شعار Levant Time
العودة إلى المقال
اقتصاد

هل يوجد مستقبل بحري للبنان؟ (1)

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم جان باتريك دايراس
نُشر فبراير 16, 2026 - 11:41

هل يمكن للبنان، بفضل مشاريع التعاون متعدد الأطراف التي أُطلقت ضمن الإطار الشامل للاتحاد من أجل المتوسط، أن يصبح ما يستحقه، أي لبنان بحري؟ يتطلب هذا السؤال تفكيراً عميقاً ورؤية شاملة للوضع الذي يعاني منه البلد في هذا الصدد...

«بالنسبة للفرنسيين، البحر هو ما لديهم في ظهورهم عندما ينظرون إلى الشاطئ» (إريك تابارلي). فرنسا دولة بحرية تجهلها. ترجمة هذه الخصوصية إلى واقع سياسي وميزاني ضعيفة. استبدل فرنسا بلبنان. إنها دولة بحرية - وتاريخها يشهد على ذلك - لم تتخذ بعد الخيار السياسي والمؤسسي اللازم. من شأن المشاريع البحرية الموحدة أن تقرب جميع المجتمعات بشكل دائم. لديها المقومات لذلك. وسيكون «الصالح العام» هو المستفيد «الوحيد» منها.

يعود تاريخ لبنان البحري إلى الفينيقيين (3000-500 قبل الميلاد)، وهي فترة الأساس المؤسس للمدن المرفئية (جبيل، صيدا، صور، أرواد)، والأنشطة التجارية مع مصر، قبرص، اليونان، شمال إفريقيا، شبه الجزيرة الإيبيرية، والملاحة في أعالي البحار، وبناء السفن. ساهمت تجارة خشب الأرز، والأرجوان الصوري، والأواني الزجاجية، والحرف اليدوية في ثراء البلاد، مدعومة بساحل لبناني يطل على البحر الأبيض المتوسط الغربي.

منذ عام 500 قبل الميلاد حتى القرن السابع، تطورت الأنشطة البحرية تحت سيطرات مختلفة – الفارسية الأخمينية، اليونانية، الرومانية والبيزنطية. استخدم الرومان وطوروا القواعد البحرية بشكل خاص. أتاحت القدرات التجارية واللوجستية التي قدمتها هذه القواعد إقامة اتصالات مع طرق التجارة للإمبراطورية. في هذه الفترة، تم إنشاء القانون البحري. على الرغم من عدم سيادته، كان لبنان قطباً بحرياً في ذلك الوقت.

من القرن السابع إلى القرن الخامس عشر، وهي فترة طويلة من العصور الوسطى والإسلامية، كانت موانئ طرابلس وبيروت وصيدا وصور تتمتع بنشاط كبير مع حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله. خلال الحروب الصليبية، كانت هذه الموانئ نقاطاً استراتيجية؛ وقد تركت التحصينات الساحلية آثاراً لا تزال مرئية. جعل التنافس البحري بين القوى الإسلامية والمسيحية لبنان منطقة للتبادل والمواجهات العسكرية على حد سواء.

خلال الفترة العثمانية من القرن الخامس عشر حتى مطلع القرن العشرين، ظلت الموانئ نشطة على الرغم من فقدان أهميتها. تميزت بيروت وحدها ووفّرت نقطة اتصال مع دمشق وحلب وجنوب أوروبا.

في القرن العشرين، تحدّثت بيروت وأصبحت مركزاً إقليمياً. تطورت التجارة البحرية.

لكن يبقى أن لبنان الحديث لم يُحدث تحوله البحري. يعتمد البلد بشدة على الإمدادات البحرية لمعظم تجارته وإمداداته. ومع ذلك، فإن غياب أسطول تجاري خاص به، وقدرات بحرية محدودة، ومراقبة غير كافية للمناطق المحيطة لا تسمح له بأن يرقى إلى مستوى تاريخه البحري وإمكانياته واحتياجاته.

