

على مدى أكثر من سبعة عقود، شكّل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أحد الأعمدة الأساسية للهياكل الاقتصادية في الولايات المتحدة. وبصفته حارس العملة الاحتياطية العالمية، فهو المؤسسة التي يعتمد عليها السوق للحفاظ على الاستقرار المالي والمصداقية النقدية للبلاد.
لقد لعب دور المقرض الأخير، مع مواصلة مهمة مزدوجة: احتواء التضخم من جهة، ودعم النمو الاقتصادي من جهة أخرى. وعلى مدى معظم هذه الفترة، تم تفويض السياسة النقدية الأمريكية لمسؤولين مستقلين، محميين رسميًا من الضغوط السياسية للسلطتين التنفيذية والتشريعية.
إلا أن هذا الاستقلال لم يكن يومًا مضمونًا دستوريًا. فقد ارتكز على توازن مؤسسي دقيق، اعتبره السوق تدريجيًا أمرًا مفروغًا منه.
هذا التوازن يُختبر اليوم.
لماذا تمثل استقلالية البنك المركزي أهمية تفوق أسعار الفائدة
عادةً ما يركز السوق على ما تفعله البنوك المركزية – رفع أو خفض أسعار الفائدة – بدلاً من التركيز على الأسباب التي تجعل سياساتها موثوقة. غير أن السياسة النقدية لا تحقق أهدافها إلا إذا كانت تحظى بالمصداقية.
تُمكّن هذه المصداقية البنك المركزي من توجيه توقعات الأسواق على المدى الطويل عبر إجراءات قصيرة المدى. وهي تستند إلى مبدأ بسيط وأساسي:يجب أن يكون للبنك المركزي القدرة على اتخاذ القرارات بعيدًا عن المصالح السياسية الآنية.
في الولايات المتحدة، هذا المبدأ محمي منذ اتفاق الخزانة–الاحتياطي الفيدرالي عام 1951، ويعزز بقوانين تنص على أنّه لا يجوز عزل حكّام بنك الاحتياطي الفيدرالي إلا "لسبب وجيه".
في الممارسة العملية، فرض البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نفسه كقلعة تكنوقراطية، ليس لأنه لا يُقهر، بل لأن تحديه كان يكلف كثيرًا على الصعيدين السياسي والقانوني.
هذه الميزة جوهرية، فالسوق لا يكتفي بتقييم القرارات النقدية فحسب، بل يقيم أيضًا مصداقية المؤسسة التي تتخذها.
واليوم، هذه المصداقية تواجه تهديدًا مباشرًا.
السيطرة السياسية على الاحتياطي الفيدرالي أولوية رئاسية
منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، لم يخف دونالد ترامب رغبته في أن يتبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي سياسة أكثر مرونة: خفض أسعار الفائدة لتخفيف أعباء الاقتصاد المثقل بالديون، واعتماد سياسة نقدية تتماشى أكثر مع أولويات السلطة التنفيذية.
كانت التوترات مع جيروم باول (رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي) متوقعة وشديدة. وحتى فترة قريبة، كان السوق يراها مجرد "حركات سياسية".
لكن كانون الثاني 2026 غيّر المعادلة بالكامل.
فتحت وزارة العدل تحقيقًا جنائيًا بحق جيروم باول، بينما وافقت المحكمة العليا الأميركية على النظر في قضية قد تعيد تعريف، أو حتى إلغاء، الحصانات القانونية التي تحمي حكّام بنك الاحتياطي الفيدرالي من العزل الرئاسي.
هذا التحقيق بحق باول مرتبط رسميًا بأعمال تجديد مبنى، لكنه يُفسر على نطاق واسع كخطوة سياسية يمثل تصعيدًا غير مسبوق. فلم يسبق أن تعرض رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي القائم للمساءلة الجنائية على خلفية قراراته النقدية.
الرسالة واضحة: السياسة النقدية الصارمة قد تؤدي الآن إلى عواقب قانونية شخصية. ولم يعد الأمر مجرد ضغط على فرد واحد، بل تحذير لجميع رؤساء وحكام البنك الاحتياطي الفيدرالي الحاليين والمستقبليين.
بالتوازي، في قضية ترامب ضد كوك، ستعيد المحكمة العليا النظر في مبدأ استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي. فقرار يسمح بالعزل التقديري للحكام سيغير جذريًا كيفية عمل البنك، ليس لأسباب أيديولوجية، بل بسبب الحوافز المؤسسية.
فالمصرفي المركزي الذي يدرك أن الاختلاف السياسي قد ينهي مسيرته المهنية سيتصرف بشكل مختلف، ليس ضعفًا، بل وفقًا للمنطق المؤسسي.
خطر الخلافة: ترشيح رئيس متساهل
يضاف من الآن فصاعدًا خطر ثالث: الخلافة.
تنتهي ولاية جيروم باول في منتصف أيار 2026، وأصبح البحث العلني عن خلف له في حد ذاته إشارة للسوق. ففي السياسة النقدية، الأشخاص هم السياسة نفسها.
