شعار Levant Time
العودة إلى المقال
استراتيجيا

البحر الأحمر والقرن الأفريقي: تلاقي المصالح والتنافس الإقليمي (5/6)

صورة للأخبار
تُظهر هذه الصورة، التي التُقطت في 19 أبريل 2023، العاصمة السودانية الخرطوم تحت القصف. وقد حوّلت المعارك بين قوات جنرالين متنافسين، تدعمهما قوى أجنبية ماليًا، السودان إلى ركام، فيما يتعرض السكان لأبشع الفظائع. (فرانس برس)
صورة المؤلف
نُشر نوفمبر 6, 2026 - 12:15

يمثل الأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وبامتداده إلى القرن الأفريقي، مصلحة مشتركة للقوى الإقليمية، ولا سيما مصر والسعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل.

لكن هذه القوى لا تتفق على الأطراف المحلية التي ينبغي أن تتولى تأمين طرق الملاحة البحرية، ولا على سبل الرد على الهجمات، ولا على الدور الذي ينبغي لكل منها أن تضطلع به. وهكذا، قد ترى بعض الأطراف في عملية عسكرية ضرورة، بينما تعدّها أطراف أخرى تصعيدًا. لذا تظل حرية الملاحة هدفًا مشتركًا، لكن سبل ضمانها تبقى موضع خلاف.

يمكن لهذه الدول، التي تجمعها مصالحها الاقتصادية من دون أن تلغي تنافسها السياسي، أن تتعاون في مواجهة تهديد محدد، وفي الوقت نفسه تدعم شركاء متنافسين على ضفاف البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي واليمن.



الرياض وأبوظبي: تمايز لا قطيعة



تشكل العلاقة السعودية الإماراتية أحد أبرز العوامل المؤثرة في تحولات التوازن الإقليمي. ويتقاسم البلدان مصالح أمنية واقتصادية عديدة، لكنهما يختلفان في تصورهما للنفوذ.

تسعى الرياض إلى استقرار يستند إلى سلطات حكومية مركزية معترف بها، بينما تمنح أبوظبي مساحة أكبر لشراكات مرنة ومنظمة مع أطراف حكومية وغير حكومية تمتلك بنى تحتية وإمكانات محددة.

غير أن هذا التباين ليس قاعدة مطلقة. فالسياسات السعودية والإماراتية تتغير بحسب الظروف وتشهد تعديلات عملية، من دون أن يعتمد أي من البلدين الأدوات نفسها في جميع الساحات.


AFP__20261015__D3ET6T6__v2__MidRes__TopshotSaudiYemenUsIsraelIranWar

تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من تسجيلات كاميرات المراقبة هجومًا للحوثيين على مطار أبها الدولي في السعودية، في 7 أكتوبر 2026. وقد تعرضت المملكة لهجمات حوثية متكررة، ما نقل مركز ثقل الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت في فبراير إثر الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. (أ ف ب)

ومع ذلك، يصبح التنافس بينهما ملموسًا حين يسعى شركاؤهما المحليون إلى تحقيق أهداف متعارضة. ففي السودان، على سبيل المثال، تتمحور الخلافات حول الدور الذي ستؤديه كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في المستقبل السياسي للبلاد.

أما في الصومال، فتدور الخلافات حول التوفيق بين سيادة الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي تدعمها السعودية، والعلاقات المباشرة التي تقيمها الإمارات مع السلطات الانفصالية في أرض الصومال.



وفي اليمن، تمحورت الخلافات بين الرياض وأبوظبي حول تنظيم السلطة داخل المعسكر المناهض للحوثيين والقضية الجنوبية، خلال حرب 2015–2022. وتمثل هذه القضية الجنوبية صراعًا سياسيًا مستقلًا عن المواجهة مع الحوثيين. وتعود جذورها إلى توحيد اليمن الشمالي واليمن الجنوبي بالقوة عام 1990، وهي عملية خلّفت شعورًا مستمرًا بالتهميش لدى سكان الجنوب، الذين يطالبون بتمثيل سياسي أفضل وتوزيع أكثر عدلًا للموارد، فيما تطالب بعض الحركات باستعادة دولة جنوبية مستقلة.



وقد شكّل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017 في خضم الحرب بدعم من الإمارات، مكوّنًا رئيسيًا في المشروع الاستقلالي، من دون أن يمثل جميع تطلعات أبناء الجنوب.

ورغم معارضتهما المشتركة للحوثيين، ظل المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية مختلفين بشأن مستقبل البلاد.

أُعلن رسميًا حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع عام 2026، عقب استخدام الحكومة الشرعية والقوات الجوية السعودية القوة العسكرية، لكن المجلس لا يزال قائمًا بحكم الأمر الواقع، ولم تتبدد التطلعات إلى الحكم الذاتي، ولا الخلافات السعودية الإماراتية: فالرياض تعطي الأولوية للحفاظ على يمن موحّد، فيما تدعم أبوظبي قوى جنوبية نافذة في مناطق ساحلية استراتيجية بجنوب شرق البلاد.

AFP__20260115__92UV8ZR__v3__JPEGRetina__YemenGovernmentRegainsControlOfTheSouth



لذلك، يظل مستقبل الجنوب قضية محورية: فلا يمكن لأي تسوية مع الحوثيين أن تضمن سلامًا دائمًا من دون حل سياسي شامل يحدد وضع المناطق الجنوبية ودورها.



لا تجعل هذه الخلافات التعاون بين السعودية والإمارات في مواجهة الحوثيين وفي المنطقة أمرًا مستحيلًا، لكنها تغيّر شروطه: فتفاهمهما لا يقوم بقدر كبير على رؤية إقليمية موحّدة، بل على إدارة مستمرة للخلافات.



في السودان: تدويل الصراع والفاعلون المحليون



تتقاطع في الحرب السودانية تنافسات إقليمية متعددة، لكن لا يمكن تفسيرها من هذه الزاوية وحدها. فالأطراف المحلية المتحاربة تمتلك هياكل سلطة وموارد اقتصادية واستراتيجيات عسكرية خاصة بها. ويسهم الدعم الخارجي في إدامة قدراتها أو تغييرها، من دون أن يلغي استقلالية قرارها.

AFP__20250925__76FP2ZQ__v1__JPEGRetina__TerritorialControlInSudan



يتمثل الخطر الرئيسي في ترسّخ اقتصاد حرب تغذّيه عمليات استغلال الذهب السوداني وتهريبه، فضلًا عن شبكات الإمداد بالأسلحة والذخائر والوقود عبر الحدود.

تتيح السيطرة على مناجم الذهب والطرق التجارية والمعابر الحدودية للقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع الإيرادات والإمكانات اللوجستية اللازمة لمواصلة القتال، رغم كلفته البشرية.



AFP__20230430__33E26QA__v1__JPEGRetina__GoldProductionInSudan

تظل المبادرات الدبلوماسية محدودة الأثر إذا استمرت القوى الإقليمية التي تدعو علنًا إلى السلام في تمويل الأطراف المتحاربة أو تسليحها أو إمدادها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كذلك، لا يعني التمسّك المعلن بوحدة السودان وجود اتفاق على مستقبله السياسي: فالحفاظ على الحدود لا يحسم تقاسم السلطة بين القوات المسلحة السودانية والجماعات المسلحة (1) والممثلين المدنيين، ولا مسألة دمج قوات الدعم السريع أو تفكيكها، ولا مسألة الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية.

لذلك، تتطلب التسوية الدائمة أكثر بكثير من مجرد توافق بين الداعمين الإقليميين للمعسكرين: إذ يجب أن تنهي الشبكات الاقتصادية التي تغذّي الحرب، وتعالج الأسباب السياسية للصراع، وتمنح المجتمع السوداني دورًا فعليًا في تقرير مستقبله.



أرض الصومال: ملتقى نزاعات متعددة



تتجمع حول إقليم أرض الصومال الانفصالي قضايا متمايزة: أولها مطالبته باعتراف يتعارض مع وحدة الأراضي الصومالية، وثانيها سعي أديس أبابا إلى منفذ بحري، وثالثها مصالح المستثمرين في الموانئ. ويزيد تداخل هذه القضايا من حساسية أي مبادرة دبلوماسية.


AFP__20180726__17Y2QD__v1__JPEGRetina__TheAfricanPortsOnTheRedSea


يوفّر ميناء بربرة، الذي تطوّره شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية، إيرادات لأرض الصومال وبديلًا لإثيوبيا عن موانئ جيبوتي. أما بالنسبة إلى الإمارات، فتمثّل بربرة قاعدة ارتكاز لوجستية وأداة للنفوذ الإقليمي.



تتصاعد التوترات حين تنطوي الاتفاقات مع إثيوبيا على اعتراف فعلي بأرض الصومال دولةً مستقلة، أو تنص على إتاحة استخدام ميناء بربرة لأغراض عسكرية.