ومع ذلك، كم من الآمال يمكن تحقيقها بفضل البحر. تم توقيع الاتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE) مع إسرائيل، ثم مع قبرص؛ وهي تسمح بتصور استغلال الموارد البحرية بأمان. لبنان بلد بحري؛ وقد حان الوقت لكي تصبح هذه الدولة البحرية قادرة على استغلال إمكاناتها.

التحديات البحرية للبنان

تتوقف تحديات الوجهة البحرية لبلد الأرز على عدة عوامل أهملتها السلطة لفترة طويلة جداً.

السيادة والأمن البحريان، وهما تحديان رئيسيان لمراقبة المياه الإقليمية، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والحدود البحرية، وكذلك لمكافحة التهديدات العسكرية، والاتجار غير المشروع، والصيد غير القانوني، لا يحظيان بدعم كبير.

بالإضافة إلى ذلك، يعاني لبنان من اعتماد بحري حرج: 80 إلى 90% من الواردات تمر عبر البحر؛ وميناء بيروت الحيوي في وضع ضعيف منذ أغسطس 2020 - إعادة إعمار بطيئة وحوكمة محل نزاع؛ وميناء طرابلس، وهو مركز بديل، غير مستغل بالقدر الكافي، وقريب جداً من سوريا؛ بينما تقتصر وظائف صيدا وصور على النطاق الإقليمي. التحدي تقني ومؤسسي وسياسي.

على صعيد الموارد البحرية (الأوفشور)، الأمل حقيقي ولكنه طويل الأمد. الإمكانيات غير مؤكدة وتعتمد على الشركات الأجنبية، بينما يجب تحديد وضمان أمن المنشآت وجاذبية المستثمرين والإطار القانوني والاستقرار السياسي. لن يكون الاستغلال مضموناً إلا من خلال قدرات بحرية موثوقة وذات مصداقية.

علاوة على ذلك، فإن مراعاة البيئة (مكافحة التلوث)، ووسائل ضمان السلامة البحرية (الإنقاذ في البحر)، بالإضافة إلى حماية السواحل، أمور لا غنى عنها.

تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن الحوكمة البحرية غير مكتملة: غياب استراتيجية وطنية متكاملة؛ وتعدد الجهات الفاعلة (البحرية اللبنانية، سلطات الموانئ، وزارات النقل والدفاع والبيئة). يبدو واضحاً أن التنسيق الاستراتيجي بين هذه الجهات يجب أن يتم تحسينه.

باختصار، يعاني لبنان من وضع بحري صعب نوعاً ما: ساحل قصير وكثيف، استراتيجية بحرية مجزأة، أسطول تجاري ضعيف جداً، بحرية عسكرية محدودة ودفاعية، لا صناعة بحرية، ولا نفوذ إقليمي.

توجد إمكانيات

يتمتع لبنان بتاريخ بحري جميل وغني، ولكن ما هي الاستراتيجية المتبعة في هذا المجال؟ لا تسمح المفاوضات حول المنطقة الاقتصادية الخالصة بالإجابة على هذا التساؤل. ومع ذلك، فإن الإمكانات موجودة. مالطا وقبرص هما دولتان بحريتان لهما مساحة إقليمية مماثلة للبنان. ومع ذلك، لديهما علم بحري متطور، وتنظيم جذاب، واستراتيجية بحرية طموحة وفعالة. وبذلك يثبتان أن حتى الدول الصغيرة يمكن أن تكون جهات فاعلة بحرية مهمة.

لبنان بحري، هل هو وهم؟

على الرغم من عدم الاستقرار السياسي المزمن، وضعف الاستثمار العام، والاضطرابات الأمنية المتكررة، فإن المقومات التي تسمح للبنان بتطوير وجهته البحرية موجودة بالفعل: موقع جغرافي استثنائي، ساحل تاريخي ذو بنية راسخة، رأس مال بشري، وجالية بحرية محتملة. في هذا السياق، ما هي الاستراتيجية التي يجب وضعها لإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي؟

المقالة التالية: مشاريع بحرية في لبنان، مع الاتحاد من أجل المتوسط؟


مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل