


ما هي السياسة البحرية التي يمكن للبنان تبنيها، أو التي ينبغي عليه اتباعها، ضمن إطار جهوده التنموية؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد من أجل المتوسط في هذا المجال، الذي حلّ محل الشراكة الأورومتوسطية التي أُطلقت في برشلونة؟
اعتمد الاتحاد من أجل المتوسط إطاراً ذا طبيعة «برّية». سواء كان الأمر يتعلق بالتعاون السياسي والأمني لتحديد فضاء مشترك للسلام والاستقرار، أو التعاون الاقتصادي والمالي لبناء منطقة ازدهار مشترك، أو التعاون الثقافي والاجتماعي لتعزيز التفاهم بين الثقافات وتبادل الخبرات بين المجتمعات المدنية، يبقى الهدف إنشاء منطقة ازدهار مشترك ضمن منطقة التجارة الحرة الأورومتوسطية. كل هذا يظل مرتبطاً باليابسة.
إلا أن البحر الأبيض المتوسط هو بحر تحيطه اليابسة، وليس يابسة تفصلها مياه البحر.
ما هي المشاريع البحرية التي يمكن إدراجها في هذا الإطار؟
هناك ثلاثة معايير حاسمة لاختيار الموضوعات وتحديد الأولويات:
– يجب أن يكون البلد قادراً على الانتقال إلى مرحلة التنفيذ دون أن تعيق أي عقبة للسير الطبيعي للدينامية المقترحة.
– التركيز على القطاعات التي توفر عدداً كبيراً من فرص العمل وتتيح إمكانيات للنمو والتطور، بما تعزيز الترقي الاجتماعي.
– إعطاء الأولوية للمشاريع بناءً على أكثر الاحتياجات إلحاحاً، وتشجيع الحوار والتعاون مع الدول الشريكة.
المهام والمشاريع
بعيداً عن الأنشطة التجارية وتلك المتعلقة بالموانئ، تقوم المسؤوليات البحرية للدولة على مجموعة من القدرات السيادية والأمنية: مراقبة الفضاء البحري، حماية المنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE)، مكافحة الأنشطة غير القانونية، تقديم خدمات الإنقاذ في البحر، والوقاية من التلوث. وتعد هذه المهام أساسية للحفاظ على السيادة الوطنية، وضمان الاستقرار الاقتصادي، وحماية المواطنين.
١ – حماية المنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE): يمتلك لبنان منطقة اقتصادية خالصة تبلغ مساحتها حوالي ٢٢,٧٠٠ كيلومتر مربع. وقد ساهم تحديد الحدود البحرية مع إسرائيل (اتفاق ٢٠٢٢) ومع قبرص في توضيح الإطار القانوني، وهو شرط أساسي لأي مراقبة فعّالة. يجب أن تكون مراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة دائمة وفعّالة.
٢ – مراقبة المناطق الساحلية والتحكم بها: يمتد الساحل اللبناني لحوالي ٢٢٥ كم، ويحتضن موانئ تجارية وصيد، ومناطق حضرية مكتظة بالسكان، ومنشآت صناعية وطاقة حساسة. تُعد مراقبة السواحل مسألة أمنية ومدنية في الوقت نفسه.
٣ – مكافحة الأنشطة غير القانونية عبر البحر: يجب على الدولة التصدي لتهريب البضائع، وتجارة المخدرات والأسلحة، بالإضافة الى الهجرة غير الشرعية عبر البحر.
٤ – الإنقاذ البحري وسلامة الملاحة: يضمن لبنان في منطقته المسؤولية أداء مهام البحث والإنقاذ البحري (SAR)، بشكل أساسي من خلال البحرية اللبنانية والدفاع المدني. ويتطلب ذلك تنسيقاً وثيقًا بين البحرية والموانئ وخدمات الطوارئ. كما يجب توفير مركز SAR بحري متكامل وعملي وفق المعايير الدولية.
