شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دين

السريانية في التقليد الماروني: أهمية الذاكرة (7/7)

صورة للأخبار
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 27, 2026 - 17:54

إن الليتورجيا المارونية، بوصفها خلاصةً للفنون، هي كنز حيّ. لكن هذا العمل البديع يفقد تماسكه وروحه إذا ما غابت عنه اللغة السريانية. وقد ذكّر البابا بنديكتوس السادس عشر بأن "الكنيسة لا تعيش في الحاضر فحسب، بل تتغذّى من الذاكرة".

 

إن فقدان السريانية يعني نسيان الذاكرة الثانية للكلمات، وتشويه البُنى الموسيقية الخاصة بهذه اللغة، وإفساد فن الأيقونات الذي يتحاور مع النصوص، وتغيير الهندسة المعمارية التي صُمّمت خصيصًا لهذا الطقس، بأناشيده ونصوصه وليتورجيته ولاهوته.

 

إن المحو المتعمّد لهذه الخصائص، بهدف بناء مسيحي مثالي يتجاوز كل الحدود الثقافية، ينطوي في حد ذاته على تناقض. فالمسيحية، إذ تُضفي طابعًا مقدّسًا على الإنسان، بما له من بُعد الروحي المتسامي، تقدّم نفسها بوصفها العقبة الأساسية أمام قيام الإنسان الجديد، الكوني والمُنقطع عن جذوره، الذي تروّج له النزعة التقدّمية الحديثة.

 

الشجرة بلا جذور تموت، كما يقول الكاردينال روبرت سارة(1). وفي هذا السياق، لا يتحدّث القديس يوحنا بولس الثاني عن الحق في الحفاظ على الإرث التاريخي والهوية فحسب، بل عن واجب القيام بذلك أيضًا(2).

 

التقدّم و"الغيريّة"

 

إن الحفاظ على التقليد الليتورجي لا يعني إطلاقًا رفض التقدّم، بل يعني بالأحرى صون لغة وفنّ ورؤية للعالم، والحفاظ على الرابط غير المرئي الذي يصلنا بالأجيال السابقة ويُمهّد الطريق للأجيال المقبلة. فالمستقبل يُبنى على الماضي.

 

لا يتعارض التطوّر والتأثيرات التي تُغني التقليد معه، بل يتكاملان. إن كون الهوية متغيّرة ومتطوّرة لا ينفي وجودها. فالهوية ليست جامدة، بل هي بطبيعتها ديناميّة. وهي تعيد صياغة نفسها باستمرار، كما يقول تشارلز تايلور(3). وهي في آنٍ واحد متطوّرة وتراكمية. ويرى ميشال فوكو(4) أن الهويات تتشكّل وتتطوّر مع تراكم ما يطرأ عليها من إضافات، ومن خلال تفاعلها مع الآخر. لذلك، لا يوجد أي تعارض بين الهوية و"الغيريّة"، ولا شيء يبرّر التخلي عن الإرث بحجّة الانفتاح على الآخر.

 

بعد الحجج القائمة على الإيثار، يتساءل أنصار النزعة العملية عن جدوى الحفاظ على لغة لا يفهمها سوى عدد قليل من الناس. غير أن هذه اللغة لا تختزن الكلمات فحسب، بل تحمل ذاكرة الأجداد، وصوت القديسين، وصدى الصلاة وكلمات يسوع نفسه. وهي تجسّد البُعد الملموس للإرث الذي تشكّل حول الإيمان وفي صميمه.

 

عملية التجريد

 

حين يُفصل الإيمان عن الروحانية والتاريخ والتقليد والإرث واللغة التي يتجسّد فيها، يفقد طابعه الملموس. ويغيب المسيح الحيّ وراء مثال مجرّد يقدّم الأيديولوجيا على الإيمان والتجربة الدينية والوجود.

