

أعادت التصريحات الإسرائيلية، التي تلوّح بإمكانية مراجعة اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، طرح تساؤلات ملحة حول مدى متانة هذا التفاهم الذي وُصف، منذ إبرامه عام 2022، بأنه آلية استقرار بين بيروت وتل أبيب.
وعلى الرغم من الحرب التدميرية التي انجرّ إليها لبنان عبر "حزب الله"، لا يزال الاتفاق صامداً حتى اللحظة. إلا أن التحولات الجذرية في المشهد الإقليمي، ولا سيما أزمة الطاقة المنبثقة من كباش المحاور الإيراني-الأميركي حول مضيق هرمز، تجعل من التساؤل حول استمرارية الاتفاق أمراً مشروعاً.
وفي هذا السياق، ترى لوري هايتايان، الخبيرة في حوكمة النفط والغاز في الشرق الأوسط ومديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية (NRGI)، أن «التهديدات الإسرائيلية تندرج في إطار الضغط السياسي أكثر مما هي استراتيجية قطيعة فعلية». وتستبعد هايتايان احتمال إلغاء الاتفاق البحري، حتى في ظل انخراط لبنان حالياً في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل، وبالتوازي مع مبادرات مماثلة مرتقبة ضمن "اتفاقات أبراهام" بين دول عربية والدولة العبرية، برعاية أميركية مستمرة. واعتبرت أن خطوة كهذه ستكون «غير منسجمة» مع مسار المفاوضات المباشرة، خصوصاً وأن واشنطن لعبت دوراً محورياً في انتزاع اتفاق 2022 الذي جاء ثمرة وساطة شاقة استمرت عامين.
وتذكّر هايتايان بأن «المفاوضات انطلقت عام 2020 تحت مظلة إدارة ترامب، قبل أن تستكمل في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، الذي عين آموس هوكشتاين وسيطاً». وقد أثمرت جهود الأخير المكثفة اتفاقاً وُقّع في تشرين الأول 2022 في ظل حكومة يائير لابيد. وحينها، توعد بنيامين نتنياهو، الذي كان في صفوف المعارضة، بإلغاء الاتفاق في حال عودته إلى السلطة؛ إلا أنه وبعد فوزه في الانتخابات التي تلت التوقيع بأسابيع قليلة، اختار في نهاية المطاف الحفاظ عليه.
قراءات متضاربة
ومع ذلك، لا يزال الاتفاق مادة لتأويلات متباينة، سواء في لبنان أو في إسرائيل، بشأن توازنه القانوني والسياسي.
وتذكّر لوري هايتايان أن «لبنان كان يمتلك حججاً قانونية صلبة تمكّنه من المطالبة بمنطقة بحرية أوسع، بالاستناد إلى القانون الدولي وآليات الأمم المتحدة، والتي تحدد المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية عند الخط 29».
هذا الخط، الذي حظي بدعم العديد من الخبراء، لا سيما المفاوضين العسكريين اللبنانيين في المحادثات مع إسرائيل، كان من شأنه أن يوسّع نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة التي يطالب بها لبنان. وينطلق هذا الخط من رأس الناقورة، ويمنح لبنان الحق في مساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً؛ وهو ترسيم وثّقه المكتب الهيدروغرافي البريطاني عام 2011 في تقرير يستند إلى حُجج قانونية مفصلة.
ورغم ذلك، فإن هذه المطالبة لم تودعها الدولة اللبنانية رسمياً لدى الأمم المتحدة. وعندما تولت السلطة السياسية، متمثلة تحديداً برئيس مجلس النواب نبيه بري (الذي قاد المفاوضات في ظل غياب رئيس للجمهورية وحكومة أصيلة في لبنان)، إدارة المحادثات بدلاً من الجيش، انتهى الأمر بلبنان إلى اعتماد الخط 23 لحدوده البحرية. وينطلق هذا الخط أيضاً من رأس الناقورة، لكنه كلّف لبنان خسارة 860 كيلومتراً مربعاً، فضلاً عن حقل "كاريش" للغاز. وبناءً على ذلك، فإن هذا الخط هو الذي سجّله لبنان لدى الأمم المتحدة، وشكّل الركيزة الأساسية لاتفاق عام 2022.
وتشير الخبيرة إلى أن «المفاوضين اللبنانيين اعتبروا آنذاك أن هذا الترسيم يمثّل أفضل تسوية ممكنة»، وهو تفسير لا يزال يثير جدلاً في لبنان حتى يومنا هذا.
في المقابل، اعتبرت إسرائيل بدورها أنها قدمت تنازلات جوهرية. وفي المحصلة، لا تزال هناك قراءتان مختلفتان تسيران بالتوازي، دون أي التقاء حول تفسير التوازن النهائي للاتفاق.
دينامية سلام محتملة
في فرضية التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، ترجّح لوري هايتايان منطق الاستمرارية على إعادة النظر في الإطار القائم.
وفقاً للخبيرة، فإن أي اتفاق سلام محتمل بين بيروت وتل أبيب «لن يغيّر بالضرورة اتفاق ترسيم الحدود البحرية المبرم سابقاً»، بل على العكس، يمكن أن يشكّل ركيزة لتعاون مستقبلي في مجال الطاقة.
