شعار Levant Time
العودة إلى المقال
اقتصاد

خيانة كينز: حين أصبح الدواء هو الداء

صورة للأخبار
تعرض ساعة الدَّين الوطني الأميركي التابعة لمؤسسة بيترسون في أتلانتا رقمًا هائلًا يبلغ 40 تريليون دولار، في 8 أيلول/سبتمبر 2026. (ديريك وايت / غيتي إيمجز عبر وكالة فرانس برس)
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 19, 2026 - 19:26

نحمّل الدَّين المسؤولية. نراقب تراكُم تريليونات الدولارات من الديون في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وسواها من البلدان الأوروبية، ونتساءل إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا المسار.

 

لكن الدَّين ليس الداء، بل هو أحد أعراضه.

 

أما الداء، فهو تحوّل العجز في الموازنة إلى حالة دائمة.

 

لا بدّ من العودة إلى كينز. لم يتصوّر جون ماينارد كينز العجزَ وسيلةً طبيعية ودائمة للحكم. فقد انطلق في تفكيره أساسًا من مفهوم الدورة الاقتصادية. فعندما ينهار الاقتصاد، ويختفي الاستثمار الخاص، وترتفع البطالة، ويشلّ الخوفُ الشركاتِ والأسر، يتعيّن على الدولة أن تتولّى زمام المبادرة. فتنفق وتستثمر وتقبل بالعجز مؤقتًا. وبالتوازي، يمكن أن تنتهج سياسة نقدية تيسيرًا.

 

كان ذلك دواءً.

 

بمثابة مضادّ حيوي اقتصادي يُعطى حين يكون الجسم مريضًا.

 

لكن المشكلة أننا صرنا نتناول هذا المضادّ الحيوي كل يوم.

 

فالعجز الذي كان يُفترض أن يواجه سنوات الشدّة، ترسّخ في سنوات الرخاء أيضًا. ولم يعد يقتصر على تمويل الحروب والركود الاقتصادي والاستثمارات الكبرى والكوارث، بل بات يغطي كذلك النفقات التشغيلية اليومية للدولة: الإدارات العامة، والمعاشات التقاعدية، والإعانات الاجتماعية، والدفاع، والدعم، والأجهزة البيروقراطية، وأحيانًا هياكل لم يعد أحد يجرؤ على الاعتراض على كلفة الإبقاء عليها.

 

ولأنّه لا بدّ من تمويل الفرق بين ما تنفقه الدولة وما تجبيه، فإنها تلجأ إلى الاقتراض.

 

والآلية في غاية البساطة، تكاد تكون بديهية:

 

عجز، فدَين، ففوائد، فعجز جديد، فدَين جديد.

 

ولوقت طويل، تصمد هذه الآلية. بل إنها تبدو مثالية من الناحية السياسية.

 

فالدَّين يتيح للدولة أن تمنح اليوم من دون أن تجبي فورًا ما يقابل ذلك من أموال. كما يسمح لها بإرضاء الناخبين اليوم، عبر ترحيل جزء من الفاتورة إلى ناخبي المستقبل.

 

هنا يصطدم كينز بمشكلة لم يكن من شأن نظريته أن تعالجها: مشكلة التوقيت في الأنظمة الديمقراطية.

 

أربع سنوات في مواجهة أربعين سنة

 

يُنظر إلى الدَّين على مدى عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة، فيما لا تفكّر الحكومة إلا في الانتخابات المقبلة.

 

في الولايات المتحدة، تفصل أربع سنوات بين الانتخابات الرئاسية، وبينهما تأتي انتخابات منتصف الولاية لتذكّر السلطة بأن الناخبين سيحاسبونها. أما في أوروبا، فتختلف الآلية، لكن القيد يبقى نفسه: لماذا تتحمّل الحكومة اليوم الكلفة السياسية لإصلاح قد لا تظهر ثماره إلا في ظل الحكومة التالية؟

 

إن خفض الإنفاق يثير استياءً فوريًا، وإلغاء إدارة حكومية يواجه مقاومة فورية، وإصلاح نظام التقاعد يُخرج الناس إلى الشوارع على الفور.

 

أما الاقتراض، فلا يكاد يُحدث أي ضجيج.