 

إن فصل الإيمان عن مرتكزه الثقافي يفضي إلى تجريده من سياقه، ما يؤدي إلى تحويله إلى منظومة، ومن ثمّ إلى أيديولوجيا شمولية. فالإيمان ليس كونيًّا بمعنى مجرّد، بل يمكن أن يكتسب طابعًا كونيًّا انطلاقًا من تجلّياته في ثقافات مختلفة. ويشكّل التقليد واقعًا ملموسًا ومحسوسًا يحول دون تحوّل الإيمان إلى مفهوم جامد، أو اختزاله، بتعبير هيغل، إلى مجرّد لحظة من لحظات المفهوم(5).

 

وعندما يتحوّل الإيمان إلى منظومة، يُقنَّن ويُبسَّط ويُغلَق على ذاته، وفقًا لخصائص الأيديولوجيا. وما إن يكفّ عن طرح الأسئلة حتى يصبح دوغمائيًّا بالمعنى المطلق. ويرى سورين كيركغارد أن الإيمان تجربة ذاتية تنطوي على مفارقة، ولا يمكن اختزاله في مفهوم. فالمسيحية لا يمكن اختزالها في عقيدة موضوعية(6). والإيمان الذي يتحوّل إلى منظومة يكون قد خان جوهره بالفعل.

 

الأيديولوجيا والشمولية

 

تتميّز الأيديولوجيا بأنها لا تقبل التشكيك فيها. وتحوّل الإيمان إلى أيديولوجيا يعني انغلاق المنظومة على ذاتها. وتبيّن هانا آرنت(7) أن الشمولية تقوم على منظومة تفسيرية شاملة تدّعي تفسير الواقع برمّته انطلاقًا من مبدأ واحد. وبذلك، تدّعي الكونية، وتنكر الواقع كلما ناقضها. وإذا اقتُلع الإيمان من جذوره، أصبح أكثر عرضةً لهذا الانحراف، لافتقاره إلى ما توفّره الثقافة والتأويل من عناصر توازن.

 

وحين لا يعود هذا الإيمان المجرّد يتقبّل الالتباس أو الفروق الدقيقة، يمضي حتمًا نحو الشمولية. وتتلاشى الحدود الفاصلة بين الدين والسياسة(8)، ما يؤدي إلى انزلاق من الإيمان إلى ما يصفه ماكس شتيرنر بالمنظومة القمعية(9)، وبالتالي الشمولية. فبحسب شتيرنر، ليس الإيمان في حدّ ذاته ما يقمع، بل حويله إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش.

 

أما الإيمان المتجذّر، فيظل منفتحًا ورمزيًّا، دقيقًا في مراعاة الفروق، وقابلًا للتأويل. ويشكّل الحفاظ على التقليد والإرث واللغة عناصرَ أساسيةً تحمي الإيمان من التحوّل إلى أيديولوجيا مجرّدة ومطلقة ومسيّسة وشمولية. ويظل الإيمان متجذّرًا في السرّ والتجسّد والرجاء.

 

وعلى العكس من ذلك، يصبح الإيمان المقتلع من جذوره منغلقًا، وحرفيًّا في فهمه، وأحاديًّا لا يقبل التعدّد، ومطلقًا في أحكامه، ومجرّدًا. أما الإيمان المتجذّر، فيظلّ منفتحًا ورمزيًّا ومتعدّدًا ومتواضعًا ومتجسّدًا. فالإيمان المتجذّر يقابل ادّعاء الشمولية بالتواضع، واليقين بالسرّ، والتجريد بالتجسّد. ولا تعني استعادة الإيمان جذوره الثقافية الانغلاقَ على الهوية، بل هي شرط أساسي للحيلولة دون تحوّله إلى أيديولوجيا.

 

ويُبرَّر التخلّي عن اللغة السريانية لدى الموارنة أحيانًا بالرغبة في الانفتاح على محيطهم وبنزعتهم الكونية، كما يشير الأب يواكيم مبارك(10). وهكذا، تُضفى على الكونية صفة المثال الأعلى. غير أن البابا بنديكتوس السادس عشر يذكّر بأن "توحيد البشرية ليس مهمة سياسية، بل أمل أخروي، وأن تجاهل هويات الشعوب لصهرها في مزيج عالمي خطيئةُ كبرياء، تشبه الخطيئة الواردة في قصة برج بابل في الكتاب المقدّس".

 

(1) - روبرت سارة، مقابلة أجراها معه جان سيفيليا، "لقد تنكّر الغرب لجذوره المسيحية"، في Le Figaro، 14تشرين الأول/أوكتوبر2016.

 

(2) - يوحنا بولس الثاني، Discours à l’Unesco، باريس، 2 حزيران/يونيو 1980، الفقرات 6-14؛ وEcclesia in Europa، الفاتيكان، 28 حزيران/يونيو 2003، الفقرة 120.

 

(3) - تشارلز تايلور، Multiculturalism and the Politics of Recognition، مرجع سابق.

 

(4) - ميشيل فوكو، L’Archéologie du savoir، باريس، غاليمار، 1969، ص 50-60؛ وL’Herméneutique du sujet، دروس أُلقيت في الكوليج دو فرانس (1981-1982)، باريس، غاليمار/سويل، 2001.

 

(5) - فريدريش هيغل، Phénoménologie de l’Esprit، باريس، أوبْييه، 1991، ص 420-430؛ وLa positivité de la religion chrétienne، باريس، منشورات الجامعة الفرنسية (PUF)، 1983.

 

(6) - سورين كيركغور، Crainte et tremblement، موسوعة Universalis، 2015؛ وPost-scriptum définitif et non scientifique، باريس، غاليمار، 1941؛ وL’École du Christianisme، ضمنŒuvres complètes، ترجمة بيار-هنري تيسو وإليز-ماري تيسو، باريس، دار لورانت، 1982.

 

(7) - هانا آرنت، Les Origines du totalitarisme، باريس، غاليمار، 1972، ص 215-220.

 

(8) - يرى إريك فوغلين أن الأيديولوجيات الحديثة تتخذ أشكالًا من "الأديان السياسية"، في كتابهThe New Science of Politics، شيكاغو، مطبعة جامعة شيكاغو، 1952 و1987.

 

(9) - ماكس شتيرنر، L’Unique et sa propriété، باريس، منشورات ريفاج، 1999، ص 45-50.

 

(10) - يواكيم مبارك،Pentalogie Antiochienne / Domaine Maronite، بيروت، الندوة اللبنانية، 1984.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

محورية اللغة السريانية في التقليد الماروني: مكانة الإيمان (6/7)

بقلم أمين جول إسكندر
نُشر أكتوبر 15, 2026 - 14:06
تم التحديث أكتوبر 22, 2026 - 00:08

شابة لبنانية، وترنيمة آرامية، والبابا لاون الرابع عشر في غمرة التأثر

بقلم فادي نون
نُشر أكتوبر 6, 2026 - 14:43
تم التحديث أكتوبر 11, 2026 - 12:56

في فرنسا، يحصد لاون الرابع عشر ما زرعه يوحنا بولس الثاني

بقلم فادي نون
نُشر أكتوبر 1, 2026 - 12:49
تم التحديث أكتوبر 5, 2026 - 00:24

مركزية السريانية في التراث الماروني: مكانة الليتورجيا (5/7)

بقلم أمين جول إسكندر
نُشر سبتمبر 29, 2026 - 13:19
تم التحديث أكتوبر 5, 2026 - 14:36

لبنان ومسيحيو الشرق في صميم زيارة البابا إلى فرنسا

بقلم فادي نون
نُشر سبتمبر 25, 2026 - 19:35
تم التحديث سبتمبر 29, 2026 - 01:34

المزيد من أمين جول إسكندر

عرض الكل

المزيد في دين

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل