F-35 الأميركية لتركيا، فإن رفع الفيتو الذي يفرضه الكونغرس الأميركي لا يزال شرطًا أساسيًا لتحويل هذه التوجهات إلى واقع.

"الناتو 3.0": صحوة العملاق العثماني وإعادة توازن التحالفات (1/2)

تحوّلت أنقرة، في 8 تموز 2026، إلى مسرحٍ لمنعطفٍ إستراتيجي حاسم في مسار الدفاع الجماعي الأوروبي والأطلسي. فمع انطلاق أعمال القمة التي تستمر 48 ساعة في قصر "بيشتيبي" الرئاسي برئاسة رجب طيب أردوغان، يُرفع الستار رسميّاً عمّا بات يصفه مسؤولون ومحللون بـ"حلف شمال الأطلسي 3.0". ويتجاوز هذا الحدث الإطار البروتوكولي المعتاد، ليعيد توجيه الأولويات المؤسسية للحلف في مواجهة تحديات متعددة، أبرزها الحرب المستمرة في أوكرانيا، والمواجهة الكامنة مع إيران، وخطر الإرهاب المحتمل، فضلًا عن القلق المتنامي من موجات الهجرة. تأتي هذه التحولات في لحظة تتجه فيها السياسة الأميركية نحو إعطاء الأولوية للداخل الأميركي بدلاً من أوروبا والشرق الأوسط. وفي لعبة التوازنات هذه، تبرز تركيا كلاعب محوري قادر على أداء دور الوسيط، وتوسيع حضورها الإقليمي، وإعادة ضبط الأولويات الأمنية الأوروبية والأطلسية. ومن شأن هذه القمة أن تعيد تحديد وسائل الحلف وأهدافه على حد سواء. "الناتو 3.0".. فرصة سانحة للقوة التركية وبات يُنظر اليوم إلى مسار تطور الحلف من منظور ثلاث حقبٍ كبرى: "الناتو 1.0" التي جسّدت مرحلة الحرب الباردة، و"الناتو 2.0" التي تميزت بالتدخلات العسكرية في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر). واليوم، تأتي حقبة "الناتو 3.0" – وهو المصطلح الذي روّج له وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث – لتعيد صياغة الأولويات؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على الالتفات شرقًا نحو السهول الأوكرانية وروسيا، بل يتعداه إلى دمج الجناح الجنوبي للحلف. وهو ما شدّد عليه الأمين العام مارك روته، إذ رأى أن على الحلف أن يعرف كيف يدير، في آن واحد، تهديداً قارياً في الشرق (روسيا) وحالة من عدم الاستقرار الهجين (الإرهاب وأزمات الهجرة) في الجنوب، لا سيما في البحر الأسود والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويُعد هذا التحول انتصاراً دبلوماسياً لأردوغان، الذي نجح في دفع حلفائه إلى الإقرار بأن أمن أوروبا يُصنع عند مضيق البوسفور تماماً كما يُصنع في وارسو. "واجهة" أنقرة التكنولوجية بالنسبة إلى أردوغان، تشكّل هذه القمة، قبل كل شيء، استعراضاً لقوة بلاده في مجال التصنيع العسكري؛ إذ إن التقدم التكنولوجي الذي أحرزته تركيا يعزز ثقلها الجيوسياسي على الساحتين الإقليمية والدولية. وعبر إدراج منتدىً صناعي في جدول أعمال قمة "الناتو"، يُسلط أردوغان الضوء على قدرات 3500 شركة دفاعية تركية. فلم تعد تركيا تلك الدولة التي تكتفي بطلب العتاد العسكري – مثل منظومات الدفاع الجوي أو المقاتلات من الجيل الخامس – بل أصبحت تعرض أيضاً طائراتها المسيّرة من طراز "بيرقدار" (التي أثبتت جدارتها في الميدان الأوكراني)، ومدرعاتها، وأنظمتها الدفاعية الإلكترونية. تُبرز هذه "الواجهة" حقيقةً بدأت تتضح معالمها منذ عقدين: عودة تركيا القوية إلى الواجهة بعد قرنٍ من الأفول. ومع ذلك، فإن انعقاد هذه القمة في أنقرة أثار انتقادات لاذعة من منظمات غير حكومية تنديداً بالقمع الداخلي؛ إذ أُفيد عن تنفيذ أكثر من 200 اعتقال وقائي شمل معارضين وناشطين عشية انطلاق القمة، في خطوة تُذكّر بأن للاستقرار التركي ثمناً سياسياً باهظاً. المطلب التركي برفع القيود تحمل أنقرة إلى هذه القمة شروطاً ومطالب واضحة؛ يأتي في مقدمتها رفع القيود التجارية المفروضة داخل حلف شمال الأطلسي نفسه. إذ لا تزال دول غربية عدة، ومن بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، تبقي على حظرٍ فعلي يطال مكونات حيوية وحساسة لا غنى عنها لصناعة الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع التركية. وهذه العقبات، التي فُرضت في أعقاب شراء تركيا صواريخ "إس-400" الروسية وتنفيذها عمليات عسكرية ضد الأكراد في سوريا، تضيّق الخناق على قطاع التصنيع السيادي في الأناضول. وفي حين يصف أردوغان هذه الإجراءات بالمجحفة، فإن عمالقة الصناعة التركية – مثل شركة "بايكار" المصنّعة للمسيّرات الهجومية ومنها "بيرقدار"، والشركة التركية لصناعات الفضاء (TAI) المنتجة للمقاتلات والمروحيات الهجومية – يجدون أنفسهم في حاجة حيوية لاستيراد محركات ومكونات غربية محددة، للوفاء بدفاتر طلبياتها الضخمة، ولا سيما لإنجاز مقاتلة الجيل الخامس التركية "قآن" (KAAN). الكباش الصناعي: برنامج "سيف" ومنظومة "سامب/تي" يتعلق المطلب التركي الثاني ببرنامج "سيف" (SAFE – مبادرة العمل الأمني من أجل أوروبا). تهدف هذه الآلية المالية التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي استُحدثت في أيار 2025 بميزانية تبلغ 150 مليار يورو، إلى دعم المشتريات الجماعية للأسلحة وتطوير الصناعات العسكرية الأوروبية بحلول عام 2030. وحتى الآن، لا تزال تركيا مستثناة من هذا البرنامج بسبب عدم اصطفافها الصارم خلف السياسة الخارجية الأوروبية؛ وهو استبعاد يصفه أردوغان بالتمييزي قائلاً: "لا يمكن لأوروبا أن تقاسم أعباء الدفاع إذا كانت تستثني ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من ميزانياتها التكنولوجية". أما الملف الثالث فهو الأكثر تعقيداً، ويتمثل في منظومة الصواريخ الفرنسية-الإيطالية "سامب/تي" (SAMP/T)، وهي منظومة أرض-جو متوسطة المدى. تُعد هذه المنظومة المعادل الأوروبي لصواريخ "باتريوت" الأمريكية، التي فرضت واشنطن قيوداً على بيعها لأنقرة بعد شرائها منظومة "إس-400". وتتميز "سامب/تي" بأنها منظومة مضادة للصواريخ وللطائرات، ذاتية الحركة، متوسطة إلى بعيدة المدى، وتعمل بنظام أتمتة عالٍ ومن الجيل الأحدث. وتسعى تركيا إلى الاستحواذ على تكنولوجيتها لبناء درعها الصاروخية الخاصة، المعروفة باسم "القبة الفولاذية" (Steel Dome). وفي حين أحدثت باريس وروما تحولاً استراتيجياً بفتح الباب أمام مفاوضات التوريد، فإن نقطة الخلاف تظل صناعية وتكنولوجية؛ إذ تطالب أنقرة بنقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك على أراضيها، وترفض الاكتفاء برخصة شراء بسيطة. في المقابل، تتوخى فرنسا وإيطاليا الحذر، وتطالبان بضمانات صارمة بشأن الملكية الفكرية وعدم التداخل مع منظومة "إس-400" الروسية. التناغم بين ترامب وأردوغان في مواجهة فيتو الكونغرس تُشكّل القمة أيضاً مسرحاً لـ "دبلوماسية الصداقة" بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان؛ إذ لا يخفي الرئيس الأمريكي إعجابه بالزعيم التركي "الصلب". وقد أتاحت هذه العلاقة الشخصية تحريك ملف مقاتلات "إف-35" (F-35)، حيث يمثّل الإعلان الوشيك من جانب ترامب عن إعادة دمج تركيا في هذا البرنامج تحولاً جيوسياسياً بارزاً. فبعد استبعادها منه عام 2019 عقب شرائها صواريخ "إس-400" الروسية، تشهد العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة حالياً انفراجة واضحة، يتجلى أحد مؤشراتها في مشروع أمريكي لبيع محركات لمقاتلتها "قآن" (KAAN)، في صفقة تبلغ قيمتها 700 مليون دولار. ومع ذلك، يصرّ الكونغرس الأمريكي على تفعيل الفيتو القانوني الذي يحظر تسليم مقاتلات "إف-35" – رغم سداد ثمنها والمخزّنة في الولايات المتحدة – طالما تملك تركيا التكنولوجيا الروسية لصواريخ "إس-400"، والتي تُصنّف بأنها تهدد تقنية الشبحية للمقاتلة الأمريكية. ولتجاوز هذا المأزق، تدرس واشنطن مقترحاً يقضي بإعادة بيع منظومة "إس-400" التركية إلى طرف ثالث محايد، مثل كوريا الجنوبية. ومن شأن هذا التقارب أن يعيد ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط وأوروبا، وهو ما يفسر المعارضة الشديدة من جانب إسرائيل واليونان، اللتين تضغطان على واشنطن لتعطيل هذه الصفقة. حاجز البحر الأسود أنقرة حارسة المضائق: منذ عام 2022، تحول البحر الأسود إلى مسرح لمواجهة عسكرية مباشرة، مما تسبب في اضطراب ممرات الحبوب والطاقة العالمية. وبصفتها الدولة المضيفة لقمة حلف شمال الأطلسي، تعيد تركيا تأكيد دورها كحارس سيادي لمضيقي البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو (1936)، وتستخدمها لتقييد وصول السفن الحربية التابعة للدول غير المطلة على البحر الأسود. هذا الموقف يجبر الحلف على إعادة التفكير في وجوده البحري، ويضع أنقرة في موقع "الشرطي" الذي لا غنى عنه في حوض استراتيجي، مغلق و بالغ الحساسية. مجموعة العمل (MCM) والدفاع المشترك في البحر الأسود: في مواجهة العسكرة المتزايدة لشبه جزيرة القرم ونشر منظومات الصواريخ الساحلية الروسية، شكّل "الناتو" قوة ثلاثية – تضم تركيا ورومانيا وبلغاريا – دخلت حيز التنفيذ منذ تموز 2024، وهي "مجموعة العمل لمكافحة الألغام البحرية في البحر الأسود (MCM - Mine Countermeasures Black Sea Task Group). وتتمثل مهمتها الأساسية في تأمين البحر الأسود ضد الألغام العائمة وتخريب البنى التحتية البحرية الحيوية. وتؤدي تركيا دوراً محورياً في هذه المجموعة من خلال تأمين دوريات منتظمة لحماية الجناح الشرقي للحلف، مع الالتزام باتفاقية مونترو، وهو توازن جوهري للحفاظ على الاستقرار وتجنب صدام مفتوح مع موسكو.

 حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (11)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يوليو 5, 2026 - 01:56

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهمٍ أفضل للوضع الراهن على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيدًا من الخطابات الانفعالية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الخلاصات التي تفرض نفسها. وقد تناولت الأجزاء العشرة السابقة إعادة قراءة للأحداث المتصلة بتصاعد قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف، مرورًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في أيار/مايو 2000، وصولًا إلى حرب 2006 وتداعياتها. أمرَت حكومة فؤاد السنيورة، في 16 آب/أغسطس 2006، بنشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان، وهو المعروف بتسميته الدولية بـ«القوات المسلحة اللبنانية»، وكان يقوده آنذاك العماد ميشال سليمان. وقد بدأ هذا الانتشار، وهو الأول منذ عام 1968، فورًا فجر 17 آب/أغسطس، عبر عبور نهر الليطاني بواسطة جسور معدنية عسكرية وأخرى موقتة، بعدما دُمّرت الجسور الثابتة بفعل القصف الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنّ القوات المسلحة اللبنانية كانت أقل تجهيزًا بكثير مما هي عليه اليوم، وكان عدد جنودها أدنى بكثير، فإن هذا الانتشار السريع شكّل منعطفًا تاريخيًا، إذ أعاد، للمرة الأولى منذ عام 1968، الحضور العسكري للدولة إلى جنوب الليطاني، وهي المنطقة التي كان حزب الله يسيطر عليها منذ عام 2000. وقد أقرّ مجلس الوزراء العملية في 7 آب/أغسطس، وأُدرجت في إطار القرار 1701، على أن يبلغ عديد القوات اللبنانية المنتشرة حدًا أقصى قدره 15000 جندي، بدعم من اليونيفيل التي عُزّزت بدورها وارتفع عدد أفرادها من 4000 إلى 15000 عنصر. تفاصيل الانتشار نشرت القوات المسلحة اللبنانية سريعًا قوة أولية قوامها 9500 جندي في الأسابيع الأولى، جنوب الليطاني. وبسبب نقص العسكريين، جرى استدعاء 5000 من الاحتياط لسدّ النقص في العديد. وتألّفت القوات المنتشرة من أربعة ألوية مشاة، ولا سيما الألوية السادس والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، معززة ومدعومة في المرحلة الأولى بفوج المغاوير، وأفواج مستقلة، ومفارز من فوج الهندسة. وشملت مرحلة المناورة التي افتتحت الانتشار تأمينًا تدريجيًا للطرق الرئيسية والمدن الأساسية، ولا سيما مرجعيون وصور والنبطية وبنت جبيل، وفق جدول زمني ضاغط. وقد نُفّذ عبور الليطاني والتمركز التكتيكي الأول في 17 آب/أغسطس، ثم تواصلت السيطرة التدريجية على أبرز عقد المواصلات حتى نهاية آب/أغسطس. وأُنجز الانتشار رسميًا في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2006، بالتزامن مع الانسحاب شبه الكامل للقوات الإسرائيلية، باستثناء القطاع المتنازع عليه في الغجر، وهو في الواقع قرية سورية من الجولان المحتل، وسكانها إما سوريون أو عديمو الجنسية لا يملكون هوية، وقد وسّعوا قريتهم بصورة غير قانونية منذ عام 1975 داخل الأراضي اللبنانية. كان هذا الانسحاب الإسرائيلي الثاني بعد انسحاب عام 2000. وعلى المستوى البنيوي، أنشأ الجيش اللبناني قيادة مخصصة للمنطقة الواقعة جنوب الليطاني، لم تكن موجودة قبل آب/أغسطس 2006. وقد اتخذ مركز قيادتها بدايةً في صور، ثم نُقل إلى ثكنة مرجعيون، لتتولى التخطيط التكتيكي واللوجستي وسلسلة القيادة المحلية. وجرى التعاون العملياتي بتنسيق وثيق مع اليونيفيل، إذ كان تموضع القوات المسلحة اللبنانية في النقاط المحددة يتم تباعًا، مع تحقق قوات حفظ السلام من الانسحاب الإسرائيلي من تلك النقاط. وكانت المهمات اللوجستية والأمنية مكثفة: فقد نشرت وحدات الهندسة جسور «بايلي» قدّمها لها المملكة المتحدة لعبور الليطاني، ونفذت عمليات إزالة الألغام من الطرق، وعالجت الذخائر غير المنفجرة، وأمّنت المداخل، فيما أقيمت عشرات الحواجز الثابتة والمتحركة على مختلف الطرق المؤدية إلى الجنوب لمراقبة حركة المركبات والأشخاص. وكان الهدف السياسي والعملياتي المعلن واضحًا: استعادة سيادة الدولة اللبنانية على المنطقة وتأكيدها، ومنع أي سلطة