يتكرر ذكر اسم ريك ريدر، مدير الاستثمارات في الديون العالمية لدى بلاك روك، عند الحديث عن توجه أكثر مرونة وملاءمة للسوق. وهو معروف بواقعتيه وفهمه العميق للأسواق وحسه تجاه خفض أسعار الفائدة بشكل سريع ومبكر.
وترشيحه لرئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي ليس، بحد ذاته، أمرًا سلبيًا.
أدار ريدر نحو 2,400 مليار دولار في استراتيجيات السندات العالمية ومن المحتمل أن يكون الرئيس الأكثر خبرة في الأسواق المالية في تاريخ بنكالاحتياطي الفيدرالي. وتحظى معرفته بآليات الدين وتعقيدات النظام المالي بتقدير واسع.
وتنسجم مواقفه في السياسة النقدية إلى حد كبير مع رغبة ترامب في خفض أسعار الفائدة. وتشير تصريحاته السابقة إلى أنه قد يؤيد التيسير المبكر للسياسة النقدية، ويعمل على تفعيل ميزانية الاحتياطي الفيدرالي لتحقيق أهداف محددة، مثل إعادة توجيه إعادة الاستثمارات نحو السندات المدعومة بالقروض العقارية بدلًا من سندات الخزانة، لدعم إمكانية تملك المنازل.
لكن هذه الصفات التي قد تطمئن الأسواق تحمل في الوقت ذاته مخاطر.
قد يبالغ حاكم حساس لتقلبات السوق في التفاعل مع تقلبات أسعار الأصول، مما يثير المخاوف من سياسة نقدية مفرطة التفاعل. كما أن استخدام الميزانية بشكل مستهدف للتأثير على قطاعات محددة قد يمحو الحدود بين السياسة النقدية والسياسة المالية. وهذه هي تحديدًا الحدود التي تسعى استقلالية البنك المركزي إلى حمايتها.
كما أن المصادقة على الترشيح من قبل مجلس الشيوخ تشكل عقبة كبيرة. فقد يثير الديمقراطيون مخاوف بشأن تضارب المصالح المحتمل مع بلاك روك، وينتقدون نقص خبرة ريدر السابقة في القطاع العام.
أسواق هادئة… وربما أكثر من اللازم
حتى الآن، بقيت الأسواق المالية هادئة بشكل ملحوظ.
تظل تقلبات السندات منخفضة، وتواصل الأسواق المالية، عكس التوقعات الخاصة بتخفيف السياسة النقدية بشكل منظم، بينما يبقى سعر صرف الدولار مستقراً كما لو أن البنية المؤسسية لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لا تزال سليمة.
يخفي هذا الهدوء مخاطر حقيقية.
لا يزال خطر المصداقية مُقلَّلًا من قيمته إلى حد كبير، وقد لا يصمد أمام اختبار الواقع.
لا يقتصر الخطر على مجرد عودة التضخّم، رغم أن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية يشير بالفعل إلى بوادره الأولى. أما الخطر الأعظم فيكمن في أن الآلية التي تثبّت التوقعات التضخمية، أي الاستقلالية المتصورة للبنك المركزي، بدأت تتزعزع.
عندما يحدث ذلك، نادراً ما يكون التعديل تدريجياً. فقد تهبط النهاية القصيرة لمنحنى العائد بفعل وعود التيسير، بينما ترتفع النهاية الطويلة، حيث يطالب المستثمرون بعلاوة أعلى لحيازة أصول مقومة بالدولار في ظل وضع لم تعد فيه السياسة النقدية محمية من التأثير السياسي.
قد تتسارع عملية انخفاض قيمة الدولار على المدى الطويل، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في ارتفاع أسعار الذهب والفضة. كما أن الانخفاض الأخير لمؤشر الدولار بنسبة 5% خلال أسبوعين فقط قد يكون مجرد إشارة تحذيرية مبكرة.
في الوقت نفسه، تتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل بشكل متزايد حول مستوى حرج يبلغ 4.90%. وأي اختراق حاد صعودًا قد يفتح الطريق لإعادة تقييم سريعة نحو 6%-6.5%، وهو ما قد يسبب اضطرابات قوية في أسواق السندات العالمية، والأسواق المالية، وأسواق الصرف.
خاتمة
يمكن للبنك الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه المقبل خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وفي الوقت نفسه التسبب في إعادة تقييم للدولار وسوق السندات، إذا رأى المستثمرون أن المؤسسة قد فقدت درعها المؤسسي.
الخطر الأكبر الذي تواجهه الأسواق اليوم ليس التضخم بحد ذاته، ولا السياسة النقدية، بل تآكل الآلية التي ثبتت توقعات التضخم على مدى أكثر من خمسة وسبعين عامًا: وهي مصداقية بنك مركزي مستقل.
ومتى ما طُعنت هذه المصداقية، يصعب إعادة بنائها.