ترى مقديشو في ذلك مساسًا بسيادتها. وتقلق مصر خصوصًا من طموحات إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري عبر بربرة، بينما تدعم تركيا وحدة الأراضي الصومالية وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات ممتازة مع إثيوبيا.


AFP__20230525__33G82AT__v1__JPEGRetina__SomaliaSSemiAutonomousStateOfPuntland


ومع ذلك، ينبغي، في إطار السعي إلى تخفيف التوترات، التمييز بين امتياز إدارة ميناء والتعاون الأمني وإقامة وجود عسكري، لأن الترتيبات التجارية والالتزامات الأمنية ومسائل الاعتراف لا تترتب عليها الآثار القانونية والسياسية نفسها.



شراكات متقاطعة تحول دون الاستقطاب الثنائي



لا تنقسم المنطقة بوضوح إلى كتلتين. فكما ذُكر أعلاه، تحافظ تركيا على علاقات ممتازة مع كلٍّ من مقديشو وأديس أبابا.

ترتبط الإمارات بعلاقات اقتصادية وثيقة مع مصر، بالتوازي مع تطوير شراكتها مع إثيوبيا. وقد تنافس الرياض أبوظبي في بعض الملفات، وتسعى إلى التنسيق معها في ملفات أخرى.



تشكّل هذه العلاقات المتقاطعة كوابح للتصعيد، إذ ترفع كلفة المواجهة المفتوحة وتُبقي فرص الوساطة قائمة. لكنها قد تؤدي أيضاً إلى سوء فهم عندما تفسّر الأطراف شراكة اقتصادية على أنها ضمان للاصطفاف الاستراتيجي.



تتدخل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين في شبكة العلاقات هذه من دون أن تتحكم في جميع آلياتها. وتسعى واشنطن إلى التنسيق بين شركائها والحد من الأزمات.

كذلك تخدم الترتيبات الأوروبية والآسيوية مصالح أصحابها الخاصة. لذا، لا يتمثل الخطر المباشر بالضرورة في تشكّل كتل جامدة، بل يكمن في تتابع المبادرات المحلية وتصورات التهديد وردود الفعل العسكرية.

فقد يؤدي حادث حدودي أو هجوم بحري أو اتفاق أُسيء تفسيره، مثلاً، إلى ربط أزمات كانت منفصلة حتى ذلك الحين. وعندئذ تصبح إدارة التصورات بأهمية إدارة القدرات نفسها.

(يتبع)

(1) المشهد السوداني بالغ التعقيد، والحرب لا تقتصر على مواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل تشمل أيضاً ميليشيات متحالفة مع الطرفين وأخرى محايدة. والميليشيات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية هي: القوة المشتركة في دارفور التي تضم ثلاث ميليشيات متحالفة، وحركة تحرير السودان، ولواء البراء بن مالك الإسلامي، والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال. في المقابل، تضم الميليشيات المتحالفة مع قوات الدعم السريع الجبهة الثالثة (تمازج) وميليشيات عربية مختلفة (الجنجويد سابقاً في دارفور). وأخيراً، تحافظ فصائل متمردة تاريخية قوية على سيطرتها المستقلة على مناطقها وتلتزم الحياد، ولا سيما الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، جناح عبد العزيز الحلو في جبال النوبة، وحركة تحرير السودان–عبد الواحد، المتمركزة في معاقل حصينة في جبل مرة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

البحر الأحمر والقرن الأفريقي: موقع تركيا (4/6)

بقلم خليل حلو
نُشر نوفمبر 2, 2026 - 18:22
تم التحديث نوفمبر 6, 2026 - 12:20

البحر الأحمر والقرن الأفريقي: تنافسات الخليج وهشاشة الأوضاع الأفريقية (3/6)

بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 29, 2026 - 01:42
تم التحديث نوفمبر 2, 2026 - 12:21

البحر الأحمر والقرن الأفريقي: حالتا السودان وإثيوبيا (2/6)

بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 24, 2026 - 23:36
تم التحديث نوفمبر 3, 2026 - 01:37

البحر الأحمر والقرن الأفريقي: موازين القوى الجديدة في الشرق الأوسط (1/6)

بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 22, 2026 - 14:59
تم التحديث نوفمبر 3, 2026 - 01:37

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (20)

بقلم خليل حلو
نُشر أكتوبر 17, 2026 - 11:42
تم التحديث نوفمبر 3, 2026 - 01:37

المزيد من خليل حلو

عرض الكل

المزيد في استراتيجيا

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل