
يشرح هذا المقال الأول من سلسلة من أربعة مقالات مخصصة لـ«ميثاق مكة» كيف قطعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تدريجيًا شوطًا استراتيجيًا كبيرًا بتوقيعها، في 7 أغسطس/آب 2026، اتفاقًا للدفاع المشترك. وقد وُلد هذا الميثاق في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتآكل الضمانات الأمنية الأميركية، وقد يكرّس نشوء هندسة أمنية جديدة أكثر استقلالية في قلب العالم السنّي. ولا شك في أن مكة تشكّل مكانًا بالغ الرمزية لتوقيع ميثاق من هذا النوع. ففي 7 أغسطس/آب 2026، تحوّل قصر الصفا إلى مسرح لحدث قد تكون له تداعيات تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية الإقليمية والآسيوية. ففي هذا القصر المطل على الكعبة، أبرم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تحالفًا سرعان ما أُطلق عليه اسم «ميثاق مكة». ويتجاوز اختيار هذا المكان المقدس مجرد البعد الرمزي الديني. فمن خلال الاتفاق، من حيث المبدأ، على توحيد جزء من قدراتها العسكرية في قلب مهد الإسلام، توجّه أنقرة والرياض وإسلام آباد رسالة سياسية واضحة مفادها أن هذا التحالف يسعى إلى تجاوز المسافات الجغرافية والاختلافات الإثنية ليطرح نفسه ضامنًا جديدًا لاستقرار العالم السنّي. وبعد ثلاثة أسابيع على توقيعه، يبدو معاهدة الدفاع المتبادل أكثر بكثير من مجرد إعلان نوايا دبلوماسي أو اتفاق تقليدي للتعاون العسكري. فالاجتماع الثلاثي الأخير في إسطنبول وإنشاء أمانة عامة دائمة يعكسان إرادة واضحة في مأسسة هذا التحالف. وينص الميثاق على آلية ملزمة للدفاع المشترك، مستوحاة من مبدأ المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، بحيث يُعتبر أي اعتداء مسلح على أحد الأطراف الموقعة اعتداءً على الدول الثلاث. وقد وُلد هذا الالتزام من الحاجة الملحّة إلى مواجهة الأزمات التي ما زالت تهز عام 2026. فمنذ فبراير/شباط، أدّى التصعيد العسكري الذي تشارك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى زيادة هشاشة الشرق الأوسط وممراته البحرية الرئيسية، ما دفع القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في عقائدها الأمنية التقليدية والاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية. ويأتي هذا التحول في سياق عالمي يشهد تغيرات عميقة، ولا سيما مع الانتشار السريع للتكنولوجيات العسكرية الجديدة التي لم تعد حكرًا على القوى الكبرى. الانتقال إلى التنفيذ: إنشاء أمانة عامة في 31 أغسطس/آب، عُقدت في إسطنبول قمة ثلاثية جمعت وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء أركان الجيوش التركية والباكستانية والسعودية، في أول اجتماع من هذا المستوى منذ توقيع الميثاق. وخلال هذا الاجتماع، خطت الدول الثلاث خطوة حاسمة نحو تحويل تحالفها إلى إطار عملي. وفي سبيل مأسسة الاتفاق والتأكيد على الرغبة في جعله أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي، أعلن كبار المسؤولين في الدول الثلاث رسميًا إنشاء أمانة عامة دائمة مقرها الرياض. وسيُعيّن أول أمين عام، وهو من الجنسية الباكستانية، لولاية مدتها ثلاث سنوات. وستتمثل مهمته خصوصًا في تنسيق القدرات المتوافقة تشغيليًا للقوات المسلحة التابعة للدول الثلاث. وبالتوازي، ستُطلق تحركات دبلوماسية لتأكيد الطابع الدفاعي البحت للتحالف أمام القوى الدولية. ومن بين الإجراءات العملية التي تم اعتمادها، آليات تهدف إلى تعزيز مكافحة الإرهاب، وتطوير الإنتاج المشترك للأسلحة، وتسهيل نقل التكنولوجيا العسكرية، وتعزيز قدرة جماعية مشتركة على الردع. أولى خطوات توحيد القدرات العسكرية أكدت باكستان نشر قوة تقليدية قوامها 8 آلاف جندي في المملكة العربية السعودية ضمن إطار منظومة الأمن الجماعي الجديدة التي أرسى قواعدها ميثاق مكة. ويضاف هؤلاء الجنود إلى عدة آلاف من العسكريين الباكستانيين المتمركزين أصلًا في المملكة منذ عقود، بموجب بروتوكولات ثنائية سابقة للمساعدة والتدريب. ولا تزال الأعداد الدقيقة لهذه القوة العسكرية التاريخية الدائمة سرية بحسب وزارتي الدفاع في البلدين. غير أن