موازية، والقيام، وفقًا للمهمة الموكلة، بمصادرة الأسلحة غير الشرعية أو الظاهرة جنوب الليطاني. أثارت هذه المهمة آمالًا كبيرة، لكنها كانت تنذر أيضًا بتوترات متوقعة على الأرض بشأن وضع سلاح حزب الله والتنفيذ الفعلي لحصرية السلاح بيد الدولة. التسوية بين الدولة والحزب ودور إميل لحود منذ تسعينيات القرن الماضي، حين كان قائدًا للجيش، ثم رئيسًا للجمهورية في عام 2006، أدّى إميل لحود دورًا محوريًا في تحصين ترسانة حزب الله، بوصفه الضامن المؤسسي والعسكري والقانوني الأبرز لعدم نزع سلاحه، جاعلًا من ترسانته غير الشرعية، أيًا تكن المقاربة، عنصرًا يُقدَّم على أنه مكمّل للقدرات المحدودة المزعومة للقوات المسلحة اللبنانية. فمنذ أن أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار 1559 عام 2004، مطالبًا بنزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية، بما فيها الميليشيا الموالية لإيران، أقام إميل لحود غطاءً مؤسسيًا يحول دون أي تطبيق يستهدف حزب الله. ومستفيدًا من ولايته الرئاسية التي مُدّدت بفعل الإملاء السوري وحده، استخدم إميل لحود، أمام استحالة إيجاد وضع قانوني لحزب الله، منبره ليعلن أن القرار لا ينطبق على الحزب الموالي لإيران، واصفًا إياه بـ«حركة تحرير وطني» و«مقاومة»، لا بميليشيا، مانحًا إياه بذلك قدرًا من الشرعية. وقد عطّل هذا التموضع محاولات إدارية وعسكرية لحصر أسلحة الحزب أو مصادرتها، ومنع أي تنفيذ قسري لنزع سلاحه. وخلال حرب تموز/يوليو 2006 والمداولات الحكومية حول القرار 1701، برز لحود مدافعًا متشددًا عن المصالح الاستراتيجية لحزب الله في قمة الدولة، على الرغم من أن الحكومة القائمة آنذاك كانت تاريخية: فقد كانت أول حكومة تُشكَّل بعد انتهاء ثلاثين عامًا من الاحتلال السوري للبنان، كما كانت أول حكومة تضم وزراء من حزب الله إلى جانب وزراء مناهضين لسوريا، باعتبارها حكومة وحدة وطنية. وكان رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، المنتمي إلى ائتلاف 14 آذار السيادي، الذي كان يملك غالبية الوزراء الأربعة والعشرين. كما ضمّت الحكومة خمسة وزراء من ائتلاف حزب الله وحركة أمل برئاسة نبيه بري، إلى جانب وزراء آخرين قريبين من إميل لحود. وخلال الجلسات المتوترة لمجلس الوزراء في آب/أغسطس 2006، في وقت كان فيه فريق الأكثرية الحكومية يسعى إلى الحصول على تفويض واضح للجيش كي يصادر السلاح جنوب الليطاني، وضع لحود خطًا أحمر مطلقًا. وتحت ضغطه، الذي نقله الوزراء القريبون منه والوزراء الخمسة التابعون لائتلاف حزب الله - أمل، أقرّت الحكومة تسوية عملياتية حملت عنوان «عقيدة اللامرئية». وبموجب هذه العقيدة، كان يمكن للجيش أن ينتشر في الجنوب، ولكن من دون القيام بتفتيش منهجي للممتلكات الخاصة، ولا بنزع قسري للسلاح ما دامت الأسلحة غير ظاهرة في العلن. وقد أدى ذلك عمليًا إلى إجهاض تطبيق القرار 1701 منذ البداية، وزرع بذور النزاع المقبل. وبصفته رئيسًا للجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة اللبنانية، حرص لحود على ألا تتضمن الأوامر الموجهة إلى قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، أي مهمة لمصادرة مخابئ السلاح، ضامنًا بذلك بقاء البنية العسكرية لحزب الله، التي كانت غالبًا تحت الأرض أو مخفية، على حالها. وبقوة الدعم السوري، الذي ظل مؤثرًا في لبنان على الرغم من انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، وفّر إميل لحود لحزب الله «مظلة دولتيّة» شملت ليس فقط حماية سياسية، بل أيضًا غطاءً خطابيًا. وقد استخدم لحود قدرته على التعطيل المؤسسي بما أتاح للحزب الموالي لإيران أن يحافظ، في مرحلة أولى، ثم خلال العقد التالي، على ترسانته وأن يعززها ويوسعها، من دون أن يخشى تدخل الجهاز الأمني اللبناني. وكان من نتائج هذه الاستراتيجية ترسيخ دور حزب الله على المدى الطويل، تحت غطاء خطاب الدفاع الوطني والحفاظ على الترسانة غير الشرعية، التي باتت تُصوَّر كعنصر مقبول، إن لم يكن مشروعًا، في المشهد الاستراتيجي اللبناني. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يونيو 22, 2026 - 15:05

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات العاطفية والأيديولوجية والرومانسية التي تتجاهل الحقائق، تاركةً للقارئ حرية استخلاص النتائج المناسبة. تناولت الأجزاء التسعة السابقة إعادةَ قراءة الأحداث المتعلقة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف، مروراً بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في مايو 2000، وقيام "حزب اللهستان" في الجنوب، وصولاً إلى حرب 2006. أما هذا المقال، فيتناول دروس حرب 2006 وتداعياتها. في عملية "الوعد الصادق" (المسمى الذي أُطلق على حرب يوليو 2006)، اتبع حزب الله أساليب قتالية مرتكزة على مفهوم الحرب غير المتماثلة الهجينة، إذ مزج بمهارة بين حرب العصابات التقليدية، والاستخدام الواسع للصواريخ المضادة للدروع من الجيل المتقدم ذات التأثير المزدوج، والدفاع بالعمق على امتداد المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وجزء من شماله. وفي صلب هذا الهيكل العسكري، برزت تكتيكات ما بات يُعرف بـ"المحميات الطبيعية"، وهي شبكة معقدة من الأنفاق والمخابئ المدفونة في باطن الأرض، بعيداً عن أعين سلاح الجو الإسرائيلي، مع شنّ الكمائن في الوقت ذاته. وهو أسلوب دفاعي مستوحى من تكتيكات الفيتكونغ والجيش الفيتنامي الشمالي إبان حربهم مع الولايات المتحدة (1964-1973)، حين كانت الأخيرة تتمتع بتفوق جوي لا جدال فيه. أجاد الجماعة الموالية لإيران توظيفَ صواريخ مضادة للدروع من الجيل الرابع، كما أُشير إلى ذلك سابقاً. وفي الوقت نفسه، حافظ على ضغط متواصل لم يهدأ على شمال إسرائيل، الذي ظل شبه مشلول طوال فترة الحرب جراء الإطلاق اليومي لصواريخ الكاتيوشا (نحو 4000 صاروخ بمعدل 100 إلى 120 صاروخ يومياً)، انطلاقاً من منصات متحركة مموّهة. فضلاً عن ذلك، لم يكن مقاتلو الميليشيا الإسلامية بحاجة إلى خطوط إمداد لوجستية، إذ كانت الأسلحة والذخائر والمؤن ووسائل الصمود متوفرة بوفرة في الأنفاق الجوفية التي جرى تخزينها على مدى ست سنوات، ولم تمتد الحرب سوى 33 يوماً. وأخيراً، خاض حزب الله حرباً إعلامية شرسة؛ إذ كانت قناة المنار تبث خطابات حسن نصر الله التي اتخذ منها سلاحاً نفسياً لرفع معنويات أنصاره وزعزعة الرأي العام الإسرائيلي. وفي هذا السياق، وعلى سبيل المثال، شنّ مقاتلو الحزب في 14 يوليو 2006 هجوماً على سفينة حربية إسرائيلية قبالة بيروت، باستخدام صاروخ بحري موجّه صيني من طراز C802 Silkworm زوّدته به إيران، مما أربك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وأوقعها في مفاجأة كاملة. أودى الاصطدام بحياة أربعة بحارة. وشكّل هذا الحادث مفاجأة تكتيكية كبرى، إذ لم تكن أنظمة الدفاع الآلي للسفينة في وضع التشغيل، لأن القيادة كانت تستبعد أي تهديد بصواريخ مضادة للسفن. وفي خطاب مباشر عبر الراديو، دعا حسن نصر الله اللبنانيين إلى التطلع نحو البحر لمشاهدة السفينة وهي تشتعل، مما شكّل منعطفاً حاسماً في الحرب النفسية خلال هذا النزاع. ملخص التكتيكات الإسرائيلية في المقابل، اعتمد الجيش الإسرائيلي استراتيجية محورها التفوق الجوي والتقنيات المتقدمة في تلك المرحلة وعمليات الضربات الدقيقة. غير أنه أبدى تردداً واضحاً في شنّ هجوم بري واسع النطاق، في محاولة على الأرجح لاستنساخ نموذج حرب الخليج الثانية عام 1991، حين شنّت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة جوية مطوّلة ومكثفة قبل التقدم براً في عملية "عاصفة الصحراء". وقد أخفق رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، وهو طيار مقاتل في الأصل، في تكييف استراتيجيته مع المعطيات الميدانية اللبنانية الجديدة التي فرضها حزب الله. تمكّن الطيران الإسرائيلي من تدمير ما يقارب الجزء الأكبر من صواريخ حزب الله بعيدة المدى (فجر والزلزال) منذ الساعات الأولى للنزاع، إلى جانب عدد كبير من منصات إطلاق الصواريخ ومراكز قيادة حزب الله ومستودعات الذخيرة. كما نجح في عزل جنوب لبنان بتدمير الجسور والطرق الاستراتيجية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى العملية الناجحة للكوماندوز في العمق اللبناني، لا سيما عملية بعلبك في الثاني من أغسطس 2006، حيث سيطرت وحدة خاصة إسرائيلية على مستشفى وأسفرت عن مقتل 