٥ – التلوث البحري في الأساس ذو منشأ بري: يشمل ذلك تسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة، المكبات الساحلية، الجريان الحضري، التلوث الصناعي، والانسكابات النفطية العرضية في الموانئ. مع إمكانية تطوير استغلال الغاز البحري، أصبحمن الضروري تعزيز خطط الطوارئ لمكافحة التلوث، تحسين إجراءات الوقاية على اليابسة، وضمان تنسيق فعّال بين الجهات المدنية والعسكرية.
٦ – التدريب على المهن البحرية: يشكّل حلقةً أساسية في سلسلة القدرات البحرية الوطنية، فهو شرط لأمان الملاحة، وكفاءة العمليات المينائية واللوجستية، ومصداقية الدولة في أداء مهامها السيادية، فضلاً عن دعم التطور المستقبلي للاقتصاد الأزرق والأنشطة البحرية الاستكشافية (Offshore). ويُعدّ أيضاً مصدراً للانخراط بين المجتمعات وخلق فرص العمل.
المخطط الاستراتيجي
– تحديد إطار وطني للمراقبة البحرية (الساحل و (ZEE.
– تعزيز قدرات الدوريات البحرية البعيدة والوسائل الجوية.
– إنشاء مركز وطني لتنسيق عمليات البحث والإنقاذ البحري (SAR) وفق المعايير الدولية.
– تطوير قدرة وطنية منظمة ومستدامة لمكافحة التلوث البحري.
– إطلاق معهد للمهن البحرية يضم القطاعين المدني والعسكري.
– جعل البحر ركيزة أساسية في استراتيجية السيادة الوطنية وخطة الانتعاش الاقتصادي.
الأولويات الواجب تحديدها
في هذا الإطار العام للسياسة البحرية الواجب تبنيها، يجب على الدولة تحديد بعض الأولويات بشكل واضح وملموس.
١ –إرساء حوكمة بحرية وطنية لضمان تنسيق دائم وفعّال بين جميع الجهات البحرية المدنية والعسكرية.
٢ –نشر إطار وطني للمراقبة البحرية (الساحل و (ZEE لضمان السيادة الفعلية للدولة على مجالها البحري.
٣ –تعزيز مكافحة الأنشطة البحرية غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، وتقليل الخسائر الاقتصادية والمخاطر الأمنية المرتبطة بها.
٤ –بناء قدرة وطنية متكاملة للبحث والإنقاذ البحري (SAR)، لحماية الأرواح في البحر والوفاء بالالتزامات الدولية للبنان.
٥ –تطوير قدرة وطنية لمكافحة التلوث البحري، للوقاية منه وإدارته، خصوصاً في ضوء تطوير الأنشطة البحرية الاستكشافية(Offshore).
٦ –إطلاق معهد لبناني للمهن البحرية وضمان توفر المهارات البحرية اللازمة.
٧ –إدراج البحر في صميم الاستراتيجية الوطنية للانتعاش الاقتصادي؛ وتحويل المجال البحري إلى رافعة للتنمية المستدامة.
مشروع بحري من هذا النوع – الذي بدأ جزئياً في لبنان – يتوافق تماماً مع أولويات الشركاء الدوليين: الأمن والاستقرار الإقليمي في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ مكافحة الأنشطة العابرة للحدود والجريمة المنظمة؛ حماية الأرواح في البحر؛ والحفاظ على البيئة البحرية.
المشروع البحري صٌمم كبرنامج للتعاون المدني–الأمني، ومتوافق مع القانون الدولي والتزامات لبنان المتعددة الأطراف, وهو يجمع بين الحوكمة، والقدرات التشغيلية، والتدريب، والتنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، ودمج المجتمعات. ومن المفترض أن تتمكن مثل هذه الاستراتيجية البحرية اللبنانية من التطور بالتوازي مع ضرورة إعادة إحياء الاتحاد من أجل المتوسط…
اقرأ في نفس الموضوع:
هل يوجد مستقبل بحري للبنان؟ (1)