الانتشار الجديد يمثل تطورًا مهمًا في الوضعية الدفاعية للكتلة، إذ يهدف إلى تعزيز قدرتها على الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية بواسطة وسائل تقليدية حصراً. وفي المقابل، تحتفظ باكستان بالسيطرة السيادية الحصرية على ترسانتها النووية. ويستبعد الاتفاق أي توسيع لمظلتها النووية لتشمل أعضاء الميثاق الآخرين، كما يستبعد دمج قواتها الاستراتيجية ضمن قيادة مشتركة. وتضم القوة الباكستانية المنتشرة قدرات للدفاع الجوي والدعم التكتيكي. وتشمل سربًا من 16 مقاتلة أسرع من الصوت من طراز JF-17 Thunder، وهي طائرة طُورت بصورة مشتركة بين باكستان والصين، ومتمركزة في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في الظهران، في قلب الممر الرئيسي للطاقة في المملكة وبالقرب من منشآت مهمة تابعة لشركة أرامكو السعودية. وتتولى هذه الطائرات مهمات الدفاع الجوي والمراقبة في مواجهة التهديدات التي قد تشكلها الصواريخ أو الطائرات المسيّرة الإيرانية أو تلك الصادرة عن جهات أخرى. وإلى جانب هذه القوة الجوية، نشرت إسلام آباد أيضًا في منطقة الظهران سربين من طائرات الاستطلاع والهجوم المسيّرة، إضافة إلى بطارية من منظومات الصواريخ أرض-جو HQ-9 بعيدة ومتوسطة المدى، مولتها الرياض ويتولى تشغيلها طاقم باكستاني. ومنذ ربيع 2026، نشرت باكستان كذلك في الأراضي السعودية سربين من طائرات المراقبة المسيّرة Shahpar-II وShahpar-III، المرتبطة بمنظومات الدفاع الجوي HQ-9، إضافة إلى طائرات انتحارية مسيّرة بعيدة المدى من بينها D-248. ويُعد HQ-9، أو «الراية الحمراء-9»، منظومة دفاع جوي طورتها الصين، وقادرة على التعامل مع أهداف بعيدة ومتوسطة المدى وعلى ارتفاعات مختلفة. وهي تنتمي إلى الفئة العامة نفسها التي تضم منظومات S-300 وS-400 الروسية ومنظومات الدفاع الجوي الغربية بعيدة المدى. وتعتمد المنظومة على عدة أنواع من الرادارات المخصصة للمراقبة على الارتفاعات العالية والمنخفضة، واكتساب الأهداف وتوجيه الصواريخ. وتعمل الوحدات الباكستانية بالتنسيق مع القوات السعودية لمراقبة أجواء المملكة في الوقت الحقيقي وتعزيز الحماية من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد تُضاف تدريجيًا قدرات أخرى إلى هذه الإمكانات التي جرى توحيدها، بما قد يحوّل ميثاق مكة إلى بنية عسكرية أكثر تكاملًا، قادرة على الرد سريعًا على أي اعتداء يستهدف أحد أعضائها. ومن خلال الجمع بين القدرات المالية الخليجية والخبرة التكنولوجية والصناعية التركية، والصناعات الدفاعية للدول الثلاث، والقوة العسكرية الباكستانية، قد يغيّر هذا التحالف بصورة عميقة موازين القوى الجيوسياسية في المنطقة. وتتمثل طموحاته في تقليص الاعتماد على القوى من خارج المنطقة، مع بناء قدرة ردع موثوقة في مواجهة التوترات المستمرة في الشرق الأوسط. غير أن ثمة ملاحظتين أساسيتين لا بد من إبدائهما. الأولى أن الدول الثلاث الموقعة لا تزال، بدرجات متفاوتة، حليفة للولايات المتحدة، التي يبقى دعمها ضروريًا لكل واحدة منها. وبالتالي، لا يعني الميثاق بالضرورة قطيعة مع واشنطن، بل يعكس بالأحرى سعيًا إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالمصالح الخاصة لكل عضو، والتي قد تكون متباينة أو حتى متعارضة في بعض الأحيان. فباكستان، على سبيل المثال، لديها نزاع ثقيل مع الهند، وقد اقتربت القوتان النوويتان في مناسبات عدة من مواجهة واسعة. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما موقف ميثاق مكة إذا اندلع نزاع بين إسلام آباد ونيودلهي؟ أما تركيا، فلا تواجه في الوقت الراهن تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأراضيها. لكن دعمها لحركة حماس، التي تنظر إليها الرياض بكثير من الحذر، وانخراطها المتزايد في آسيا الوسطى، ووجودها في قبرص وليبيا، ونزاعها التاريخي مع اليونان، فضلًا عن وجودها العسكري في قطر، كلها ملفات قد تضع شريكيها يومًا ما في موقف حرج. ومن هنا تحديدًا، ستُختبر الصلابة الحقيقية لميثاق مكة من خلال قدرته على إدارة هذه المصالح المتباينة أحيانًا. (يتبع)