10 مقاتلين من حزب الله و6 مدنيين، فضلاً عن اعتقال عدد من المدنيين الذين أُفرج عنهم لاحقاً. أما على صعيد العمليات البرية، فلم يتحقق التقدم نحو نهر الليطاني إلا بصورة جزئية. نجحت وحدات النخبة في اختراق بعض المناطق، لكنها عجزت عن بسط سيطرة فعلية على الضفة الجنوبية للنهر قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الرابع عشر من أغسطس. وقد شكّل عجز المشاة والمدرعات عن تأمين الأرض في مواجهة صواريخ مضادة للدروع وإيقاف قصف الصواريخ على شمال إسرائيل الإخفاق الاستراتيجي الأبرز في هذه الحرب. أما الخسائر في المعدات العسكرية، فبالإضافة إلى دبابات ميركافا والسفينة التي تضررت، فقد أُسقطت طائرة هليكوبتر بصاروخ مضاد للدروع، وتضررت طائرتان أخريان جراء تصادمهما، فضلاً عن عدد من الطائرات المسيّرة. وقد كانت هذه الحرب الحدثَ الذي أنهى المسيرة العسكرية لرئيس الأركان دان حالوتس، الذي بات اليوم (2026) من أشد المعارضين لنتنياهو، إذ يتصدر المشهد في الشارع قائداً للمتظاهرين ضد رئيس الوزراء. حصيلة حرب الثلاثة والثلاثين يوماً على الجانب اللبناني، يُقدَّر عدد القتلى بنحو 1100 مدني، و43 عسكرياً وعنصراً من قوى الأمن اللبناني رغم عدم انخراطهم في القتال، و5 جنود من قوات الأمم المتحدة، وما بين 250 و600 مقاتل من حزب الله، و31 من المسلحين الحلفاء للحزب، إضافة إلى 52 مدنياً من جنسيات أجنبية. في صفوف الإسرائيليين، بلغ عدد القتلى 165 شخصاً من بينهم 119 جندياً. وعلى صعيد الخسائر المادية اللبنانية، بلغ عدد الوحدات السكنية التي دُمِّرت كلياً أو جزئياً في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت نحو 30,000 وحدة، علاوة على الجسور والطرق والبنية التحتية؛ وقد قُدِّرت الأضرار الإجمالية بما بين 5 و7 مليارات دولار. وبلغ عدد النازحين نحو 685,000 شخص باتجاه بيروت وجبل لبنان، و200,000 آخرين نحو سوريا، في حين تراوح عدد نازحي شمال إسرائيل بين 300,000 و500,000 شخص. نهاية النزاع: القرار 1701 أُسدل الستار على النزاع في الرابع عشر من أغسطس 2006 إثر صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي. وكانت إسرائيل تحتل آنذاك منطقة عازلة تتراوح عمقاً بين 10 و30 كيلومتراً شمال الخط الأزرق. وفور الإعلان عن وقف إطلاق النار، وعلى الرغم من الطرق المدمرة، عاد النازحون بأعداد كبيرة إلى قراهم في الجنوب. وكانت تلك المرة الرابعة التي يعود فيها النازحون إلى جنوب لبنان، لا بفعل تحرير الأرض بالقوة، بل نتيجة ضغوط دولية ظل إيران وحزب الله يُعوِّلان عليها دوماً، كما جرى عام 1993 و1996 و2000، وهي ضغوط تهدف إلى استقرار الشرق الأوسط عبر تسويات مؤقتة في كل مرة. سعى القرار 1701 إلى إنشاء "منطقة أمنية" في جنوب لبنان بين الخط الأزرق ونهر الليطاني الواقع على بُعد نحو 30 كيلومتراً إلى الشمال. غير أن تطبيقه جاء انتقائياً وقاصراً، مما أفضى إلى الوضع القائم حالياً. وللمرة الأولى منذ قرابة ثلاثين عاماً، انتشر الجيش اللبناني بقوام 15,000 جندي على امتداد الحدود الجنوبية، مرسِّخاً مبدأ سيادة الدولة، على النقيض من خطاب رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود الذي رفض باستمرار نشر الجيش في الجنوب تاركاً تلك المنطقة تحت سيطرة حزب الله. وفقاً للقرار 1701 أيضاً، انسحب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها خلال هجومه البري، وجرى تعزيز قوات اليونيفيل تعزيزاً ملحوظاً، إذ ارتفع عدد جنودها من 3000 إلى ما يقارب 10,000 جندي، مع توسيع صلاحياتها لمراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الجيش اللبناني في تطبيق القرار. غير أن شيئاً من ذلك لم يتحقق على مدى السنوات السبع عشرة التي تلت ذلك. نصّ القرار 1701 على ألا يكون بين نهر الليطاني والحدود أي جماعة مسلحة سوى الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. إلا أن أطراف النفوذ داخل الحكومة اللبنانية آثرت الخضوع والاستسلام، في غياب أي رؤية استراتيجية، ودون أن تستثمر الضغوط الدولية لصالحها. وبالتنسيق معهم، قبل حزب الله سحب مسلحيه الذين يرتدون الزي العسكري وأسلحته الثقيلة الظاهرة، لكنه أبقى على حضوره السري بالكامل. فأعاد بناء شبكة أنفاقه وتحصيناته تحت الأرض، وجدّد ترسانته وطوّرها بصورة واسعة، لا سيما عشرات الآلاف من الصواريخ، وذلك على مرأى ومسمع من اليونيفيل، عبر سوريا التي شكّلت جسراً برياً بين لبنان وإيران. في المقابل، واصل الجيش الإسرائيلي انتهاكاته اليومية للأجواء اللبنانية، مدّعياً أن ذلك ضرورة لمراقبة أنشطة حزب الله في ظل غياب أي تطبيق فعلي لنزع السلاح. نجح القرار 1701 في الحفاظ على استقرار نسبي وتفادي حرب شاملة طوال 17 عاماً (حتى أكتوبر 2023)، إلا أنه لم يعالج قط جوهر المشكلة، المتمثل في الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يونيو 11, 2026 - 16:08

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم الوضع الحالي على ضوء الماضي، بعيدًا عن الخطابات العاطفية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الاستنتاجات التي يراها مناسبة. تناولت الأجزاء الثمانية السابقة إعادة قراءة للأحداث المرتبطة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف، مرورًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في مايو/أيار 2000، وإقامة ما يشبه «حزب الله لاند» في الجنوب، وصولًا إلى حرب عام 2006. ويتناول هذا المقال المرحلة اللاحقة لتلك الحرب. دارت معركة وادي الحجير، أو وادي السلوقي، في القطاع الأوسط من الحدود اللبنانية – الإسرائيلية بين 11 و13 أغسطس/آب 2006، وكانت من أكثر المواجهات كلفة بالنسبة للجيش الإسرائيلي. كان الهدف من العملية الإسرائيلية عبور وادي السلوقي باتجاه الشمال للوصول إلى نهر الليطاني قبل دخول وقف إطلاق النار المرتقب حيّز التنفيذ. ويُعد وادي السلوقي، المعروف أيضًا باسم وادي الحجير، ممرًا جبليًا ضيقًا وشديد الوعورة. وقد استخدم مقاتلو حزب الله فيه بكثافة صواريخ «كورنيت» المضادة للدروع، القادرة على اختراق التدريع المزدوج، انطلاقًا من مواقع كمائن منتشرة على المرتفعات والقرى المحيطة. وما إن دخلت دبابات «ميركافا» الإسرائيلية الوادي حتى تعرضت لنيران متقاطعة من هذه الصواريخ. كما أدى ضعف التنسيق في البداية بين قوات المشاة والوحدات المدرعة الإسرائيلية إلى ترك الدبابات دون حماية كافية في مواجهة رماة الصواريخ المختبئين. وكان من المفترض أن تؤمّن قوات المشاة تغطية لتقدم الدبابات عبر نيران الهاون لإعاقة عمل فرق الصواريخ المضادة للدروع، إلا أن ذلك لم يُنفذ بفعالية. وغالبًا ما يصف أنصار حزب الله هذه المعركة بأنها «مجزرة الميركافا». وقد بلغت الخسائر الإسرائيلية 33 قتيلًا وعشرات الجرحى، إضافة إلى إصابة نحو عشرين دبابة ميركافا، دُمّرت اثنتان منها. أما حزب الله فخسر نحو أربعين مقاتلًا. وفي نهاية المطاف، تمكن الجيش الإسرائيلي من عبور الوادي في 13 أغسطس/آب، إلا أن دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 14 أغسطس/آب 2006 أوقف أي تقدم إضافي. وعلى هذا المحور، كانت القوات الإسرائيلية قد اجتازت بلدة الغندورية وتوقفت شمالها على بعد بضعة كيلومترات فقط من نهر الليطاني، الذي كان هدفها الأساسي. استهداف الجسور والطرق والبنى التحتية خلال حرب 2006، استهدفت إسرائيل خلال 33 يومًا 109 جسور و130 طريقًا في مختلف أنحاء لبنان. وكان أحد الأهداف الرئيسية عزل جنوب لبنان تكتيكيًا عبر تدمير الجسور المقامة فوق نهر الليطاني، بما يقطع خطوط الاتصال بين الجنوب وبيروت. وقد هدفت هذه الخطوة إلى منع حزب الله من إرسال التعزيزات والذخائر والمعدات العسكرية إلى جبهة القتال. كما كانت لهذه السياسة غايتان إضافيتان: الأولى، منع حزب الله من نشر صواريخ ثقيلة في مناطق لبنانية خارج الجنوب. ومن الأمثلة على ذلك تدمير جسر يربط بعبدا ببيروت بعد مرور صاروخ مخبأ داخل حاوية بطول 40 قدمًا عبر هذا الجسر على طريق بعبدا – وادي شحرور. أما الثانية، فتمثلت في منع نقل الجنديين الإسرائيليين اللذين أُسرا في بداية الحرب إلى خارج البلاد، وذلك من خلال تدمير الجسور والطرق المؤدية إلى سوريا. كذلك استهدفت الغارات الإسرائيلية البنى التحتية الحيوية، بما فيها مطار رفيق الحريري الدولي ومحطة الجية الكهربائية، بهدف شل الاقتصاد اللبناني والضغط