وإذا كان بقاء الاتفاق سارياً منذ سنوات يعطي انطباعاً بالاستقرار، إلا أنه يبدو استقراراً هشاً. وهنا تلفت هايتايان إلى أنه «إذا قررت إسرائيل إعادة النظر في الاتفاق، فبإمكان لبنان إعادة تفعيل بعض مطالبه القانونية، لا سيما تلك المتعلقة بالخط 29، بالاستناد إلى القانون الدولي والأمم المتحدة».
وفي سياق متصل، تطرقت هايتايان إلى إمكانية قيام مشاريع تشارك فيها شركات دولية ناشطة في المنطقة، مستشهدة بشركة "إيني" (ENI) الإيطالية كمثال؛ حيث أوضحت أن «لدى شركة إيني خطة لتطوير مشاريع التنقيب عن الغاز في قبرص عبر بنى تحتية واقعة في مصر بهدف خفض التكاليف».
إن نماذج إقليمية كهذه قد تلهم، على المدى الطويل، تعاوناً مستقبلياً في مجال الطاقة، يتبلور تبعاً لطبيعة الاتفاقات السياسية.
ومع ذلك، تؤكد هايتايان أن «الديناميات الداخلية في لبنان لا تزال مشتتة، وأن المسارات المستقبلية تعتمد على الخيارات السيادية بقدر اعتمادها على الضغوط الدولية».
وتذكّر بأن «العوائد الاقتصادية المرجوة للبنان لم تتبلور بعد، لا سيما جراء تداعيات حرب عام 2023»، مشيرة إلى أن ملف الطاقة يبقى مرتبطاً بأهداف التنمية.
وفي هذا الإطار، تشدّد لوري هايتايان على ضرورة «أن يضع لبنان استراتيجية واضحة لتطوير موارده من النفط والغاز، خصوصاً في جنوب البلاد»، وفق رؤية تتجاوز مجرد استخراج موارد الطاقة لتشمل تحقيق الاستقرار والتنمية الإقليمية.
بين المنطق الأمني والاقتصادي والمؤسساتي
بيد أن أولويات مختلف الأطراف الضالعة في هذا الملف تبدو متباينة؛ فبحسب هايتايان، «تمنح الولايات المتحدة الأولوية للجانب الاقتصادي، بينما تركز إسرائيل على البعد الأمني، في حين يتعين على لبنان محاولة الجمع بين هذين البعدين».
كذلك، تشدّد الخبيرة على ضرورة «أن تقود الدولة اللبنانية مفاوضات (السلام) حصراً ضمن إطار مؤسساتي واضح». وترى أنه من الضروري ألّا يكون "حزب الله" ضالعاً بشكل غير مباشر في المحادثات، كما حصل في نقاشات اتفاق عام 2022، «نظراً للتنازلات التي قدمها بشأن حقل كاريش». يذكر أن جزءاً من هذا الحقل يقع ضمن مساحة الـ 1430 كيلومتراً مربعاً التي يحدها الخط 29، والتي كان الخبراء العسكريون يطالبون بها قبل أن تتنازل عنها السلطة السياسية.
قطاع طاقة قيد التبلور
يحتضن لبنان اليوم عدة شركات دولية ملتزمة بعقود استكشاف في البلوكات البحرية (offshore)، ومن بينها "توتال إنيرجيز" و"قطر للطاقة" و"إيني". ومع ذلك، لا تزال النتائج محدودة، ولم يُسجل بعد أي تقدم ملموس على صعيد الاكتشافات القابلة للاستخراج التجاري، لا سيما في البلوك رقم 9 من حقل "قانا" الواقع شمال الخط 23.
وتلاحظ هايتايان أن «هذه الأطراف الدولية تعمل وفق استراتيجيات عالمية، لا يحلّ فيها لبنان دائماً كأولوية ملحة».
في هذا السياق يبرز تنويع الشراكات في قطاع الطاقة كأحد التحديات الأساسية أمام لبنان. وتؤكد هايتايان أن «التحدي الأساسي يكمن في جذب الشركات الأميركية»، وهو هدف قد تسهم المفاوضات المباشرة الجارية بين تل أبيب وبيروت في تسهيله.
مضيق هرمز
تضيف التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز بُعداً جيواستراتيجياً إضافياً إلى ديناميات الطاقة في المنطقة.
فما زال هذا الممر المائي يشكّل شرياناً حيوياً لصادرات الغاز لعدد من دول المنطقة، لا سيما دول الخليج، وأي اضطراب في حركته قد يدفع نحو البحث عن مسارات بديلة.
وفي هذا السياق، توضح لوري هايتايان أن «بعض الأطراف، ومنها شركة "قطر للطاقة" الناشطة بالفعل في لبنان، قد تجد نفسها مضطرة لتعديل استراتيجياتها الاستثمارية».
وتشدد الخبيرة على «ضرورة التنسيق المؤسساتي في لبنان، لا سيما بين وزارتي الطاقة والاقتصاد ورئاسة الجمهورية، من أجل بلورة رؤية موحدة في قطاع الطاقة».
وبحسب رأيها، فإن «الاستراتيجية الوطنية بحاجة إلى حسم وتوضيح لتحديد موقع البلاد ضمن الديناميات الإقليمية».
وتلفت هايتايان في هذا الصدد إلى أن «الخطاب يجب أن يكون اقتصادياً بالدرجة الأولى»، خصوصاً تجاه المستثمرين الدوليين، لا سيما الأميركيين منهم، في وقت تبقى فيه المصداقية المؤسساتية والوضوح الاستراتيجي عنصرين حاسمين لجذب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة اللبناني.