 

لعلّ هذا هو العيب الحقيقي في الدَّين العام: فهو يفصل، من الناحية السياسية، بين الإنفاق وتسديد كلفته.

 

ومع مرور الوقت، يتمسّك كل طرف بحصّته من الدولة. فالوزارة تدافع عن موازنتها، والإدارة عن عدد موظفيها، والمستفيد عن امتيازاته، والسياسي عن قاعدته الانتخابية. كل ذلك من طبيعة البشر، بل إن كل هذه التصرفات تبدو عقلانية إذا نظرنا كلٍّ منها بمعزل عن سواها.

 

لكن مجموع هذه السلوكيات العقلانية قد يؤدي، على المستوى الجماعي، إلى نتيجة غير عقلانية.

 

لا أحد يريد التضحية، ذا، يأتي الاقتراض.

 

حين يُموَّل الحاضر بالدَّين

 

لكن الديون ليست كلّها سواء.

 

فصحيحٌ أن الدولة التي تقترض لبناء بنية تحتية منتجة تنقل إلى الجيل التالي دَينًا، لكنها تنقل إليه أيضًا أصلًا اقتصاديًا.

 

الدولة التي تقترض لتجاوز كساد اقتصادي حاد، قد تنجح في تجنّب انهيار اقتصادها.

 

لكن حين تقترض الدولة عامًا بعد عام لتغطية نفقاتها الجارية، تتغيّر طبيعة الدَّين.

 

فالجيل التالي يتحمّل عبء الدَّين، من دون أن يحصل بالضرورة على أصل اقتصادي يقابله.

 

وهذا هو الفارق بين دَين الاستثمار ودَين الاستهلاك، الذي فقدناه تدريجيًا.

 

وتبدأ الأرقام الأميركية بإثارة القلق. إذ يقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي (CBO) عجز الموازنة الفدرالية بنحو 1.9 تريليون دولار في عام 2026، أي ما يقارب 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي. أما الدَّين الذي تحمله حمله جهات من خارج الحكومة، فيبلغ نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا للتوقعات الحالية للمكتب، سيواصل ارتفاعه بوتيرة كبيرة خلال العقود المقبلة.

 

لكن الأهم ليس الرقم بحدّ ذاته، بل المسار الذي يسلكه.

 

لكن لا توجد نسبة محدّدة للدَّين العام مقارنةً بحجم الاقتصاد، يؤدي تجاوزها تلقائيًا إلى إفلاس الدولة، سواء أكانت 100% أم 120% أم 150%. واليابان وحدها تكفي لإثبات العكس.

 

السؤال الحقيقي أبسط بكثير: هل ينمو الدَّين، على نحو مستدام، بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على خدمته؟

 

إذا كان الجواب نعم، فستظهر المشكلة عاجلًا أم آجلًا.

 

كان ينبغي للبنان أن يعلّمنا شيئًا

 

نحن اللبنانيين نعرف، للأسف، نهاية هذه القصة.

 

لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة أو فرنسا تشبهان لبنان. فلا مجال للمقارنة بين الهياكل الاقتصادية والعملات والمؤسسات والقدرة على التمويل في هذه البلدان.

 

لكن لبنان يعلّمنا درسًا أوسع نطاقًا.

 

فأزمة الدَّين لا تبدأ يوم التخلّف عن السداد.

 

بل تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، حين يدرك الجميع أن النموذج الاقتصادي يحتاج إلى إصلاح، لكن كلّ طرف يفضّل كسب سنة إضافية.

 

عندها، يجري الاقتراض لتجنّب التضحية. ثم يجري الاقتراض مجددًا، لأن الاقتراض الأول أتاح تحديدًا تجنّب التضحية.

 

وهكذا، يصبح نجاح التمويل، على نحو مفارق، دليلًا على إمكان الاستمرار في النهج نفسه.

 

إلى أن يبدأ المُقرِض بالشكّ.

 

عندها، لا يقول لكم السوق بالضرورة: "لن أقرضكم بعد الآن"، بل يبدأ بالقول: "سأقرضكم، لكن بكلفة أعلى".

 

وهنا تكمن الخطورة.

 

فالمزيد من الدَّين يعني فوائد أكبر، والفوائد الأكبر تفاقم العجز، والعجز يستلزم مزيدًا من الاقتراض.