على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى نزع سلاح حزب الله. وأدى تدمير هذه المحاور إلى إعاقة وصول المساعدات الإنسانية بشكل كبير، ما حوّل العديد من بلدات الجنوب إلى مناطق معزولة. اندرجت هذه الاستراتيجية ضمن ما يُعرف بـ«عقيدة الضاحية» (Dahiya Doctrine)، وهي عقيدة عسكرية إسرائيلية في إطار حروب اللامتماثل، تقوم على استخدام قوة نارية هائلة وغير متناسبة ضد البنى التحتية المدنية في المناطق التي تُستخدم قاعدةً لحزب الله أو لحركة حماس أو لأي تنظيم مسلح آخر، ردًا على الهجمات التي تستهدف الأراضي الإسرائيلية. وقد بدأ تطبيق هذه المقاربة خلال حرب عام 2006، قبل أن يصوغها رسميًا عام 2008 الجنرال الإسرائيلي Gadi Eizenkot، رئيس الأركان الإسرائيلي لاحقًا. وتنطلق هذه العقيدة من اعتبار القرى أو الأحياء التي تُطلق منها الصواريخ أهدافًا عسكرية وليست مناطق مدنية. أسباب الإخفاقات التكتيكية الإسرائيلية كلفت الحكومة الإسرائيلية لجنة تحقيق رسمية برئاسة القاضي المتقاعد Eliyahu Winograd بدراسة الإخفاقات السياسية والعسكرية التي شهدتها الحرب ضد حزب الله عام 2006. وخلص التقرير النهائي للجنة إلى أن إسرائيل مُنيت بإخفاق استراتيجي وعسكري، مشيرًا إلى قصور في القيادة والإعداد والتخطيط. وعلى إثر ذلك، أعادت إسرائيل صياغة عقيدتها القتالية البرية، وسرّعت تطوير منظومة دفاع جوي قصيرة المدى عُرفت لاحقًا باسم Iron Dome (القبة الحديدية)، كما عمّمت استخدام منظومة الحماية النشطة Trophy على دباباتها وآلياتها المدرعة. ويقوم نظام «تروفي»، الذي بيع لاحقًا للجيش الأميركي، على اعتراض الصواريخ المضادة للدروع قبل وصولها إلى هيكل الدبابة. كشف تقرير وينوغراد عن هشاشة دبابة «ميركافا» أمام قذائف RPG-29 وصواريخ «كورنيت» و«ميتيس-إم» الدقيقة التابعة لحزب الله، وهي جميعها مزودة برؤوس حربية ترادفية (ثنائية الشحنة) قادرة على اختراق التدريع المزدوج للدبابة. ففي حين يعتمد التدريع الخارجي للميركافا على الدروع التفاعلية التي تنفجر لتشتيت الصواريخ التقليدية المضادة للدروع، تستطيع الرؤوس الترادفية تجاوز هذه الحماية واختراق الدبابة. وخلال حرب 2006 أصابت هذه الذخائر 52 دبابة ميركافا، ما أدى إلى مقتل 30 جنديًا إسرائيليًا. ومن بين هذه الدبابات: 5 دبابات دُمّرت بالكامل. 24 دبابة تعرضت لاختراق مباشر. 23 دبابة أصيبت بأضرار محدودة. وقد أُصلحت الدبابات الـ47 المتبقية وأُعيدت إلى الخدمة لاحقًا. دبابة ميركافا (تعني “مركبة” بالعبرية) خلال مناورات في صحراء النقب. (ا ف ب) إلا أن التقرير لم يعزُ هذه الخسائر إلى فعالية الصواريخ وحدها، بل أكد أن معظم الإصابات نتجت عن أخطاء تكتيكية ممنهجة في استخدام الدبابات. كما انتقد التقرير ضعف التنسيق بين سلاح الجو والقوات البرية والوحدات المدرعة، إضافة إلى النقص الكبير في تدريب قوات الاحتياط، التي لم تكن قد نفذت أي مناورات مدرعة طوال ست سنوات قبل الحرب. سابقة في التاريخ العسكري شكّل الاستخدام المكثف لقذائف RPG-29 وصواريخ «كورنيت» و«ميتيس-إم» ذات الرؤوس الترادفية نقطة تحول في التاريخ العسكري الحديث. فعلى الرغم من استخدام هذه الأسلحة بصورة محدودة خلال الحرب الشيشانية في تسعينيات القرن الماضي، وكذلك خلال حرب العراق عام 2003 ضد القوات الأميركية، فإن حرب 2006 كشفت للمرة الأولى فعالية استخدامها بشكل واسع من قبل ميليشيا مسلحة ضد دبابات مزودة بدروع تفاعلية متطورة. علاوة على ذلك، أظهرت التكتيكات المتقدمة التي اعتمدها حزب الله، والاستعدادات التي سبقت الحرب، حجم الانخراط الإيراني في لبنان، وقدمت مثالًا بارزًا على أساليب القتال في الحروب غير المتكافئة. ومن المرجح أن القوات الأوكرانية استفادت من دروس هذه الحرب، إذ إن التكتيكات التي استخدمتها خلال الأسابيع الأولى من الهجوم الروسي عام 2022 تشابهت في جوانب عديدة مع تلك التي اعتمدها حزب الله عام 2006، مع فارق أن الصواريخ المضادة للدروع المستخدمة كانت غربية الصنع، مثل صواريخ «جافلين» (المكافئة تقريبًا لـ«كورنيت») و«إن لاو» (المكافئة تقريبًا لـ«ميتيس-إم»). إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

/