 

وهكذا، يبدأ الدَّين في توليد دَين جديد.

 

التضحية التي نختارها أم التي تُفرض علينا

 

لا بدّ، إذن، من إعادة هيكلة كلفة الدولة الغربية.

 

ولا تعني كلمة "إعادة الهيكلة" هدم دولة الرعاية الاجتماعية، أو التخلّي عن الفئات الأكثر ضعفًا، أو إلغاء الخدمات العامة الأساسية.

 

بل تعني الاختيار.

 

ما الذي لا غنى عنه؟ وما الذي لم يعد كذلك؟ ما الإدارات التي يمكن دمجها؟ وما الامتيازات التي لم يعد بالإمكان تبريرها؟ وما النفقات التي تهيّئ للمستقبل، وتلك التي لا تخدم سوى الإبقاء على الوضع الراهن؟ وأين يمكن للتكنولوجيا أن تحلّ محلّ هياكل إدارية باتت معقّدة؟

 

والأهم من ذلك: هل كنّا سنقبل ببعض النفقات العامة لو اضطررنا إلى دفع كلفتها فورًا من خلال الضرائب، بدلًا من تمويلها بالدَّين من دون أن نشعر بعبئه؟

 

لقد حان الوقت، استعارةً لتعبير فرنسي قديم، لتقليص حجم الإدارة العامة.

 

ليس لإضعاف الدولة، بل على العكس تمامًا.

 

بل لاستعادة دولة تتمتع من القوة بما يكفي لتتدخّل على نطاق واسع عندما تحلّ الأزمة الحقيقية المقبلة.

 

فإذا كنا نستنفد ذخيرتنا المالية باستمرار، فماذا سيتبقى لنا عندما تحلّ أزمة أخرى شبيهة بأزمة عام 1929، أو أزمة عام 2008، أو جائحة جديدة، أو أزمة أخرى لم يتوقّعها أحد؟

 

هنا تحديدًا تعرّض فكر كينز للخيانة.

 

احتفظنا بدوائه، لكننا نسينا تشخيصه.

 

كان يُفترض أن يكون العجز مضادًا للدورة الاقتصادية، لكنه أصبح هيكليًا.

 

وأصبح الاستثناء قاعدة.

 

أما الأداة التي وُضعت لإنقاذ الاقتصاد في الأوقات العصيبة، فقد باتت تُستخدم في كثير من الأحيان لتجنّب الخيارات الصعبة في الأوقات العادية.

 

لذلك، فالدَّين ليس عدوّنا الحقيقي، بل هو أداة.

 

ويبدأ الخطر حين ينتهي الأمر بمجتمع إلى الاعتقاد بأن هذه الأداة تتيح له إلغاء التضحية.

 

فيمكن تأجيل الإنفاق، وإعادة تمويل الدَّين، وخفض سعر الفائدة، ومواصلة الاقتراض بضع سنوات أخرى.

 

لكن لا يمكن إلغاء الحسابات.

 

وفي نهاية المطاف، يكاد التاريخ يضع الدول أمام الخيار نفسه دائمًا:

 

إما أن تقدّم التضحيات اللازمة حين لا يزال بإمكانها اختيارها، وإما أن تتحمّلها لاحقًا، حين لا يعود أمامها أي خيار.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

بلدان غنية، أمم مثقلة بالديون

بقلم LevantTime .
نُشر أكتوبر 3, 2026 - 23:39
تم التحديث أكتوبر 6, 2026 - 14:45

ماذا لو كان لبنان في سلام؟

بقلم جاك مشعلاني
نُشر أغسطس 4, 2026 - 13:12
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 16:19

سبيس إكس: ولادة أول قوة عظمى مؤسسية في التاريخ؟

بقلم جاك مشعلاني
نُشر يونيو 23, 2026 - 13:25
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 11:46

اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في مرمى النيران الإقليمية

بقلم نايلة عساف
نُشر يونيو 2, 2026 - 10:10
تم التحديث سبتمبر 4, 2026 - 07:23

العاصفة المثالية

بقلم جاك مشعلاني
نُشر مارس 22, 2026 - 19:36
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 03:30

المزيد في اقتصاد

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل